مفهوم الكتابة عند السيميائيين الفرنسيين **الأستاذة: فرطاس نعيمة قسم الأدب العربي كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية جامعة محمد خيضر بسكرة

 

مفهوم الكتابة عند السيميائيين الفرنسيين

– فريق كما هو أنموذجا-

الأستاذة: فرطاس نعيمة

French Philosopher Jacques Derrida
19 Dec 1987, Paris, France — Influential French philosopher Jacques Derrida (1930- ), founder of the International College of Philosophy, has written , an essay of French poet Francis Ponge

قسم الأدب العربي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية

جامعة محمد خيضر بسكرة

 

 

 

تقديم:

الكتابة écriture مفهوم واسع و مهم في الأدب الفرنسي، و النظريات الفلسفية الحديثة، و قد اتخذت عدة أشكال في مداخلات النقد الحديث Nouvelle critique، سواء عند رولان بارطRoland  BARTHES (1915-1980)،أو جاك دريدا Jaques DERRIDA (1930-2004)، و سوائهم، أو المنظرين للكتابة النسوية عموما، و الكتابات الجماعية ” لفريق كما هوLe groupe de Tel Quel “، هذا الفريق الذي أبدى محاولة لتقريب الكتابة من القراءة، و هي «محاولة تجعل من النص ليس فضاء تعبيريا و إنما فضاء افتنان، و بهذه الطريقة يمكن القضاء على السأم و الضجر الذي يشعر به القارئ أمام النص الحديث (المطلسم)، لأنهم في هذه اللحظة سيكفون عن التلقي ليشاركوا في الإنتاج»(1)، فيصبح القارئ منتجا لا مستهلكا فحسب، و مبدعا من نوع خاص لا متلقيا فقط.

و على هذا الأساس روج الفريق لهذا المصطلح، في مجلته الأدبية-الفلسفية الحاملة للاسم نفسه، هذا المصطلح الذي لا يبرح جديدا، و مهمشا في الدراسات الكلاسيكية، إن لم نقل منسيا، و قد «قدم فريق الدراسات النظرية لكما هوLe groupe d’étude théorique de Tel Quel البحث الجماعي لنظرية المجموعةLa théorie d’ensemble سنة 1968 (ووقع ميشيل فوكو Michel FOUCOULT، و رولان بارط، جاك دريدا المقالات الأولى)»(2)، وذلك «بحثا عن إثارة ” تهديم معممSubversion généralisée “، فالكتابة و الثورة لهما غاية واحدة. لكن، في سنة 1970، بسبب منع نشر رواية عدن Roman Eden لبيير غيوتهPierre GUOTAT ، تمت قطيعة ” التلكيليين    Telqueliens “مع ال  PCF(3)الذي لم يدعم المؤلف. إذن، قامت ” كما هو ” بثورتها الثقافية أثناء  ” حركة جوان1971  Mouvement de Juin” بمهاجمة ال PCF و لويس أراجونLouis ARAGON »(4)، هاته الثورة التي « أعلن الفريق [ من خلاها ] ضرورة تجاوز ” الحرفي littéral، و الشكلي formel، أو البنيوي structural “(كما هو1968: 7).

بوضوح، اتفق الفريق على ألا يبقى عند الدرس الذي تلقاه من الشكلانيين الروس Formaliste   russes، و الذي وصل مترجما من طرف تزفيطان تودوروف Tzvetan TODOROV، ثم قدم للجمهور الفرنسي بأكثر واحد شهرة من بينهم رومان Roman JAKOBSON »(5).

من هنا، ارتأى الفريق ضرورة عرض شعاره الرسمي الخاص به، و الذي يبشر بالنقد الجديد، فقد «بين نص لسولير بعنوان- الرواية و تجربة الحدود Le roman et l’expérience des    limites- قيمة ” الكتابة النصية l’écriture textuelle “، أما مؤلفاه ” مأساة Drame 65 ” و ” أعداد Nombres 68 ” فقد كتبا ضد أدب التمثيل (العرض)  la littérature de présentation و الأدب النفساني، و لم يتوقف سولير عن التأكيد على الوظيفة النقدية و التفكيكية للأدب الحقيقي»(6).

