فوكو8.jpeg

قراءة في ثورة ماي 1968 الطلابية :: حسام هاب و يوسف الكلاخي

لم يكن ماي شهرا عاديا سنة 1968 ، بل و لم يكن شهرا عاديا في كل تاريخ القرن العشرين . فقد بدأ ذلك العام بداية هادئة تماما و حتى في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا آنذاك ، لم تكن هناك أدنى بادرة تمرد و كان عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية يبدو راسخا إلى أبعد الحدود . فجأة اشتعل العالم بالحلم و كان الطلاب هم النار و النور التحموا بالشارع فانطلق صوت جيل جديد يعلن رفضه لكل شيء : الاستبداد ، القهر ، الاستعباد ، توحش رأس المال ، النفاق الاجتماعي ، و الجمود العقائدي . و من مكسيكو سيتي و بيونس أيرس إلى براغ مرورا بباريس دفعت فكرة البحث عن الغد الأفضل الأجيال إلى الحلم الثوري .
كانت حركة الطلاب في ماي 1968 ثورة من طراز فريد فآلان تورين يعرف الثورة بأنها : ” الاستيلاء بالقوة على الدولة باسم حركة اجتماعية صار لديها القدرة على إثارة الأزمة للدولة ” ، لكن حركة ماي 68 الباريسية التي كانت اجتماعية و ثقافية و سياسية في آن معا ، أعلنت صراحة أن لا مصلحة لها في استلام زمام الدولة ، حيث يعتبرها إغناسيو راموني أحد قادتها ومدير جريدة لوموند : ” ثورة ثقافية بتعابير سياسية ” . أما دانييل كوهن بنديت الطالب الثوري الذي فجرت حادثة تقديمه لمجلس التأديب ثورة الطلاب ، فهو يقول في تحديده لطبيعة حركة ماي 68 : ” إن الحركة التي حدثت في ماي 1968 كانت حركة عالمية ، و عملية تحديث للمجتمع يقودها جيل ما بعد الحرب . فهذا الجيل رأى أن الذين عاشوا الحرب لديهم رؤية منغلقة بالكامل بالنسبة للعالم و المجتمع و الأخلاق ، منغلقة لدرجة العجز عن طرح المستقبل ، و لهذا السبب الوحيد حدث الانفجار … كنا نقول في ماي 1968 إن المستقبل ملك لنا فنحن أفضل بكثير من الجيل السابق ، و ما يزعجنا هو عدم فهمه لأي شيء … كنا نقول اتركونا نقوم بعمل الأشياء، اتركونا نصغها، و سيكون ذلك أفضل و بالطبع في إطار هذه الطريقة لرؤية الأشياء لم يكن المستقبل يخيفنا ” .
هكذا فثورة ماي 68 كانت ثورة من أجل المستقبل ، ثورة أطاحت بكل النفاق الاجتماعي و الأخلاقي و السياسي الذي كان سائدا في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية ، و يتضح هذا بجلاء في شهادات العديد من قادة الحركة ، و على سبيل المثال تقول فلورنس جوتييه : ” أدركت أن القهر كان في المكسيك و الاتحاد السوفياتي و كل مكان … و سرعان ما تناثرت الأفكار الجامدة بفعل نار النقاشات ، فأية معجزة ؟ صار كل شيء منفتحا، و بعد الاستنكار و الخوف بدأت أحب عائلتي الإنسانية، المختلفة و المتباينة، التي لم أكن بحاجة لأنتمي لشيء آخر سواها ” . فجر ماي 68 إذن كل شيء ، و ربما لا نغالي إذا قلنا أن جيل 68 هو الجيل الذي عرى الزيف الإيديولوجي الذي كان سائدا آنذاك في المعسكرين الشرقي و الغربي ، جيل حاول إعادة اكتشاف معنى الحركة الشعبية و البحث عن الوحدة بين المستغلين و المهمشين و المضطهدين ، و الرغبة في فهم النظم الرأسمالية و الإمبريالية و الشيوعية ، فهو جيل حطم الجمود العقائدي و أعاد للإنسانية حريتها المسلوبة .
