أودنيس رائداً تفكيكياً

 

 

في مشـــهد النقد العربـــيادونيس 6

 أودنيس رائداً تفكيكياً

                                                                           د. محمد أبو خضير

                                                                            

المقـــدمة :

 

  ثمة تلازم تأريخي مفاهيمي إتلفت به الأفكار الثقافية والفنية وما حولهما من أفكار سياسية واجتماعية آخذة بإحدى المقولات الفنية مدعاة اشتراطية  لاستدعاء منظومة خارجية حافة بالقوة والفعل لما هو ساسيو –  سياسي – . إذ تسيدت هذه العلاقة التبادلية حتى خمسينات القرن المنصرم في مشهد الثقافة العربية عموماً ، على أن ما شهدته استهلالات العقد الستيني من اهتزازات لبعض الأفكار والإيديولوجيات ، فتح فضاءات لتنوع أو/ و اختلاف لقراءة القائم الفكري السائد وفق وجهة نظر تعددية بعيدة عن تمركزات الفكر الأحادي.

    وأتت تلك القراءة مسجلة ومضات نقدية/ تجديدية للفكر العربي وهي بداية لحقبة نقدية أكثر انفتاحاً على النظريات والمناهج والأفكار الهادفة إلى تقشير بنية الواقع واستخلاص مسوغات النقد الذاتي وتنافذت القراءة تلك على تشكيل نماذج لوجود حقيقي ممكن لم يتبلور بعد  . كما أقرت حقيقة نقدية ( ليس هناك موقف أفضل من موقف أو أيديولوجية أفضل من غيرها ، كل شيء جائز وكل الآراء على قدم المسأواة .. كذلك كل الأجواء والنزاعات الفردية مهما كانت غريبة )([i]).

  وتأثرت سنوات الستينات بمنظومة فكرية إنسانية أسهمت في الإطاحة بالكثير من المسودات واليقينات التي إحتكمت إليها خطابات العقود السابقة مثل ( الثورات الطلابية / ثورات العالم الثالث / الثورة الجنسية / الثورة الثقافية / حركات الكفاح المسلح في دول آسيا وأفريقيا وأمريكيا اللاتينية ).

  وذلك ما يسر الإطاحة بمنظومة الأصول ومقولات ( السرديات الكبرى ) المتعالية في دعواتها إلى تتبع ( أصل الأشياء ) و ( طروس ) أبوتها الأولى .

  وللأفكار الفردانية حيزاً فاعلاً في منظومة هذا العقد التعبيرية والبنائية والفلسفية ووفق ( علم الوجود [ Ontologie ] تطلق الفردانية على القول بأن الوجود الحقيقي للأفراد الجزئية وليس للكليات العامة ، أو أن الفرد أساس كل حقيقة وجودية )([ii]).

  فالذات فيصل حكمي وتحليلي في معطياتها وتعاطيها ومقولات الوجود / الأشياء / والأفكار . وهي في مطأوعة واستجابة لأفكار ( الآخر ) وفق مديات التثاقف والتأثير المنتج إذ اتخذت الذات ذاتها ( كآخر ) ، فكان فهم الذات لا يأتي من مكونها الزمكاني – وإعادة استدعاء بنيتها التأريخية ( أن افهم ذاتي هو أن أقوم بالدورة الأكبر وهو الدورة الخاصة بالذاكرة الكبرى التي تحتفظ بكل ما أصبح ذا دلالة بالنسبة إلى مجموع البشر )([iii]).

   وأصبحت الذات هدف النقد الذاتي حصيلة جملة إفرازات اجتماعية – فكرية – سياسية التي وثبت إلى سطح الحياة اليومية . فالحاضر موضع ريبة في مواجهة أو الاستجابة لمستجدات الفكر الحياتية المتلاحقة ، والتاريخ ومنظومتة التراتبية في حيز الاستسعاف والحفر . وتوزعت قراءات المشهد الفكري وفق الحراك الحياتي في فترتنا هذه إلى ثلاث قراءات :

  • الحنين ( نوستولوجيا ) إلى حاضنة التراث .
  • العودة إلى التراث وقراءته قراءة محدثة أو وفق ما اسماه الجابري ( عصر تدوين جديد) نشرحه في ضوء المناهج والمفاهيم الحديثة. ندونه من جديد )([iv])
  • الأخذ بالنظريات الفكرية والجمالية الوافدة والراشحة من حاضنة ( الآخر ) ( الغربي ).

        وأخذ الفكر العربي بعداً استشرافياً منادداً لخطابات التآرخة واليقينيات الفكرية وإيقاف دفق الابتهاج النرجسي بمدخراتها ومقولاتها الراسبة في عمق التأريخ . وإذا ما كان ظهور اتجاهات الفلسفة الوجودية في عقد السيتينات وأثرها في محمولات النصوص الأدبية والفنية والسلوكية ، ولما تسوغه الأفكار الوجودية في طرح وتنصيب الذات قبالة سلطة المعقوليات وتشميلها فأن ثمة استهلالات نقدية حملت مسوغاتها الجمالية والذائقية منصرفة عن مكرسات الأمانة التأريخية ، ومسكوكات الانعكاس والمحاكاة المدرجة في النسق الثقافي والذائقي المهيمنة بتمركز صريح حتى نهاية العقد الخامس من القرن العشرين سواءاً على مستويات المنهج والرؤيا .

        فالخطاب النقدي له استجابته لبنية النصوص الإبداعية عموماً – بعيداً عن ثنائية – الإبداع – الاتباع . فالنصوص الأدبية لجيل ( الستينيات ) أخذت مدياتها تحت مسميات عدة لها ماهيتها الفكرية والجمالية المختلفة عما ساد اللوح الثقافي السابق . فثمة ( الموجة الجديدة ) ( الكتابة الجديدة ) ( أدب الاحتجاج ) ( أدب الرفض ) ( الكتابة الطليعية ) (الكتابة المضادة ) ( الكتابة الحرة )([v]).

  وذلك ما يبرر مغادرة الفعل والإجرائية النقدية ( أمصار ) القراءة السياقية وتحرره من سلطة / النموذج / السلف وآليات التفكير التي يكرسها وتكرسه في آن واحد : آليات المقايسة والممثالة التي تقوم على قياس الشاهد على الغائب والحاضر على الماضي )([vi]).

  فالنص في المشهد الستيني انفلت من تكبيلات السياق والإحالات المأمولة والتخطي النصي هذا له إجرائيته القرائية في فتح الخطاب النقدي على فضاءات تجريبية لها تمظهراتها وآليات التثاقف مع ( الآخر ) ووفق ( إدوارد سعيد ) ، فثمة ثلاثة مراحل ساير بها الفكر العربي فعل الاستجابة لمرسلات الآخر ممثله وبـ ( التمنع / التعجب / التعرف )([vii]).

  إن خط شروع الحداثة الأدبية والفنية لها تصاديها في المناهج النقدية وحداثتها في هذا العقد أيضاً .

