الجزء الثاني(مفهوم القوة عند نيتشه)

نيتشه6.jpg

تأثر “إرادة القوة” بداروين وشوبنهور

وتعتبر نظرية نيتشه عن إرادة القوة مزيجا من نظرية داروين عن الصراع من أجل بقاء الأصلح وبين نظرية شوبنهور عن الإرادة. ” فهذا الأخير رأى أنّ الحقيقة النّهائية في الكون هي ” الإرادة” العمياء المكافحة التي تعبّر عن نفسها في جميع الظواهر المحيطة بنا. ورفض بذلك نظرة الماديين وإعتبارهم المادّة هي الحقيقة النهائية، شأنه في ذلك شأن الفلاسفة الألمان الكلاسيكيين مثل كانت وهيجل وفخته الذين ذهبوا إلى أنّ العقل لا المادّة هو تلك الحقيقة النهائيّة، وأن الزمان والمكان والعليّة أمور ذاتية لا موضوعية تتقرّر بالطّريقة التي ينظر بها العقل إلى الحقيقة. ولكن شوبنهور فارق زملاءة من فلاسفة الألمان الكلاسيكيين عند هذا الحد ، وأنكر على عقل الإنسان أو عقل الكون أن يكون هو الفكر أو الذكاء أو أن يسير على القواعد العقليّة المعروفة. ” (24) وبالتالي فالوعي هو سطح قلنا الذي لا نعرف باطنه. وفي هذا الباطن تكمن الإرادة التي تسيّر النشاط الإنساني، ورغبة الإنسان في الحياة هو تعبير عن هذه الإرادة. ” ومن ثم كان من اليسير على نيتشه في ضوء فلسفة الإرادة التي فصلها شوبنهور أن يفيد من التجربة الألمانية الفرنسية في وضع الأساس الذي تقوم عليه فلسفته الخاصة. فالإرادة العامّة ليست هي إرادة الحياة وإنما إرادة القوّة. فكل شيء حي يحاول أن يزيد من قوته بالتّغلب على شيء أخر. إذ “حيثما وجدت شيئا حيا وجدت إرادة القوّة، وحتى في إرادة الخادم. وجدت هنالك الإرادة في أن يكون سيّدا. وليست الضرورة أو الرغبة ولكن حب القوة هو شيطان البشرية. فأنت تعطي الناس كل شيء ممكن- الصّحة والطّعام والمأوى والمتاع، ولكنّهم يكونون ويظلّون غير سعداء متقلّبين ، لأنّ الشيطان ينتظر وينتظر ولا بدّ من أن يرضى” (25).

    أثر نيتشه في الفكر السياسي الحديث

 

     موت الإله والعلمانية في أوروبا

 

ساهم نيتشه في إنتشار الفكر العلماني في القارة الأوروبية، فهو برفضه لفكرة وجود الله ، أثر         في كل العلوم الإنسانية التي باتت ترفض إقامة أي دراسة من منطلق ميتافيزيقي، وهذا ما يؤكّده الدكتور محمّد سلم سعد الله عندما قال أن فلسفة نيتشه “تعد إطلالة فكرية ومعرفية ، وقد أسهمت بشكل واضح المعالم في حقل الفلسفة الأوربية على مدى قرن من الزمن ، ففكرة (موت الإله) النيتشوية أثرت بشكل واسع وكبير في الأوساط الفكرية العالمية بحيث ” لم يعد يوجد في الغرب تيار فكري أو نظرية مهمة ومؤثرة في أي من الحقول المعرفية تقول بوجود (الله) فتيارات الفكر الغربي الرئيسة أو فلسفاته ونظرياته في العلوم الإنسانية وغيرها ذات شخصية علمانية ( Secular ) بالدرجة الأولى ، وهذه الشخصية العلمانية هي التي بدأت تسيطر على الحضارة الغربية ككل منذ عصر النهضة ، وقد أصبحت في عداد البدهيات التي لا تحتاج إلى ذكر.

والثقافة الغربية التي ورثت خطيئة نيتشه بحكمها على (الإله) بالموت ، وانطلقت لتشكيل المشهد الفكري العالمي افترضت أسطورية الأديان ، ثم وهمية المفاهيم والقيم التقليديـة ، وأصبح المعيار الرئيس في عالم خالٍ من الألوهية والمقدسات هو مقدار الفكر(المتفتح) من التخلص من آثار الميتافيزيقيا (المنغلقة) ، التي كانت تسهم في رسم انحدار الإنسان نحو التخلف والجهل ـ حسب نيتشه ، فبموت (الإله) ستسقط المثالية (Idealism) وترتفع العدمية ، وستسمو معالم التجاوز والرفعة والتعالي العدمي الذي يعمل على تجريد القيم العليا من وظيفتها .