لم يكن ماي 1968 فرنسيا فقط ، بل كان أوربيا لتأثيراته على بلدان القارة العجوز ، و أمريكيا بخلقه منعرجا إيجابيا للقوى المناهضة لغزو واشنطن للفيتنام ، و عربيا ليشكل لليسار العربي الشبيبي و الطلابي مرجعا و نموذجا في مواجهة أنظمة مستبدة ، كان ماي شهرا من عقد عرف مدا لحركات التحرر و إبداعا لقيادات ثورية ، كما شهد هزائم و انكسارات و إحباطات و تصفيات لزعماء جعلوا من النضال الوطني الأممي هاجسهم السياسي . فحين خرج الطلبة الفرنسيون في مطلع شهر ماي 1968 يحتجون بالحرم الجامعي الفرنسي ، لم يكن أحد يتوقع أن ذلك الفعل الاحتجاجي سيصنع واحدا من أكبر الأحداث في فرنسا القرن العشرين . بدأ الأمر باحتلال ساحة السوربون في الثالث من ماي ، ثم تطور إلى حركة طلابية في عموم فرنسا سينخرط فيها الطلبة و النقابات و رجال السياسة و الفكر ، و بفعل ذلك حدثت ضمن الشهر ذاته معادلات سياسية جديدة في المشهد الفرنسي و الدولي ، مما ولد جدلا فكريا تواصل عبر عقود ليسائل سلم القيم و الأفكار ، على خلفية الاحتجاج ضد النظام السياسي و الاجتماعي و الثقافي ، من أجل إعادة النظر في منظومة التربية و التعليم بشكل بنيوي ، و إفراز العدالة الإجتماعية و إنصاف المرأة و مواجهة جمود الذهنيات ، و من خلال ذلك إعادة النظر في التصورات المرسومة حول الفكر و المجتمع و العالم .
ساهمت حركة ماي 68 في إحداث القطيعة مع الأصولية الإيديولوجية التي كان يعبر عنها آنذاك الحزب الشيوعي الفرنسي ، و تجاوزت الطروحات التقليدية التي كانت تعتبر أن الطبقة العاملة هي وحدها ممثل الطليعة النضالية في كل ثورة مجتمعية ، و استبدلت هذا الشعار بالرهان على فئة الشباب و الطلاب و المثقفين ، و بذلك نقلت التحليل الجدلي من النظرية الكمية التي تراهن على طبقة العمال الواسعة كميا ، إلى النوع ممثلا في الطلبة و الشباب و المثقفين . و قد نجحت هذه التجربة في تحقيق هذا الهدف عمليا لأن منطلق هذه الثورة و معقلها سيكون في جامعات نانتير و السوربون ، و لم يكن في معامل رونو أو مناجم الحديد ، ثم بعد ذلك سيلتحق بهذه المبادرة الطلابية الطليعية جموع العمال التابعين لنقابات س.ج.ت ، المتمردين على قرارات الحزب الشيوعي الفرنسي و تحالفوا مع الطلبة الذين صاروا هم الطليعة الثورية على مستوى القيادة و التوجيه .
