مفهوم القوة عند نيتشه

جنون نيتشه

 

مفهوم القوة في فكر نيتشه

 

روعة ماضي

د. نجاح رياشي

الفكر السياسي المعاصر

تاريخ:24-11- 2014

كلية الحقوق والعلوم السياسية الفرع الرابع.  M1

 

 

 

مقدمة

القسم الأول: تطور مفهوم القوة وعلاقته بالسياسة( لمحة تاريخية)

الفصل الأول: مفهوم القوة عند اليونان والرومان والرواقيون والمسيحيون

الفصل الثاني: السياسة والقوة في الفكر السياسي المعاصر

الفصل الثالث: حظر القوة في ميثاق الأمم المتّحدة

القسم الثاني: نيتشه فيلسوف القوة

الفصل الأول:  إرادة القوة ومفاهيم أخرى

الفصل الثاني: مقارنة بين إرادة القوة عند نيتشه وفكر كانط

الفصل الثالث:  تأثر إرادة القوة بشوبنهور وداروين

القسم الثالث: أثر نيتشه في الفكر السياسي الحديث

الفصل الأول: موت الإله والعلمانية في أوروبا

الفصل الثاني: الفكر النازي ومعادة السامية

الفصل الثالث: الفاشية واليمين المتطرف

خاتمة

المقدمة

ليس من السهل تعريف القوة في الفكر السياسي الحديث، فمفهوم القوة تطوّر بتطور المجتمعات وطريقة حكمها، كما أنّ المصطلح يأخذ بعدا إيديولجيا عند بعض المفكرين، وهو هدف بحد ذاته عند البعض الأخر. وحتى في الإيديولوجيا ينقسم المفهوم بين المادة والروح، فالماركسيرون أنّ القوّة هدفها الأوّل والأخيرمادي وهو إيصال البروليتاريا إلى الحكم، ثمّ محو الدولة بحدودها ومقوماتها الكلاسيكية، والفكر الإسلامي، على سبيل المثال لا الحصر، يرى أنّ إستعمال القوّة يجب أن يكون لهدف سام/روحي إذ “لطالما انطلقت القوة القرآنية في مسار الهدف الموجهة نحوه هذه القوة الرسالية، فلم تكن متحركة في إطار العنف سوى في حالات نُجُوع ذلك، وقد حلَّ أسلوب الوعظ المحبَّب وحسن الكلمة محلّ القوة في الدعوة في الكثير من الحالات، فكانت الحكمة والموعظة الحسنة هي القاعدة العامَّة، وجهاد القوَّة هو الحالة الإستثناء التي احتاجت الإذن لممارستها”.(1) ولا بدّ من التأكيد هنا على أنّ القوّة لا تعني دوما الدوران في فلك العنف الهمجي، إذ قد تعني إستعمال ما يسميه ماكس فيبر ” القوة الشرعية” وهو حق الدولة في إحتكار العنف على إقليمها لضبط القانون. وبالتالي فالتنافس بين القوى السياسية هو “سعي إلى النفوذ لان الوحدات و المؤسسات السياسية تلجأ إلى المنافسة أو الصراع و الخصومة من أجل فرض نفوذها و السيطرة على الآخرين”.(2) أما بالنّسبة إلى نيتشه، وهو محور إهتمامنا، فالقوّة بنظره هي أساس الحياة، ووحدها تحدد مصير الإنسان ” فالحياة هي “إرادة القوة” ويكتسب الإنسان قيمته من خلال مقدار القوة التي يستطيع تحصيلها والاستيلاء عليها. لأن الحياة تولد على حساب حياة أخرى، والحياة ليست هي البقاء مجرد فحسب، وإنما هي الرغبة في الاقتناء، وهي التغير والصيرورة بلا ثبات”. (3)

لا بد للحديث عن مفهوم القوة في فكر نيتشيه من تناول مفهوم القوة وعلاقتها بالسلطة السياسية منذ عهد فلاسفة اليونان حتى يومنا هذا ، والإشارة إلى مفهوم حظر القوّة في ميثاق الأمم المتّحدة، وإعطاء لمحة عن بعض أفكار نيتشه الأساسية والتي ترتبط بمفهوم القوة بصورة أو بأخرى ، ثم الإشارة إلى تأثير نيتشه على الفكر السياسي المعاصر عبر مقارنته بغيره من الفلاسفة والمفكرين ، وأخيرا تناول قضية تأثير نيتشه في بعض الأحزاب القائمة اليوم. وسأستخدم المنهجين التاريخي والفلسفي في هذا البحث ذلك لأنّ المنهج الأول لن يساهم في تأويل أفكار نيتشه بل سيكتفي بتسجيلها بطريقة منطقية ستاسعد القارىء على فهم وتفسير عقلية نيتشة الفلسلفية والسياسية؛ أما بالنّسبة لإستخدام المنهج الثاني  فهو أمر حتمي وذلك لأنّه من المستحيل فصل الفكر السياسي عن الفكر الفلسفي عند نيتشه، فهذا الأخير بتناوله لموضوع حتمية الصراع بين القوي والضعيف مهّد لفكر سياسي يقوم على مبدأ الصراع في السلطة، وبالتالي إستحقّ نيتشه لقب الفيلسوف السياسي، مثله مثل أفلاطون اليوناني ، وساندلر الأميركي الذي تناول مفهوم العدالة، وتشارلز تايلور الكندي أحد أبرز المفكرين الذين تناولوا مفهوم الجماعنية.