  ويمثل ( أودنيس ) في نصوصه الشعري وخطاباته النقدية حاملاً لدلالات الحداثة الشعرية أو/و النقدية ، رغم جملة الاتهامات والإشارات الموجهة إلى منجزه ، كونه منجزاً ( منتحلاً ) أو(مؤدلجا ً).

  ونجد في تلك الإشارات ( سبيكة ) معرفية حملتها نصوص ( أودنيس ) الشعرية وخطاباته النقدية وفق مقولات الـ( تناصية ) الشعرية منها والنقدية . والقارئ لاتهامات الناقد والشاعر ( كاظم جهاد ) المعولة على استدراجات الباحث السوري (محمد إسماعيل ندى ) وإنتحالات ( أودنيس ) النقدية لدراسات الناقد الفرنسي ر. م . البيريس حول تعريف الشعر وكذلك إدراج طروحات الشاعر اللبناني ( صلاح ستيتة ) والشاعر ( أوكتافيوباث ) ورولان بارث وتزفتيان تودوروف ، وهنري لوفيفر في الحداثة وللكاتب الفرنسي ( جيرا بونو ) المسمى فيزياء الشعر )([viii])،  لا يؤشر تموضع ( أودنيس ) في منهج نقدي بذاته حيث ينتهي ( جهاد ) بطرح بعض أسماء النقاد دون تسجيل أو تنصيص لفعل الانتحال النقدي خاصة ممثلاً بالمناهج النقدية الحديثة ونقادها ( بارت / تودوررف / لوففير/ سوزان برنارد ) .  أما الشاعر ( عادل عبد الله ) فمتناصاته لها حضورها المصوت في منجز (أودنيس) مثل نصوص ( النفري ) ، ويفرق ( عبد الله ) بين الناقد والمفكر بخصوص معطيات (أودنيس) عموماً فيجده ناقداً أكثر منه مفكراً ويحدد ( عبد الله ) الراي هذا – دون الاشارة إلى منهج (أودنيس) النقدي([ix]). أما الناقد ( العسل ) فيقرن موجز ( أودنيس ) النقدي بنظرية القراءة والتلقي (مروراً بمفهوم القارئ النموذجي لدى ريفاتير ، والقارئ الضمني لدى آيزر ، ومفهوم اللاتحديد الذي حدده انغاردن … )([x]) 

  إن شمولية الفكر لدى ( أودنيس ) وانفتاحه على المنظومة المعرفية يجعل من الصعب في رأينا تأميمه لهوية فكرية – أو تاريخية .( إن فكره النقدي أعمق من أن يختزل في اتجاه بعينه . وإذا ما أراد المرء تصنيف هذا الشاعر / الناقد . فليس له إلا أن يقرنه بالحداثة … فهو ذلك المشروع الذي لم يكتمل بعد ، أو تلك الرحلة التي أضاعت طريقها وبقيت هائمة في كل اتجاه . هو الحاضر – الغائب – المقنع. الفلوت الذي يرفض الانصياع والخضوع لسلطة المعنى / الحقيقة … هو لا نهائية الدلالة بالمفهوم الدريدي . ولا نهائية الشهوة . شهوة . القراءة / الكتابة بالمفهوم البارتي . هو القارئ العاشق الذي لا تشبع شهوة القراءة / الكتابة رغباته المتعدة اللامتناهية هو كنص الحداثة متعدد المراحل والمخارج )([xi]).

  إن تساقي مرجعيات ( أودنيس ) وتنافذها على فضاءاتها الزمكانية ، مسوغ لدى الكثرة من النقاد والباحثين لتأشير جملة اتهامات بالسطو المعرفي في وقت كانت مفاهيم المثاقفة والتناص لم تظهر على السطح النقدي ، أو كونها محكومة بدلالات القيمة وفق مسميات النقد العربي القديم ( سرقة / انتحال / سطو ) .

  إن الرحلة ( الادونسية ) حياة وفكراً لها تمرحلاتها المعرفية . فالنشأة الأولى لها اختلافيتها عما ساد حلبة الفكر العربي بانتسابه إلى الحزب القومي الاجتماعي السوري برئاسة ( أنطوان سعادة) رغم ما سجل من اختراقات وتقاطعات بينهما إلا أن اشتراكات عدة تستجمعهما فلسفة ( سعادة ) المسماة ( المدرحية) حاملة ( رؤية للكون والظواهر الاجتماعية والفكرية – يريد سعادة – وحدة تضادية كاشفة عن علاقة تمحورية استقطابية Polarity أو تكاملية Complementary بين الأضداد والتناقضات وليس على مجرد علاقة جدلية (ديالكتيكية ) كما هو حال بعض الفلسفات الروحية البحتة أو المادية البحتة . ففي عرف الفلسفة المدرحيه كل الأضداد ، هي وحدات استقطابية ومترابطة فالروح والمادة والنور والظلمة والسلب والايجاب والخير والشر هي في الواقع مظاهر أساسها النسبية وذلك أنها تعبر دائماً عن تفاعل (Interplay ) حركي مستمر بين الحدين أو الحدثين المتضادين )([xii]).

 ولفعل الأداء ( البراكس ) إشارة في نصوص (سعادة ) فالمظاهر الكونية رصد من قبل الذات الإنسانية المشاركة – أو / و المراقبة ( على الخط العالمي World Line الذي يجمع أو يوحد بين الراصد – الحادث والمشارك – الحادث Errant – Participator )([xiii]) .

  كما اتخذت النصوص الصوفية حضورها التناصية المبكرة في متن النص ( الأودنيسي ) ورؤيته للأشياء والعالم . فالنص الأودنيسي بمحمولاته الصوفية في بحث وحفر دائب عن الحقيقة التي تبدو ( مأجلة ) ( وذلك مهما اتسع نطاق ما نراه وما نعرفه ، تظل الحقيقة كافة فيما لم نره ولم نعرفه بعد . تظهر غيباً – الحقيقة – الغيب)([xiv]).

  ولنصوص التصوف كوننتها للواقع الإنساني عموماً في تعويلها على الثقافات المختلفة . ذلك أن التصوف لدى التفككي ( علي حرب ) في محايثة وفعالية التفكيك ( فهو ليس شيئاً آخر سوى هذا التقلب بين الظاهر والباطن ، والأول والآخر ، والشاهد والغائب والهوية والغيرية ، وذلك التردد بين مختلف الأسماء والصفات والأشكال والأوضاع )([xv]).

والمعرفة في مرحلة ( أودنيس ) هذه ذات دلالات متأرجحة ومأجلة دون حد تأريخي أو مفاهيمي متمركز فالمعرفة عنده هي : ( ما لا نعرفه بعد )([xvi]).

