هيدغير والنازية : أية قضية ؟ بقلم : دافيد رابوين HEIDEGGER et le nazisme : Quelle affaire ? les collection du magazine littéraire . Hors –série N°9 mars/avril2006 p46-49.**

هيدغير والنازية : أية قضية ؟ [i]

بقلم     : دافيد رابوين

ترجمة  : د سعيد بوخليطهيدجر يغمز

 

لا تكمن إشكالية علاقات هيدغر HEIDEGGER ، بالنازية في إقامة وجرد وقائع، بقدر ما تتأتى المسألة في تأويل صلاتها بعمل الفيلسوف. صعوبة يغذيها صمت هيدغر.

الوقوف عند الوقائع، فيما يخص قضية هيدغر مع النازية ليست غامضة ومعقدة، بحيث لا تخول لنا تخيل السجالات المتعددة التي أحاطت به. لكن الصعوبة التي يجب دائما وضعها في موقعها الصحيح، هي بالأحرى تحديد أية علاقة تقيمها هذه الوقائع مع ما يمكننا قراءته في عمل الفيلسوف .

نعرف بأن هيدغر انخرط في الحزب الوطني الاشتراكي النازي NSDAP  يوم 1 ماي 1933 بشكل علني ( أو كما قال هوسرل HUSSERL بطريقة مسرحية كليا ) . وبعد ذلك بقليل ، جاء تعينه رئيسا لجامعة فرايبورغ FRIBOURG أواخر أبريل 1933. بهذه المناسبة ألقى كلمته الشهيرة ” خطاب رئاسة الجامعة”، حيث بإمكان كل واحد الاطلاع على هذا النص حتى يشكل فكرة عن الأمل الذي عبر عنه بخصوص نهضة الجامعة الألمانية ( نهضة ، ليست ذات طابع فكري خالص. مادام النص قد انتهى بنداء إلى ” قسم الدفاع ” الذي وضع في نفس مقام” قسم العمل ” وكذا قسم المعرفة” ).

 منذ سنة 2000 ، أصبح بإمكان قارئي الألمانية الوصول إلى مختلف الوثائق المنشورة والتي تم تجميعها بنفس النمط في الجزء السادس عشر من “الأعمال الكاملة “(فرانكفورت2000 ). جدير بالملاحظة، أن إصدار هذه النصوص أراده وخطط له هيدغر، حتى وإن كان هذا لا يحكم في شيء على المعنى الذي يمكن إعطاؤه لهذا القصد ، فإن الأمر يستبعد بالتأكيد ّأن نبقيها بشكل سريع جدا عن بعد، باعتبارها مجرد أشياء “خارجية عن العمل ” . نعرف أيضا، مع تطور إصدار هذه الأعمال بأن ماجريات العصر لم تعمل إلا على إغراق بعض المفاهيم المركزية في الفلسفة الهيدغيرية (الدزاين DASEIN، تباين الوجود والآنية، الأصالة داخل تأويل سياسي).

1-      مسالة معاداة السامية :

أغلب الدعاوي التي أقيمت ضد هيدغر وظفت من أجل إظهار بأن هذا الإنخراط لا يرتبط فقط بعماء عابر، ولكنه يندرج ضمن استمرارية يمكن إعادة ربطها إذن بالسياق السياسي الذي تطور داخله ، أو بعض المظاهر الفلسفية التي جاءت في كتابه : الوجود والزمان (1927) ( لاسيما إشارته للعلاقة بين تاريخية الدزاين DASEIN وكذا “وحدة مصر شعب” ) .