إذا،  ما هي علاقة السياسة بالقوة؟ وما هي أبرز المفاهيم التي تناولها نيتشه؟ بماذا يختلف عن غيره من الفلاسفة السياسيين؟ ما هو مفهوم القوة في كتاباته المختلفة؟ ما هو تأثيره على الفكر التوليتاري؟ وهل ما زالت مبادؤه قائمة اليوم في العملية السياسية- أي عبر الأحزاب السياسية؟

 

 

 

 

 

العلاقة بين السياسة والقوّة ( لمحة تاريخية)

لا يوجد علاقة منهجيّة علميّة محددة بين السّياسة والقوّة، فهذه العلاقة معقّدة تحكمها العلاقات الإجتاعيّة المختلفة  بين البشر وبالتالي فإختلاف أشكال العلاقات الإجتماعية وتطورها يساهم في تطور مفهوم القوّة بإستمرار ” من حيث مصادرها أو مؤثراتها أو كيفية استخدامها كأداة لها مقومات وموجهات سياسية تتحكم في استخدامها” (4). والسياسة هي محاولة تنظيم القوّة ومعرفة كيفية تطبيقها في حياة الناس وقد إهتمّ المفكّرون والإجتماعيّون بدراستها منذ وقت طويل بدء بأفلاطون وحتى يومنا الحالي ، فأفلاطون حاول ” تحديد القوة بأن أدخل عليها الانسجام الفلسفي الفعلي ذاهبا إلى أنه عند سيادة العقل فإن تسلط القوة سوف يزول.

مفهوم القوة عند اليونان والرومان والرواقيون والكتاب المسيحيون
كذلك دعا الرواقيون إلي سيادة القانون الطبيعي ليحدوا من قوة الحكام. أما الكتاب المسيحيون (القديس أوغسطين وغيره) فقد قرروا أن القوة والملكية والعبودية هي من قبيل عقاب الله للناس علي خطاياهم. ورغم ذلك فهنالك من دافع عن التمسك بالقوة، وقد تميز هؤلاء بالابتعاد عن التصورات الميتافيزيقية، تلك التي نادت بإلغاء القوة، وقد ظهر جراء هذه الاختلافات ما يمكن أن نسميه نظريات القوة، تؤيد إحداها القوة السياسية القائمة وتنتقد الأخرى القوة على إحداث تغيير فيها. ويأتي هذا التباين بطبيعة الحال، من اختلاف الظروف التي تسود المجتمعات من وقت لآخر. ونفهم من ذلك أن القوة تتغير مع التغيرات البنائية التي تشهدها المجتمعات في أوضاعها الإقتصادية والإجتماعية والسياسيّة.
نحاول أن نحلل مفهوم القوة ونتسلسل به منذ الفكر اليوناني والروماني القديم، مروراً بعصر النهضة الأوروبية وصولاً به للتحليلات الحديثة المعاصرة. فقد كانت العدالة المحور الذي دارت حوله أبحاث أفلاطون السياسية، وجوهر العدالة عنده هو الفضيلة، وهي عنه المعرفة والتي تحقق الخير الأسمى للدولة وإفرادها علي السواء. فالعدالة عند أفلاطون هي، إذن، أن يخضع الجميع إلي من بيدهم القوة في المجتمع، وعلي ضوء ذلك تعتبر أراء أفلاطون حول العدالة من الإشارات المبكرة إلي ما سمي بعد ذلك في تراث العلوم الاجتماعية بنظرية القوة. فالعدالة عند أفلاطون هي أن يخضع الناس إلي طبقة حاكمة، وهي الطبقة التي تمتلك القوة. كذلك اتخذ أرسطو موقفاً مشابهاً تجاه القوة، وذلك حينما أخذ التصنيف السداسي للحكومات الذي قال به أفلاطون. فالفرضية ذات الأهمية الكبرى عند أرسطو هي أن مقدار القوة والنفوذ عند أعضاء النسق السياسي أنما تقومان علي مقدار الدخل والثروة والمكانة الاجتماعية التي يحتلونها.
أما في بلاد الرومان فقد كانت الإمبراطورية الرومانية منقسمة إلي عدة مقاطعات، يقوم علي كل واحدة منها حاكم روماني له صلاحيات واسعة في الشؤون الإدارية. لذلك فقد أعطي فلاسفة الرومان(سيشرون وبولبيوس) القوة مفهوماً أكثر عمقاً، إذ أنها تمثل الأساس في تأكيد الحق والعدل وإقرارهما في الدولة. وقد ذهب سيشرون إلي أن أفضل دستور للدولة هو الذي يجمع في توازن الأشكال الثلاثة للحكومات وهي الملكية والأرستقراطية والديمقراطية. ولكن رغم ذلك فقد كان الحكم يمارس دائماً بواسطة قلة من الأسر الأرستقراطية التي كانت تتولي السلطة من خلال حكومات الأقلية التي كانت تحكم سواء في روما أو الأقاليم التي تخضع لها.
كذلك بالرغم من إشارة سيشرون إلي وجوب استخدام القوة استخداماً سليماً وقانونياً إلا أن القانون في حد ذاته أن هو إلا شكلاً من أشكال القوة، أو تعبيراً عن علاقات قوة، بل هو أداة لتنظيم هذه القوة. وعلي ذلك فإن الفلاسفة الرومان لم يقننوا إلا ما يمكن أن نسميه بعلاقات القوة علي مستوي الفرد والجماعة والدولة، والتي كانت القوة فيها في يد أقلية علي الدوام ” (5).