ولأدونيس رؤيته الراعية إلى إعادة قراءة المنظومة القيمية والأخلاقية والتأريخية وفق وجهات نظر معاصرة تدفع المنظومة إلى دائرة الواقع المعيشي مستشرفة آفاق المستقبل راجة لنواميس مقرورة في حواضن الفكر والإداء الحياتي المتأرخ ( فالقيم عنده موضع إختبار .. مما يقارب كثيراً في الموقف النيتشوي المتخطي للخير والشر والقاضي بإعادة تقديم كل القيم )([xvii]).

وعلى وفق ما تقدم فان ثمة دلالات تفكيكية أخذت بها وحملتها بعض النصوص والخطابات النقدية لـ ( أودنيس ) وهي دلالات سابقة لما اتفقت عليه جملة دراسات التي عبرت في العام 1973 بداية لتبني ( أودنيس ) لأفكار ( جاك دريدا ) التفكيكية . الا الباحث يسجل ان عقد السيتينات هو خط شروع لظهور الأفكار التفكيكية في متن  خطابات (أودنيس) النقدية . ومن هنا تنشأ مشكلة البحث هذا.

 

أهمية البحث والحاجة إليه :

تأشير الريادة الغير مكتوبة والسابقة للإجماع التاريخي ( 1973) لتسجيل ظهور التفكيك في المشهد النقدي العربي مجسداً بخطابات ( أودنيس ) النقدية .

هدف البحث :

تسجيل ريادة ( أودنيس ) التفكيكية في النقدي العربي الحديث .

حدود البحث :

1965 – 1973

منهج البحث :

المنهج ( التحليلي )

مهادات ( أودنيس ) التفكيكية :

  اتخذت الريادة ( التفكيكية ) أبعادها العفوية لدى الباحث ( محمد أحمد البنكي ) في منجزه (دريدا عربياً )([xviii]) مؤسساً بعجالة التدوين التاريخي لمقولات التفكيك في المشهد النقدي العربي . 

  اعتمد ( البنكي ) في ذلك على ما أورده الناقد ( علي الشرع ) بما جاء في مقابلة مع ( أودنيس ) أجرتها صحيفة ( البلاغ ) البيروتية في 28/ كانون الأول/ 1973 . والناقد ( الشرع ) قد اكتفى في إسناد الريادة التفكيكية إلى ( أودنيس ) بعدة كلمات عائمة . يقول ( أودنيس ) وفق تنصيصات ( الشرع) ( ونشوء ثقافة جديدة يفترض نقد الموروث وتفكيكه)([xix]).

  ويدرج ( علي الشرع ) جملة توافقات بين (أودنيس ورهط التفكيكيين . فالثقافة العربية الاسلامية – وفق أودنيس – قد طرحت أسئلة وانتهت إلى اجابات متواضعة متوافقة ومنهجيتها الفكرية وطابعها العقائدي )([xx]) .

ويشهرها ( الشرع ) بأنها مقالات تفكيكية مقوضة للبينات والتوقعات التراثية والتاريخية في لوح الحضارة العربية الإسلامية .

  ويجد الباحث أن مقولات ( أودنيس ) التفكيكية سابقة على تاريخ صحيفة ( البلاغ ) البيروتية . وقد وفر لنا نشر حوارات ومقابلات ( أودنيس ) الكاملة 1960 –  1980 ([xxi]) تأشير تلك الريادة وفق محاور تفكيكية عدة كما سيأتي عرضه لاحقاً .

  فـ (أودنيس ) يتقدم عندنا على تحديدات (الشرع ) و ( البنكي ) وله تأشيراته التفكيكية رغم غياب المصطلحات المنتظرة في درج المعجم (الدريدي ) و ( الشرع ) تجاوز في ذات الحوار إشارة وملامح تفكيكية تحايث دلالات التفكيك وقراءته من قبل الآخرين ، فالصوفية حملت دلالات الاشتراك مع التفكيك لدى بعض المفكرين والنقاد . يشير إليها ( أودنيس ) في ذات الحوار ( ليست عدمية النهاية ، وإنما هي وجودية البدء أو بتعبير أدق أن هذه العدمية ليست إلا كنساً لرماد الماضي من اجل أن تشعل نار الجديد )* ص/89.

  كما يؤشر ( أودنيس ) إلى تجادل نسقي الثقافة العربية التقليدية / ثقافة نظام / المؤسسة وثقافة الرفوف خارج النظام كونها مهمشة . فالأولى (تحافظ ) و ( تواضع ) والثانية ( تغير ) و ( تهيج ) ص/19.

  ويطيح ( أودنيس ) بالثنائية الماركسية . بنية تحتية / بنية فوقية ، في حاضنة الثقافة العربية فمرسلات البنية الأولى المؤسسة لها فعالية يتم حيالها عزل فضاء الثقافة الثانية ، وحجزها بمحاجز الخطاب ( الدخيل ) ( المفسد ) و ( المهدم ) و(كانت السماء العربية دائماً سيدة الأرض والأعجمية ) ومثالها وفيصلها في كل القيم . وهو تمركز لا تنجو منه تفكيكياً مجمل الثقافات والحضارات الإنسانية في تمحورها حول مركز ذاتها وتهميش دونها من الثقافات الغيرية السابقة لها أو المحايثة معها وهو ما يتصادى وطروحات ميشل فوكو ( 1926 – 1984 ) بان مهمته ( هي إعطاء أكثر ما يمكن من الفرص للتعددية وللالتقاء وللمستحيل وللامتوقع)([xxii]).

  ويلتقط المتلقي طرح ( أودنيس ) المحايث لـ(الاختلاف ) ( التكرار ) ( الاظافة ) و ( التأجيل ) في اجابته الأولى لمحأورة ( طلال رحمه ) يرى (أودنيس ) حيال استعادة الموروث ( وطبيعي أن الاستعادة مهما كانت أمينة لا يمكن أن تكون نسخة تطابق الأصل .

فلا بد أن يكون فيها شيء من الاختلاف وهكذا تكون الاستعادة نوعاً من الترميم والتزين ، لكنها تظل في الحالين حفظ وتكراراً ) ص/57.

  وفي حوار سابق لتأشيرات ( البنكي ) يمكن تسجيل دلالات تفكيكية في قراءة التراث . ففي حوار ( أودنيس ) مع ( أديب صعب ) ( الجريدة ) بيروت/ 1965 ، يومض ( أودنيس ) بـ ( التأجيل ) في مجمل نصوصه الشعرية . فهو رغم أشوطة التجريبية التي تجاوزت العقد فانه لم يشعر بأنه قد (كتب شيئاً ) ص/25.

  ويستجيب للأفكار التفكيكية اللاحقة في قراءته التراث على أنها ( ارتباط إضافة وتجاوز ) ص/24. والتخطي عنده ( هو هذه التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل ) ص/25 . و( البداية عنده غرابة ) ص/23 . وهو ما يحايث ( محو الأثر ) الدريدي .