لقد قدّم نيتشه للفكر الغربي حلولاً عدة تبدأ من التخلص من هيمنة اللوجوس (Logos) وصولا إلى تمزيق الأقنعة التي تخفي وراءها الزيف ، للوصول إلى اللانظام ، واللاحقيقة ، واللإانسان ، واللإانسجام ، وخلخلة مركزية العقل الأوربي ، وانتهاء باستسلام العقل للاعقلانية الجديدة التي يطرحها نيتشة لأنها ـ كما يرى ـ هي الأضمن لتطور الإنسان وسيادته ، وهي التي ستقوده إلى إرادة العدمية ” فالإنسان يفضل أن تكون له إرادة العدم على أن لا تكون له إرادة بالمرة “.

لقد أراد نيتشة الحطّ من قيمة الميتافيزيقيا للوصول إلى مصارعة الميتافيزيقا ، لكنه انشأ في الوقت نفسه ميتافيزيقا خاصة به اتسمت ببعد الخيال ، والبناء على أسس وهمية ، والتحرر من كل القيم والأخلاق، وعدّ الإله مجرد إبتكار ، إخترعه الإنسان ليقيّد نفسه به ، فعلى الإنسان حسب نيتشه، أن يخلع عنه براءته ويعلن إلحاده ، لانّ الإلحاد يحرر من البـراءة ، وينتصر للغرائز ، ويفجّر إرادة القوة ، وعندما نجحد الإله ،يقول نيتشه ، ننقذ العالم ونصوغ مملكتنا الجديدة”. (26)

ويستمر الباحث في التأكيد على أنّ نيتشه شدّد بإستمرار على ضرورة إلغاء المقدسات فيقول للعالم الغربي: ” إما أن تلغوا مقدساتكم وإما أن تلغوا أنفسكم” ،، ثم يختار طريقه هو بالقول : ” إنّ العدمية هي الكلمة الأخيرة ” ، إنّ كل ما ينتجه العقل من مفاهيم وأنظمة فلسفية وعلمية هو حسب نيتشه مجرد تأويلات وأوهام تتحول تدريجيا إلى أصنام (Idoles) ، وأنّ (إرادة القوة) هي الكفيلة بالتصدي لتلك الأصنام وتحطيمها ، ولا يشكل العالم وفقا لذلك إلاّ مسرحاً تتخذ منه إرادات القوى وسطاً لصراعاتها ، للوصول إلى قوة أكثر قدرة على تفعيل سلطتها ، انطلاقا من قانون التطور المؤدي  حسب نيتشه ـ إلى الخلاص”. (27)

وكما سبق وأشرت أنّ نيتشه في كتابه ” هكذا تكلّم زرادشت ” قال أنّه قد ألّف إنجيلا خامسا على العالم أجمع إتّباعه وبهذا هو قد “بلغ مرحلة (التشريع) عندما أباح لنفسه صياغة إلهٍ جديد يحل محل الإله المقتـول، الذي قتلته عدمية الديانات ، والإله المقتول يصوره نيتشه على أنّه إلهٌ مزيفٌ صنعه الرسل والكهنة والقديسون ، والإله البديل الحقيقي يتجلى في الإنسان الخارق (السوبرمان) بمعنى أنّ نيتشه عَمد إلى تأليه الإنسان وإعطائه دوراً لا يستحقه من انتزاع ملكية السلطة الإلهية ، وأنسنتها للوصول إلى المُبتغى النيتشوي في سيادة الواقع والتحكم فيه” .(28)

