في ماهية الحقيقة مارتن هيدجر ترجمة: د. محمد سبيلا

يتعلق الأمر هنا بماهية الحقيقة. إن التساؤل حول ماهية الحقيقة، لا يعني الاهتمام بمعرفة ما إذا كانت الحقيقة هي حقيقة التجربة العملية في الحياة، أو حقيقة الظرفية في مجال الاقتصاد، أو حقيقة التفكير التقني أو الحكمة السياسية، ولا يعني وبصفة خاصة، حقيقة البحث العلمي، أو الإبداع الفني، ولا حتى التأمل الفلسفي أو الاعتقاد الديني. أن نتساءل حول الماهية معناه أن نبتعد عن كل ذلك فنوجه نظرنا إلى هذا الذي يميز، وحده، كل “حقيقة” من حيث هي كذلك.         ولكن، ألا تجعلنا مسألة الماهية هذه نتيه في خواء شمولية مجردة تقطع نفس كل تفكير؟ ألا يُظهر لنا بحث “متسيب” كهذا أن أية فلسفة لا تملك سندا في الواقع؟ فالتفكير المتجذر في الواقع، والملتفت إليه، يجب أن يتجه أولا، ودون أي التواء، نحو تشييد الحقيقة الواقعية التي تقدم لنا اليوم، بمقاومتها لالتباس الظنون والحسابات، مقياسا ومرتكزا، وما فائدة مسألة ماهية الحقيقة في محنتنا الواقعية من حيث أنها تبتعد عن الواقع؟ أليس سؤال الماهية من المسائل الأقل قيمة والأكثر مجانية التي يمكن طرحها؟         لا أحد يستطيع أن يرفض البداهة اليقينية لهذه الاعتراضات. كما لا يستطيع أحد بالمثل أن ينكر إلحاحيتها وخطورتها. ولكن من الذي يتحدث من خلال هذه الاعتراضات؟ إنه “الحس المشترك” فقط وهذا الأخير يتعنت في دعمه لمتطلبات ما هو نافع مباشرة، ويقف ضد المعرفة المتعلقة بماهية الموجود، تلك المعرفة الأساسية التي حملت، منذ مدة طويلة، اسم “الفلسفة”.         إن للحسي المشترك ضرورته الخاصة: فهو يدافع عن حقه مستخدما السلاح الوحيد الذي هو بحوزته. فهو يعلن انتماءه لـ”بداهة” ادعاءاته وانتقاداته. والفلسفة من جهتها لا يمكنها أن تفند الحس المشترك لأنه لا يفهم لغتنا. بل أكثر من ذلك، لا يمكنها حتى أن تنوي تفنيده لأنه يظل أعمى عن كل ما تقترح عليه النظر فيه كشيء أساسي.         وفضلا عن ذلك، فإننا نحن أنفسنا نبقى في مستوى فهم الحس المشترك ما دمنا نعتقد أننا آمنون وسط هذه “الحقائق” المختلفة التي تقدمها لنا تجربة الحياة، والعمل والبحث العلمي، والإبداع الفني، والإيمان، وبذلك نساهم نحن أنفسنا، في تمرد الحس المشترك على كل ما يلزم وضعه موضع سؤال.         ومع ذلك، إذا كان لابد من البحث عن الحقيقة فإننا نأمل أن يبين لنا الجواب أين نحن من ذلك. نريد أن نعرف اليوم شيئا عن أنفسنا. إننا نطالب بمعرفة الهدف الذي يجب على الإنسان تبنيه في إطار تطوره التاريخي ومن أجل هذا التطور ذاته. نريد “الحقيقة الواقعية”. وبذلك فإن همنا على كل حال هو الحقيقة.         ومع ذلك، فعندما نطالب بـ”الحقيقة” الواقعية فإنه يتعين أن تكون لدينا من قبل معرفة بما هي الحقيقة من حيث هي كذلك. أليست معرفتنا بها سوى معرفة “ملتبسة” و”عامة”؟ ولكن، أو ليست هذه المعرفة “التقريبية”، وهذه اللامبالاة هما، في العمق، أكثر إثارة للشفقة من الجهل المحض بماهية الحقيقة؟ I المفهوم المتداول للحقيقة: ما الذي نعنيه عادة بـ”الحقيقة”؟ هذه الكلمة النبيلة، لكن المنهكة من كثرة الاستعمال لدرجة أنها أصبحت فارغة من المعنى، تعني ما يجعل من الحقيقي حقيقيا. ماذا يعني كون الشيء حقيقيا؟ نقول مثلا: “إنها فرحة حقيقية أن يساهم المرء في إنجاح هذه المهمة”، ونريد أن نقول من خلال ذلك أنها فرحة خالصة وواقعية. فالحقيقي إذن هو الواقعي. وبهذا المعنى نتحدث عن الذهب الحقيقي بتمييزنا له عن الذهب المزيف. فالذهب المزيف ليس واقعيا وفعليا، ما يظهر أنه هو. فهو ليس سوى مظهر، ولذلك فهو غير واقعي. واللاواقعي يؤخذ عادة على أنه عكس الواقعي. لكن النحاس المذهب هو، على أية حال، شيء واقعي. لذلك سنقول بوضوح: الذهب الواقعي هو الذهب الأصلي. ولكنهما معا واقيان: فليس الذهب الأصيل أكثر أو أقل واقعية من النحاس المذهب. ومن هذا المنظور لا يمكن لحقيقة الذهب الأصيل أن تجد ضمانها في واقعيته. وهنا يبرز من جديد السؤال: ماذا يعني هنا كون الشيء “أصيلا” وكونه “حقيقيا”؟ فالذهب الأصيل هو هذا الواقع الذي تتفق واقعيتهن حالا ودوما، مع ما نتصوره “بالضبط” عندما نفكر في الذهب. على العكس من ذلك، عندما نظن أننا أمام نحاس مذهب، نقول: شيء ما هنا “غير صحيح”. وخلافا لذلك نلاحظ، فيما يتعلق بالشيء كما يتوقع أن يكون: هذا “صحيح””. فالشيء يتفق مع ما نُقدِّر أن يكونه. لكننا لا ننسب صفة الحقيقة فقط إلى الفرحة الواقعية، أو إلى الذهب الأصيل، أو إلى أي كائن من هذا النوع فقط، بل إننا، أيضا وقبل كل شيء، نعتبر حقيقيا أو خاطئا ملفوظاتنا المتعلقة بالكائن، الذي يمكن أن يكون، هو ذاته، حسب طبيعته أصيلا أو زائفا، على هذا الشكل أو ذاك في واقعه. يكون ملفوظ ما حقيقيا عندما يدل، ويعبر، ويتوافق مع الشيء موضوع حكمه. هنا أيضا نقول: هذا “مطابق”. في الواقع الراهن ليس الشيء هو الذي يتوافق بل الحكم. فالحقيقي، سواء كان شيئا أو حكما، هو ما يتوافق ويتطابق. الحقيقي، والحقيقة يعنيان هنا التوافق، وذلك بطريقة مزدوجة: أولا كتطابق بين الشيء وما نتصوره عنه، ثم كتطابق بين ما يدل عليه الملفوظ وبين الشيء. هذه الخاصية المزدوجة للتوافق تظهر التعريف التقليدي لماهية الحقيقة: الحقيقة هي تطابق الشيء مع العقل. فقد يعني ذلك: الحقيقة هي