  وإزاء التمركز المنطقي لثنائية – الرجل – المرأة . يتخذ فعل الإطاحة بالمركز الساسيولوجي للفحولة[xxiii]  بعدًا مبكراً لدى ( أودنيس ) في العام (1966 ) ( مجلة الجيل الصاعد ) ( بيروت ) د.ت . فالنصف في المجتمع العربي متأتٍ من حاجته إلى الإضافة ( المرأة ) وكسبها لحريتها .

  ولأن الأداء الفعلي هو أحد معطيات التفكيكية مثل ( التخطي / التوليد / التحويل / التخليق )فان لـ ( أودنيس ) مواقفه الأدائية إزاء تقويض متعاليات التدشين الحسي لدى الرجل حيال المرأة المستقبلة أبداً للفعل الذكوري ففي مجمل علاقته العاطفية يصبح ( الرجل ) ( أودنيس ) مستقبلاً لرغبات المرأة وليس العكس فالمرأة فاعلة في علاقة الحب قبالة (الرجل ) ( المفعول به ) عاطفياً فالبداية البوحية والهيمنة هي مدخرات المرأة وما يعلنه ذلك من قلب تفكيكي لمدونة تاريخية تمركز بها الرجل على فضاءات المرأة فكراً وسياسة شعورية وريادة حياتية عامة* .

  كما يؤكد ( أودنيس ) ثانية محايثة ( الصوفية) لمقولات ( التفكيك ) في فعل الجمع بين ( الأنا ) و (الهو ) في نسق واحد متأرجح . ففي الصوفية يصبح العالم كله شفافاً ولا يعود هنالك حواجز بين الشخص والآخر . بين الذات والموضوع . بين العالم الداخلي والعالم الخارجي ) . ص/28.

  ويتكوكب الفكر الصوفي هذا لدى ( أودنيس ) ومنجزه الشعري كما يرد في نصوص ( كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل ) الصادر قبل عام من طرح ( أودنيس ) لمقولات الصوفية . ويحمل نص ( شجرة الشرق ) تلك الحلولية وإتلاف الذاتي / الموضوع في تخليق تجربة محدثة جامعة بين طرفي لا تجمعهما حقيقة واحدة(2) :

        صرت أنا المرآة

        عكست كل شيء

        غيرت في نارك طقس الماء والنبات

        غيرت شكل الصوت والنداء

صرت أراك اثنين :

        أنت وهذا اللؤلؤ في عيني

        صرت أنا والماء عاشقين

        أولد باسم الماء

        يولد في الماء

        صرت أنا والماء توأمين.

  ويردد ( أودنيس ) مع ( هيراقليطس ) دلالة تفكيكية مبكرة في الإطاحة بمتافيزيقيا الحضور للحقيقة المطلقة . فليس هناك ( حقيقة واحدة مقرورة بل تحول مستمر ) ص/28.

 وإذا ما تتعالى الخطابات الفلسفية على محايثاتها الأدبية أثر حمولة الأدب لدلالات المجاز والمعاني المتعددة قبالة ( البعثرة ) الدريدية ، فان ( أودنيس ) يطيح بـ ( علوية ) الخطاب الفلسفي تلك ويساوي بينه والبنى الأدبية . ففلسفته ( في الحياة ان أحيلها إلى شعر أي أن أجعلها جمالا وحرية وإنسانية ) ص/29 .

إن النص الشعري محتشد لدى ( أودنيس ) بتفكيكيته ( الأنوار ) ( بيروت ) 1968 . فالتأجيل والمراوحة بين الأزواج المتضادة موطن الشعر وصيروريته . فالشعر ( هو هذا التوتر الرافض ، المتغير ، بين الواقع والممكن ، الماضي والمستقبل ، الحياة كوضع مفروض أو جامد . والحياة كحرية وحركة . وبهذا المعنى يمكن القول أن الشعر ثورة دائمة )ص/33.

وهو ما يجهره إحدى نصوص ( المسرح والمرايا) ( 1968 ) المعنون بـ ( القصيدة )

 

        اسمع صوت الزمن : القصيدة

        يد هنا هنالك ، القصيدة

        عينان تسألان

        هل أغلق النسرين باب كوخه

        هل فتح الإنسان

        بوابة جديدة ؟

        يد هنا هناك ، والمسافة

        تنوس بين الطفل والضحية

        لكي تجيء النجمة الخفية

        وترجع الدنيا إلى الشفافية

 

  ويرد ( أودنيس ) على ما صوب من نقودات لعدمية التفكيك ، فالهدم عنده بناء أو إعادة بناء إذ لا يكتفي العقل التفكيكي بالهدم حسب فالشكل الذي أتى به الشعر الحديث هو ( التأصيل في الماضي لكن بحرية المستقبل ولا نهائية .. الشاعر الجديد حقاً لا يهدم الأصول . بل يهدم ما بني جهلاً وخطاً على الأصول . انه يكشف الأصول يعيد بناءها ) ص/34.

  والذات الشعرية تطيح وتأجل ذاتها بذاتها ( أنا أجهل الناس بشعري . أعرف ان القصيدة التي أطمح إلى كتابتها لم أكتبها بعد . فانا اشعر كأنني أجيء من المستقبل . كأنني لم أبدأ بعد ) ص/35. وهو ما يناظر مقولة التفكيك ( الكتابة في ظل المحو ) والذات الإنسانية عند ( أودنيس ) خارج فضاءات الديكارتية وتجوهراتها . فهي في اختلافية مع ذاتها فـ ( ليست عودة أودنيس إلى ذاته . إذن . عودة إلى ذات متجوهرة ولا إلى حالة التماهي الذاتي المطلق . إنها عودة إلى حالة من التماهي والاختلاف في آن واحد . ولذلك عندما ينبئنا أنه يتقدم نحو ذاته فانه يهيئنا منذ البداية . لأن نتوقع أن ما سيأتي سيكون بمثابة عملية تنظيف من قبله لدخيلائه . عملية إزالة لكل أنقاض الداخل ) وذلك ما وفرته النصوص الصوفية في كوننة الذات وتشميلها وتشظيها ومحمولاتها في الثنائيات الاختلافية إذ تتآخى الأزواج في الحاضنة ( الأودنيسية ) الجامعة بين ( الحلاج / سقراط – أبو نؤاس /ابولون – الفرد/ الشخص – الحاضر / الغائب – الواقع / ما وراء الواقع . الصوفية تمحو الفرد في الشخص وتذيب الشخص في كأس شخصي – لا شخصي وأي كائن يتجاوز الشخص ، لكنه هو نفسه الشخص)ص/37.

  وترتقي ( الحرب ) أبعاداً قيمية قبالة ( السلام ) فما يراد من الذات العربية عند ( أودنيس ) (الراصد) ( بغداد ) (3)/1/1970 ) حرب على جملة جبهات ، بيد أن الحرب الأهم هي الحرب التي تؤكد على شيء واحد الإنسان وتفتحه اللانهائي الحر ) ص/50.