الفكر النازي ومعادة السامية

بالإضافة إلى ما قد تقدّم ، علينا التأكيد أنّ أكبر أثر لنيتشه كان على الفكر النازي الذي ساهم في “تغذيته بالحجج السيكولوجية والسلوكيّة. فالبرغم من تعدد التفسيرات لفلسفة نيتشة ومن وضوح ميوله الفرديّة الإستقلاليّة وتمجيده للثقافة الحقيقية وللوحدة الأوروبيّة وخشيته لذلك من تهديد النزعة الوطنيّة لمثله الثقافيّة، إلا أنّ النازيين أعلنوا تبنّيهم لفلسفة نيتشه وإعلاءهم لشأن بعض المعالم الرّئيسيّة فيها. ولا شكّ أنّ هنالك تشابها ملحوظا في بعض الجوانب بين ما نادت به الإشتراكية الوطنية من تعاليم وبين ما أكّده نيتشه من نظرات فلسفية وسياسيّة خاصّة في كتاباته الأخيرة، وفي محاولاته المتكررة لإعادة تقييم القيم السائدة في المجتمع الألماني والأوروبي المعاصر، وكذلك في تنبؤاته بإتجاهات السياسة في القرن العشرين.

وعندما لاحظ أن الأخلاق والدين والسياسة وجوه مترابطة لشيء واحد. من ثم يجب البدأ بإصلاح الأخلاق والدين الذي تعتمد عليه وتتفاعل معه. والأخلاق السّائدة في أوروبا وفي ألمانيا- عند نيتشه- هي أخلاق اليهود. ولهذا نرى نيتشه يجعل من اليهود القوة المهددة للألمان والمقابلة لهم في حياتهم الخاصة والعامّة (29)” . وإن كان نيتشه لم يشارك المعادين لليهود عداءهم ولامهم على مواصلتهم لذلك العداء بإعتبار أنّه” لم يدّعِ معرفته بتفاصيل شخصية الإنسان الأمثل، إلا أنه اعتقد بوجود رفاق له، أو — بعبارة أخرى — إخوة لا يجمعه بهم رباط الدم، لكن لا بد أن يكون فردًا قلبًا وقالبًا، عبقري المستقبل لا ينتمي لجنس معين. ولهذا السبب ولأسباب أخرى كان الاستحواذ النازي على مفهوم «الإنسان الأمثل» وتحريفه ليصبح الجنس المهيمن أمرًا مشينًا في نظر جميع دارسي فلسفة نيتشه. وقد عبَّر نيتشه عن احتقاره للمعادين للسامية ولمن يروِّجون لفكرة تفوُّق الجنس الألماني؛ فالرجل العصري أو الرجل العادي أيًّا كان انتماؤه العرقي الذي يتفاخر به ملعون في نظر نيتشه، الأمر لا يتعدى حلمًا سخيفًا للثقافة المعاصرة يتمكن فيه أي فردٍ منَّا من التفوق على الإبداعات القديمة لشعوب بأسرها فقط إذا حرصنا على أن «نكون أنفسنا»، فمعظم الأفراد أتفه من أن يتوَلَّوا المهمة (كما تردِّد الجموع في فيلم مونتي بايثون الكوميدي «حياة براين» بهتافات: «كلنا أفراد!»)(30) إلا أنّه رأى من ناحية أخرى أن “ألمانيا قد إحتوت على ما يكفي بل أكثر مما يكفي لهضمها من اليهود، وأنه يجب أن تقف هجرتهم إلى ألمانيا ونزوحهم إليها خاصة من الشّرق. ولكن يهمّنا أن نلاحظ أن مجرّد إظهاره العداء بين أخلاقيات اليهود وأخلاق الألمان قد ساعد على تقوية العداء وتعميقه بين العنصر الألماني والعنصر اليهودي. سواء كان ذلك في عصره أو في القرن العشرين عندما حمل هتلر لواء النزاع بين الألمان واليهود. وإن البراءة التي إصطنعها نيتشه في معالجته لمسألة اليهود ومحاولته أحيانا أن يشيد بذكاء اليهود خاصة بذكائهم المالي، لم تحل دون تقدير النازيين للمساهمة التي أسهم بها في الصّراع الذي إحتدم بين النازية والسامية…. ولقد نجح اليهود في نشر أخلاقيات العبيد لأنهم في رأيه خاطبوا غريزة القطيع في الإنسان، فالناس منذ قديم الزمان عاشوا في قطعان مثل الأسرة والإتحادات والمجتمعات والقبائل والشعوب والدول والكنائس ، وأخذ أصحاب السلطة من قديم سواء كانوا أباء أم حكاما أم رجال دين يعملون على ضبط النزوع الإستقلالي عند الأفراد وتثبيط التعبير الحر عنه خشية إزعاج النظام العام السّائد- نظام القطيع والتّبعيّة غير المشروطة له. وساعد اليهود على ذلك ما تكون لدى الإنسان من أثر العيش في قطيع ما ربّى لديه من إحساس بالنّظام أو ما يسمّى ” الضمير الشكلي”. وتهيّأ النّصر لأخلاقيات اليهود كذلك حين تحالفت أيضا مع الدين – دين المسيحية- في نشر أخلاقيات الضعف وتمجيد الرجل الضعيف بين أتباعه. ولقد هاجم لذلك الدين المسيحي الذي يعرفه من بين الأديان، وإتّفق دون أن يدري من هذه الوجهة مع عدوّه اللّدود كارل ماركس. وكما هاجم اليهود والمسيحيّة لهذا الغرض أثنى على الرّومان الذين ما كانوا قبل إعتناقهم المسيحية وتأثرهم باليهود يحسّون بالخطيئة ووخز الضمير عند تعبيرهم عن الروح المستقلّة وإرادة الإستقلال. فالمسيح أو بولس وجد حوله حياة عامة الناس في الإقليم الروماني حياة متواضعة فاضلة مضطهدة، ففسّرها ووضع أعلى مغزى وقيمة فيها- وبهذا وضع الشجاعة لإزدراء كل طريق اخر للحياة والتّعصب الهادىء عند أهل مورافيا والثّقة بالنّفس السّرية الخفية التي تستمر في الإزدياد حتّى تصبح في النهاية مستعدّة ” لتقهر العالم” ( أي روما والطبقات العليا في جميع أرجاء الإمبراطورية)”. (31)