 

 

السياسة والقوة في الفكر السياسي المعاصر

أما بالنسبة لمفهوم القوة وعلاقتها بالسّياسة في وقتنا الحالي، فالمفهوم اليوم أصبح يرتبط بمعضلة الأمن الذاتي للدول التي باتت تخشى الفوضوية المنتشرة في العالم اليوم وإحتكار قوى كبرى اللعبة السياسية وبالتالي التحكم بمصائر أنظمة وشعوب. وبالتالي “تضيق خيارات الدّول ولا تجد مفرا من تنمية قدراتها الذاتية بهدف الدفاع عن نفسها في مواجهة الغير، فتبدأ بالتفكير في إتّباع إستراتيجيّة معيّنة للحفاظ على أمنها، وقد تنطوي على بناء قدرات عسكريّة كبيرة ووضع خطط طويلة المدى؛ وقد يكون من ضمن هذه الخطط الدخول في حلف مع دول أخرى لزيادة قوتها، والتفكير بهذه الطريقة التي تعطي أهمية كبيرة للأمن وللقوة يسمّى تفكيرا واقعيا. أي أن ترى العالم كما هو لا كما ينبغي أن يكون” (6) وهو ما أشار إليه ميكيافيللي في كتاباته حين” ميّز الأمور كما هي كائنة (the is) وكما يجب أن تكون (the ought) في السياسة” (7) . وفي الواقعية لا مجال للعاطفة والأخلاق، فالمهم هو حسابات القوة والأمن وتوازناتها. ” وربما كان هذا ما دعا ستالين إلى رفض رأي البابا قائلا: كم لدى البابا من دبابات؟ “(8) وبالتالي فالقوة بمفهومها القديم الحديث هي إجبار الطرف الأخر على الرضوخ، سواء كان ذلك على مستوى الدّول، أو على مستوى الحكام والمحكومين في إطار الدولة الواحدة- أي ممارسة السلطة السياسية الشرعية عبر القانون.

ومقوّمات القوة التي تمتلكها الدولة اليوم لا تختصر بالقوة العسكرية ، فالعامل الجيوبوليتيكي والإستخباراتي والإقتصادي والدبلوماسي والتكنولوجي كلها تساهم في إبراز هذه الدولة على الساحة الدوليّة أو إخماد بريقها. وكدليل على أن القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تنهي حروبا أو تضعف دولا قوة اليابان العسكرية في القرن المنصرم، ” فقوة اليابان العسكرية مكنتها من إحراز إنتصارات على المدى القصير، ولكن في السنين القليلة التي تلت ذلك إستطاعت الولايات المتحدة بسبب قوة إقتصادها أن تبني قوة عسكرية تعادل، ثمّ تتجاوز قدرة اليابان في الباسيفيك، فالإقتصاد إذا يمكن أن يعطي مؤشرا على قدرات الدّولة، وعن نتائج الصراعات التي تخوضها”(9).

وقبل إختتام هذه اللمحة التاريخية عن مفهوم القوة وتطبيقاته المختلفة عبر العملية السياسية، لا بدّ من الإشارة إلى مفهوم حظر القوة في ميثاق الأمم المتّحدة، وهو مفهوم بالغ الأهمية لما له من إلزامية محتّمة على الدوّل الأعضاء في منظمة الأمم المتّحدة.

 مفهوم حظر القوّة في ميثاق الأمم المتّحدة

نصّت “المادّة /2/ من الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة على أنّ العلاقات الدّولية يجب أن تقوم كما يلي:

  • الإمتناع عن التهديد بإستعمال القّوة.
  • الإمتناع عن إستخدام القوّة.
  • الإمتناع عن إستخدام القوّة، والتهديد بها ضد سلامة الأراضي لأيه دولة.
  • الإمتناع عن إستخدام القوّة، والتهديد بها على أي وجه أخر لا يتّفق ومقاصد ” الأمم المتّحدة” (10).