وضعت حركة ماي 68 تيارات فكرية عديدة و مؤسسات راسخة تحت مجهر السؤال و النقد العنيف ، لقد قامت هذا الحركة الطلابية ضد أنظمة الجامعة و التعليم المعزولة عن تدفق حركية الواقع ، ضد البنيوية وطابعها المجرد والميتافيزيقي ، ضد الليبرالية الجديدة ، ضد التقاليد العتيقة الموروثة عن القرن 19، و ضد هيبة الأب داخل العائلة وأرباب العمل في المصانع والأساتذة في المدارس والجامعة . و مثلما وقف مفكرون كبار من أمثال : سارتر ، و ميشيل فوكو و جيل دولوز مع حركة ماي 68 ، وقف ضدها مفكرون آخرون أمثال : كلود ليفي ستراوس الذي اعتبرها تمثل طفولية الجماهير ، و ريمون آرون الذي اعتبر الانتفاضة الطلابية دراما اجتماعية و ألح على ضرورة نزع القداسة عنها . هذه الانتفاضة وجدت مرجعيتها الفكرية و الثقافية في كتب مهمة ، من أبرزها كتاب : ” الورثة : الطلاب و الثقافة ” لبيير بورديو و كلود باسرون ، و كتاب سارتر بعنوان : ” العقل الجدلي ” ، و كتاب ريجيس دوبري : ” الثورة في الثورة”، و هربارت ماركوز : ” الإنسان ذو البعد الواحد ” ، و ويليام رايشت : ” الثورة الجنسية ” .
و نحن إذ نستعيد حدث ثورة ماي 1968 اليوم و بعد مرور أربعة و أربعين سنة على اندلاعها سنصوغ نوعا من القراءة التاريخية و الفلسفية لفهم سياقات و ظروف انفجار هذه الحركة الطلابية في فرنسا و العالم ، و نعيد طرح السؤال الجدلي حول تمثلات هذا الحدث في المجتمع الفرنسي و تأثيراته السياسية و الفكرية و الاجتماعية في العالم و خاصة في المغرب ، لأن القيمة الكبرى التي تسم هذه الأحداث هي ما يجعلنا عند كل منعطف تاريخي نتذكر فلسفة ماي 68 و أثرها السياسي و الفكري و القيمي .
لم يكن اندلاع ثورة ماي 1968 بفرنسا بمعزل عن حركة الرفض العالمية التي امتدت من سنة 1964 حتى سنة 1970 ، فقد نمت حركة الرفض في الولايات المتحدة الأمريكية و ذلك تحت تأثير أزمة أخلاقية ذات وجهين سياسي و اجتماعي ، و هما الحرب الإمبريالية الدامية في فيتنام و التمييز العنصري . ففي سنة 1964 أغلقت أبواب الحرم الجامعي في وجه الاجتماعات السياسية لطلاب جامعة بركلي في كاليفورنيا ، الذين كانوا ينادون بالاعتراف بالحقوق المدنية للمواطنين السود ، فما كان منهم إلا أن احتلوا الأبنية الإدارية و بقوا فيها حتى حصلوا على ما يطلبون . ثم جاء تصعيد الحرب في الفيتنام سنة 1965 ليعبئ النفوس في كل الجامعات الأمريكية التي نادى طلابها برفض خدمة العلم ، ثم أعقب ذلك مقتل القس مارتن لوثر كينغ سنة 1968 ليثير هيجان طلاب بركلي ، فقد أقام هؤلاء الحواجز و ألقوا الحجارة و قنابل المولوتوف على رجال الشرطة الذين استعملوا القنابل المسيلة للدموع و تم إعلان حالة الطوارئ .
أما في ألمانيا فقد تشكلت حركة الرفض سنة 1967 عندما قتل طالب على يد رجل شرطة في الثاني من يونيو ، و ذلك أثناء قمع تظاهرة قامت ضد زيارة شاه إيران إلى برلين ، ثم قتل في السنة التالية رودي دو تشكه الملقب برودي الأحمر على يد مناضل مؤيد للنازية يدعى جوزيف باكمان ، و قد انفجرت عندئذ مجابهات غاية في العنف بين الطلاب و الشرطة في مدن ألمانيا الغربية ، و قد تمخض عن هذه الأحداث ولادة الجيش الأحمر على يد أندرياس بادر . هكذا فإن العالم كله شهد حركات الشباب الجامعي الثائر الذين طالبوا بتغيير البنيات القائمة تغييرا جذريا ، ليس في الجامعات فقط بل كذلك في السياسة و الاقتصاد و الثقافة . و قد عمت هذه الحركات معظم بلدان العالم : في إيطاليا ( حيث شهدت الحركات الطلابية ولادة الألوية الحمراء سنة 1970 ) ، و اليابان ( حركة زنكا كورن اليسارية المتطرفة ) ، و تشيكوسلوفاكيا ( دوبتشك يحل محل نوفوتني و يحاول إدخال الحرية في النظام ، فيغزو السوفيات بلاده في غشت 1968) ، و كذلك في البرازيل و الأرجنتين و البيرو و المكسيك ( حيث كان الهياج الطلابي في غاية العنف ) ، أما الصين فهي فريدة من نوعها : إذ أن الدولة هي التي بدأت المعارضة و نظمت الثورة الثقافية سنة 1968 التي نادى بها ماوتسي تونغ سنة 1961 .