كما وإنتقد نيتشه بعض الأحزاب السياسية في أوروبا خاصة الأحزاب ذات الطابع الإشتراكي والديمقراطي، “فالإشتراكية والديمقراطيّة بالنّسبة له تربيان الناس على العيش كالقطيع ” وعدّد من بين هذه النّظم الحركة الديمقراطيّة التي رأى أنّها ” ميراث الحركة المسيحيّة” والحركة الإشتراكيّة التي تطالب ” بمجتمع حر” والتي يؤمن دعاتها ” بالجماعة كمنقذ وبالقطيع ومن ثم بأنفسهم” ويؤمنون كذلك ” بالأخلاق التي تقوم على التّعاطف المتبادل كأنها هي الأخلاق في ذاتها والقمّة التي بلغتها الإنسانيّة والأمل الوحيد للمستقبل وعزاء الحاضر والمحرر العظيم من كل إلتزامات الماضي”. (32)

وإزاء إنتشار الدّعوات الديموقراطيّة والإشتراكيّة، “يتمثّل نيتشه الخطر الذي يكمن فيها على مستقبل أوروبا بل على مستقبل الإنسان نفسه، ويعاني الألام النفسيّة كلّما تصوّر أثار ذلك الخطر على الإنسانيّة. فهو يرى أنّ الديمقراطيّة ليست شكلا منحطا من أشكال التنظيم السياسي وحسب وإنّما هي نموذج منحط افل من الإنسان بما تشتمل عليه من النزول بمواهبه والخفض من قيمته.  كما يرى أنّ الإشتراكيين بمحاولتهم خلق ” إنسان المستقبل” إنّما يخلقون حيوان القطيع الذي لا يحسّ مطلقا أي إستقلال في نفسه عن الجماعة التي ينتسب إليها، وهم بذلك يعملون على نشر الإنحلال بين البشريّة جمعاء. ففي المساواة التي ينشدون تحقيقها قضاء على كل حق للإمتياز والتّفرد”.(33)

Advertisements

1 Comment

  1. العنصرية كانت “حالة سائدة” ، تم بطريقة انتقائية جمع طائفة من الاّراء الفكرية والنظريات الفلسفية من اجل خلق جذور واسس للفكر النازي الذي كان في حقيقة الامر غير ملزم بتسويغ الافكار العنصرية بالاستناد الى نيتشه او هايدغر الخ
    ولكن كان ذلك في إطار صناعة الأيديولوجيا …
    كما اعتقد ان نيتشه قام بمحاولة توصيفية ادبية للواقع الاوروبي الجديد ولم يكن فكر خلاق او ثوري او بمعنى اخر مؤسس لواقع جديد … نيتشه اضاف مفهوم القوة على مفاهيم تصورات شوبنهاور ولا تكاد تجد قيمة مضافة او شيء من الخلق والابتكار في اي شيء اخر باستنثاء الكتابة الأدبية التي كان بارعًا فيها …

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s