مستقبل ومهمة الأدب الاستعماري الجديد ** بيير هـوباك* ترجمة: سمير بوزويتة

مستقبل ومهمة الأدب الاستعماري الجديد

بيير هـوباك
ترجمة: سمير بوزويتة
تقديم
يسطر هذا البيان الذي عُرض في المؤتمر الأول للأدب الاستعماري الفرنسي في يونيو1931 [1] السياسة الاستعمارية لمفهوم الأدب والثقافة الاستعماريين، حيث تتجلى وظيفة الأدب في التملك الجغرافي وصور الشرعية وتقنيع موقف القوة وإخفاء حقيقة الاستعمار. كما يرفع الأقنعة المزيفة عن وجه الثقافة الإمبريالية وكشف الزيف والمراوغة اللتين تنطوي عليها الشعارات التنويرية والنزعة الإنسانية المخادعة والتي تحاول الثقافة الإمبريالية تقديمها بوصفها الواجهة البراقة للوعي الجمعي الغربي.
إن نزعة الدهاء النفعي الذي يركب الانتقاد الناعم للسياسة الاستعمارية ويعترف بالسلب، إنما هو خطاب يفضح حقيقة الخطاب الواحد ومعركته اللامنتهية مع الحذف والاستبعاد. وتعرية السلب هي فكر ملتصق بالخارج، يحمل مشروع الفاتح/ المنتصر الذي لا يسمح بإعاقة فكرة إلحاق واستيعاب الآخر المختلف، والتي تؤكد طفوح إرادة الواحد المهيمن خارج حدوده الوطنية.
يَعتبر الفكر الاستعماري السلب مناسبة للعودة إلى الذات وإعادة النظر في كل ما خطط له، وهذه المراجعة المتجددة تُوظف في موقعة الهيمنة والاستعمار.
وأخيرا يفضح هذا البيان الفكر الغربي الاستعماري المتشبث بواحديته المتغطرسة، حيث يجعل لهذه الواحدية إسما سحريا هو الرسالة الحضارية والتقدم. وانسجاما مع الفكر الاستعماري المؤمن بثقافة المبادرة واحتكار القيادة، فإن لحظة استراحته لا تنضبط في الزمان والمكان، وتظل في بحث دؤوب عن ثقافة التواطؤ الكلي والتشابك الحميمي بين الاستعمار والأدب اللذين يمارسان أبشع تقطيع جغرافي وتصنيف اجتماعي في حق آخرية لاحق لها إلا في استيطان المحيطية والهامشية.

البيان المترجم :
حينما تتحدث عن “الأدب” فإنه لا يليق التذكير بقولة “مانجان Mangin” المأثورة : “إن فرنسا بلد أمة تتكون من مائة مليون نسمة”، لأن هذا القول قد يخدم الجانب العسكري ويقويه، بينما يكون الأمر محزنا لدى بعض الكتاب.
إن هذا العدد لا يمثل في الحقيقة، سوى نسبة عشرات الآلاف!، بالمقارنة مع نسبة قراء كتاب جيد.
وهذا العدد من القراء لا يواكب نسبة الكتب المعروضة، خاصة ما هو غير المعروف منها، والتي لا يُقرأ منها إلا قليلا، إذ ينحصر القراءُ في بعض الآلاف، ولهذا فمن الصعوبة بمكان أن نجد قارئا أو إثنين لهذه الكتب من بين مائة ألف قارئ فرنسي!
فلا توجد أمة في العالم لها أقلية من جمهور القراء والقراء البسطاء مثل فرنسا، فمن المؤسف أن نجد هذا البلد يضم أكثر من أربعين مليون من المستعمِرين والأهالي، تشكل فيه الأمية نسبة تبلغ %90.
يظهر للوهلة الأولى، أن الرواية الاستعمارية ليس لها جمهور قراء من سكان المستعمرات بل إن القراءة محصورة في الميتروليتانيين.
ولهذا ليس هناك وسيلة معينة حتى الآن، لمعالجة هذا المشكل، خصوصا وأن الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية حديثة العهد، وأدبها حديث العهد بهذا الواقع، ولم ينجح في تحقيق الاستمرارية وإثبات الذات الجماعية أو الفردية؛ لأن الهيئة الاستعمارية لم تهتم بعد بواقعها الاستعماري.