في فرنسا ظهرت مشكلة البطالة التي حركت الطلاب و العمال ، خاصة عندما فكرت السلطة سنة 1968 في الحد من عدد الطلاب الذين يدخلون الجامعات ، و إذا أضفنا إلى ذلك عجز الدولة على توفير الشغل للمتخرجين ، أدركنا حقيقة الموجة الرافضة العارمة التي اجتاحت جميع الكليات و المعاهد الجامعية في فرنسا . بيد أن الحركة الرافضة ما لبثت أن تعدت المطالب المباشرة ، و تحولت إلى مناقشة إيديولوجية النظام القائم من الناحية الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية ، هذا النظام الذي عد قاهرا و غريبا عن القيم الإنسانية الحقة . فالطلاب كانوا يرفضون عدة أمور : الكيان الاقتصادي للمجتمع الاستهلاكي الذي يقوم على الاستغلال ، التنظيم الاجتماعي ذو الهيكلة الديمقراطية الواهية القائمة على اختيار النخبة ، و النظام السياسي ذو الحرية المزيفة الذي يخفي القمع البوليسي وراء ظواهر احترام الأنظمة .
أدخلت ثورة ماي 1968 تحولا كبيرا في الإديولوجيا السياسية ، خاصة على صعيد رفض العقلية البوليسية التي تختبئ وراء الديمقراطية المزيفة . فهذه الثورة بدأت إثر عملية قمعية قامت بها الشرطة الفرنسية ضد لجنة فيتنام الوطنية ، فقام الطلبة في 22 مارس 1968 باعتصام في إدارة كلية نانتير للآداب احتجاجا على العقوبات التي طالت أعضاء هذا اللجنة ، و إثر ذلك أصدرت إدارة الكلية القرار بغلقها في 28 مارس . و في 1 ماي انتشرت أخبار مفادها أن إحدى المجموعات اليمينية الفرنسية تستعد للهجوم على كلية نانتير فقام الطلبة اليساريون بالاستعدادات لحمايتها ، و قد عمدت نفس هذه المجموعة على الأرجح إلى حرق مقر المكتب النقابي الطلابي بالسوربون ، فدعا الاتحاد العام لطلبة الآداب يوم 2 ماي إلى اجتماع عام و أدرج ضمن أعماله الدفاع عن الطالب كوهن بنديت مؤسس حركة 22 مارس ، الذي دعي للمثول أمام مجلس التأديب يوم الاثنين 6 ماي إثر قيادته لتحركات يوم 22 مارس .