تطابق الشيء مع المعرفة، كما يمكن أن يفهم أيضا على الوجه التالي: الحقيقة هي تطابق المعرفة مع الشيء. وقد جرت العادة على أن التعريف المذكور لا يعبر عن نفسه إلا في الصيغة التالية: هي تطابق العقل مع الشيء. إلا أن هذا الفهم للحقيقة، كحقيقة حكم، ليس ممكنا إلا إذا كان أساسه هو حقيقة الشيء، أي تطابق الشيء مع العقل. هذان التصوران لماهية الحقيقة يقصدان دائما “التلازم مع..” ويعتبران الحقيقة إذن كتوافق. ومع ذلك، فإن أحد التصورين ليس فقط ناتجا عن قلب الآخر: على العكس من ذلك، نجد أن الفكر (Intellectus ) والشيء (Rei ) يفكر فيهما بطريقة مختلفة في الحالتين. من أجل التعرف على ذلك علينا أن نرد التعبير المتداول عن المفهوم العادي للحقيقة إلى أصله المباشر (القروسطي). فالحقيقة، مؤولة كتطابق للشيء مع الفكر، لا تعبر بعد عن الفكرة المتعالية لدى كانط التي هي فكرة لاحقة، ولن تصبح ممكنة إلا انطلاقا من الماهية الإنسانية كذاتية، وهي الفكرة التي تعتبر أن “الموضوعات تتوافق مع معرفتنا”. بل أن هذه الحقيقة تصدر عن الإيمان المسيحي وعن الفكرة اللاهوتية اللذين يعتبران أن الأشياء، في ماهيتها ووجودها، لا توجد إلا من حيث أنها، كموجودات مخلوقة (Eu creatum )، تلائم الفكرة المتصورة سلفا من طرف العقل الإلهي، فالأشياء إذن منتظمة وفق هذه الفكرة، ومتطابقة معها، وبهذا المعنى، فهي “حقيقة”. والعقل الإنساني هو بدوره موجود مخلوق. وباعتبار العقل ملكة منحها الله للإنسان، يكون من اللازم على هذا العقل الإنساني أن يكون متطابقا مع فكرته. إلا أنه لا يكون كذلك إلا عندما يحقق في أحكامه تطابق المتصور مع الشيء، كما أن على هذا الشيء من جهته، أن يكون مطابق للفكرة (Idéa ). وإذا كان كل موجود “مخلوقا” فإن إمكانية حقيقة المعرفة البشرية تتأسس على كون الشيء والحكم -من حيث أنهما مطابقان للفكرة وصادران عن وحدة خطة الخلق الإلهية- متناسقان أحدهما بالنسبة للآخر. إن الحقيقة تطابق للعقل (البشري) مع الخالق. الحقيقة تعني أساسا، وفي كل الحالات، التوافق (La convenentia )، توافق الموجودات فيما بينها والذي يتأسس بدوره على توافق المخلوقات وتلاؤمها مع خالقها، وهو “التناسق” (Harmonie )، المحدد من قبل نظام الخلق.. إلا أن هذا النظام، إذا ما فصلت عنه فكرة الخلف، فإنه يمكن أيضا أن يتمثل بصورة غير محددة وعامة على أنه نظام العالم. وبدل نظام الخلق المتصور لاهوتيا، ينبثق الانتظام الممكن لكل الموضوعات بواسطة الفكر الذي يعطي لنفسه -كعقل شمولي- قانونه الخاص، ويصادر بذلك على المعقولية المباشرة للخطوات التي تشكل مساره (الذي نعتبره “منطقيا”). ليس من الضروري إذن أن نبرز بصفة خاصة كون ماهية حقيقة الحكم تقوم في توافق الملفوظ. وحتى عندما نجهد أنفسنا – دون فائدة لتفسير كيف يتم ذلك التوافق، فإننا نفترض هذا التوافق سلفا كماهية للحقيقة. وبالمثل، فإن حقيقة الشيء تعني دائما اتفاق الشيء المعطى مع مفهومه الأساسي كما يتصوره “الفكر”. هكذا يتولد المظهر الخادع القائل بأن هذا التصور لماهية الحقيقة مستقل عن التأويل المتعلق بماهية وجود كل موجود، ومع ذلك فإن هذه الأخيرة تتضمن بالضرورة تأويلا مقابلا يتعلق بماهية الإنسان بوصفه حاملا ومحققا للعقل. هكذا تكتسب صيغة ماهية الحقيقة (الحقيقة هي توافق العقل والشيء) بالنسبة لكل إنسان، وبصفة مباشرة، صلاحية بديهية. وتحت تأثير بداهة هذا التصور للحقيقة، الذي لم يحظ بالتأمل الكافي في أسسه الرئيسية، نسلم أيضا بداهة بأن للحقيقة ضدا وإن هناك نوعا من اللاحقيقة. فلا حقيقة حكم ما (اللاتوافق) هي عدم تطابق الملفوظ مع الشيء. ولا حقيقة الشيء (اللاأصالة) تعني عدم تطابق الموجود مع ماهيته. فنحن نفهم اللاحقيقة في كل مرة كعدم تطابق. وهذا اللاتطابق يسقط إذن خارج ماهية الحقيقة. وهذا ما يجعل اللاحقيقة، كضد متصور هكذا للحقيقة، محط إهمال إذا ما تعلق الأمر بإدراك الماهية الخالصة للحقيقة… هل مازال من الضروري أن نكشف أكثر عن ماهية الحقيقة؟ ألم تتضح الماهية الخالصة للحقيقة بما فيه الكفاية عن طريق هذا المفهوم الصالح لدى العموم والذي لا تشوش عليه أية نظرية والذي تحميه بديهيته؟ عندما نأخذ أخيرا إرجاع حقيقة الحكم إلى حقيقة الشيء على ما يعنيه عادة، أي بالنسبة لتفسير لاهوتي، وعندما نسهر على تطهير التحديد الفلسفي للماهية من كل تدخل للاهوت، وعندما نقصر مفهوم الحقيقة على حقيقة الحكم، فإننا ننضم إلى تقليد فكري قديم -ليس الأقدم حقا- يرى أن الحقيقة تكمن في توافق منطوق مع شيء. ماذا يتبقى لنا للبحث فيه إذا ما سلمنا بأننا نعرف ماذا يعني توافق منطوق ما مع شيء ما؟ وهل نعرف ذلك حقا؟ II المكانية الداخلية للتوافق: إننا نتحدث عن التوافق في معان مختلفة. نقول مثلا عن قطعتين نقديتين من خمس ماركات موضوعتين على الطاولة: هناك توافق بينهما. فهما تتوافقان من حيث هوية مظهرهما. إن لهما هذا المظهر المشترك، ولذلك فهما تتشابهان. ثم إننا نتحدث أيضا عن توافق عندما نقول مثلا عن إحدى القطعتين: هذه القطعة النقدية مستديرة. هنا يتوافق المنطوق، مع الشيء. فالعلاقة الآن لا تقوم بين شيء وشيء، بل بين منطوق وشيء. ولكن فيم يمكن للشيء والمنطوق أن يتوافقا في الوقت الذي يكون طرفا العلاقة مختلفتين من حيث المظهر بشكل بارز؟ فقطعة النقد مستديرة بينما المنطوق ليس له أي صفة هندسية. القطعة تمكننا من شراء سلعة ما في الوقت الذي لا يكون فيه المنطوق وسيلة أداء. ولكن على الرغم من كل الفوارق. فإن المنطوق يتوافق هنا، باعتباره حقيقيا، مع قطعة النقد. وهذا التوافق، طبقا للتصور المتداول للحقيقة، يتعين أن يتصور كتطابق كيف يمكن للمنطوق الذي هو مختلف تماما عن قطعة النقد، أن يكون متطابقا معها؟ وحتى يكون كذلك، عليه أن يصبح قطعة نقد ويكف بذلك عن أن يكون منطوقا، وهذا أمر لا يمكن أن يحدث وفي حالة ما إذا حدث تحول كهذا، فإنه سيستحيل إذن على المنطوق، بما هو كذلك، أن يكون في توافق مع الشيء. وحتى يتحقق التطابق، فإن على المنطوق أن يظل بل أن يصبح ما هو. فما هي إذن ماهية هذا المنطوق؟ التي هي مختلفة تماما عن ماهية الشيء؟ كيف يمكن للمنطوق أن يتطابق مع الآخر، الشيء، مع الحفاظ على ماهيته؟ إن التطابق هنا لا يمكن أن يعني حدوث تماه فعلي بين شيئين مختلفين في طبيعتهما. فماهية التطابق تتحدد بالأحرى بطبيعة العلاقة القائمة بين المنطوق والشيء. وما دامت هذه “العلاقة” لم تتحدد ولم تتأسس في ماهيتها، فإن كل مناقشة حول إمكانية أو عدم إمكانية هذا التطابق، وحول طبيعته ودرجته، هي مناقشة في الفراغ. إن المنطوق المنسوب إلى قطعة النقد “يتعلق” بهذا الشيء (قطعة النقد) من حيث إنه يستحضره (Appresente ) ويخبر، ويقول شيئا عن المستحضر L’appresenté وفق المنظور الموجه للنظرة. ومن حيث أن المنطوق الاستحضاري يقول شيئا ما عن الشيء المستحضر فإنه يعبر عنه كما هو. هذا الـ”كما هو” يتعلق بعملية الاستحضار (L’appresentation ) وما تستحضره. كلمة “استحضر” تعني هنا -عندما نبعد كل المسبقات “النفسانية” و”الابستمولوجية”- ترك الشيء ينبثق أمامنا كموضوع. ويتعين على ما هو مواجه لنا بهذا الشكل وموضوع أمامنا بهذا الوضع أن يشمل ميدانا مفتوحا أمام لقائنا، لكن أيضا مع بقائه الشيء نفسه ومع تجليه في ثباته. إن هذا الظهور للشيء من حيث إنه يغطي ميدان لقاء، يتحقق ضمن انفتاح لم يخلق الاستحضار طبيعته الانفتاحية، بل إن هذه الطبيعة الانفتاحية يستثمرها ويضطلع بها الاستحضار كحقل علاقات. إن علاقة التعبير الاستحضاري بالشيء هي إكمال هذه المرجعية، وهذه تتحقق في الأصل، وفي كل مرة، كخلخلة للسلوك. وكل سلوك يتصف -من حيث إنه قائم ضمن المنفتح- بكونه يقف دائما عند مستوى ما هو متجل من حيث هو كذلك. وحده هذا الذي يتجلى، بالمعنى الحرفي للكلمة، كان الفكر الغربي قد استشعره باكرا على أنه “ما هو حاضر”، وأسماه منذ القدم “الموجود” (L’Etant ). إن السلوك منفتح على الموجود. وكل علاقة انفتاح (تلك التي بواسطتها ننفتح على…) هي سلوك. إن انفتاح (Aperité ) الإنسان يختلف حسب طبيعة الموجود وحسب نمط السلوك. كل عمل وكل إنجاز، وكل فعالية وكل توقع، كلها تبقى ضمن انفتاح مجال منفتح يضع ضمنه الموجود ذاته ويجعل نفسه قابلا لأن يعبر عنه فيما هو وكما هو. وذاك ما يحصل فقط عندما يضع الموجود ذاته في التلفظ الذي يستحضره، بحيث إن هذا التلفظ يستجيب لأمر التعبير عن الموجود كما هو. وبقدر ما يستجيب التلفظ لهذا الشرط، فإنه يتطابق مع الموجود. فنقول عن العبارة المخضعة لمثل هذا الشرط بأنها عبارة مطابقة (حقيقة). إن ما هو منطوق بهذا الشكل هو إذن ما هو مطابق (الحقيقي). على المنطوق أن يستمد توافقه من انفتاح السلوك، إذ بواسطة هذا الانفتاح فقط يمكن أن يصبح ما هو ظاهره هو، بصورة عامة، القياس الموجه لكل استحضار متطابق. ولكن على السلوك المنفتح نفسه أن يهتدي بهذا المقياس. ومعنى ذلك أنه يتوجب على هذا السلوك أن يقبل هذا المقياس الموجه لكل استحضار. وهذه مسألة ملازمة لانفتاح السلوك. لكن عندما لا يصبح تطابق (حقيقة) المنطوق ممكنا إلا عبر انفتاح السلوك فقط، فإن ما يجعل التطابق ممكنا يمتلك حقا أكبر في أن يعتبر بمثابة ماهية للحقيقة. وهكذا تتهاوى الإسناد التقليدي والخصوصي للحقيقة إلى الحكم (المنطوق) باعتباره المكان الوحيد والأساسي للحقيقة. إن الحكم ليس المقر الأصلي للحقيقة. ولكن في نفس الوقت يبرز السؤال المتعلق بأساس الإمكانية الداخلية لانفتاح السلوك الذي يعطي لنفسه من قبل مقياسا معينا. من هذه الإمكانية وحدها يستمد توافق الحكم مع موضوعه مظهر كونه يحقق ماهية الحقيقة. III أساس جعل التوافق ممكنا: من أين يستمد التعبير الاستحضاري أمر التوجه نحو الموضوع والتطابق معه حسب قانون التوافق؟ لماذا يسهم هذا التطابق في تحديد ماهية الحقيقة؟ كيف يتم مثل هذا الإعطاء القبلي لمقياس؟ وكيف يتم الإيعاز بالتوافق؟ ذلك هو ما لن يتحقق إلا إذا جعلنا هذا الإعطاء الأولي حرا أمام المنفتح من أجل ما يتجلى فيه والذي سيربط كل تمثل استحضاري. أن نتحرر من أجل الخضوع لضغط مقياس ما ليس ممكنا إلا إذا كنا أحرارا تجاه ما هو متجل ضمن المنفتح. إن طريقة كهذه في أن يكون المرء حرا تتخذ لها كمرجع ماهية للحرية لم تفهم حتى الآن. إن انفتاح السلوك، وهو ما يجعل التوافق ممكنا داخليا، يجد أساسه في الحرية. إن ماهية الحقيقة هي الحرية. لكن ألا تستبدل هذه الأطروحة حول ماهية التوافق “بداهة” بأخرى؟ ذلك أن عملا ما لا يمكن القيام به إلا بافتراض حرية من يقوم به. وكذلك الشأن بالنسبة لفعل التلفظ الاستحضاري وبالنسبة للمصادقة على “حقيقة” ما أو رفضها. ورغم ذلك فهذه الأطروحة لا تعني أنه، لاستكمال منطوق ما، أو لتبليغه (إلى الغير)، أو لاستيعابه، يتعين ألا تخضع لأي إكراه بل هي تقول: إن الحرية هي عين ماهية الحقيقة. “الماهية” تعني هنا أساس الإمكانية البطانية لما هو مقبول ومعروف مباشرة وبصورة عامة. ومع ذلك فإن مفهوم الحرية لا يشكل ما به تفكر في الحقيقة أو في ماهيتها. لذلك لابد وأن تفاجئنا الأطروحة القائلة بأن ماهية الحقيقة (توافق المنطوق) هي الحرية. أليس من شأن وضع ماهية الحقيقة في الحرية أن يجعلنا نسند هذه الأخيرة لاعتباطية الإنسان؟ وهل هناك ما هو أكثر تدميرا للحرية من تركها تحت رحمة هذا الكائن الضعيف؟ إن فرض نفسه دوما على الحس المشترك طيلة هذه المناقشة يبرز الآن بوضوح أكبر: لقد تم إرجاع الحقيقة إلى ذاتية الفاعل الإنساني. وحتى على افتراض أن الذات تستطيع التوصل إلى قدر من الموضوعية، فإن هذه الموضوعية مع ذلك ليست أقل إنسانية من تلك الذاتية كما أنها موضوعة تحت تصرف الإنسان. لاشك أننا نعزو للإنسان الخطأ والنفاق، والكذب والخداع، والوهم المظهر الخادع، وبعبارة واحدة، كل أنماط الحقيقة في النهاية هي عكس الحقيقة، فإن لنا الحق في إبعادها عن كل بحث عن الماهية الخالصة للحقيقة باعتبارها شيئا غير أساسي بالنسبة لها. هذا الأصل البشري للاحقيقة إنما يؤكد على وجه التعارض، أن ماهية الحقيقة “في ذاتها” تسود “فوق” الإنسان. والحقيقة في ذاتها تصدق على الميتافيزيقا من حيث هي شيء خالد وغير معرض للفناء، ولذلك فإنها لا يمكن أن تتأسس على رخاوة وهشاشة الكائن البشري. فكيف تجد ماهية الحقيقة في حرية الإنسان مقرا وأساسا لها؟ إن العداء للأطروحة القائلة بأن الحرية هي ماهية الحقيقة يرتكز على بعض الأحكام المسبقة. أكثرها تصلبا هي: أن الحرية خاصية للإنسان، وأن ماهية الحرية لا تتطلب فحصا أكثر تعمقا، بل لا تتقبله، أما ما هو الإنسان. فذلك أمر لا يجهله أحد. IV ماهية الحرية: ومع ذلك فإن الإشارة إلى وجود علاقة جوهرية بين الحقيقة كتوافق وبين الحرية يخلخل هذه الأحكام المسبقة شريطة أن نكون على استعداد لتقبل عملية قلب للفكر. إن التفكير في هذه العلاقة الأساسية بين الحقيقة والحرية يقودنا إلى تتبع مشكلة ماهية الإنسان، عبر منظور سيضمن لنا تجربة أساس خفي لهذا الأخير (أي الدازاين)، وذلك بحيث ينقلنا هذا التفكير إلى الميدان الذي تنفتح وتنكشف فيه ماهية الحقيقة انكشافا أصليا. عندئذ يتضح لنا بالطريقة نفسها أن الحرية ليست أساس الإمكانية الداخلية الضمنية للتوافق إلا لكونها تستمد ماهيتها الخاصة من الماهية الأصلية للحقيقة التي هي وحدها ضرورية وأساسية حقا. لقد حددت الحرية أولا كحرية تجاه ما هو متجل في أحضان المنفتح. فكيف يتعين التفكير في ماهية الحرية هذه؟ إن المنكشف (ما هو متجل)، ذلك الذي يتطابق معه الحكم الاستحضاري من حيث أنه متوافق، هو الموجود كما يتجلى لـ/ومن خلال سلوك منفتح. إن الحرية تجاه ما ينكشف في حضن المنفتح تترك الموجود يكون الموجود الذي هو. وهكذا تنكشف الحرية الآن على أنها ما يترك الموجود يوجد. نحن نتحدث عادة عن “عملية ترك” عندما نتخلى مثلا عن عمل كنا نود القيام به. أن “نترك هذا الشيء” يعني أن لا نمسه وأن نتوقف عن الاهتمام به. “فعل الترك” له هنا دلالة سلبية وهي “التخلي عن…” “العدول عن…”، إنه يعبر عن عدم الاكتراث، وحتى عن الإلغاء. إن الكلمة الضرورية هنا للتعبير عن ترك الموجود يوجد لا تقصد مع ذلك لا الإلغاء ولا عدم الاكتراث، بل عكسهما. فترك الموجود يوجد يعني أن “نتعاطى للموجود”، ويجب أن لا نفهم من ذلك طريقة بسيطة في استعمال الموجود الذي نصادفه أو نبحث عنه، أو في الاحتفاظ به أو الاعتناء به، أو تنظيمه. فترك الموجود يوجد -أي باعتباره الموجود الذي هو- يعني أن نتعاطى مع المنفتح ومع انفتاحه، الذي يدخل فيه كل موجود ويستقر، والذي يحمله معه -إلى حد ما- كل موود. وقد تصور الفكر الغربي هذا المنفتح منذ البداية كلا محجبا (تاآليتيا). وعندما نترجم كلمة أليتيا بـ”اللاتحجب”، بدل أن نترجمها بـ”الحقيقة”، فليس ذلك لأن هذه الترجمة أكثر “حرفية” فقط، بل لأنها تتضمن مؤشرا يدفعنا إلى إعادة التفكير، بشكل أكثر أصالة، في المدلول المتداول عن الحقيقة كتطابق للمنطوق بمعنى (ما يزال غامضا) أن يكون منكشفا وبمعنى انكشاف الموجود. (منكشفا) لا يعني الضياع فيه، بل يعني القيام بتراجع أمام الموجود حتى يتجلى فيما هو عليه وكما هو، بحيث يتمكن التطابق الاستحضاري من أن يحدده ويفهمه. إن تركا مثل هذا للموجود يوجد يعني أن نعرض أنفسنا أمام الموجود كما هو، وأن ننقل سلوكنا كله إلى مجال المنفتح. إن ترك الموجود يوجد، أي الحرية، هو في ذاته وجود في الخارج أمام الموجود، إنه وجود منفتح وبراني (Ek-Sistant ). إن ماهية الحرية، منظورا إليها على ضوء ماهية الحقيقة، تبدو أمام الموجود خروجا وانفتاحا أمام الموجود من حيث أن له سمة كونه قابلا للانكشاف. فالحرية ليست فقط هي ما يريد الحس المشترك أن يمرره تحت هذا الاسم: تلكم النزوة التي تنبثق فينا أحيانا وتدفع باختيارنا إلى هذا الطرف أو ذاك. إن الحرية ليست مجرد غياب الإكراه المتعلق بإمكانياتنا في الفعل أو عدم الفعل. لكنها أيضا لا تكمن في الطواعية تجاه مطلب ما أو ضرورة ما (وبالتالي تجاه موجود ما). قبل هذا