يبلغ عدد القراء المتنورين من الجمهور الاستعماري، حوالي ثلاثة ملايين نسمة، لكن هذا الجمهور مجزأ ومشتت وموزع في كل أنحاء المعمور إلى درجة يبدو وكأنه غير موجود. إنه يملك مكتبات عديدة ويضم نخبة من المفكرين والإداريين والعسكريين والبحارة والكولون والمدرسين، والقراءة هي السمة الغالبة على هؤلاء القراء (لأن الكتاب يساعدهم كثيرا على مواجهة الوحدة والغربة، والتغلب على القلق والكآبة وغيرها…).
بالإضافة إلى أن المستعِمر أيضا متمرس بالقراءة ومواجهة المشاكل المتعددة، فإن احتكاكه بالأجناس المختلفة والديانات الغرائبية ومواجهته المستمرة للحاجيات الضرورية والمشاكل الآنية، جعل فكره ينتعش وآفاقه تصبح أكثر رحابة.
هذا الجمهور يمتلك وقتا كافيا للقراءة، بالإضافة إلى إمكانيته الكبيرة في جلب الكتاب والحصول عليه باستمرار، لأنه يشكل لديه غذاء فكريا مهما، إلى حد أصبح بالنسبة إليه ضرورة قصوى. لكنه مع الأسف يعتبر-كذلك- (في نفس الوقت) صديقا مخيبا للآمال ومحبطا.
أنتم تعلمون أننا نختار أصدقاء الكتاب بشكل دقيق! والمستعمِر القارئ نفسه يمكنه أن يختار الكتاب الاستعماري الذي يعبر عن فكره وعقليته الاستعماريين، ويبرز قضاياه المشوقة، ويعكس اهتمامه، وبما في ذلك الأشياء التي تبرز تضحيته وتصور مساره الصعب الذي يجتازه ويسير فيه بحذر. والكتاب الذي يجد فيه كذلك إسهاماته في حياة الأهالي، ويستحضر مآثر وتقاليد الحضارات القديمة، سواء كانت نائمة أم خامدة، وكذا فنون وحكم الأمم الغابرة.
للمستعمِر رغبة في أن يجد في هذا الكتاب أيضا ما يفسر له الأشياء التي تدهشه والتأثيرات التي تقتحمه، كما يريد أن يتحدث له (الكتاب أيضا) عن ذاته، ويطلعه على ما يعرفه وما يجهله من أشياء، وأن يكون سندا له يتفهمه ويُعرفه بنفسه، بالإضافة إلى ضرورة اهتمامه بإنجازاته، ولا دون أن يقتصر فقط على الاهتمام ببني جلدته الأهالي وبعض التقاليد الباروكية ولون السماء والمظاهر السطحية.
لقد غدت روح فرنسا الاستعمارية رابطا ضروريا في توحيد ملايين الميتروبوليتانيين المنفيين-متحدية اختلاف المناخات والفضاءات- خاصة الشباب الفرنسي الرائع الموجود في الأدغال والأحراش والصحاري والبراري، فكان إذن، على الكتاب الاستعماري أن يخلق هذه اللحمة معبرا عنها وأن يشكل فضاء يعرف بهذا الشباب ويكرمه ويشيد بالدور الذي يقوم به.
إن جمهور القراء الاستعماريين مهما فرقت بينهم المسافات فإنهم يحملون فكرا موحدا وعواطف متماثلة وردود فعل محددة، ويتمتعون بالإيمان نفسه ويتقاسمون روحا مشتركة.
لم تتوان الشعارات المتعددة عن الترويج لفكرة وحدة الفكر والشعب الاستعماريين، وعليه فإنه حتما سيواجه الشعب الاستعماري آثار هذه الفكرة مستقبلا، ولقد تبينت لنا الأسباب التي يجب العمل بها وترسيخها وتهييء أنفسنا إليها، خاصة وأن ذلك يتزامن مع انطلاق أشغال المؤتمر الأول للأدب الاستعماري الحديث العهد.
من هم القراء الاستعماريون؟ إنهم يشكلون جمهورا ليس كمثله أي جمهور يتميز بروح المغامرة والمبادرة والإبداع والتضحية وسمو دوره القنصلي. ويتمتع بقدرة في توظيف سلطته، وإدراك معنى مسؤوليته ومهمته. وهذه الخصائص لا تزيده إلا افتخارا بنفسه، وبذلك فهو في أمس الحاجة إلى الاعتناء بها، على اعتبار أنه يظن نفسه ضائعا ومهمشا إلى درجة الإهمال. فحينما ينظر تجاه باريس (الميتروبول) ولا يحظى بالاهتمام-بالرغم أنه لا ينظر تجاه أي جهة ولا حتى الجهة المجاورة- فإن هذه النظرة تكون بعيدة كل البعد عن المحيط الهادي والأطلسي أو المحيط الهندي.