ولكن هناك إستثناءات واردة على مبدأ حظر إستخدام القوة في العلاقات الدّولية، وهي كالتالي:

“أولا: إستخدام القوة الجماعي، من قبل الأمم المتّحدة المستند إلى نصوص الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة.

ثانيا: إستخدام القوة، الجماعي، من قبل المنظمات الإقليميّة الدّولية، تحت إشراف الأمم المتّحدة.

ثالثا: إستخدام القوة، الجماعي، ضدّ دول (المحور) التي كانت أعداء في الحرب العالميّة الثانيّة ، بالإستناد إلى نص الفقرة الأولى من ميثاق الأمم المتّحدة المادّة 107، وإنّ هذا الإستثناء فقد مضمونه بإنضمام تلك الدّول إلى عضوية الأمم المتّحدة.

رابعا: إستخدام القوّة في حالات الدفاع عن النّفس، إستنادا لنص المادّة 51 من الميثاق “(11).

 

نيتشه فيلسوف القوة

إرادة القوة ومفاهيم أخرى

بعد إعطاء لمحة تاريخية عن مفهوم القوة وتطوّره عبر العصور حتى وصوله إلى الشكل الذي هو عليه في وقتنا الحالي، بات من الضروري البدء بالحديث عن فيلسوف القوة نيتشه الذي يرى أنّ منطق القوّة هو ” الحقيقة التي يؤمن بها الإنسان الأعلى” (12). وبالتّالي، فالقوّة هي أساس الحياة عند نيتشه، كما هو صراع الطبقات عند ماركس، أو السعي من أجل الفضيلة في الأديان. أما أهم الأفكار التي تناولها نيتشه والتي ترتبط بمفهوم القوة بصورة أو بأخرى فهي كالتالي:

الفكر: وهو ما يراه نيتشه “كتعبير أمين لإرادة القوة وليس انعكاسا مشوها للواقع ولامحاولة اجتهادية لتفسيره. فالمعايير التي يصوغها الإنسان لتحديد ما هو صواب وخطأ وما هو زائف وحقيقي ليست نزعة أصيلة ولا أفكار برئية كما يبدو الأمر ظاهريا، إنما هي مجرد أوهام وأساطير ابتدعها للهروب من الصيرورة الدائمة أو ما يعبر عنه بالاستياء من عالم عصي على التغيير. فرغم العقلانية الظاهرة المغلفة للأفكار إلا أن ثمة دوافع مظلمة لا يدركها حتى أصحابها” (13).

موت الإله وأهمية الوصول إلى الإنسان الأعلى: يشير نيتشه إلى هذه الأفكار في كتابه ” هكذا تكلّم زرادشت” عندما نزل هذا الأخير من الغابة وقرر مخاطبة الشعب في أوّل مدينة واقعة على طرف الغابة فقال لهم: ” إنني أعلّمكم الإنسان الأعلى. الإنسان شيء لا بدّ من تجاوزه. فما الذي فعلتم كي تتجاوزوه؟ كل الكائنات ظلّت حتّى السّاعة تبدع أشياء فوق منزلتها ؛ وأنتم، أتريدون أن تكونوا حركة الجزر في هذا الدفق العظيم فتفضّلوا العودة إلى منزلة الحيوان على مجاوزة الإنسان؟

ما القرد بالنّسبة للإنسان؟ أضحوكة ، أو موضوع خجل أليم. كذا يجب أن يكون الإنسان بالنّسبة  للإنسان الأعلى: أضحوكة أو موضوع خجل أليم. لقد سلكتم الطّريق الطّويلة من الدودة إلى الإنسان لكنّكم ما زلتم تحملون الكثير من الدودة في داخلكم. كنتم قردة ذات يوم ، وإلى الأن ما يزال الإنسان أكثر قرديّة من أي قرد….انظروا، إنّي أعلّمكم الإنسان الأعلى! الإنسان الأعلى كنه الأرض . فلتكن إرادتكم : ليكن الإنسان الأعلى هو معنى الأرض!

أناشدكم أن تظلوا أوفياء للأرض يا إخوتي؛ وألا تصدّقوا أولئك الذين يحدّثونكم عن أمال فوق أرضيّة! معدّوا سموم أولئك، سواء أكانوا يعلمون ذلك أو لا يعلمون. مستخفّون بالحياة هم، محتضرون ومتسمّمون بدورهم، ملّتهم الحياة: فليرحلوا إذا!

لقد مضى زمن كان فيه الإثم تجاه الله أكبر الأثام ، لكنّ الله مات، وبهذا مات أيضا كل أولئك الاثمين.