كله (قبل الحرية “السلبية” أو “الإيجابية”) تكون الحرية هي انفساح المجال أمام انكشاف الموجود من حيث هو كذلك. وهكذا تجد قابلية الموجود للانكشاف نفسها مصانة بهذا الإفساح المنفتح، وبفضل هذا الإفساح يكون انفتاح المنفتح، أي “الحضور” (Da ) هو ما هو. في الدازاين يحتفظ للإنسان بالأساس الجوهري الذي ظل لزمن طويل بدون أساس، والذي يمكنه من أن يوجد وجودا منفتحا و”الوجود” (Existence ) لا يعني هنا “الوجود” (Existentia ) كظهور لموجود معطى فقط. بل لا يجوز أن نفهم الوجود كمجهود وجودي أخلاقي مثلا لإنسان مهموم بذاته هما مرتكزا على تكوينه النفسي الجسدي. إن الوجود المنفتح (Ek-Sistence )، من حيث أنه وجود متجذر في الحقيقة كحرية، هو تعرض أمام الطابع المنكشف للكائن من حيث هو كذلك. إن الوجود المنفتح للإنسان التاريخي، الذي لا يزال وجودا غير مفهوم، وليس لديه حتى الحاجة إلى أن يؤسس تأسيسا جوهريا، يبدأ عند اللحظة التي يستشعر فيها أول مفكر لا تحجب الموجود ويبدأ فيها بالتساؤل عما هو الموجود. بهذا التساؤل يكون لا تحجب الموجود قد تمت معاناته والإحساس به لأول مرة. فالموجود في كليته يبتدئ كـ”طبيعة”، وهذا اللفظ لا يقصد به هنا في هذه الفترة ميدان خاص من ميادين الموجود، بل الموجود في كليته، مدركا على شكل حضور في حالة تفتح دائم. هناك فقط عندما يتم الاعتناء بالموجود ذاته علانية، ويتم الإبقاء عليه في عدم تحجبه، وعندما يفهم هذا الإبقاء على ضوء التساؤل حول الموجود كما هو هو، هناك فقط يبدأ التاريخ. إن الانكشاف الأصلي للموجود في كليته، والتساؤل حوله كما هو، وبداية التاريخ الغربي كلها عبارات تدل على نفس الشيء، فهي تحدث في نفس “الزمن”، لكن هذا الزمن، الذي هو ذاته غير قابل للقياس، يدشن إمكانية كل قياس. ولكن إذا كان الدازاين المنفتح، من حيث هو ترك الموجود يوجد، يحرر الإنسان من أجل “حريته”، إما بأن تقدم هذه لاختياره ممكنا ما (موجودا)، أو بأن تفرض عليه شيئا ضروريا ما (موجودا)، وإذ ذاك فليست الذات الإنسانية هي التي تتوفر على الحرية. فالإنسان لا “يمتلك” الحرية كخاصية، بل على العكس من ذلك، فالحرية، أي الدازاين المنفتح والمنكشف، هي التي تمتلك الإنسان، وذلك بشكل أصيل مما يجعلها وحدها تمكن الإنسانية من أن تخلق العلاقة مع الموجود في كليته وكما هو، وهذا ما يتأسس عليه ويرتسم عليه كل تاريخ. الإنسان المنفتح الموجود خارج ذاته هو وحده التاريخي. أما “الطبيعة” فليس لها تاريخ. إن الحرية، مفهومة على أنها ترك الموجود يوجد، تكمل وتحقق ماهية الحقيقة على شكل انكشاف للموجود.”الحقيقة” ليست خاصية لقضية متوافقة تتلفظ بها “ذات” حول “موضوع”، بحيث “تكون لها قيمة” دون أن نعرف في أي مجال، إن الحقيقة هي انكشاف الموجود الذي يتحقق بواسطته نوع من الانفتاح. وضمن هذا الانفتاح يتطور كل سلوك، وكل موقف يتخذه الإنسان. وهذا هو السبب في أن الإنسان يوجد على نمط الوجود البراني. بما أن كل سلوك إنساني هو سلوك منفتح على طريقته، ومتناسق مع ما يتعلق به، فإنه يتعين أن يكون السلوك الأساسي المتعلق بترك الموجود يوجد، أي الحرية، قد تلقى، على شكل هبة، أمر تكييف تمثله الاستحضاري مع الموجود المقابل له. فالقول بأن الإنسان يتمتع بوجود منفتح يعني حينئذ: “أن تاريخ الإمكانات الأساسية للإنسانية التاريخية يجد نفسه مهيأ من أجل هذه الأخيرة في انكشاف الموجود في كليته. وحسب الطريقة التي تكون الماهية الأصلية للحقيقة ماثلة بها، تولد القرارات لحاسمة القليلة في التاريخ. وبما أن الحقيقة حرية في ماهيتها، فإن الإنسان التاريخي يمكنه أيضا -وهو يترك الموجود يوجد-  ألا يتركه فيما هو وكما هو. عندئذ يصبح الموجود محولا ومشوها. ومظهره يؤكد قوته. وفي هذه القوة تنبثق لاماهية الحقيقة. وبما أن الحرية المنفتحة كماهية للحقيقة، ليست خاصية للإنسان، بل إن هذا الأخير لا يوجد وجودا منفتحا إلا من حيث أنه مملوك من طرف هذه الحرية ويصبح مهلا لأن يكون له تاريخ، فإن لا – ماهية الحقيقة لا يمكنها أن تنتج هكذا عن مجرد عدم المقدرة أو عن إهمال من طرف الإنسان. إلا اللاحقيقة، على العكس من ذلك، يتعين أن تشتق من ماهية الحقيقة. إن كون الحقيقة واللاحقيقة ليستا غير مباليتين بتاتا إحداهما تجاه الأخرى من حيث ماهيتهما، بل تنتمي كل منهما للأخرى، هو السبب في أن قضبة حقيقية يمكن أن تكون في حالة تعارض حاد مع قضية غير حقيقية معالقة لها. لا تصل مسألة ماهية الحقيقة إذن إلى ميدانها الأصلي إلا عندما تمكن الرؤية الأولية للماهية الكاملة للحقيقة من احتواء التفكير في اللاحقيقة ضمن انكشاف الحقيقة. إن اختبار لا – ماهية الحقيقة لا يسد ثغرة متبقية، بل إنه يشكل الخطوة الحاسمة في الطرح الصحيح لمسألة ماهية الحقيقة. ولكن كيف ندرك – ماهية الحقيقة؟ إذا كانت ماهية الحقيقة لا تستنفذ في توافق المنطوق مع الشيء، فإن اللا-حقيقة، هي كذلك، لا يمكن أن تعادل عدم توافق الحكم. V ماهية الحقيقة: لقد انكشفت ماهية الحقيقة كحرية. هذه الأخيرة هي عملية ترك الموجود المنفتح يوجد، التي تكشف الموجود. كل سلوك منفتح يحدث تاركا الموجود يوجد ومتخذا موقفا من هذا الموجود الخاص أو ذاك. لقد جعلت الحرية كل سلوك متوافقا، من قبل، مع الموجود في كليته من حيث إنها استسلام أمام انكشاف هذا الموجود في كليته وكما هو. وهذا التقبل (التهيؤ) لا يترك نفسه أبدا يدرك “كحالة من حالات النفس”. إذ أننا بذلك نحرفه عن ماهيته ونفهمه انطلاقا من مدلولات (“كالحياة” و”النفس”) لا يمكنها هي ذاتها أن تطمح إلى شرف الماهية إلا ظاهريا وطالما أخطأنا في فهم هذا التقبل وحرفنا دلالته. إن الموافقة التقبلية أي التعرض التخارجي أمام الموجود في كليته لا يمكن أن تكون “معاشة” و”محسوسة” إلا لأن “الإنسان، وهو الكائن المزود بإحساس وشعور” قد أسلم نفسه لموافقة كاشفة للموجود غي كليته، دون أن يستشعر ماهية هذا التهيؤ التقبلي. إن كل سلوك للإنسان التاريخي-سواء أحس بذلك بوضوح أم لا، وسواء فهمه أم لا- هو سلوك متوافق، وبهذا التوافق فهو محمول في الموجود في كليته. إن درجة تجلي الموجود في كليته يختلف عن مجموع الموجودات المعروفة فعلا. وعلى العكس من ذلك، فإنه عندما يكون الموجود معروفا معرفة أقل من طرف الإنسان وليس مدركا إلا بشكل أولي من طرف العلم، فإن تجلي الموجود في كليته يمكن أن يتأكد بصورة أكثر أساسية أكثر مما هو الأمر عندما يصبح ما هو معروف ومعطى باستمرار للمعرفة غير قابل للاستنفاذ بالنسبة للنظر، وعندما لا يكون هناك شيء يقاوم حماس المعرفة، وذلك عندما تنطلق قدرة التقنية للسيطرة على الأشياء في هيجان لا نهاية له. وبالضبط في هذه التسوية التسطيحية العارفة بكل شيء من طرف معرفة، لم تعد سوى مجرد معرفة، يخفت تجلي الموجود، ويغرق في الخواء (nullité ) الظاهر لما ليس فيه اختلاف لما ليس إلا نسيا منسيا. إن ترك الموجود يوجد، الذي هو مولد التوافق (توافق الدازاين مع الموجود في كليته)، يغمر ويسبق كل سلوك منفتح يحدث داخله. فسلوك الإنسان مخترق من قبل تجلي الموجود في كليته. وهذه الـ”في كليته” تظهر مع ذلك بالنسبة لأفق الانشغال والحساب اليوميين، كشيء لا يمكن إدراكه ولا التنبؤ به. إنه لا يمكن أحدا من التوصل إليه انطلاقا من الموجود الذي تجلى منذ حين سواء كان هذا الأخير منتميا إلى الطبيعة أو إلى التاريخ. ورغم أنه يخترق باستمرار كل شيء يجعله متوافقا معه، فإنه يبقى، مع ذلك هو ذاته اللامحدد والممتنع عن التحديد، ولذلك فنحن غالبا ما نخلط بينه وبين ما هو أكثر تداولا وأقل بروزا. وما يخترقنا بهذا الشكل (من حيث إنه يجعلنا نتوافق) ليس لا شيء، بل هو، على العكس من ذلك، إخفاء للموجود في كليته. وبما أن ترك الموجود يوجد يترك الموجود يكون هو الذي يحيل إليه في سلوكه الخاص، وبذلك يكشفه، فإنه (أي ترك الموجود يوجد) يحجب الموجود في كليته. إن ترك الموجود يوجد هو في ذاته إذن وفي نفس الوقت اختفاء. في الحرية المنفتحة للدازاين يتحقق اختفاء الموجود في كليته وذاك هو الحجب والاحتجاب (L’obnubilation ). اللاحقيقة من حيث اختفاء إن الانحجاب يمنع انكشاف الآليتيا. فهو لا يقبلها حتى كسلب أو حرمان للآليتيا بما هو خاص بها. فالانحجاب إذن عندما نفكر فيه انطلاقا من الحقيقة كانكشاف فالانحجاب هو سمة عدم التكشف، وبالتالي فهو اللاحقيقة الأصلية الخاصة بماهية الحقيقة. وتحجب الموجود في كليته لا يتأكد كنتيجة ثانوية لمعرفة للموجود هي دائما تجزيئية. إن تحجب الموجود في كليته، أي اللاحقيقة الأصلية، أكثر قدما من كل تجل لهذا الموجود أو ذاك، إنه أقدم أيضا من عملية ترك الموجود ذاتها التي تخفي (وهي تكشف)، وتتخذ موقفا بالنسبة إلى الاختفاء. ما الذي يحفظه ترك الموجود عبر هذه العلاقة مع الاختفاء؟ إنه ليس أقل من اختفاء الموجود كما هو، المحجب في كليته، أي السر (Le mystere ) ولا يتعلق الأمر ها بسر خاص يخص هذا الشيء أو ذاك، بل بهذا الحدث الفريد المتمثل في كون السر (اختفاء ما هو محجب)، من حيث هو كذلك، يسيطر على الوجود – هنا الخاص بالإنسان. هكذا يحدث إذن، في عملية ترك الموجود يوجد، التي هي عملية كاشفة والتي تخفي في نفس الوقت الموجود في كليته، أن يبدو الاختفاء على هيأة ما هو محجب في المقام الأول، إن الوجود – هنا من حيث أنه وجود “منفتح” يولد أول وأوسع عملية لاانكشاف أي اللا-حقيقة الأصلية. إن اللاماهية الأصلية للحقيقة هي السر. ولفظ لا ماهية لا يتضمن هنا إلى حد الآن ذلك الفرق المتناقص الذي ننسبه لها عندما نفهم الماهية كشمولية، أو كإمكانية لما هو شمولي وكأساس له. ذلك أن اللاماهية تعني هنا الماهية الموجودة من قبل. فـ”اللاماهية” عادة ما تدل على تشوه الماهية التي تدهورت من قبل. ومع ذلك تبقى اللاماهية دائما، وهذه الدلالات كلها، مرتبطة أساسا بالماهية، وفق أنماط مقابلة، ولا تصبح أبدا غير جوهرية بمعنى غير مبالية. لكن الحديث بهذا الشكل عن اللاماهية واللا-حقيقة يصدم كثيرا الرأي الذي لا يزال سائدا، ويبدو تكديسا إكراهيا “لمفارقات” اعتباطية. ولأنه يصعب حذف هذا المظهر، فإننا نريد التخلي عن هذه اللغة التي لا تأخذ صبغة مفارقة إلا بالنسبة للرأي (Doxa ) المشترك. أما بالنسبة لمن يعرف فإن “اللا-” الداخلة في تكوين لفظ اللا-ماهية الأصلية للحقيقة كلا-حقيقة تشير على الأقل إلى ميدان حقيقة الوجود (وليس فقط الموجود) الذي هو ميدان لم يتم كشفه بعد. إن الحرية من حيث هي ترك الموجود يوجد هي في ذاتها علاقة منفتحة وغير مغلقة على ذاتها. وهذه العلاقة هي التي يتأسس عليها كل سلوك ويتلقى منها التوجيه بأن يسلم نفسه للموجود ولانكشافه. من ثمة تختفي مع الاختفاء