وعليه فهو لا يدرك معنى عالمية رسالته، وقوة تجانسه وتلاحمه المستترين، بالإضافة إلى وحدته الثقافية والمعنوية.
إن فريقا من هذا الجمهور يتشبث بانتمائه إلى إفريقيا (من الشمال والوسط والإكواتور والغرب…) وفريقا آخر يتشبث بانتمائه إلى مدغشقر وتونكان والآنام أو إلى ساكنة المحيطات. لذا لم يُظهِر لهم أحد حقيقة انتمائهم، ولم يقل لهم بما فيه الكفاية إنهم مستعمِرون. وبذلك ما يلبث هذا الجمهور أن يصبح محور اهتمام الكتاب الاستعماريين، وبالأخص الاحترافيين منهم. وبما أن الكتابة لم تشمل لحد الآن جميع الاستعماريين، فإنه بات من الضروري التـعريف بـهم باعـتبارهم مستعمِرين. وبدا لزاما علينا وعلى الكتاب الاستعماري أن يستنهض همم هذه الفئة وأن يكون سراجا يجعلها تهتدي بما تحقق من الإنجازات التي على الرغم من تعدد المشاكل الاستعمارية المطروحة والمتشابهة، فإن ذلك يدل على وحدة المسألة الاستعمارية، مثل وحدة أصل المستعمِرين أنفسهم. ويجب على الكتاب الاستعماري أن يوضح هذه المعادلة من خلال إبراز أنه بالرغم من اختلاف مجال عمل المستعمِرين، فإنهم يعملون في نفس الورش وبوسائل متشابهة ووفق خطة موحدة ومعقدة، وأن المسافة التي تفصل بينهم، لا تكفي لتفرقتهم معنويا.
إذن يجب على الكتاب الاستعماري أن يشكل التركيب والوعي المتعدد للإمبراطورية الاستعمارية، وأن يصل إلى مستوى يتجاوز فيه المستعمرات ويخترق مختلف شرائح القراء المستعمِرين، بغية أن يتعارفوا ويتوحدوا، وبذلك يكون قد شكل قناة لتبرير الاستعمار الحقيقي، وعليه يجب أن يخلق ألفة بين أجناس المستعمِرين، وأن يبشر بتعاليم وفضائل وجودنا وأن يجسد مثالية كرمنا ولطفنا. وأن يتدارك الأخطاء من أجل تبرير الغزو، وأخيرا تحقيق تصالح مع المستعَمرين.
إنه في غالب الأحيان يستطيع” الأهلي” المتنور تمييز النشاط الذي تقوم به بعض العناصر غير المؤهلة للقيام بالدور القنصلي المنوط بكل المعمرين، لذا يجب عليه ألا يخلط ويعمم معرفته على كتابات النخبة الاستعمارية، وأن يميز بين الجيد والرديء والمشاعر اللطيفة الكريمة، والتصرفات الغبية والبسيطة وبين النخبة المثقفة والدخلاء الاستعماريين.
وفي الأخير يجب على الأدب الاستعماري غزو جمهور القراء الأهالي الذي هو جمهور الاستعمار الجديد المخضرم.
إذن لابد من خلق أدب جديد، فتي، بسيط، مباشر ورحب لهذا الجنس الجديد من الأهالي الذي يجسد الإنجاز الاستعماري، ولهذا الجيل من المعمرين الذي هو ليس جيل سياحة، ولهذه الأجيال الشابة النشيطة والمتعطشة للحياة والعلم، ولهذا الجيل الجديد من المستعمَرين الذي تكون وتعلم في مستعمرات ما وراء البحار، ولهذه الفئة من الشباب التي تتلقى الدروس نفسها في المدارس الاستعمارية والتي تنصهر بسهولة مع النخبة المخضرمة والمتنوعة، والتي ترعى باريس تربيتها والاهتمام بها، ولكل هذه العناصر المتعددة التي ألفت ساحة الحرب العالمية بينها وصهرتها داخل فرنها وإعصارها المتوهجين. فعلى أدبنا الاستعماري أن يهتم بهذا الجمهور الفتي، وأن يبرز له مصيره المشترك وتعاوننا الاستعماري.
يجب على الأدب الاستعماري تجاوز المشاكل المحلية وإهمال الجوانب الجزئية عن طريق إبعاد كل ما هو ذاتي، مع إثارة القضايا الثابتة وإبراز المفاهيم الإنسانية الرحبة للإمبريالية التي ترغب في السيطرة على القلوب.