و قد شغلت كلمة (الكتابة) الحيز الأكبر من اهتمامات منظري الفريق ككل، الذين اتخذوها كشعار لهم يواجهون بها كلمة (الأدب) ذات المعنى أو الدلالة المبتذلة حسبهم، يقول ل.سومفيل L.SOMVILLE شارحا وجهة نظرهم: «إن شعار كما هو هو الكتابة، التي نواجهها بالأدب، و كان على الأولى أن تعمل على تهديم الثانية، و ذلك باسم ماركس Marx و فرويد Freud…يتعلق الأمر بالمؤلفين أن يمارسوا قطعا مع مفهوم ” الشعر Poésie ” أو ” الخيال Fiction ” الذي ستكون له مهمة عكس شخصية الفاعل Sujet (مبدع العمل Le créateur de l’œuvre) أو تنظيم العالم الواقعي»(7).

هذا ما جعل ف.سولير يتعرض لمفهوم (الكتابة) بتوسع في إحدى المقالات المنشورة بالمجلة نفسها، و ذلك بعنوان ” مستويات دلالية لنص حديث Niveaux sémantique d’un texte moderne “، بحيث إن تلك المستويات –عنده- بمثابة طبقات يتكون منها أي نص، فالطبقة الأولى (طبقة سطحية Couche superficielle)، ويقصد بها الكتابة؛ أي التمثيل الخطي، فلكل لغة حروفها الخاصة بها، تلك الحروف تجتمع وفق نسق معين لتشكل المظهر المادي للنص.(8)

أما الطبقة الثانية (ط.وسطى C.moyenne)، فهي التناص Intertextualité كما هو مطروح لدى ج.كريستيفا J.KRISTEVA (1941)، و يعطى مثالا عنها بالكوميديا الإلهيةLa Divine Comédie لدانتي أللجيري، فهي تمتص العديد من المصادر المتنوعة، و لكن لا توظفها بطريقة مباشرة، بل تخضعها لعملية هدم و بناء، يتناسب و معطيات النص اللاحق(9).

و «بواسطة هذا العمل أي الهدم و البناء، تظهر إلى حد ما الحرية و ليس الإجبار. و إن كان، في الواقع، ليس مسموحا أن نكتب إلا انطلاقا من القراءات السابقة، فإنه بفضل توفر إمكانية فعل شيء آخر غير إعادة هاته القراءات،تصبح الكتابة حقيقة،…إنها إمكانية و ضع النصوص المقروءة في حالة عمل، و البحث لها عن معنى ” قبلي ” و إعطاؤها عملا من جديد»(10).

إذن ف «الكتابة هي، و بأكثر توسع، أسلوب من أساليب التناص. فليست فقط الحروف أو الكلمات التي تسمح لنا بالكتابة، بل انه أيضا مجموع المقطوعات séquences النصية المقروءة، و التي، نستطيع تقطيعها، إعادة بنائها، و تحويلها على هوانا.

لن تتواجد كتابة شخصية ما لم تكن هناك (سرقة) للقراءة La lecture…و كل نص، مع ذلك، يحتفظ قليلا أو كثيرا بالأثر La trace ” لملحقاته النصية Annexions textuelle ” التي أجازته»(11).

أما الطبقة الثالثة و الأخيرة (ط.عميقة  C.profonde)، هي «” الكتابة ” و تعني فعل انفتاح اللغة، تمفصلها، تقطيعها، تفضيئها…بالطريقة التي تظهر بها دائما” ما قبل كتابة ” في ” الكتابة “، أثر داخلي للتمييز دال/مدلول، حجز خطي للصوت في الكلام»(12).

و إن ملخص العمليات السابقة، هو ما يمكن أن نمثل له بهذا الرسم المبسط:

طبقة سطحيةالكتابة

طبقة وسطى التناص

طبقة عميقةالكتابة

ط 1

 

 

ط2

 

 

ط 3

 

بحيث إن ط3 تحتوي ضمنيا على ط1 حسب مفهوم ف.سولير.