دعا الاتحاد العام لطلبة فرنسا بالاشتراك مع حركة 22 مارس إلى مظاهرة يوم 6 ماي في السوربون، مما أدى إلى تدخل الشرطة مستعملة القنابل المسيلة للدموع فرد المتظاهرون برمي الحجارة ، و أصبح الحي اللاتيني في حالة حصار لمواجهة آلاف المتظاهرين ، حتى بدا الأمر بداية لحرب العصابات في المدن ، فقد بنيت المتاريس و الحواجز ، و كانت الحصيلة جرح عدد كبير من قوات الشرطة ، و تم إيقاف الطلبة المتمردين . في اليوم الموالي أفرج عن جل الطلبة الذين قبض عليهم و احتفظت الشرطة بأربعة منهم اعتبرهم رفاقهم رهائن عند الحكومة الفرنسية ، فأعلن الأستاذ آلان غيسمار الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي الإضراب العام في جميع الجامعات الفرنسية ، و لخص الطلبة مطالبهم في : استعادة السوربون ، سحب الشرطة من الحرم الجامعي ، و إطلاق سراح الرهائن . في 6 ماي عادت الأحداث لتشتعل و كان هذا هو أعنف يوم في ثورة ماي 68 ، حيث بدأت معركة شرسة بين قوات الأمن و الطلبة ، و كان رد فعل الشرطة عنيفا مما خلف جرح 345 شرطيا و إيقاف 422 طالبا. و في اليوم الموالي نظمت مظاهرة ضخمة في شوارع باريس ضمت حوالي عشرين أو ثلاثين ألف مشارك دون وقوع صدام يذكر مع الشرطة، و قد ساند الرأي العام الطلبة كما ساندهم العمال نظرا للوحشية التي واجهتهم بها الشرطة. و في 9 ماي دخل عمال مصنع ويسكو في إضراب و احتلوه فتم إخلاؤه بالقوة .
كانت ليلة 10 ماي من أعنف ما شهده شهر ماي حتى إنها سميت بليلة المتاريس ، إذ أعد الطلبة مظاهرة أخرى فحاصرتهم قوات الأمن بحضور الصحافة و المصورين ، و رفضت الحكومة إطلاق سراح الموقوفين فكان المأزق حيث بنى الطلبة المتاريس فصدرت الأوامر بالهجوم عليهم مما خلف 367 جريحا . صدمت صور العنف المواطنين فتظاهر يوم 13 ماي الفرنسيون في مظاهرات جمعت داخل باريس ما بين المائتي ألف متظاهر و المليون بحسب التقديرات ، و ما يناهز المليون مواطن في ثلاثين مدينة داخلية و كرست التحام نضال الطلاب بنضال الطبقة العاملة . أعاد رئيس الوزراء جورج بومبيدو فتح السوربون للتخفيف من الأجواء المحتقنة ، لكن الطلبة سرعان ما احتلوها ليعقدوا الاجتماعات و لقاءات اللجان المختلفة التي كانت تعقد طيلة الأيام الموالية . انتشرت شيئا فشيئا ظاهرة الإضرابات العامة في فرنسا مع ما يصاحبها من اعتصامات و احتلال للمصانع ، ففي 15 ماي وقع أول إضراب في مصنع تابع لشركة رونو ، و بالرغم من التراجع الظاهر للنظام الفرنسي الذي أخذ ينهج أسلوب الملاطفة و التفاهم استمرت الاحتجاجات و الاضرابات ، ففي 22 ماي بدأت التحركات الفلاحية تنتشر في الأرياف، و يوم 24 ماي عمت التظاهرات الفلاحية كافة المناطق الفرنسية . يوميا كانت عشرات التظاهرات : عمالية ، طلابية ، فلاحية … ، تنطلق في جميع أنحاء فرنسا ، و تواصل الإضراب في 25 ماي إلى أن شمل عشرة ملايين عامل . في اليوم نفسه ، ابتدأت المفاوضات بين النقابات العمالية و الدولة الفرنسية و انتهت في 27 ماي باتفاق حول تحقيق بعض المطالب الجزئية لصالح العمال ، و لكن بعد هذا الاتفاق ببضع ساعات اضطرت القيادات النقابية إلى التراجع أمام السخط الشديد الذي أظهره العمال عندما علموا بهذا الإتفاق .