وهكذا، فإن الغرب بتأثير نخبته على الشرق المستعمَر سيستيقظ ويتفتح، وهذا ما سيجعله يستوعب جيدا فعل الاستعمار، ويتقبل تعاليمه ويتحمل الوجود الأجنبي. ووفق ذلك، فإن الشرق الذي يؤمن بالسعادة الروحانية ،سيعترف بمجهودنا الغربي الذي كان يحتقره، لأنه في نظره لا يعدو أن يكون مجرد خردة مصنعة.(كهذا التقدم الميكانيكي الذي تحدث عنه Rabindranah Tagore واعتبره مجرد صدأ ينافي العدالة الشرقية).
وإذا كان هذا التقدم الغربي هو نتاج الرغبة المثالية في تحقيق التلاحم والعيش الرغيد والسعادة، فإنه في الآن نفسه تعبير عن عدم الطمأنينة.
إذن فأدبنا يستطيع بدون شك تحقيق معجزة التفاهم وخلق المشاعر الإنسانية النبيلة وانسجام الحكمة مع الذكاء، فتصبح الأرواح الأشد تكبرا في جنسنا وجيلنا راغبة دون تردد في تقديم ما يمكن أن يشكل قاسما مشتركا بيننا، وتقديم أجود ما يوجد لدينا، فيكون عطاء الأدب روحا وقلبا. وحينما ينجح القلم الوثاب في تحقيق تضامن العوالم الاستعمارية، إذاك نأمل في وفاق الأجناس والآلهة ويغدو الأدب الاستعماري الجديد متفتحا يسع مختلف المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعقائدية والإنسانية بصفة عامة، ويصبح أدبنا مبدعا ومفيدا وبسيطا وقويا، وبالتالي لا يكون فضاء للفاشلين والعاطلين، كما أنه لن يكون شريطا مزورا بألوان غير حقيقية، بل سيصبح أدبنا مساعدا أيضا على تكوين القاعدة المتينة للتعليم الميتروبوليتاني، وذلك وفق برامج استعمارية محددة. ووفق ذلك سيتسم هذا الأدب بجدية ملموسة، وباعتدال وتوازن ويبتعد عن السخرية التي تربك وتقلق الأهالي. كما أن هذا الأدب سيتجاوز المواضيع المألوفة في المستعمرات والمتمثلة بالعلاقات الغرامية بين شاب فرنـسي جمـيل -أبيـض- معمر وفتـاة أهلية. فـمثل هذا الموضوع يبعث الحزن والإحباط والإثارة والغضب في نفوس الأهالي المثقفين.
إن مجال هذا الأدب الجديد واسع وبكر وخصب جدا، بحيث يشمل كل ميادين الحياة الاستعمارية المتمثلة على الخصوص في آلام الناس وبؤسهم وكفاحهم وأملهم اللامحدود.
كفى من اعتبار المستعمَرة مجرد فضاء للمغامرات الجنسية-سواء كان ذلك عاديا أم غير عادي. يجب أن نتجاوز هذه الرؤية ونمر إلى أشياء أخرى.
إن الأدب المقصود يشكل، كما ترون أيها السادة، ثورة كاملة… فلنحرص على أن يكون أول جمهور يتأثر بهذا الأدب هو جمهور الناشرين، ولا نعني بذلك جمهور مدينة باريس، فنفي هذه الفئة يعد تناقضا عجيبا بالنسبة لباريس، وذلك لأن الأدب الاستعماري عليه أن يفرض ذاته أولا. إن الناشر لا يعرف بصورة عامة إلا الجمهور الميتروبوليتاني، وهو في اعتقاده هذا قد أخطأ، لأنه من الممكن أن يوجد جمهور آخر وحقائق أخرى غير الحقيقة الاستعمارية، والواقع أن الجمهور الميتروبوليتاني ذاته، يرفض التفكير في هذه الحقيقة، لأنه لا يريد أن يرى في المستعمرات مجرد مجالات لمغامرات غرائبية وفضاءات للعشق. كما أن هذا الجمهور الذي يتمثل في المستعمِرين ينعم ويتلذذ بقراءة أدب الرحلات خاصة منها الرحلات البحرية والرحلات الاستكشافية الكبرى، بخلاف الفرنسيين الحقيقيين الذين هم عنصريون للغاية، فهم يحتقرون الآخر ويسخطون عليه ويرفضونه كثيرا، فلا تظهر ابتسامتهم لفترة طويلة إلا نادرا.