  إن بناء ثقافة عربية محدثة لا يعني القبول بما هو قائم وتوثينه أو التعريج الهروبي إلى صدفة التاريخ . بل أن الدور ( الأول الملح هو الهدم قبل البناء ، لأن البناء قبل الهدم لن يكون إلا ركاماً فوق ركام ) ص/52.

   والجنس قيمة مهمشة ومرذولة في خطابات المؤسسة الاجتماعية عبر التأريخ الإنساني هو (إضافة ) لكلا الجنسين لدى ( أودنيس ) ( مجلة (مواقف ) عدد 23 – 14 – 2/1971 ) فكلاهما – الرجل – المرأة في استكمال للآخر في وجوه إنسانية/ انطلوجية ( الجنس هو الاتصال . لأن الرجل يجد في المرأة نصفه ولا يجد موضوعاً غريباً عنه . انه يجد جزءه الآخر ، الجزء الضائع)ص/27.

  وتصطف ( الباطنية ) مع ( الصوفية ) لدى (أودنيس ) في تناصاتها والحقائق اللانهائية أو المؤجلة ، وفي سعي الذات لملاحقتهما – كونها حقيقة متحركة – يمكن الإشارة إلى ( الفارمكون ) الدريدي – بجمع المتناقضين في دلالة واحدة (فهناك فرق بين الباطنية كفرقة والباطنية كموقف أساسي  في العالم . واني ضد المعنى الأول بالعكس الباطنية بالمعنى الثاني ضد الباطنية بالمعنى الأول ) ص/29. والثنائية الصوت – الكتابة وفرة في منظومة ( أودنيس ) الثقافية ، فالذات العربية الإسلامية عنده تكبل نفسها بالملفوظ / الشفاهي / المروي أكثر من المكتوب / المدون . لأن ( الكلمة بحد ذاتها مكان من حيث أنها استقرار . أي ماضي ثابت ) ص/23. وهو ما دونته بعض تمرحلات التأريخ الإنسان عموماً في تمركز الصوت إزاء تهميش الكتابة ( فان يكون تأريخ الأمثلة أي ( تاريخ الروح ) أو التأريخ فحسب غير منفصل عن تاريخ الصوت فان ذلك يرد إلى هذا الأخير كل ما فيه من قوة سرية )

  وبغية مطاردة الحقيقة المنفلتة / المؤجلة ، فلا يقر بثنائية مثل النقل أو العقل . حيث يستدعي (أودنيس ) دلالات العقل والوحي محققاً وحدة (شتات) ( بين الحلاج وأرسطو – إن أرسطو بذاته كالحلاج بذاته نقطة في الطريق في اتجاه المجهول ، ومحاولة التأليف بينهما هي محاولة لمضاعفة المدة في مجابهة هذا المجهول ) ص/64

  كما يقوس ( أودنيس ) . ( صحيفة ( السياسة ) ( بيروت ) ( 4/11/1971 ) الدالة الدريدية الأشهر ( التمركز المنطقي ) في ثنائية – العقل / العاطفة دافعاً إياها صوب ( اللغة ) المتجادلة / المنشطرة إلى لغة ( التعقيل ) ولغة ( التخييل ) ( إن لغة التعقيل توضح تسرد الأفكار تقص وتعرض . بشكل واضح محدد. بينما لغة التخييل تضع القارئ في مجال غير المحدد بعد في مجال الممكن والمحتمل . والمعنى هناك لا يتجاوز اللفظ . والمعنى هنا يطفح ويجاوز الألفاظ. الاختلاف هنا والائتلاف هناك . الكلمات هناك إشارات لأشياء حاضرة استنفذت . وهي هنا إشارات غائبة ممكنة غنية … اللغة الأولى تبحث فيما تكون . واللغة الثانية عودة دائمة إلى الهباء الذي سيتكون منه ما يتكون . الأولى تنظم وتنسق والثانية تهدم وتقلب النظام القائم وعلاقته المعروفة. لغة التعقيل تفصل بين الإنسان والكون . بين الواقع والغيب . ولغة التخيل تمحو كل تعارض بين الإنسان والكون وتوحد بين الواقع والغيب ) . ص ص/73-74 .

  والنص الشعري – هو تكرار مختلف لتكرار سابق لا يتأسس إلا على روافد لامعة في القراءات أو / و الكتابات عمادها الإضافة – التخطي- الاختلاف – تلويث الأصل – أو فكرة الأولى المشطورة إلى أول / ثاني والثاني إلى ثاني / ثاني . والنص الشعري يقوم على سديمة مقترحة / غير مكتملة ليكون هو الآخر موضع ( بياض ) سديمي له مؤجلاته الطارحة للاكتمال . فالشاعر في رأي (أودنيس ) ( حين يكتب – قصيدة يكتبها بلغة موجودة قبله سابقة عليه . هذا يعني أن قصيدته تدخل في نظم قراءة وإيصال سابقة عليها )ص/75.

  أما المؤسسة وتمركزاتها السلطوية والفكرية والأدائية فهي موضع دحض واهتزاز . فالمقابل ألاختلافي المهمش والمؤقت له معاوله في دك أسوار المؤسسة . وهو ما يؤشره ( أودنيس ) في مشروع مجلة ( مواقف ) في مواجهاتها وهي في طور النمو والتبشير لجملة معترضات مؤسساتية ، فهي قائمة على قدراتها في طرح مشروعها الثقافي ( نحن نضال لكي نقتل المؤسسة في المجلة من اجل أن نحي الفكرة . من اجل حركة الإبداع . وهذا يطرح علينا صعوبات مالية وإدارية كثيرة . فنحن نتعامل بلا مال ولا إدارة مع عالم مالي – إداري – ومن هنا تبدو المجلة في عالم مباشر كأنها ضوء غير مباشر. من هنا كذلك هشاشتها نشعر دائماً أنها ستتوقف بين لحظة ولحظة ) ص/77.

  ويعرج ( أودنيس ) على خطابات التهميش والعزل تلك التي أخذت بها المؤسسات السياسية والدينية والثقافية . فكانت العودة لها دون إلتذاذات شعورية  حنينية ( نوستولوجية ) . مثل فنون أوربا الحداثوية والفنون السومرية والبابلية – العربية – اليونانية – التصوير الإسلامي – الخط العربي – الفن الإفريقي – الفن المكسيكي القديم . وهي عودة إلى ( الينابيع ) المجهولة والتي فتكت بمقولات اليقين والوقوف لسبب أو للآخر .

  كما هو الحال مثلاً في تراثنا الصوفي ( إن لدى شخص شبه مجهول – كالنفري – مثلاً شعراً اعتبره أنا شخصياً جزءاً من الشعر العظيم في جميع الشعوب وفي مختلف العصور ) ص/84.