و مجاراة للنظرة السابقة، فاللغة في أي نص محكومة بعوامل معينة؛ إنها «ملفوظ énoncé، تدخل في فضاءespace، ينفلت من كفاءة اللسانيLa compétence de linguistique ، بل إن ذلك الفضاء هو بالأحرى مضبوط بتصورات Concepts، ذات نظام سيميائي، أي، حسب مصطلحات Termes جوليا كريستيفا الدقيقة، و ذات النظام اللانظمي Paralinguistique حسب (سوسير Saussure) و التناصية جوهريا حسب (باختين Bakhitn)»(13).

غير أن هذه المجهودات القيمة، التي استبدلت حسب اقتراح ف.سولير«مقابل النص الكامل الجامد المسيج بقدسية شكله و فرادته، فرضية التناص…القائلة بأن كل نص يقع عند ملتقى مجموعة من النصوص الأخرى؛ يعيد قراءتها و يؤكدها و يكثفها و يحولها و يعمقها في نفس الوقت»(14)، لم يكتب لها الاستمرارية، إذ دب الانشقاق في أعضاء الفريق؛ فمن اتخاذ شكل الشيوعية (1967-1970) إلى اعتناق الماوتسية maoÎsme (1971-1976)، ثم التراجع عنها نهائيا، و الشروع «في نقد لأعماق الظاهرة التسلطية. ففي صيف 1978 نشر العدد n°76 من كما هو و خصص للانشقاق، يعلن سولير: التميز هذه هي القاعدة في الفن و الأدب، يجب على الثوري أن يكون من الآن فصاعدا متميزا»(15).

و بظهور «العدد الأخير n°94 في شتاء 1983 يغادر ف.سولير العتبة…متسائلا: ما هو هدف كما هو A quoi sert Tel Quel ?»(16).

هذا السؤال الذي نستشف من خلاله روح اليأس، و العجز عن الوفاء لمبادئ المشروع الذي اخطته الفريق لنفسه، إذ تحول الكثير من مؤسسي المجلة عنها، لتفقد بذلك أهم أعضائها المؤسسين، كسولير (القطب الروحي و مدير المجلة)، ج.كريستيفا (زوجته)، ر.بارط،…الخ، ليذهب كل منهم مذهبا خاصا به، و يستقل بأفكاره، كما هو الحال مع بارط على سبيل المثال، الذي حاول أن يؤسس ما أسماه ب ” نظرية النص Théorie du texte “، هاته النظرية التي حاكها في الحقيقة من خيوط متعددة، غير أن الشيء الوحيد و الأكيد أن أفكاره تلك عكست انتماءه إلى الفريق، كما تدل على ذلك أغلب كتاباته الرئيسية و محاولاته النقدية، حيث إنه «نشر في الحقيقة في مجلة نقد critique (العدد 218، جويلية 1965) دراسته الأولى (**) حول مؤلف oeuvre ف.سولير مدير كما هو، و قد حكم على هاته الدراسة بأنها غير مهمة بما فيه الكفاية، على المستويين النقدي و النظري، فأعاد نشرها فيما بعد مضيفا من شروحه الخاصة، في المؤلف الجماعي ” نظرية المجموعة “، الذي شكل بيان جماعة كما هو collectif Tel Quel في مرحلتها السيميولوجية sémiologique و الثورية، و منذ ذلك الحين أسس بارط نظريته للنص texte»(17)، و التي تقوم على «سبع مقترحات: المنهج، الأنواع genres، العلامة  signe، التعدد pluriel، النسب filiation، القراءة lecture، اللذة plaisir»(18)، بحيث إنه اعتبر أن العلاقة التي تقوم بين القراءة و الكتابة، تماثل تلك التي تقوم بين الدال signifiant و المدلول signifié، كما هو معروف عند اللساني السويسري فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure (1857-1913)، أي إنهما كوجهي العلامة اللغوية لا يقبلان الفصل عن بعضهما البعض.