هذه العلاقة هي ذاتها لأنها تهيؤ لنسيان السر كما تختفي في هذا النسيان. ورغم أن الإنسان يرجع باستمرار إلى الموجودات، فإنه يقتصر عادة على هذا الموجود أو ذاك من حيث كونه منكشفا. فالإنسان يرتبط بالواقع الجاري والقابل للسيطرة، حتى عندما يتعلق الأمر بما هو أساسي. وعندما يأخذ على عاتقه مهمة توسيع، وتحويل، وإعادة تملك وتأكيد السمة الإنكشافية للموجود في الميادين المختلفة من نشاطه، فإن التوجيهات المعبأة لهذه الغاية تظل محصورة في لمجال الضيق لمشاريعه وحاجياته اليومية الجارية. إن الانخراط في الحياة اليومية يعني في ذاته رفض الاعتراف باختفاء ما هو منحجب. ولاشك أنه توجد كذلك في الحياة اليومية ألغاز وأشياء غير واضحة، وما هو غير أكيد، وما يحتمل الشك. لكن كل هذه المسائل، التي لا تنبثق عن أي قلق ليست سوى معابر ووسائط ضمن حركة الحياة اليومية الجارية، وبالتالي فهي غير أساسية. هناك حيث يكون احتجاب الموجود في كليته مسموحا به على هيأة حد يعلن عن نفسه بشكل عرضي أمامنا، فإن الاختفاء كحدث أساسي لم يفلت بدوره من السقوط في غياهب النسيان. إلا أن السر المنسي للدازاين يبعده النسيان، بل على العكس من ذلك، فإن هذا النسيان يجعل الاختفاء الظاهر لما هو منسي حاضرا حضورا خاصا. ومن حيث إن السر ينفي ذاته في النسيان ومن أجل النسيان، فإنه يرغم الإنسان التاريخي على البقاء في مستوى الحياة اليومية وسلطها الزائفة. وهكذا تكمل الإنسانية التي تم التخلي عنها، “عالمها” انطلاقا من حاجتها ومقاصدها الراهنة وتملؤها بمشاريعها وحساباتها. والإنسان، من حيث إنه متناس للموجود في كليته، يستعير من هذه المشاريع والحسابات معاييره فهو يحدد لنفسه مشاريعه وحساباته بتزوده دوما بمقاييس جديدة دون أن يفكر في ذلك الذي يؤسس عملية القياس ذاتها ولا في ماهية ما يستمد منه القياس. وعلى الرغم من تقدمه نحو مقاييس جديدة وأهداف جديدة فإن الإنسان ينخدع حول الماهية الأصلية لمقاييسه. وهكذا فهو يسيء قياس ذاته، وذلك بشكل يزداد خطورة كلما اعتبر نفسه وحدها، كذات، هي مقياس كل موجود، في هذا النسيان المفرط تتأكد الإنسانية من ذاتها بإلحاح بفضل ما هو في كل لحظة، سهل المنال في الحياة اليومية. هذه المثابرة تجد سندها، الذي هو سند غير معروف من طرفها، في العلاقة التي لا يكتفي الإنسان بواسطتها بأن يتواجد تواجدا انفتاحيا بل بأن ينغلق أي بأن ينشد إلى ما يقدمه له الموجود من حيث إنه يبدو من ذاته وفي ذاته متجليا. VII اللا-حقيقة من حيث هي تيهان: إن الإنسان باعتباره كائنا منغلقا ملتفت نحو ما هو جار ويومي في الموجود. إلا أنه لا يستطيع أن ينغلق إلا لأنه منفتح، أي من حيث إنه يأخذ الموجود ذاته كمقياس موجود. ومع ذلك، فالإنسانية، من خلال اتخاذ المقاييس الخاصة بها، معرضة عن السر. هذا الميل المنغلق نحو ما هو يومي وهذا الإعراض عن السر يسيران جنبا إلى جنب. فهما شيء واحد ونفس الشيء. وهذه الطريقة في الإقبال والإعراض تنتج، في العمق، عن الاضطراب المقلق الذي هو سمة الدازاين. إن هذا الاضطراب الذي يتهرب من السر ليتخذ من الواقع اليومي الجاري ملاذا له، ويدفع الإنسان من موضوع يومي إلى آخر، فيجعله يخطئ السر، هذا الاضطراب هو التيه. الإنسان يتيه. إنه لا يسقط في التيه في لحظة معينة. إنه لا يتحرك إلا في التيه لأنه ينغلق وهو ينفتح وبذلك يجد نفسه دوما في التيه. فالتيه الذي يتخبط فيه الإنسان ليس له شكل المجرى الممتد على طول طريقه، والذي قد يحدث له أن يسقط فيه، بل على العكس من ذلك، فإن التيه جزء من التكوين الحميمي للدازاين الذي يجد الإنسان التاريخي نفسه متروكا له. والتيه هو مجال فعل ذلك الاضطراب الذي ينسى فيه الانفتاح المنغلق، وإن بشيء من المرونة، ذاته ويجد نفسه دوما في خصاص منها من جديد. إن اختفاء الموجود في كليته، والذي هو ذاته محتجب، يتأكد في انكشاف الموجود الجزئي الذي يشكل، بوصفه نسيانا للاختفاء، التيه في جوهره. إن التيه هو ضد – الماهية الأساسية للماهية الأصلية للحقيقة. إن التيه ينفتح على شكل مجال منفتح لكل خطوة مشادة للحقيقة الأساسية. التيه هو مسرح الخطأ وأساسه. فهو ليس خطأ عابرا، ولكنه إمبراطورية هذا التاريخ التي تتشابك وتختلط فيها كل أشكال التيه، وذاك شأن الخطأ. إن كل سلوك يمتلك طريقته الخاصة في التيه المقابلة لانفتاحه ولعلاقته بالموجود في كليته. والخطأ يمتد من التقدير والأخطاء الناجمة عن الجهل أو عدم التبصر، ومن الحسابات الخاطئة إلى الزلات والتجاوزات المتعلقة بقراراتنا الأساسية. إن ما تسميه العادة والمذاهب الفلسفية بالخطأ، أي عدم تطابق الحكم، وفساد المعرفة، ليس إلا طريقة سطحية جدا في التيه. فالتيه الذي ينبغي أن نفترض أن الأسس تتحرك فيه لتزيغ يشكل جزءا أساسيا من انفتاح الدازاين. إن التيه يسيطر على الإنسان من حيث إنه يدفعه إلى أن يضل. ولكن بالضلال يسهم التيه أيضا في إيجاد تلك الإمكانية التي يستطيع الإنسان استخراجها من وجوده المنفتح والمتمثلة في عدم السقوط في قبضة الضلال، فهو لن يختنق فيها إذا كان قادرا على معاناة التيه كما هو، وعلى التعرف على سر الدازاين. ولما كان الوجود المنفتح المنغلق يتحرك في التيه، وكان التيه من حيث هو ضلال يجدد الإنسان دائما بشكل من الأشكال، فإن الوجود المنفتح، بسبر هذا التهديد، مثقل