  وفي آليات الاستقبال وفاعليته يومض (أودنيس) بمسمى ( سوء القراءة ) الدريدية في اختلاف النص وتعددية القراءة لدى المتلقي . فما تقره الذائقة لمرحلة بذاتها من اختلاف وتباين وما تتخطاه ذائقة لاحقة ، وكذلك شأن المتلقي في خاصية الغموض الشعري فالنص ومعناه في فضاء التأجيل وفقاً لفعل – الكتابة فـ ( ما كان غامضاً في فترة زمنية سابقة أصبح واضحاً في فترة لاحقة . وما هو غامض بالنسبة إلى قارئ واضح بالنسبة إلى آخر ) ص/85.

  وعند ( دريدا ) تستكمل النصوص وأبعادها البنائية بمنقوصها وبياضها ، فليست العلاقة بين المتلقي والنص الأصلي علاقة وضوح واستتار ، بل هي بالأحرى علاقة بين إعادات كتابة PALIMPSESESTS . فالنص الـ( أصلي ) نفسه اعادة كتابة لما يسمى ( ما قبل – النصوص PRE – TEXTS التي قد يكون ، أو لا يكون الناقد ( القاريء ) قادراً على فضحها ).

  ان الوضوح الشعري ثبات عند ( أودنيس ) وتيقن لا يستدعي اكتشاف وتنقيبات معنوية ( من المعنى ) ولا صورية انعكاسية في مرآة المتلقي (الذي لا يحمله ( أي الوضوح ) أية دلالة تصنيف أو تقترح أفقاً جديداً . بينما الغموض هو ما يستثير القاريء  ويجعله يتجأوز تلقي الأجوبة إلى طرح الأسئلة ) ص86.

  ويجد المتلقي في منظومة ( أودنيس ) النصية والنقدية إشارات تفكيكية لاحقة لتأريخ الباحث (محمد احمد البنكي ) ( 1973 ) . إذ تتفتح دلالات ومقولات التفكيك التي أهملها الباحث ذاته . وكانت له فرصة أكثر سعة في تدشين بسطها في لوح المنجز النقدي لـ ( أودنيس ) بعد شيوع مقولات التفكيك في المشهد النقدي العربي في النصف الثاني من العقد السبعيني .

  ويستدعي ( البنكي ) وصف الناقد ( علي الشرع ) في تقيم دلالات التفكيك لدى ( أودنيس ) بأنها ( ذات نصيب في التحمل وتحميل الامور اكثر مما تتحمل . فالمواضع التي تحدث فيها ( أودنيس ) عن ( التفكيك ) باللفظ قد خلت من الكثافة المفهومة التي تفترضها حمولة منهجية محددة ومنضبطة كما أن ثمة ما يشعر بان الحديث عن التفكيك كان مندرجاً في أفق ( قبل دريدي ) حيث يحضر هيدجر ويحضر التفكيك كـ( Destruction ) وليس
(
Deconstruction ) .

على أننا نجد ( دريدا ) ذاته يعابر بين مفهوم التفكيك وبعض الدلالات لدى الفلاسفة والعلماء السابقين له ، فثمة محايثة بين مصطلح ( الهدم ) لدى ( هيدجر ) ومفهوم التفكيك وكذلك استدعاءه لمصطلح ( الانفصال ) ( الفرودي ) ولذا فهو يقر بما قدمه ( هيدجر ) و ( فرويد ) من ( إجراء تعديل بشأن ما سميته بالتفكيك ).

كما أن سعة المرجعيات والتناصات التي حملتها دلالات التفكيك ، تجعل من اليسير الاطلاع عليها والقبض من بعد على جذورها المعرفية من قبل (أودنيس ).

إذ يؤشر الشاعر ( عادل عبد الله ) منظومة معرفية عريضة أخذت بها وترشحت منها أفكار (جاك دريدا ) مثل ( ( عدم ) هيدجر –  ( حضور ) ظاهريات هوسرل – ( إرجاء ) بيرس السيمولوجي ، ( اختلاف ) علامات سوسير – مفهوم ( لعب ) نيتشه – تعاليم هيجل في السلب والتجاوز والأثر ، قبالة اليهود ، تيهم ولاهوتهم السلبي – جواهر أرسطو المفارقة – استعارات انكسمندريس ولاصفات مبدئه الأول . لا وعي فرويد – تفريق لاكان بين الذات والأنا – هوية لا متمايزات لا بنتيز – صفات جوهر سبينوزا – أشياء ( كانت ) التي في ذاتها – إرادة شوبنهاور الخالصة … الخ ).

إن شمولية التعريشة المعرفية هذه .. تتيح فضاءاً وفرصة للاطلاع والتأثر – من دون الأخذ بسكها صوب آليات التجذير ( التفكيكي ) . ولعل في سعة وشفافية المجسات المعرفية لدى ( أودنيس ) من يوفر خطوط للاستجابة ومن ثم ( التبني ) وفق (ادوارد سعيد ).

فهو ( أودنيس ) ( الذي جاء بعد عام 1950 كان ولا يزال الحس اللاقط لا لتيارات الفكرية والشعرية الأجنبية فحسب ، بل أيضاً لمناخ النصف الثاني من القرن العشرين الذي بدأت معه الحداثة حضارة وثقافة ) كما يراه ( مقدسي ).

وعلى مستويات الأداء التواصلي بين ( دريدا ) و(أودنيس ) نجد أن ظهور بعض مؤلفات ( دريدا)(5) على شكل مقالات تم جمعها في كتب فيما بعد وهو ما يتيح الإطلاع عليها متفرقة – من قبل ( أودنيس ) الذي عرف بإجادته للغة الفرنسية بعد مرحلة (دمشق) . وترجمته من بعد لنصوص من الشعر الفرنسي الحديث مثل نص ( سان جون بيرس ) ( أنا باز ).

  إن للتفكيك وفق آليات الاستقبال مسالك متنوعة، تسوغها مرجعيات لها سمة الشتات والهجنة . لذا فان سعة استقبال التفكيك والتعاطي وطروحاته يختلف من ثقافة إلى أخرى . فاغتراب التفكيك في موطنه الأصلي ( فرنسا ) يقابله احتفاء معرفي في الجانب الآخر الأطلسي لتكون تفككية (هارتمان / ميلر / بلوم ) لها تكيفاتها والمشهد المابعد –  حداثي الأمريكي .

وكان استقبال ( التفكيك ) في بلد مثل ( اليابان ) موضع تباين حيال المشهد الفكري ( الغربي ) عموماً ففي كتابة ( الكتابة والاختلاف ) يتراسل ( دريدا ) مع أحد أكاديميي اليابان لبيان موقع التفكيك في المشهد الثقافي وحراكه في أطراف آسيا .

وتفكيكية الباحثة الهندية ( جاتيريا سبيفاك ) لها امتيازاتها المعرفية – وتفككية الناقد الانكليزي (كريستوفر نوريس ).

ونخلص إلى أن التفكيك له انفتاحه على مجمل الثقافات الإنسانية لما يحمله من ترفيع وتنصيب للهامش والمقصي والمسفل وهو شأن إنساني عرفه التاريخ في مساره العمومي .