و قد كان «اهتمام بارط بالكتابة Writing واضحا منذ محاولته الرئيسية الأولى [الدرجة الصفر للكتابة Le degré zéro de l’écriture 1953]، التي أثبت فيها  أن أي شكل form أو أسلوب للكتابة ليس تعبيرا حرا عن شخصية مؤلف ما. فالكتابة مشحونة دائما بقيم values اجتماعية  و إيديولوجية، و اللغة ليست بريئة مطلقا»(19).

بمعنى أن «اللغة و الأسلوب، قوتان تمتلكان سلطة تفرض على الكاتب، الأولى عبارة عن طبيعة مشتركة بين الجميع، و الثانية هي طبيعة خاصة بالكاتب، و هي تأتي من باطنه، و من هاتين القوتين يميز بارط الكتابة، يصرح لنا أنه بواسطة الكتابة يبدأ الأدب. و بما أن الكتابة ترتكز على علاقة بالتاريخ، و بما أنها محددة بمتلقي النص فهي حرية، من خلالها يختار الكاتب مقاصده»(20).

إذن «فالكتابة ليست وسيلة اتصال لكن وظيفة: الكتابة هي العلاقة بين الإبداع و اللغة الأدبية،    و قد تحولت عن طريق ” المقصد destination ” الاجتماعي. الكتابة ليست تعبيرا عن ذاتية subjectivity  مؤلف، لكن تبني وضعية في إطار ثقافة مشحونة مسبقا بمعنى و بيانات. هاته المعاني متضمنة سلفا تعريفات حول ماهية الأدب و النصوص الأدبية»(21).

في سنة 1973، يطرح بارط فكرة جديدة عن الكتابة في مؤلفه ” لذة النص  Le plaisir du texte”,

يقول: «إن على النص الذي يكتبونه أن يقدم إلي الدليل على أنه يرغب في. و هذا الدليل قائم: انه الكتابة. و الكتابة هي: علم متع اللغة، كاماسوتراKama-Sutra  اللغة (و هذا العلم ليس له إلا مصنف واحد هو الكتابة عينها»(22).

و هذا ما جعله يعتبر الكتابة «فعلا متعديا، هدفه ليس أن يقدم الكلمة word، لكن أن يستخدم اللغة»(23)، استخداما فيه الكثير من الإيحاء و الغموض و الشطحات الفلسفية و الهلوسات الايروسية،   و الانقلابات الفكرية و الزعزعات المعرفية، و هو ما ميز أسلوب بارط شخصيا، خلال رحلته في الكتابة الإبداعية، يقول محمد عزام في مقال رصد فيه مراحل تطور الفكر البارطي:«لقد أصبحت (لذة) بارط في اللعب بالكلمات، حيث ينغمس في اللغة وحدها، فيستخرج المستوى اللاواعي من اللغة الواعية، و يخلق لغات شارحة لنصوص جديدة، و ينغمس td لذته النصية، مستمتعا بالقراءة، و مؤكدا أن (الكتابة) ممارسة شهوانية. و تنفجر هذه اللذة الجنسية في كتابه (لذة النص)»(24).

أما نجم الفلسفة المعاصرة جاك دريدا، فقد دعا إلى تأسيس ” علم الكتابة Grammatology “، و قد تنبأ لنشوء هذا العلم بقوله: «علم لم يتحقق بعد، و لن نستطيع أن نقول ما هو، لكن له حقا في الوجود…و الألسنية ستكون مجرد جزء من ذلك العلم العام. و إن القوانين التي تكتشفها الغراماتولوجيا ستنسحب على الألسنية. (نحوية: 49)(***)»(25).