ويستند المدافعون عنه، في كون إشارات كتلك لا تشكل دليلا على “النازية ” إلا بقراءة استذكارية وموجهة. وثائق عملت على تفعيل أو تفريغ جدالاته هاته ، وأكثرها بالتأكيد إثارة هي تلك التي تمس معاداة السامية. هكذا، تم اكتشاف رسالة سنة 1929 ينبه فيها هيدغر قائلا : (إما نهب من جديد حياتنا الروحية الألمانية لقوى ومربون حقيقيون؛ ينبعثون محليا، أو نسلمها نهائيا إلى عملية تهويد متنامية بالمعنى الواسع والضيق كذلك للكلمة). تأكيد، قد يوضع بشكل متوازي مع ذلك الذي جاء به هوسرل HUSSERL حينما كتب سنة 1935 إلى »ديتريش ماهنيك «  DEITRICH MAHNEKE ، في غمرة من المرارة أمام هذا التطور لتلميذه القديم : ( لقد عبر عن معاداته السامية بطريقة قوية أكثر فأكثر، هذه السنوات الأخيرة . نفهم من ذلك ، خلافه مع فريق من طلبته اليهود الأكثر موهبة داخل الكلية ). على النقيض ، فإن المدافعين عن الفيلسوف يشيرون إلى عدد فلاسفته اليهود. أما دفاعه الذاتي فقد كتبه إلى “حنا أرنت” HANNAH ARENDT   ضدا على ما أشار إليه باعتباره محض وشايات(رسائل ووثائق أخرى، غاليمار 2001. ص70-71) أو أيضا انتقاده الحاد لـ “البيولوجية” التي تتوخى إقامة نظرية عرقية .

استقل هيدغر من وظائفه كرئيس للجامعة في أبريل 1934 لكنه احتفظ ببطاقة الحزب واستمر في الالتزام بتسديد اشتراكاته إلى غاية انتهاء الحرب ، وكذا نسج علاقات جيدة مع كتاب نازيين مثل: إيريخ روتاكير ERICH ROTHACKER وكارط لوفيط LOWITH الذي التقاه بروما سنة 1936 حيث يروي في كتابه: ( حياتي في ألمانيا قبل وبعد الحرب 1933 ) (هاشيت 1988).بأنه لم يخف أي سر بخصوص إيمانه بهتلر HITLER  معتبرا بأن الوطنية الاشتراكية هي السبيل المحدد لألمانيا .

2-     تقاوم لكن ضد أي شيء ؟

     لكن يمكننا أن ننتظر كذلك ، تأكيد هيدغر بأنه ظل تحت مراقبة بل واضطهاد النظام عندما قاومه روحيا ما بين 1934/1935 . والحال أنه ، إذا وجدت تقارير سرية بخصوص هيدغر فبإمكاننا أن نلاحظ بأن أولئك الذين اطلعوا على أسرار ارشيفات الوزارة الفرنسية للشؤون الخارجية، إما فضلوا مثلا ( التركيز على أن هيدغر ، ظل إلى غاية 1938 محل “ثقة” سياسيا. ولم يعط أية إشارة ملموسة تؤكد معارضته للنظام ). أو استصحبوا إشارات محددة لطبيعة حزب ضم كتابا مثل “ارنست كريك ” الذي ترأس مجموعة ضده داخل الحزب . توضيح كهذا ، ليس مهما فقط لإظهار بأن ” مقاومة ” هيدغر لم تدركها بعد أجهزة المخابرات سنة 1938.لكنه يذكر أيضا بأن صلة الفيلسوف مع ما يمكن إدراكه كشكل من الإيديولوجيا المهيمنة للنازية ، هو مظهر يجب أن يتميز عن التزامه داخل الحركة السياسية. إنه خطر كبير جدا ، في مثل هذا النوع من التقصي بالحديث عن ” نازية ” كجوهر متجانس وغير تاريخي ثم ننسى بأنه كان من البديهي، ليس أقل من أية حركة سياسية أخرى، اجتياز توثرات ايديولوجية  قوية. بتوخينا إظهار هذه السمة المنعزلة أو تلك كرمز للنازية ( أو بالتماثل رفض النازية) فإننا نوشك دائما على السقوط في الكاريكاتور . أن يكون هيدغر قد هوجم بطريقة قوية جدا من قبل بعض النازيين فذلك أكيد. شيء سيأخذ معنى مختلفا إذا ذكرنا بأن الآخرين هم الذين دافعوا عنه. كذلك تخلصه الفوري وبشكل صريح جدا من كل مفهوم احيائيBIOLOGISANTE للجنس LA RACE  ، لا يأخذ المعنى نفسه إذا عرفنا بأن هذا المفهوم الذي دافع عنه بالخصوص ألفرد روزنبرج ROSENBERG ALFRED يتعارض داخل الحزب مع مفهوم “ثقافي ” للجنس .