ومن هنا فان أعمال ( أودنيس ) هي حفر وتنقيب في الأنوار والأنفاق . أو كشف واستقصاء للخفايا والمخابئ ، أو تشريح وتفكيك للمسلمات والبداهات ، أو تعرية وفضح للمحجوبات والمقدسات ) .

وتلكم تشاركات تتأسس عليها مقولات منظومة (دريدا ) التفككية عموماً .

النتائـــج

      وينتهي الباحث وفق ما تقدم إلى : 

  • ثمة تسويغ معرفي ( ابستمولوجي ) لتأشير أفكار التفكيك لدى ( أودنيس ) في بداية عقد الستينات فالنصوص الأدبية ذات اختلاف متباين عما ساد وتمركز في عقد الخمسينات من مطابقة الأشياء والكلمات .
  • مثلت منظومة الأفكار ( الأودنيسية ) في (التراث ، المرأة ، الدولة ، الإبداع ، الجنس، السياسة ) جدلية في الانفصال والاتصال مع الماضي والحاضر معاً متطلعة إلى فضاءات الاستشراف المعرفي .
  • إن طروحات ( أودنيس ) محايثة لمفاهيم تفكيكية دون الوصول إلى معجم ( التفكيك ) ذاته. فالمصطلح لم يتوفر في نصوص وخطابات أودنيس تلك .
  • أتى تعرف ( أودنيس ) على فكر وفلسفة (نيتشه ، هيدجر ، ونصوص التصوف ) فرصة سابقة وعتبة معرفية لطروحات (جاك دريدا ) اللاحقة لتلك المهارات .
  • إن تمركز أفكار الوحدة والايديولجات الأحادية وسيادة المأتلف في عقد الخمسينات. مسوغ حفري لترصد المختلف والمهمش والمقموع السياسي والثقافي والاجتماعي لدى ( أودنيس ) .
  • تخطى الخطاب النقدي لدى ( أودنيس ) المسود النقدي ووظائفه التقليدية في تفسير وتقييم وحكم معياري تفاضلي لينفذ صوب كيميائية النص المعرفية .
  • إن الحقيقة النصية لم تعد صاحبة الامتياز للموضوعية فكانت التعدية وأفعال التشظية خاصة القراءة ( الأودنيسة ) نصاً شعرياً وخطاباً نقدياً .
  • تأتلف في خطابات ( أودنيس ) النقدية الشروط العامة لإمكانيات المعرفة والتجربة وهي خاصية حقل ( الأداء / البراكس ) التفككي .
  • تكوكب النصوص الشعرية لـ ( أودنيس ) بسماتها التفكيكية وخطاباته النقدية والمعرفية فالوعي الشعري حاصل معرفي يشترط المحايثة والخطابات الفكرية عامة .

 

الاســـتنتاجات

  • ثمة استهلالات سابقة ووامضة للتأسيات التاريخية / المكتوبة لفكرة ما أو اتجاه معرفي أو أدبي بذاته .
  • إن ظهور حركة النقد الذاتي وفلسفة النقد في منتصف عقد الستينيات فتح فضاءات الفكر العربي ومنظومته البنائية والتعبيرية لاستدعاء مناهج واتجاهات وأفكار نقدية مختلفة.

الشمولية المعرفية للتفكيك واستجماعه للروافد الإنسانية وإطاحة بالتمركزات الأوربية يوفر فسحة للتثاقف الفكري وأياه وهو ما

(1) يراجع ، د. جلال أمين ، ماذا حدث للمصريين ؟ تطور المجتمع المصري في نصف قرن 1945-1995، القاهرة : دار الهلال، 2001 .ص ص 30-60.

(2)  د .حسن الكحلاني ، الفردانية في الفكر الفلسفي المعاصر . القاهرة : مكتبة مدبولي . ط1 ، 2004. ص23 .

(3) بول ريكور ، عين الذات كآخر . ت : د. جورج زيناتي ، بيروت : المنظمة العربية للترجمة ، 2005.ص41.

(4) عبد الإله بلقزيز . الاسلام والحداثة والاجتماع السياسي (حوارات فكرية ) ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 2004. ص ص 23-.24

(5) فاضل العزاوي ، الروح الحية ، جيل الستينات في العراق . دمشق : دار المدى . ط2 . 2003 . ص ص 8-9.

(6) د. محمد عابد الجابري ، اشكالية الفكر العربي المعاصر ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية . ط4 . 2000 . ص57.

(7) ادوارد سعيد ، مقالات وحورات ، ت وتقديم وتحرير : محمد شاهين . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2004. ص27.

(8) كاظم جهاد.( اودنيس منتحلا ): دراسة في الاستحواذ الأدبي وارتجالية الترجمة يسبقها ماهية التناص، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1993.ص ص103-133

(9) ينظر عادل عبد الله ، ارادة الاختلاف وسلطة العقل ، دمشق: دار الحصاد للنشر ودار الكلمة للنشر . ط1. 2000 ص22.

(10) د. عصام العسل ، الخطاب النقدي عند اودنيس ، قراءة الشعر أنموذجاً ، بيروت : دار الكتب القلمية ، 2007 . ص6.

(11) عبد الغني باره ، إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر مقاربة حوارية في الاصول المعرفية . القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2005. ص147.

(12) د. يوسف مروه . أضواء على أزمة الفكر العربي المعاصر الفلسفة المدرحية ز بيروت : دار أمواج ، ط1 .2000.ص ص 54-95.

(13) د. يوسف مروه المصدر نفسه . ص95.

(14) عادل ضاهر ، الشعر والوجود ، دراسة فلسفية في شعر أودنيس ، دمشق : دار المدى . 2000. ص37.

(15) علي حرب ، خطاب الهوة . سيرة فكرية ، بيروت : دار الكنوز الادبية ، 1996. ص 163.

(16) عادل ضاهر ، الشعر والوجود ، المصدر نفسه .ص57.

(17) عادل ضاهر المصدر نفسه ص56.

(18) يراجع ، محمد احمد البنكي ، دريدا عربياً . قراءة التفكيك في الفكر العربي . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005.

– محمد احمد البنكي . المصدر نفسه ، ص 107.

(19) المصدر نفسه . الصفحة نفسها .

(20) يراجع اودنيس الحوارات الكاملة ، 1960-1980 . دمشق: بدايات للطباعة والنشر والتوزيع . ط1 ، 2005.

* سيكنفي الباحث بدرج رقم الصفحة كما وردت في الحوارات الكاملة.

(21)  ميشيل فوكو وجاك دريدا ، حوارات ونصوص ، ت : محمد ميلاد . اللاذقية : دار الحوار للنشر والتوزيع ، ط1، 2006. ص 51.

*- أتى اختيار الشاعر لقب ( اودنيس ) بديلاً لإسمه الحقيقي (علي احمد سعيد اسبر ) جزءاً من رفضه قبول واقع الحال الساسيولوجي ومسميات الهوية ( اخذت اسماً حرنني من هويتي الدينية ، وفتح لي افقاً طارئاً وغير متوقع في مجتمعنا .. وانفتحت من خلال هويتي الجديدة الحاسمة وغير النسبية على كل ما هو انساني . لقد اخترت هوية مطلقة . وبدءاً من هذا الاختيار لم يعد لي هوية جاهزة او مقررة مسبقاً ).