إننا لا نتحامل على هذا الأدب، رغم أن كثيرا منا معجب به، فـبفضله تقوى الجانب الاستعماري لديهم. ورغم أنهم ينخدعون بهذا الحلم، إلا أنهم لا يعترفون بهذا الأدب المتجاوز بالنسبة إليهم، نظرا لأنهم أصبحوا يعرفون وجهتهم ويكتشفون سبل عملهم.
فالجمهور الميتروبوليتاني الجاهل والخامل يصر على الرغبة في التخبط والتعثر دائما في الفنون المألوفة والإبحار في عالم الحلم وراء السراب. فمن إذن سيعلم هذا الجمهور؟
إن الناشرين يعرفون جيدا جمهور قرائهم ويستجيبون لأذواقهم، ومن هنا يتضح إذن، أننا مجبرون على تعليم كل من جمهور الناشرين والميتروبوليتانيين، لهذا يَلزَمُنا أن نواجه هذا الجمهور دون مراعاة أو مجاملة، مما سيجعل ذلك في صالح أصدقائنا أنفسهم… كما يُلزِمُنا هذا المؤتمر الأول الذي يشهد على ميلاد الأدب الاستعماري الفتي، أن نتوجه إلى الناشرين لنشر رسائل فرنسية ميتروبوليتانية واستعمارية، وأن نعرض عليهم برامج واقتراحات ودعايات استعمارية، وكل ذلك من أجل تحصينهم من بعض المعتقدات التي تدعي بأن المستعمرة هي أرض للاستغلال فقط. علينا أن نحث الناشرين على مساعدة القراء وبعض المستشارين الاستعماريين على تصنيف المخطوطات الاستعمارية، وأن نساعدهم على تقديم أعمال جديدة، وأن نعترف أخيرا بهذا الجمهور الذي يمتلك روحا رهيفة وطموحا للمجد. وبالموازاة مع ذلك، يجب أن ننظف مكتباتنا الاستعمارية من الكتب والأعمال التافهة التي وضعت خطأ تحت عنوان “الاستعماريون”. وبذلك يفرض علينا أن نراقب بشدة وصرامة الصناعة التجارية للمختارات الأدبية الاستعمارية، وأن نحتج ونفرض ونصنف ونستثني ونرفع الأنقاض، ونحطم ونحتقر ونطهر بعنف وبقسوة، وأن نطلب من الحشد الاستعماري العريض الموجود بباريس أن يواظب ويثابر في اندفاعه نحو الانفتاح. وأن ننبه أيضا الحشد الميتروبوليتاني إلى أن القوة الاستعمارية موجودة، وأن سلالة استعمارية جديدة بثقافة حديثة وتطلعات كبيرة وحاجيات ملحة يمثلها جيل الشباب الذي لا يحترم إلا العمل الأدبي الجيد.
ووفق ذلك، يجب أدلجة صحافة المستعمرات، حتى تتبنى فكرا استعماريا شموليا، يتجاوز مناطق وجودها. أما النقد الاستعماري، فالظرفية الاستعمارية تفرض عليه أن يتحرر من ذاتيته المحلية والإقليمية، حتى يتحقق التلاحم الاستعماري، ويتم أيضا تفعيل الفكر الاستعماري، كما يجب أن نتعامل بسرية تامة وجدية مطلقة مع تحديد مفهوم الكاتب الاستعماري، حتى لا ننخدع فيه مستقبلا، ونعلم ما يقتضيه معناه الحقيقي. وأخيرا يجب على إبداعات الكتاب الاستعماريين بمختلف شرائحهم ومهامهم أن تتجاوز الطابع المحلي والإقليمي،
وأن تتحرر من ذاتيتها الضيقة وأن توظف طاقاتها الشابة، حتى تعانق عالمية الرسالة الاستعمارية. وتبعا لذلك، يتحقق للكتاب الاستعماري جمهور عريض وعالمي، وهذا ما يتمناه وينتظره الجمهور الكبير لفرنسا الكبيرة، التي ستتحول من قوة عسكرية إلى قوة ثقافية تضم أمة من مائة مليون نسمة. وعلى إثر ذلك، تتحقق المهمة الكبيرة والخصبة للرسائل الاستعمارية.
ملحوظة : أذيع هذا البيان في راديو المستعمرات بتاريخ 6 يوليوز 1931 (Pierre Hubac

1-Hubac Pierre,Avenir et Mission de la nouvelle littérature coloniale,Editions,Kahena- Carthage,1931.

 

((Follow our page))

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s