أن يأثم إمرؤ في حق الأرض ويمنح أحشاء ما لا يدركه عقل ولا نظر تقديرا أكثر من المعنى الذي في الأرض، فذلك هو أفظع أيات الكفر الان”(14). ويستطرد قائلا: “ليست خطيئتكم- بل رضاكم هو الذي يصرخ في وجه السّماء، شحّكم ذاته الذي في خطيئتكم هو الذي يصرخ في وجه السّماء! أين الصاعقة التي تعلّقتكم بلسانها؟ أين الجنون الذي كان عليكم أن تلقّحوا به؟

أنظروا، ها أنني أعلّمكم الإنسان الأعلى: إنّه تلك الصاعقة، إنّه ذلك الجنون!”(15). ويضيف كاتب اخر  موضحا كيف يقسّم نيتشه البشر إلى أقوياء وضعفاء “إن الأستقراطيين الممتازين هم أساس وأصل الحضارات الكبرى، فالحيوانات المفترسة الشقراء كانت تجوب الارض وتخضع الشعوب لسطوتها وتفرض عليها إرادتها وسلطانها، ومن ثم تختلق شرعة قيمية وأخلاقية تؤكد بها شرعيتها وسلطانها واستمرار سيادتها وسوطتها. وتعمل هذه الأقلية المسيطرة على الحفاظ على قوتها الجسمانية، وتحافظ على على نقاء نسلها من الاتصال بأعراق الطبقات الدنيا. وهؤلاء الممتازون يقدسون الأجداد وصفاتهم النبيلة، وتتحول هذه القداسة إلى طقوس عبادية تؤله فيها ذكرى الأجداد الذين أصبحوا آلهة – فيما بعد – تقدم القرابين لأرواحهم، أي أن العبد والمعبود هو الذات المؤلهة.
وبهذا المفهوم النيتشوي ينقسم البشر إلى أقوياء وضعفاء، فالأقوياء هم السادة الذين يبتكرون القيم الأخلاقية لتبرير أفعالهم المباشرة، فهم يتسمون بغريزة السيطرة وحب الغزو والمخاطرة ونعيمهم هو الانتصاروالسيادة، أما الضعفاء فقيمهم وسيلة لتغطية عجزهم ونكوصهم عن فرض إرادتهم.
إن الإله الحي المتجسد على الأرض الذي بشر به نيتشه هو الإنسان الأعلى “لا يمكن أن يكمن هدف الإنسانية في نهاية الزمان، بل فقط في أعلى نموذج لها” بالرغم أن هذه ليست حتمية إلا أن على البشرية أن تطمح لها كتحد للروح البشرية. ومن الأفراد التاريخيين الذين اقتربوا من هذا المثل الأعلى كما يصوره نيتشه أمثال: يوليوس قيصر، ونابليون. وقد هاجم كثير من النقاد صورة الفرد الذاتي الأناني الذي يمجد ذاته فحسب، إلا أن نيتشه وجد أن الأنانية “الغرورية” تنتمي إلى ماهية الروح النبيلة!
وهذا الإنسان الأعلى سيولد من طبقة السادة الممتازين الذين نبذوا الأديان التي تنفر من الحياة الأرضية، والتي ساهمت في امتصاص عناصرالقوة وأبقت البشرية في حالة ضعف ووهن. إذن الإنسان الأعلى هو عودة للطبيعة المادية الأصيلة التي تجسدت فيها إرادة القوة وسوف تتجسد من خلاله تجسدا تاما (نقيض فلسفة شبنهور أستاذه في بداياته). ولا يسعنا إلا أن نتخيل هذا “الإنسان الأعلى” بجيوش همجية يكتسح ما سواه!
وكما يقول نيتشه بصلافته النزقة وعجرفته المعهودة على لسان زرادشت: “على أهل السيادة في الإنسانية المتفوقة أن يمهِّدوا سُبُلَ السعادة لمن هم دونهم بتضحية ملذَاتهم وراحتهم وعليهم أيضا أن ينقذوا مَنْ لا يصلحون للحياة بالقضاء عليهم دون إمهال”.
يرى تشارلز دارون في كتابه “سلالة الإنسان”، “أن القبيلة المؤلفة من كثرة الأعضاء الذين هم على استعداد دائما لمساعدة بعضهم البعض، والتضحية بأنفسهم من أجل الصالح العام، سوف تنتصر على معظم القبائل الأخرى، وسوف يكون انتخابا طبيعيا.”
ونيتشه عكس السيناريو تماما “فلندع القبيلة تضحي بنفسها لو أن ذلك ضروريا للمحافظة على فرد واحد عظيم. إن ما ينبغي علينا أن نسعى لزيادته هو كيف البشرية لا كمها. إن الأمة طريق ملتف للطبيعة للوصول إلى ستة أو سبعة من الرجال العظماء. نعم وعندئذ تدور حولهم”. فالصراع هنا ليس صراعا من أجل الوجود كما هو عند دارون، بل هو صراع من أجل العظمة والقوة. كما نلاحظ أن هذه النظرة غير السوية للبشرية لن تخلق لنا سوى مسوخا بشرية تؤله الذات على حطام الشعوب! ولا شك أنها صورة قميئة من صور الاستبداد، ولا يمكن أن تكون إلا نتيجة حتمية لولادة نظام وحشي شمولي يعلي من قيمة الفرد الحاكم “ظل الإله في الأرض”.(16)

ويعتبر نيتشه كتابه ” هكذا تكلّم زرادشت” أهم مولّفاته وأعمقها ، بل وإعتبر هذا الكتاب إنجيلا خامسا!  لا بل ” نقض للأناجيل في كتاب يتكلّم لغة الأناجيل”( 17) وكتابا مقدسا جديدا سينسف كل الكتب المقدّسة التي لطالما إحتقرها وإعتبر المؤمنين فيها ضعفاء يؤمنون بالميتافيزيقيا لأنهم مستسلمون للواقع ولا يستطيعون تغييره.