بالسر -ولو بسر منسي- وهذا هو ما يجعل الإنسان، في وجوده المنفتح (الدازاين)، خاضعا في نفس الوقت لسيادة السر والتهديد الصادر عن التيه. فكلاهما يبقيه في محنة الإكراه. إن الماهية الكاملة للحقيقة، المتضمنة لضد ماهيتها، تبقي الدازاين في المحنة عن طريق هذا التأرجح الدائم بين السر والتهديد بالضلال. إن الدازاين مخضع للإكراه. ومن دازاين الإنسان، ومنه وحده ينبثق انكشاف الضرورة، ومن ثمة، يمكن للوجود الإنساني أن يتخذ له موقعا ضمن كما لا يمكن الاستغناء عنه. إ انكشاف الموجود من حيث هو كذلك هو في ذاته وفي الوقت نفسه اختفاء الموجود في كليته. وفي هذا التآني بين الانكشاف والاختفاء يتأكد التيه. إن التيه واختفاء المنحجب ينتميان إلى الماهية الأصلية للحقيقة. إن الحرية مفهومة انطلاقا من الوجود المنفتح المتداخل للدازاين، ليست ماهية الحقيقة (من حيث هي تطابق الاستحضار) إلا لأن الحرية ذاتها تصدر عن الماهية الأصلية للحقيقة، وعن سيادة السر في التيه. إن ترك الموجود يوجد عملية تتحقق بواسطة سلوكنا داخل المنفتح. ومع ذلك فإن ترك الموجود يوجد من حيث هو كذلك وفي كليته لا يحدث بشكل أصيل إلا إذا أخد في ماهيته الأصلية من حين لآخر. في هذه اللحظة يبدأ التقبل الحاسم للسر في التحقق في حضن التيه مدركا من حيث هو كذلك. ومنذ تلك اللحظة يتم وضع السؤال المتعلق بماهية الحقيقة في أصالته الجذرية. ومنذ تلك اللحظة ينكشف أصل تشابك ماهية الحقيقة مع حقيقة الماهية. إن النظر إلى السر انطلاقا من التيه يطرح مسألة السؤال الوحيد التالي: ما هو الموجود من حيث هو كذلك وفي كليته؟ مثل هذا التساؤل يفكر في المسألة المزعجة بشكل أساسي والتي لم يتم بعد التحكم في غموضها: إنها مسألة وجود الموجود. إن فكر الوجود الذي يصدر عنه هذا التساؤل في الأصل قد تم تصوره منذ أفلاطون “كفلسفة” وسمي فيما بعد “بالميتافيزيقا”. VIII سؤال الحقيقة والفلسفة: إن تحرر الإنسان من أجل وجوده – المنفتح، ذلك التحرر الذي يؤسس التاريخ، لا يرقى إلى الكلام إلا في فكر الوجود. فالكلام ليس في المقام الأول “تعبيرا” عن رأي ما، بل هو المكان الذي تقوم في كليته. وعدد الذين يدركون هذا الكلام لا يهم كثيرا. ونوعية أولئك الذين يمكنهم أن يولوا للكلام أهمية تقرر موقع الإنسان في التاريخ. لكن في هذه اللحظة بالذات من تاريخ العالم، حيث تكتمل بداية الفلسفة، تبدأ كذلك السيطرة العلنية للحس المشترك (للسفسطة). إن الحس المشترك يستنجد ببداهة الموجود المنكشف ويصف كل تساؤل فلسفي بأنه اعتداء عليه وعلى تقبليته المنفرة. لكن ما يتصوره الحس المشترك -الذي هو مبرر في ميدانه الخاص- عن الفلسفة لا يتوصل إلى ماهية هذه الأخيرة، التي لا تتحدد إلا بالنسبة إلى الحقيقة الأصلية للكائن كما هو في كليته. إن الماهية الكاملة للحقيقة المتضمنة للا-ماهيتها والسائدة أصلا على شكل اختفاء، والفلسفة من حيث إنها تضع السؤال المتعلق بهذه الحقيقة، منقسمة على ذاتها. وفكرها هو ذلك اللطف المرن الذي لا يستعصي على احتجاب الموجود في كليته. لكنها أيضا القرار – المنفتح الصارم الذي يدفع الاختفاء (دون أن يحطمه، محافظا على طبيعته) إلى مستوى الوضوح في التعقل، والفهم، وبذلك يرغمه على أن يظهر على حقيقته الخاصة. والفلسفة في هذه الدقة الرقيقة والرقة الدقيقة اللتان تتركان الموجود يوجد من حيث هو كذلك وفي كليته، تنمو على شكل تساؤل إن لم نقل بأنه لا يستطيع الاقتصار على الموجود وحده، فإنه لا يسمح بأدنى تدخل خارجي. ولم يفت كانط استشراف المحنة الداخلية للفكر حين كتب عن الفلسفة: “إننا نرى الفلسفة هنا قد وضعت في موقع حرج: إذ يلزمها أن تجد موقعا صلبا دون أن يكون لهذا مستند أو مرتكز في السماء أو على الأرض. يجب على الفلسفة أن تظهر هنا نقاءها بأن تجعل نفسها حارسة لقوانينها الخاصة بدل أن تكون المبشرة بقوانين من وحي حس فطري أو لست أدري أية طبيعة وصية عليها” (كانط، أسس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة فيكتور دلبوس ص 145 ). إن كانط الذي تمهد أعماله لآخر مرحلة من مراحل الميتافيزيقا الغربية، بتأويله هذا لماهية الفلسفة، ينظر إلى ميدان ما كان له أن يفهمه طبقا لموقفه الميتافيزيقي القائم على الذاتية، إلا انطلاقا من هذه الأخيرة. لقد كان على الفلسفة إذن أن تفسر من طرف كانط على أنها محافظة على قوانينها الخاصة. هذا التصور الأساسي لمصير الفلسفة هو مع ذلك متسع بما يكفي ليرفض كل استعباد للفكر. وأكثر صور هذا الاستعباد فقرا تختفي وراء ذريعة قبول الفلسفة “كتعبير” عن “الثقافة” (شبنغلر) أو كترف بالنسبة لإنسانية منهمكة في العمل. وإذا كانت الفلسفة تحقق ماهيتها مثلما طرحت أصلا “كحامية لقوانينها الخاصة”، أو على العكس، إذا لم تكن محتومة ومدهومة في موقفها من حيث هي حامية لقوانينها الخاصة، من قبل حقيقة ذلك الذي ترجع إليه قوانينها، فذلك ما يتقرر بواسطة الأصالة التي تصير معها الماهية الأولى للحقيقة أساسية للتساؤل الفلسفي. إن المحاولة المقدمة هنا تقود مسألة الحقيقة إلى ما وراء الحدود التقليدية للتصور المشترك وتساعد التفكير على التساؤل عما إذا لم يكن السؤال عن ماهية الحقيقة أولا وفي نفس الوقت، هو السؤال عن حقيقة الماهية. لكن الفلسفة، من خلال مفهوم “الماهية” تفكر في الوجود (Etre ).