هذه الملاحظة ليست أساسية من أجل تجنب بعض الإيجاز، لأنه بدونها تستحيل ببساطة قراءة وفهم النصوص . هكذا وجدنا في درس شهير لسنة 1935 ، فصلا واضحا بين ” ماوجد اليوم في السوق باعتباره فلسفة للوطنية – الاشتراكية ” التي تخلص منها هيدغر بشكل حازم ،ثم ما يحدده باعتباره “حقيقة وسمو هذه الحركة ” (مدخل إلى الميتافيزقا . صدر سنة 1953 وترجمه إلى الفرنسية ج.كوهن سنة 1958 ) . مفهومه إذن واضح جدا بخصوص مسـألة: ” كل تساؤل جوهري للفلسفة يظل حتما لا آنيا “. ولايمكنه بأي حال من الأحوال ، الاكتفاء بأن يكون تتمة لبعض من “فكر الزمان” . حيث ستسهل مهمة إظهار، بأن هيدغر عارض ” الفلسفة النازية” . المسألة ليست هنا بل من الضروري معرفة إذا قامت هذه المعارضة أولا قياسا على ” حقيقة وسمو هذه الحركة “. أو كما فسر بوضوح ذلك هيدغر ، فإن المهمة الفلسفية شرعيا لا يمكنها الاكتفاء بأن تكون صدى للزمان (WIDERKLANG)، بل عليها مع ذلك الدخول في تناغم (EINKLANG)  ، بل وأن تصير رنانة قبليا (VORKLANG) .والوصول إلى “فرض إيقاعها الخاص” (مدخل إلى الميتافيزيقا . غاليمار ص 20/21 ). أن يكون هيدغر معارضا ” للفلسفة الوطنية الاشتراكية.” فإنها البداهة ذاتها لأن ما نبيعه في السوق تحت هذا العنوان، يتناقض مع ما يمكن أن نقصد به فلسفة بحسبه.

لكن هذا، لايقول أي شيء بالتأكيد حول الكيفية التي يقوم بها ” تناغم ” فلسفته مع النازية ، نفهم من ذلك بعد استقالته من رئاسة الجامعة

3-     تفسير التفسير :

   بالنسبة لدفاعه،  يدعي هيدغر ، بأن الدروس التي ألقاها بعد 1934 شكلت “تفسيرا ” نزاعيا (AUSIEN ANDERSTZUNG)  مع النازية . لايغيب عن المدافعين عنه ، التذكير بأن نقد التقنية و ” إرادة القوة ” النيتشوية وكذا ” فلسفة القيم ” التي اعتبرت مثل (WELTANSHAUUNG) ، كل ذلك يندرج في إطار أخذ مسافة حيال مع ما أصبح فعلا “فلسفة رسمية ” التي شكل ممثلوها أعداؤها الأكثر حدة مثل (إرنست كريك ERNST KRIECK رئيس جامعة هايدلبرغ ، والقريب من ألفرد روزنبرج ROSENBERG (.

لكن لاحظنا، بأن هذه الوقائع لا تحكم قط بمعرفة إذا كان هذا ” التفسير ” يتأتى من الداخل أو الخارج. من هنا، كل الصعوبة. إضافة كذلك، من الملاحظ أن هيدغر يوظف بالضبط نفس المصطلح لكي يشير إلى التزامه لسنة 1933 ( “اعتقدت في هذه الفترة بأن التفسير من خلال الوطنية – الاشتراكية بإمكانه فتح طريق جديد ووحيد، قد يكون ممكنا للنهضة . ” يشير في الحوار الذي منحه إلى شبيغلSPIEGEL ).” التبرير ” مع النازية ، هذا يعني الصراع ضدها أو البحث عن “طريق جديد ووحيد قد يكون ممكنا ؟”في أي شيء يختلف تفسير 1934 عن تفسير 1933 ؟ .