وقد إكتشف نيتشه مبدأ القوّة وأهميّته في الحياة من خلال أمرين: الحرب الألمانية الفرنسية عام 1870-1871، والتجربة الألمانية للشعب الألماني من خلال مفكريه وفلاسفته مثل كنط وفيخته وهيجل وشوبنهور. أما بالنّسبة للحرب الألمانية الفرنسية، فتروي أخت نيتشه القصة التالية التي ساهمت في بلورة مبدأ القوة في فكر نيتشه. ” في مساء معيّن عند إقتراب إنتهاء يوم ثقيل جدا بالجرحى وبقلب يكاد ينفطر من الشّفقة، صادف أن دخل مدينة صغيرة تقع على إحدى الطّرق العسكرية الرّئيسيّة. وإذ كان قد بلغ ركن جدار حجري كبير وواصل سيره مدّة ثانية أو إثنتين سمع فجأة صوتا مجلجلا كأنه صوت الرّعد، ومرّت به فرقة فرسان رائعة- معبّرة تعبيرا مجيدا عن شجاعة شعب وقوّته المشتعلة- مثل سحابة عاصفة مضيئة. وأخذ ذلك الصّوت الشّبيه بالرّعد يعلو ثمّ يعلو، ويا له من عجب! فإنّ فرقته المحبوبة لمدفعيّة الفرسان قد إندفعت إلى الأمام بسرعة تامّة- وكم أصابه الصّداع والألم إذ لم يستطع أن يقفز على حصان، وإذ إضطر أن يبقى واقفا وقفة العاجز بجوار الحاجز الحجري، وأخيرا جاء المشاة، يتقدّمون تقدّما بأسلوب إزدواجي، فكانت عيون الرجال ملتهبة، ودقّت أقدامهم الطريق الصلب كدقات المطرقة القويّة. وبينما مرّ هذا العرض أمامه، في طريقه إلى الحرب وربما إلى الموت، وهو رائع في قوّته الحيويّة وشجاعته الصامدة، وقائم كرمز كامل لعنصر وجنس سوف يغزو أو يهلك في المحاولة- وحينئذ- قال نيتشه- وشعرت لأوّل مرّة، يا أختى العزيزة أنّ إرادة الحياة القويّة السّامية لا تجد تعبيرا في صراع تعس من أجل الوجود، ولكنّها تجده في إرادة الحرب، إرادة القوّة، إرادة القوة العليا. وإستطرد قائلا بعد لحظة ولكن شعرت أيضا أنّه من الخير أنّ وودن قد وضع قلبا قاسيا في صدور الجنرالات القوّاد، وإلا فكيف يستطيعون أن يتحمّلوا المسؤوليّة الرّهيبة لإرسال الالاف إلى الموت كي يرفعوا شعوبهم وأنفسهم إلى مرتبة التّسلّط والسّيطرة؟” (18).

العقل:” يعتقد نيتشه أنه لا يوجد عقل إنساني واحد متكامل وشامل يمكنه الحكم الكلي على الكون وعقلنة        أحداثه وظواهره، في ظل هذه الصيرورة الكاملة، فالعقل ليس مستقلا عن العناصر المحيطة به في               الواقع، وحتى المنطق والأفكار الثابتة والعقائد لم تكن ثمرة رغبة في معرفة الحقيقة، وإنما الدافعية من          خلق الثوابت ومنطقتها هي السيطرة والامتلاك، بعبارة أن المحرك هو الإرادة ولا شيء سواها. فالغرائز         والنزعات نحو البقاء والقوة لها وجود أصلي حقيقي (بناء مادي تحتي) أما الفكر الذي يأتي لاحقا (بناء         فكري فوقي) يتخذ أشكالا تبريرية للسلوكيات المادية الغريزية. فالأصل هو الفعل، والأخلاق ما هي إلا          التبرير للأفعال إذ أن الدافعية برجماتية محضة. إذن، العقول تتمايز بتمايز الظروف والإرادات، ولذا قد تختلف الأراء إزاء أمر واحد.

وعندما أذعن لفكر الآخرين، ليس هذا الإذعان فعلا عقليا، إنما هو مجرد إذعان لإرادة القوة المنتصرة.         فنجاح أية فكرة إنما يعبر عن مدى نجاح إرادة القوة في فرضها، فحقيقة نجاحك تكتسب من خلال                الفرض والفشل عكس ذلك. ومنطق هذا الفكر هو منطق القوة وكما يسميه نيتشه الحقيقة الديونيزية، أي الحقيقة التي يؤمن بها الإنسان الأعلى”(19).