يوم 29 ماي اضطر الجنرال ديغول إلى تأجيل اجتماع مجلس الوزراء و غادر باريس ، و في صباح اليوم التالي أعلن عن حل مجلس النواب و إجراء انتخابات جديدة في وقت قريب . منذ بداية يونيو بدأت بعض المصانع تنفذ قرار الاتحاد العام للشغل و هو ( فك الإضراب لعدم عرقلة الانتخابات ) ، لكن قسما هاما من الطبقة العاملة رفض تنفيذ هذا القرار و جرت نضالات عمالية عنيفة جدا حتى أواسط شهر يونيو. أضحت الحركة تقترب من نهايتها بعودة العمال تدريجيا إلى العمل من جديد ، لتنتهي أحداث ثورة ماي 1968 بدخول قوات الأمن إلى كلية السوربون في 16 يونيو لطرد الطلاب الذي كانوا قد احتلوها منذ 13 ماي .
هدفت ثورة ماي 68 إلى تغيير وجه العالم وإعادة بنائه من جديد ، لأنه كما هو عليه منفصل تماما عن أحلام الطلبة ومتناقض مع نفسه . لم تكن هذه الثورة في تمثلات الطلاب مجرد شعارات أو مواقف اجتماعية و سياسية ، و لكن خطوط مرسومة لها أبعادها ومقوماتها ، فهذه التمثلات لم يكن مضمونها الفكري وخلفيتها الثورية وأسبابها الفاعلة نزوة عاطفية أو مرحلية ، أو قوالب شخصية و خاصة ، وإنما تطرح الأسباب نفسها إزاء المواقف العامة و الشاملة التي تخص الإنسان العالمي دون تمييز ، كما اعتبر الطلاب أنهم آخر الفئات الإنسانية إحساسا بالواقع البشري المعاصر و الأكثر استعدادا لإلتقاط مساوئ العصر الحاضر ، لأنهم الجيل الأول الذي لم يمارس الحرب ، و من أجل ذلك تقع عليهم مسؤولية الثورة دون غيرهم من الفئات الإنسانية الأخرى .
اعتبر الطلاب ثورة ماي 68 ثورة جذرية على الأنظمة التقليدية كالرأسمالية و الشيوعية : ” الطلاب نبض هذا العصر ، تخفق في صدورهم أزمته ، ويجأرون بالشكوى من دولهم التي لم تعد تفهم من الحرية إلا شعاراتها ، كما يجأرون من التفاهة التي أصبحت تسود حياتهم وحياة الإنسان عامة ، سواء الذي يعيش في ظل مجتمع رأسمالي أو دولة الرفاهية ، أو الشمولية الشيوعية ، لأن النظريات التقليدية لم تعد قادرة على تبرير نفسها إزاء المنطق الثوري لهذا الجيل ، ولم يعد هذا الجيل مستسلما للفرضيات الطبيعية أو القيم التاريخية ، لأن منطقه الرفض ، وأحلامه الثورة وإمكانياته الثقافة والوعي ” . فالثورة في نظر الطلاب أيضا ليست مرحلة في مضمونها العام ولا هي تعبير عن أهداف سياسية أو ثقافية، وإنما ثورة على النظام ، وعلى الدولة ، وعلى الحياة ، فإذا كانت واجهة الغضب سياسية أو ثقافية فهي في مضمونها حياتية قبل كل شيء ، ونظرة عامة وعلمية للتطور تقودنا إلى التقدير السليم للعوامل التي أثرت في إذلال الإنسان المعاصر عامة .