يبين التأويل الذي يؤكد بأن هيدغر أقر بخطإه في التقدير منذ 1934 وأخذ على الفور مسافات مع “النازية ” حينما دخل في مقاومة روحية. وذلك الذي يتمسك بكون هيدغر قد خاب ظنه مما عاشه كخيانة بين ” سمو وكذا حقيقة الحركة الداخلية” ، وبأنه كان أكثر راديكالية مما رآه في: ” فلسفة الوطنية – الاشتراكية” ، الجدالات تثير الحنق. والحال ، أنه بقدر ما تتراكم الوقائع للدفاع عن الفيلسوف أو إدانته، بقدر ما يبقى في الخلف دعمها الأكثر بداهة .

4-     النقطة العمياء في ” القضايا ” :

   لأن المنبع الأساسي لهذه ” القضايا” ، هو بشكل أقل عمل الفيلسوف إلى غاية 1945 ،من موقفه الصامت بعد ذلك . وبالتأكيد ، فإن هيدغر، عمل سنة 1945 على كتابة ملخص بخصوص التزامه ، حتى يدافع عن نفسه أمام لجنة تطهير. حيث كان مبرره، وكما يمكن أن نتوقع أطروحة العماء ، ثم أخذه مسافة بعد ذلك. لن يغير قط بخصوص هذه النقطة إلى غاية النص المكتوب بمناسبة إعادة إصدار : “خطاب رئاسة الجامعة ” ( الذي ظهر سنة 1983 تحت عنوان ” وقائع وتأملات “). لكن الملاحظ، هو أنه لم يبرهن بكلمات عن الحاجة في أن يقول بشكل مفتوح ما كان يفترض التحدث عنه بكلمات مضمرة في دروسه . إنه لا يبحث في كائنه الحي، على أن يزيل بوضوح الغموض الذي يمكنه أن يحوم على تموضعاته، سواء اعتبرنا ” تفسيره” الملتزم بالنازية، يندرج في إطار نقد جدلي أو إرادة ليست أقل راديكالية في المحافظة على ” حقيقة وكذا السمو الداخلي للحركة”. حتى الحوار الذي أجراه مع  شبيغلSPIEGEL  سنة 1966 ( تحت إلحاح كوستنير KASTNER  )، وصدر بعد وفاته سنة 1976 يظل بشكل مدهش مخصص لهذا ” التفسير”، مكتفيا بإدراج نقد النازية في إطار نقد آخر أكثر عمومية أي “التقنية الكونية” كما أشار إلى ذلك فعلا دومنيك جانيكو DOMINIQUE JANICAUD . النقطة العمياء لكل ” قضايا هيدغر” تتجلى في : نقد التقنية الكونية، التي تستهدف أيضا الرأسمالية والشيوعية، فهل يكفي لتأسيس شيء ما يقوم باعتباره ” مقاومة ” للنازية ؟ ألا يقوي ، أكثر مما ينتقد وضعا للتفلسف يرتبط بالسياسة في شكل انتظار منعطف  تاريخي ؟ ألا يسحق ذلك كل خاصية للنازية ، وبالتالي أيضا إمكانية التفكير فيها ، مثلما هو الحال في النص المذهل لسنة  1949 حيث يشير هيدغر – الذي لم يتحدث أبدا مباشرة بخصوص المحرقة LA SHOAH  – إلى أن الزراعة الصناعية كما هي في جوهرها ، مثل” صناعة الجثت في غرف الغاز ومعسكرات الإبادة ” ( ندوة بريم ) ؟ هل يجب على النقيض، أن ندين له، لأنه تناول جذريا ما كانت النازية تشتركه ، مع ما شكل دراما مطلقة للقرن الماضي .

  كل واحد سيقيم هيدغر وهو يقرؤه على القطعة كما يجب.وموظفا لحسابه هذه الأسئلة التي كانت في العمق أكثر ردود الفعل أهمية لمختلف ” قضايا هيدغر “.

HEIDEGGER et le nazisme : Quelle affaire ? les collection du magazine littéraire . Hors –série N°9 mars/avril2006 p46-49.

 

((Follow our page))

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s