      الأخلاق: “تساءل نيتشه كيف يمكن أن ننظر إلى شخص يكون فاضلا؟ فالشخص الفاضل الذي يثني            عليه   الآخرون لما قدم لهم من خيرات وفضائل (الطاعة، العفة، العدالة، المثابرة.. إلخ) سوف تضر          بالفعل  الشخصي الحائز عليها! وكما يقول “لو كنت حائزا على فضيلة .. فأنت ضحية لها”، وهكذا نثني       على الفضيلة عند الآخرين لأننا نحصل منها على منافع ومميزات. فالمعتقدات الأخلاقية هي معتقدات            الجموع، والجموع أكبر من الفرد “مع الأخلاق يمكن للفرد فحسب أن ينسب لنفسه قيمة بوصفه دالا على     القطيع”، فالأخلاق تمثل أولئك الذين يكونون ضعافا من الناحية الفردية (وهم أفراد). لكنهم أقوياء من              الناحية الجمعية (وهم مجتمعون) وهم يأملون أن تحميهم قوانين الأخلاق بقدر ما تبرر وجودهم وأسلوب    معيشتهم. فالأخلاق هي النتيجة الحتمية للمصلحة الذاتية الإنسانية والدافع التطوري للبقاء. فالدافعية للأخلاق دافعية برغماتية محضة كما أسلفنا، فلا وجود للخيار الحر ولا وجود للثنائيات المتجاوزة”. (20)  العود الأبدي:”وهي فكرة محورية في فلسلفة نيتشه “العود الأبدي” والتي تبدو بديلا لفكرة الأبدية في الأديان السماوية، وهي أيضا قريبة الشبه من فكرة عقوبة سيزيف في الأسطورة اليونانية، الذي عاقبه كبير الآلهة بعمل متكرر ورتيب، وليست بعيدة أيضا عن فكرة الكارما البوذية، إلا أن نيتشه يرى أنها عود أبدي مادي رتيب “كالساعة الرملية” سيعود من جديد ويذهب من جديد دائما وأبدا، فكل شيء سيعود بنفس التسلسل وبنفس النتائج. ويعترف نيتشه بأنها فكرة محبطة جدا وليست أكثر إغراء من فكرة الجنة والخلود في الأديان السماوية، إلا أنها محرض لكي نكافح لنكون أعظم مما نحن عليه، ومادامت اللحظة الراهنة هي كل شيء، فلنستغلها أفضل استغلال محققين أفضل ما في أنفسنا.
فالزمان عندما تنتهي دورته الحالية لن يتوقف، إذ أنه سيبدأ من جديد دورة أخرى لا تختلف عن سابقتها، والعود الأبدي “يعني تكرار اللحظة بكل ثباتها وصيرورتها، ولكنه ليس تقبلا لمضمون اللحظة الثابتة، وإنما هو تأكيد لصيرورتها”، وكما يقول نيتشه مخاطبا اللحظة: “فلتكرري نفسك إلى الأبد” أي إذعان كامل للصيرورة. (21)

عبء التاريخ: “التاريخ بالنسبة لنيتشه يمكن أن يهدد الحاضر، وذلك بجعل أمم الماضي العظيمة مثالية، ويحثنا على منافسة هذه الثقافات الميتة ولذا قال: “ليس لدينا نحن المحدثين ثقافة نقول عنها أنها ثقافتنا، فنحن نملأ أنفسنا بعادات وفلسفات أجنبية، وكذلك بديانات وعلوم بحيث نصبح موسوعات جوالة” (استخدام التاريخ وإساءة استخدامه) فتمثل الماضي واستخدامه في صنع حياتنا وثقافتنا هو مسخ لإرادتنا، فالتاريخ ما هو إلا عبء ميت ثقيل على الحاضر. فما قيمة أن تمتلك قدرا وفيرا من التاريخ، لكنك لا تستطيع أن تعيش حياة أصيلة من صنعك؟! إذن، إن اسقاط التاريخ على الحاضر هو إعدام للمشروع الفردي للتحقق الذاتي والفعل          في العالم. وكلما قلّ اكتراثنا بالتاريخ، كلما كنا أقرب لإنتاج ثقافة حية “حرية الروح”، وإلا سنظل   “مجرد ظلال للإنسانية (22)”.