(22) للمزيد ينظر : اودنيس وشانتال شواف . الهوية غير المكتملة . تعريب : حسن عودة . دمشق : بدايات للطباعة والنشر والتوزيع . ط1 . 2005 . ص ص/68-69.

(23) أودنيس الأعمال الشعرية  . ج1 . أغاني مهيار الدمشقي وقصائد أخرى . دمشق : دار المدى للثقافة والنشر ، 1996 . ص321 .

(24) أودينيس : الأعمال الشعرية .ج1. المصدر نفسه . ص 443.

(25) عادل ضاهر ، المصدر نفسه . ص159 .

(26) جاك دريدا . الصوت والظاهرة . مدخل الى مسألة العلامة في فينومنيولوجيا هوسرل . ت : د. فتحي انقزو . بيروت : المركز الثقافي العربي .ط1 ، 2005.ص 124.

(27) جاتيرياك سبيفاك و كريستوفر نورس ، صور دريدا ، ثلاث مقالات عن التفكيك ، اختيار وترجمة : حسام نايل ، القاهرة : المجلس الأعلى والثقافة .2002 .ص 106.

(28) محمد احمد البنكي : دريدا عربياً . المصدر نفسه.ص109.

(29) ميشيل فوكو وجاك دريدا ، حوارات ونصوص ، المصدر السابق نفسه . ص 143.

(30) عادل عبد الله ، ارادة الاختلاف وسلطة العقل ، المصدر نفسه . ص 22.

(31) شاكر النابلسي ، الفكر العربي في القرن العشرين . 1950-2000 ، ج1 . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات ، ط1. 2001 . ص336.

(32) اول كتاب ظهر لـ ( جاك دريدا ) عام 1962 هو ( مدخل الى أصل هندسة هوسرل ) وطرحت بعض كتبه اولا حاملة لشكل المقالة جمعت لاحقاً بعد خمسة سنوات ( 1967 ) شأن (الكتابة والاختلاف ) ( الكراماتولوجيا ) و ( الصوت والظاهرة).

(33) يراجع : سارة كوفمان – روجي لابورت ، مدخل الى فلسفة جاك دريدا . تفكيك الميتافيزيقيا واستحضار الاثر . ت : ادريس كثير . عز الدين الخطابي : الدار البيضاء . افريقيا الشرق . ط1 / 1991 ص 53 .

(34) علي حرب . هكذا اقرأ ما بعد التفكيك . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر . 2005 . ص 174.

 

المصــــــادر

 

  • البنكي ، محمد احمد . دريدا عربياً . قراءة التفكيك في الفكر العربي ، بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2005.
  • الجابري ، محمد عابد ، اشكالية الفكر العربي المعاصر ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية . ط4 . 2000 .
  • العزاوي ،فاضل، الروح الحية ، جيل الستينات في العراق . دمشق : دار المدى . ط2 . 2003.
  • العسل ، عصام ، الخطاب النقدي عند اودنيس ، قراءة الشعر أنموذجاً ، بيروت : دار الكتب العلمية ، 2007 .
  • الكحلاوي ، حسن . الفردانية في الفكر الفلسفي المعاصر . القاهرة : مكتبة مدبولي . ط1 ، 2004 .
  • أمين ، جلال . ماذا حدث للمصريين ؟ تطور المجتمع المصري في نصف قرن – 1945-1995 ، القاهرة : دار الهلال ، 2001 .
  • النابلسي ، شاكر، الفكر العربي في القرن العشرين . 1950-2000 ج1 . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات ط1 ، 20001.
  • اودنيس ، الأعمال الشعرية . ج1 . اغاني مهيار الدمشقي وقصائد أخرى . دمشق : دار المدى للثقافة والنشر ، 1996.
  • ـــــــــــ وشانتال شواف . الهوية غير المكتملة. تعريب : حسن عودة . دمشق : بدايات للطباعة والنشر والتوزيع ، ط1 ، 2005 .

10- ــــــــــ، الحوارات الكاملة ، 1960-1980 . دمشق . بدايات للطباعة والنشر والتوزيع . ط1 ، 2005.

11- باره ، عبد الغني . اشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر . مقاربة حوارية في الاصول المعرفية : القاهرة :الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2005 .

12- بلقزيز ، عبد الاله . الإسلام والحداثة والاجتماع السياسي ( حورات فكرية ) . بيروت: مركز دراسات الوحده العربية ، 2004 .

13- جهاد ، كاظم ( اودنيس منتحلا ً ) : دراسة في استحواذ الادبي وارتجالية الترجمة يسبقها : ماهية التناص . القاهرة : مكتبة مدبولي ، 1993 .

14- حرب ، علي ، خطاب الهوية . سيرة فكرية . بيروت : دار الكنوز الادبية ، 1996 .

15- ـــــــــــ هكذا اقرأ ما بعد التفكيك . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2005.

16- دريدا ، جاك ، الصوت والظاهرة . مدخل إلى مسألة العلامة في فينومنيولوجيا هوسرل . ت . د : فتحي اتقزو . بيروت : المركز الثقافي العربي ، ط1 ، 2005 .

17- ريكور ، بول . عين الذات كأخر ، ت : د. جورج زيناتي . بيروت : المنظمة العربية للترجمة . 2005 .

18- سبيفاك ، جايترياك وكريستوفر نورس . صور دريدا ، ثلاث مقالات عن التفكيك . اختيار وترجمة : حسام نايل . القاهرة : المجلس الأعلى للثقافة ، 2002 .

19- سعيد ، ادوارد ، مقالات وحوارات . ت وتقديم وتحرير : محمد شاهين . بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2004 .

20- ضاهر ، عادل . الشعر والوجود ، دراسة فلسفية في شعر اودنيس . دمشق : دار المدى ، 2000 .

21- عبد الله ، عادل ، ارادة الاختلاف وسلطة العقل . دمشق : دار الحصاد للنشر ودار الكلمة للنشر . ط1 . 2000.

22- فوكو ، ميشيل وجاك دريدا . حوارات ونصوص . ت : محمد ميلاد . اللاذقية : دار الحوار للنشر والتوزيع . ط1 2006 .

23- كوفمان ، ساره و روجي لابورت ، مدخل إلى فلسفة جاك دريدا . تفكيك الميتافيزيقيا واستحضار الأثر ، ت : ادريس كثير – عز الدين الخطابي ، الدار البيضاء : افريقيا الشرق. ط1 . 1991 .

24- مروه ، يوسف . أضواء على أزمة الفكر العربي المعاصر الفلسفة المدرحية . بيروت : دار أمواج . ط1 . 2000.

((Follow our page))

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s