و كأن هذا التصريح جاء نقدا لكلام عالم اللسانيات السويسري ف.دي سوسير،الذي قال ما يشابهه، حينما تنبأ لنشوء السيميولوجيا، يقول د.محمد سالم سعد الله: «إن مجمل المعطى لعلم الكتابة يعد نقدا لثنائية سوسير (الدال و المدلول)، و رؤيته لدور العلامة و فاعليتها في بناء النص، فالدال عند سوسير هو تشكل سمعي و بصري، و صورة لحمل الصوت و قد عد دريدا ذلك تمركزا حول الصوت، و صورة واهمة لحمل المعنى»(26).

و لعل لجوء دريدا إلى مصطلح (الكتابة) هو مساهمة فعلية منه في إعطاء مكانة للحرف المكتوب، بعد أن تمركز الفكر الغربي لقرون عديدة حول الكلام la parole المنطوق منذ أفلاطون Platon (427-348) إلى منتصف القرن العشرين، فقد نصب أغلب الفلاسفة أنفسهم كحماة للفظ المنطوق على حساب اللفظ المكتوب، الذي عد عديم الفائدة قياسا بنظيره السالف الذكر، يقول أفلاطون في كتابه ” فيدر Phèdre ” –نقلا عن عبد المالك مرتاض-: «إن الكتابة هي من السوء بالضرورة؛ لأنها خارجة عن دائرة الذاكرة، و لأنها لا تنتج علما و لكن رأيا؛ و لأنها، أيضا، لا تنتج حقيقة، و لكن مظهرا»(27).

و هو كما نلاحظ موقف شديد العدائية اتجاه الكتابة، و تسفيه لها، و حط من قيمتها، و تجميد لإمكانياتها في الحياة البشرية.

لكن، يا ترى على ماذا يقوم مشروع دريدا الرامي إلى تقويض النظرة التقليدية، و الإعلاء من شأن الكتابة ؟ أقول بادئ ذي بدء، إن دريدا من الفلاسفة الذين يبتكرون و يشتقون مصطلحات خاصة بهم، ولهذا فان الباحث في فكره تواجهه عدة عقبات، لعل أولاها «أوجدها أسلوب دريدا نفسه المتسم بإثارة الحيرة فضلا عن مصطلحاته و مفاهيمه، أما الثانية فهي سلسلة الآراء النقدية التي تعد تأويلات interprétations غير وافية أو سوء تأويلات mis interprétations محتملة»(28)، و لعل المتأمل فيما كتبه في هذا المجال ك ” الكتابة و الاختلاف l’écriture et la différence 1967 “، ” علم الكتابة de la grammatologie “، ” الانتشار la dissémination “، ” أركيولوجيا النزق l’archéologie du frivole  “، ” الصوت و الظاهرة la voie et le phénomène “،…الخ، سوف يخرج بنتيجة واحدة، و هو أنه يحاول أن يؤسس نظرية جديدة لعلم الكتابة، و إن كانت مصطلحاتها لم تتضح بعد في أذهان الكثيرين، و لهذا نعتها البعض بأنها أشباه مفاهيم، و أسماها هو البنية التحتية (29)، و من هذه المصطلحات التي ترددت كثيرا عنده نذكر:

الأثر Trace، الاختلاف Différence، الانتشار (التشتيت) Dissémination.

 

 

 

1-الأثر Trace:

هو أدنى أو أصغر مستويات البنية الضرورية لإيجاد أي اختلاف أو تضاد بين المصطلحات  أو المفردات، و لإيجاد ما يمكن أن تحل هذه المصطلحات أو المفردات مكانه و تنوب عنه (أي إيجاد أي علاقة مع ” الخارج “)(30).

و قد كان هدف دريدا من هذا أن تستبدل (العلامة signe) بمفهوم الأثر بوصفها الحامل لسمات الكتابة، و لنشاط الدال، و قد تحولت اللغة وفقا لذلك من نظام للعلامات –كما هي عند سوسير- إلى نظام للآثار، بحيث إن تلك الآثار تعين على ترسيخ مفهوم الكتابة(31).