      مقارنة بين إرادة القوة عند نيتشه وفكر كانط

يعتبر نيتشه أعظم فيلسوف في العصر الحديث وذلك لأنّه إستطاع بناء صرح متكامل عن الأفكار والمعتقدات وكيفية تكونيها وتطورها ثم ظهورها على حيّز الوعي، وإعتمد في ذلك على الفكر التجريدي المحض كأداه للوصول إلى حقائق وفي هذا يقول في كتابه “إرادة القوة”  أن الفكر هو أقوى شئ نجده في كل مستويات الحياة، وأنّ التفكير المجرّد بالنّسبة له هو عيد ونشوة. أما كنط ف” لم يستطع تأسيس صرح فلسفة نقدية كاملة , انطلاقا من القيم التي تتطلب قلبا نقديا, من خلال عرض العناصر التفاضلية المقابلة لها. وهو السبيل الكفيل بتحرير المعنى من واحدية الرؤية والمطلق, ناسفا بذلك منطق الثنائيات بما هو تجل واضح للميتافيزيقا التي سجنت الفكر الغربي منذ أفلاطون. إن نيتشه يحل مبدأ الشمولية الكانطي بالشعور بالاختلاف أو المسافة (العنصر التفاضلي),فمن خلال هذا الشعور بالمسافة يصبح للمرء الحق في التفلسف, الذي يعني نيتشويا خلق قيم جديدة وتحديدها, انطلاقا من استقصاء نسابي للقيم التي تتعارض مع طابعها المطلق كما مع طابعها النسبي أو النفعي. وهي المهمة التي يوكلها نيتشه للفيلسوف,لأنه يطرح على نفسه بالضبط استخدام العنصر التفاضلي كناقد ومبدع, وبالتالي كطريقة, كفعل وليس كرد فعل,حتى لا يصبح النقد رد فعل,ترجمة للضغينة وروح الانتقام. إن البحث الجنيالوجي عن المعنى يمر عبر استقصاء ومعرفة القوة أو القوى التي تمتلك الشيء تفاضليا مع القوة أو القوى المسيطر عليها, والتي تجعل من الشيء أو الظاهرة كيفما كانت ليس ظهورا وبروزا بقدر ما هي علامة, بل علامات وهنا تصبح الفلسفة عند نيتشه –كما يؤكد ذلك جيل دولوز- علم أعراض symptomalogie , ونظرية عامة للعلامات sémiologie . إن دولوز , وفي سياق تشريح متن نيتشه الفلسفي ,يركز على كون هذا الأخير , يحل ويدحض كل الثنائيات, إنه يحل محل الثنائية الميتافيزيقية للظاهر والجوهر والعلاقة العلمية للعلة والمعلول,العلاقة المتبادلة بين الظاهر والمعنى, فليس هناك الظاهر والجوهر بالإطلاق والمفرد الخاضع للتعريف من طرف الوعي, بل هناك ظواهر وجواهر تتحدد انطلاقا من علاقات القوى ومستويات التوتر المتحكمة فيها والمسيطرة على الشيء ,وكل قوة هي امتلاك كمية من الواقع, والسيطرة عليها واستغلالها, وحتى الإدراك الحسي في وجوهه المتنوعة هو تعبير عن قوى تتملك الطبيعة. وهذا يعني أن للطبيعة بذاتها تاريخا. وتاريخ شيء ما هو, عموما, تعاقب القوى التي تستولي عليه, وتعايش القوى التي تصارع من أجل الاستيلاء عليه. والموضوع ذاته والظاهرة ذاتها , يتبدل معناهما وفقا للقوة التي تستحوذ عليها, والتاريخ هو تغير المعاني. ومن هذا المنطلق يوضح جيل دولوز, باعتباره أحد أهم الفلاسفة الذين اشتغلوا بعمق وجدارة على المشروع النيتشوي ,على أنه لفهم فلسفة نيتشه, يجب أخذ تعدديتها الجوهرية بعين الاعتبار,بما هي الكفالة الوحيدة ليمارس العقل حريته , وبما هي المبدأ الوحيد لإلحاد عنيف, فتقدير القوى التي تحدد في كل لحظة وجوه شيء ما وعلاقاته بالأشياء الأخرى .كل ذلك يعود إلى فن الفلسفة الأرقى, فن التفسير, فالتفسير وحتى التقويم , هو وزن وفكرة الجوهر لا تضيع فيه,بل تأخذ معنى جديدا, لأن كل المعاني لا تتساوى بعضها مع بعض. فلشيء من المعاني قدر ما توجد قوى قادرة على الاستيلاء عليه . وهنا يضرب دولوز مثلا عزيزا على نيتشه, وهو أن ليس للدين معنى واحد, بل عدة معاني انطلاقا من كونه يخدم على التوالي قوي متعددة. لذلك –يؤكد نيتشه على لسان دولوز- أن الفلسفة بما هي فن التفسير, يجب أن تمر عبر إيمانها بقناعها الزهدي متجاوزة إياه بإعطائه معنى جديد يترجم قوتها المضادة للدين, وذلك عبر اختراق الأقنعة , وبالتالي معرفة من يتقنع ولماذا؟ وبالنتيجة ما هي الغاية والهدف من وراء المحافظة على هذه الأقنعة,وهذا العمل لا يتم إلا بفضل عين الفيلسوف النسابية” (23)

إذا أمن كانط بوجود حقيقة لا زمانية يعجز إدراكنا الحسي من الوصول إليها وهذا ما رفضه نيتشه رفضا كاملا فإتّهم كانط بالتّعصب الأخلاقي الذي يرجع بنظره إلى فكر وغريزة كانط اللاهوتية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s