كما أن ثورة الطلاب اعتبرت نموذجا للرفض والممانعة ، تجلت في رفضهم كذلك للأجوبة التي أصبح يقدمها كل من التاريخ و الفلسفة و الدين والعلم ، فالمشكلة لم تعد محصورة في ماهيتها ولكن في توجيهها، فإذا كانت الفلسفة عاجزة عن الأجوبة والتاريخ كذلك ، و إذا كانت العلوم فارغة باعترافها ، فالمشكلة ليست في الأسئلة وإنما لمن توجه الأسئلة ؟ ولعل هذا هو السبب الرئيسي لاتخاذ موقف الرفض وعدم القبول عند الجيل الغاضب ، حيث يقول أحد زعماء هذا الجيل في جامعة السوربون : ” إن الثورة التي بدأت لم تطرح التساؤل على المجتمع الرأسمالي فقط ، بل المجتمع الصناعي أيضا ، إن مجتمع الاستهلاك يجب أن يؤول إلى الهلاك ويموت ميتة عنيفة ، إنه مجتمع غربة الإنسان لذا يجب أن يزول من التاريخ لأننا نصنع عالما جديدا أصيلا “. ويقول زعيم طلابي آخر : ” لابد من بناء مجتمع جديد كليا ، إننا لا نعرف أي نوع من المجتمعات هو ، ولكننا نتلمسه كلما حثثنا السير في ثورتنا ، فنحن مثلا لا نشارك في الانتخابات لأننا مهتمون بالحركة الثورية البعيدة المدى ” .
فالثورة التي يقودها جيل من الغاضبين ، إنما هي ثورة على النظام الرأسمالي وتحكماته الرهيبة ضد الإنسان وكرامته ، وهذا الجيل و هو يرفض النظام القائم يرفض أيضا جموده العقائدي ، ويتطلع إلى إحياء الرومانسية و النقاء الثوريين ، وقد قفزت إلى أذهان الطلاب جيل بوليفيا وأدغال الفيتنام و الساحة الحمراء ببكين ، و اتخذوا من تشي غيفارا رمزا لهم و للثورة ، لأنه يمثل بنظرهم شاعرية الثورة وقلقها الوجودي وديمومتها ، أما كوبا فإنهم يعتبرونها نموذجا للثورة الدائمة ذات المسحة الشاعرية الخالية من البيروقراطية . لقد انتهى الجيل الغاضب أخيرا إلى أن عالمه الرأسمالي ليس البيت الصالح لسكناه ، حيث طغت المادة على كل شيء وأصبح الإنسان يجري وراء اللذة ، لا من فرط الحيوية ولكن من فرط الخوف على الحياة و من الحياة ، حيث استغنى النظام بسرعة عن المتعة ، وهو يدفع الإنسان نحو المزيد من الإسراع دون أن يجد في سرعته وقتا يسأل فيه إلى أين الغاية و المصير ؟ ومما لاشك فيه أن المجتمع الرأسمالي إنما يبذل المجهود والنشاط المادي والأدبي ، و يوسع في الصناعة لمصلحة فئة من الناس دون الفئات الأخرى ، وهذه الفئة هي التي تملك المصير كله ، مصير الإنسان و الدولة و النظام . يقول هربارت ماركيز صاحب التأثير الأقوى على الطلاب في العالم : ” إن المجتمع الرأسمالي الحديث مجتمع متسلط لأن أجهزة الإنتاج تقرر ليس فقط المهن والمهارات والتصرفات اللازمة اجتماعيا ، بل احتياجات الفرد وأمانيه ، فتمحو بذلك التعارض بين الوجود الخاص والوجود العام ، و بين الاحتياجات الفردية والاحتياجات الاجتماعية “. و قد انتقدت ثورة ماي 68 بشكل عنيف النظام الاستهلاكي الذي يقوم عليه المجتمع الغربي ، حيث رأوا أن ما يقدمه المجتمع الاستهلاكي إلى المفكرين هو الأعمال التافهة أو المشينة ، وهذا مادفع سوفاجو رئيس الاتحاد الطلابي إلى القول : إن ثورة الطلاب هي ثورة مزدوجة : ثورة على الجامعة ، وثورة على المجتمع الذي خلق الجامعة .