2_الاختلاف (الإرجاء):

شكل هذا المصطلح أثناء ترجمته مشكلة لدى المترجمين، فترجم ب (الإرجاء) أو(الاختلاف)، بينما اقترح البعض الاستفادة من الإمكانات الواسعة التي تتوفر عليها اللغة العربية، إذ قام د.عبد الوهاب المسيري بنحت مصطلح آخر من الترجمتين معا فقال (اخترجلاف)(32).

و مفهومه عند دريدا يمتاز بنفس سمات الأثر، إذ يعبر عن حركة بنية اقتصادية و مفاهيمية  و شكلية تجمع معا سلسلة من الحركات الدلالية التي ترتبط بأصول المصادر المختلفة لهذا المصطلح(33).

3-الانتشار:

يقصد به انتشار المعنى و تشتته بطريقة تستعصي على الضبط و التقنين، بل هو حركة مستمرة تتسم بالزيادة المفرطة إلى حد الفيضان و التفسخ.

و يتجلى ذلك في مصطلح (Pharmakon) على سبيل المثال، و الذي قد يعني (العقار، ترياق الحب، العلاج، السم،…)، و كأن اللفظ يمارس عملية إغواء القارئ أو المتلقي(34).

و رغم هذا يبقى هذا المشروع، الذي اخطته جاك دريدا، ليؤسس للغراماتولوجيا من الصعوبة بمكان، انه أشبه ما يكون بالمتاهة المتعددة المنافذ، أو السؤال المعلق الذي ينتظر جوابا، و لعله من المفيد أن نؤكد بأن هذا العلم لا وجود له بعد.

 

 

خاتمة:

مما سبق ذكره، يمكننا أن نخلص إلى أن مصطلح (الكتابة) من المفاهيم المحيرة عند هذا الفريق، الذي أبدى محاولة جادة و جديدة ليعطي للجانب الكتابي أهمية تعادل أو تتعدى أهمية الجانب النطقي أو الشفوي، إلا أن محاولاته تلك، كانت تتراوح حينا بين النجاح و حينا آخر بين الفشل، رغم الحجج و الذرائع التي ساقها أعضاؤه ليحاولوا الاستدلال على صحة ما ذهبوا إليه.

و من المفيد في ختام هذا المقال أن نردد مع د.محمد سالم سعد الله قوله: «إن حضور الكتابة و انجازها لنفسها يعد تهديدا لمركزية حضور العقل، و مركزية حضور السلطة، و مركزية حضور الجسد خارجها و إذا كان ثمة حضور للحقيقة، فإنه يتمثل في تفكيك الكتابة لكل هذه المراكز، لا لتكون مركزا بديلا، و لكن لتكون قراءة قد يطل منها الغائب و الممتنع، و ما لم يفكر فيه، و الهامشي،  و المنفي»(35)، و هو ما عجل في خلق أعداء كثيرين حاربوها على مر العصور، محاولين اختزالها و احتواءها و تهميشها، إلا أن الكتابة تعاند و تتحدى، و تنبعث من رماد فنائها، كالطائر الأسطوري  ” العنقاء “،  أو ليست الكتابة في النهاية أسطورة !

 

هوامش:

 

(*)- ” كما هو ” مجلة أدبية تأسست بدار النشر عتبات (seuils)، تحت مبادرة ف.سولير و جون ايدرن هاليي Jean EDREN HALLIES (الذي تم إقصاؤه سنة 1962)، افتتح العدد الأول من المجلة بعبارة نيتشه Nietzsche «أريد العالم و أريده كما هو Je veux le monde et je le veux tel quel»، و قدمت المجلة نفسها كبيان مضاد للسارترية  Anti-Sartrien، سارتر الذي يريد أن يحرر الكتابة من كل تبعية سياسية.                                     Voir:Collection Microsoft ® Encarta 2005

(1)- عمر أوكان: مدخل لدراسة النص و السلطة، أفريقيا الشرق، المغرب، ط 2، 1994، ص 74.

(2)- Lion SOMVILLE et autre : méthodes du texte (Introduction aux études littéraire), édition Duculot, Paris Gembloux, 1987, P113.

(3)- ال PCF اختصار ل Parti Communiste Français، أي الحزب الشيوعي الفرنسي.

(4)- Voir : Collection Microsoft ® Encarta 2005.

(5)- Léon SOMVILLE : Op., Cit., P113.

(6)- Collection Microsoft ® Encarta 2005.

(7)- Léon SOMVILLE : Op., Cit., P113 et siuv.

(8)- بنظر: عمر أوكان: مرجع سابق، ص 70.

(9)- ينظر: المرجع نفسه، ص ص. 70-71.

(10)- A.Fossion et J.P.Laurent : Pour comprendre les lectures nouvelles, Edition A. de Boeck, Bruxelles, 1981, P 158.

(11)- Ibid, P 157.

(12)- عمر أوكان: مرجع سابق، ص 72.

(13)- Léon SOMVILLE : Op., Cit., P 114.

(14)- ب.م.دوبيازي: «نظرية التناص»، تر: المختار حسني، في http://www.Fikrwanakad.com.

(15)- Collection Microsoft ® Encarta 2005.

(16)- Le même.

(**)- يقصد به كاتبه ” سولير كاتب Sollers écrivain 1979  “.

(17)- Michel BEAUJOUR : «Barthes et Sollers», in http://www.Fabula.org.

(18)- Alain GIFFARD : «Roland Barthes, le lecteur et l’hypertexte», in http://www.typepad.com.

(19)- David MACEY: Dictionary of critical theory, Penguin Book ltd, London, England, 2000, P 29.

(20)- «le jargon du critique littéraire », in http://www.dift.info/art/index.php.

(21)- D.MACEY: Op., Cit., P 406.

(22)- رولان بارط: لذة النص، تر: فؤاد صفا- الحسين سبحان، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط 2، 2001، ص 15.

(23)- Voir : D.MACEY :Op., Cit., P 406.

(24)- محمد عزام: «النقد الحر عند رولان بارط»، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، ع 348، نيسان، 2000، (مقال في الانترنيت).

(***)- يقصل ميجان الرويلي و سعد البازعي ترجمة Grammatology ب (النحوية)؛ لأن المصطلح حسبهما لا يعني في الموروث الإغريقي (الكتابة) فقط، بل يحمل معاني أخرى ك (وحدة الوزن، حبة القمح، الحفر، وحدة السلم الموسيقي، وحدة الطيف،…)، كما يريان أن دريدا في مقدمة كتابه ” De la grammatologie ” لا يقصد بالحرف، الحرف المكتوب و إنما المنطوق، و ذلك استنادا إلى ما جاء في بداية مؤلفه السابق الذكر، ينظر كتابهما: دليل الناقد الأدبي (إضاءة لأكثر من خمسين تيارا أو مصطلحا نقديا معاصرا)، م.ث.ع، ط 2، 2000، ص ص.157-158.

(25)- المرجع نفسه.

(26)- محمد سالم سعد الله:«فلسفة التفكيك عند دريدا»، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، سوريا، ع 417، كانون الثاني، 2000 (مقال في الانترنيت).

(27)- عبد المالك مرتاض: في نظرية النقد (متابعة لأهم المدارس النقدية المعاصرة و رصد لنظرياتها)، دار هومه للطباعة و النشر و التوزيع، الجزائر، 2002، ص 83.

(28)- خالدة حامد تسكام: «جاك دريدا، و نظرية التفكيك»، فيwww.aushtaar.net .

(29)- ينظر الرويلي و البازعي: مرجع سابق، ص 54.

(30)- المرجع نفسه، ص 58.

(31)- ينظر: محمد سالم سعد الله: مرجع سابق.

(32)- ينظر: عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود و اليهودية الصهيونية، دار الشروق، مصر، ط 1، 1999، ص 426.

(33)- ينظر: الرويلي و البازعي: مرجع سابق، ص ص. 61-62.

(34)- ينظر: الرجع نفسه، ص ص. 66-67.

(35)- محمد سالم سعد الله: مرجع سابق.

 

 

((Follow our page))

 

1_505060_1_34

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s