ساهمت ثورة ماي 68 في فرنسا خصوصا و أوربا عامة في خلق مناخ فكري وثقافي جديد ، فقد أحدثت قطيعة مع أنماط التفكير التي كانت سائدة آنذاك ، و أعادت التفكير في مجموعة من المفاهيم التي ألغتها الثقافة و الجامعة و المجتمع ، خاصة مفهوم الجسد والجنس والرغبة واللذة ، حتى هناك من يقول أن ثورة ماي 68 ماهي إلا فورة جنسية . كان لثورة ماي أيضا الأثر الكبير في خلق تيارات فكرية في أوربا كالوجودية و البنيوية و التفكيكية ، و أعادت الاعتبار لمفهوم المهمش واللامفكر فيه في الثقافة الغربية ، ومن بين مميزات الثورة كذلك أنها أعادت الاعتبار للجامعة ، فلم تعد وظيفة الجامعة التلقين وحشو الطلبة بالمعارف ، بل أصبحت الجامعة مركز تفكير دائم يتيح النقاش حول أمور في المعرفة ، وحق رفض المجتمع نفسه . فإنتقال المعرفة لا يمكن أن يكون انتقال معرفة متحجرة ، إنه نقد المعارف المكتسبة ، وهو بالتالي نقد غايات الحياة الاقتصادية و الاجتماعية المرتبطة حتما بأشكال المعرفة ، فمن واجب الجامعة أن تساهم في تجديد مستقبل الأمة ، و التعليم العالي يجب أن يساهم تبعا لمقاييسه الخاصة التي تتعارض حتما مع مقاييس المردودية الاقتصادية ، و من هنا وجب بناء نوع جديد من العلاقات بين الجامعة والمجتمع يحفظ تدريجيا حق الجامعة وواجبها في المعارضة والرفض .
هذا التأثير الذي حققته ثورة ماي 68 في فرنسا سياسيا و فكريا و اجتماعيا ، سيجد صداه في المغرب و خاصة في الجامعات عن طريق بروز حركات سياسية فئوية و ليست طبقية تنتمي في أغلبها إلى الحركة الطلابية ، و من أشهرها تلك التي انشقت عن حزب التحرر و الإشتراكية : حركة إلى الأمام ، و المجموعة التي انشقت عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية : منظمة 23 مارس ، و حركة لنخدم الشعب. كما أن رياح أحداث ماي 68 العاصفة سيكون تأثيرها واضحا على شبيبة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حيث عجلت بانتفاضة 30 يوليوز 1972 ، التي أدت إلى التحضير للمؤتمر الإستثنائي للحزب . و يمكن الإشارة إلى أن التقرير الإيديولوجي الذي قدم خلال المؤتمر الإستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975 ، مثل في حينه ثورة فكرية تتجاوب مع الأصداء القائمة من ماي 68 من خلال تجاوز مقرريه للطروحات الدوغمائية المتداولة في تلك الفترة ، و ذلك باعتماده التحليل الأركيولوجي عند مقاربة التاريخ العربي الإسلامي ، أو دعوته إلى تسريع القطائع مع كل أشكال الغموض المنهجي و التشويش الإيديولوجي بمختلف تسمياته و الذي كانت تعرفه الساحة السياسية آنذاك ، و للتذكير فقط فإن مثل هذه المفاهيم الإجرائية الجديدة آنذاك ترجع إلى الفلاسفة الذين كان لهم تأثير وازن على قادة انتفاضة ماي 68، أمثال : فوكو ، و جيل دولوز …
لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر ، بعد مرور أربعة و أربعين سنة على ثورة ماي 68 نستحضرها اليوم بكثير من الأسى على ضياع لحظاتها الجميلة ، نتيجة لغلبة التقليدي و المحافظة على قطاع واسع من شبيبتنا الجامعية التي يدعو المؤتمنون عليها إلى العودة إلى الوراء ، فما أحوجنا اليوم و لو ذهنيا كما يقول عبد الله العروي عند حديثه عن التاريخانية ، أن تستوعب ثقافتنا المغربية – دون أن تمر منها – تجربة تلك الإنتفاضة الموجهة لشباب العالم و التي لن تتكرر مستقبلا .