بقلم :: سعد محمد رحيم

ولد لوي ألتوسير ( 1918 ـ 1991 ) في الجزائر، وكان في الثلاثين من عمره حين حصل على إجازة الفلسفة وانضم للحزب الشيوعي الفرنسي، ومنذ ذلك الحين اتخذت كتاباته منحى مميزاً يتمثل بصبغته الماركسية الخالصة، المنقاة من شوائب النزعة الإنسانية والهيجلية التي وسمت أفكار ماركس الشاب، كما ظل يصرّ، بعد تأثره بالمناهج الحديثة، لاسيما البنيوية منها. ولذا وقف بالضد من أطروحات لوكاش وهنري لوفيفر وسارتر وروجيه غارودي حول إحياء النزعة الإنسانية في الفلسفة الماركسية. فإذا كان سارتر قد وجّه انتقاداته الحادة إلى منهجية ماركس في دراساته للاقتصاد السياسي معوِّلاً على النزعة الإنسانية لماركس الشاب فإن التوسير، على العكس من ذلك، حاول إلغاء ماركس الشاب لصالح ماركس الناضج في ( رأس المال ). لهذا “رفض التسليم بان الإنسان موجود يبدع ذاته عن طريق عملية جدلية تدور بين عمله والعالم الطبيعي الذي يحوِّله هذا العمل. كما رفض ما يلزم عن هذا التسليم من تفسير يرى في البنية الفوقية ( الفكر الذي يحتِّمه الاقتصاد ) انعكاساً لعملية الإنتاج. ففي ذلك ما يبرر الانتظار السلبي للثورة من حيث هي نتيجة حتمية لتطور الرأسمالية… بينما الثورة، فيما يرى، تحتاج حتماً إلى إعداد وتنظيم”.
ربما حصل نوع من سوء الفهم بخصوص ما قصده التوسير في أطروحته عن ماركس والنزعة الإنسانية فهو، من جهة، أكد على “أن مفهوم أو مقولة الإنسان لا تلعب لدى ماركس دوراً نظرياً”. ففي مرحلة ما تبنى ماركس إشكالية رؤية فويرباخ للماهية النوعية للإنسان ومسألة الاستلاب، لكنه، فيما بعد، قطع مع تلك الرؤية “وهذه القطيعة مع النزعة الإنسانية النظرية لدى فويرباخ تطبع بشكل جذري تاريخ فكر ماركس”. وحتى حين تتواتر كلمة الاستلاب في كتاب ( رأس المال ) فإنها لا تكتسب، برأي ألتوسير، أهمية نظرية. ومن جهة ثانية آمن بأن “النزعة الإنسانية الحقة لا توجد إلاّ في المجتمع الاشتراكي، وأن القمع فعل ضروري في أول مراحل الثورة”.
تحدث ألتوسير عن نزعة لا إنسانية فلسفية عند ماركس لا تتلاءم مع أي تأويل ذي نزعة إنسانية، فهي تُقصي مفهوم الإنسان كمفهوم مركزي عن التشكيلات الاجتماعية، وعن التاريخ، مؤكداً أن ماركس “لم يستطع تأسيس علم التاريخ وكتاب رأس المال إلاّ شريطة القطع مع الادعاء النظري لكل نزعة إنسانية… فما يحدد، في المقام الأخير، تشكيلة اجتماعية ما، وما يعطينا عنها معرفة، ليس هو شبح ماهية ما أو طبيعة إنسانية ما، وليس الإنسان، وليس حتى الناس، بل علاقة، أي علاقة الإنتاج التي تشكل وحدة مع القاعدة، أي مع البنية التحتية”. هنا يصبح الناس حاملين لوظيفة في عملية الإنتاج المحددة بعلاقة الإنتاج “فعلاقات الإنتاج الرأسمالية تختزلهم إلى هذه الوظيفة البسيطة في البنية التحتية وفي الإنتاج، أي في الاستغلال”.
وما يجعل ماركس ينأى عن الإنسان الذي هو فكرة فارغة مثقلة بالإيديولوجية البرجوازية هو في سبيل بلوغ الناس العينيين الملموسين “من أجل التوصل إلى معرفة القوانين التي تتحكم في حياتهم وفي صراعاتهم الملموسة”.
كان ألتوسير يطمح إلى قراءة علمية من منظور بنيوي ـ سينكره لاحقاً ـ لماركس في مؤلفاته المتأخرة ( الغروندريسه ) و ( رأس المال ). وقد جمعت مقالاته بهذا الصدد في كتابين؛ ( من أجل ماركس/ 1965 ) و ( قراءة رأس المال/ 1968 )، سعى من خلالهما إلى التعاطي مع الماركسية علماً. وهنا قاد النظرية الماركسية إلى درجة عالية من التجريد والاستقلالية بحيث أصبحت لها جاذبيتها، في نظر المثقفين، وصلت حد البارانويا. وكان من دعاة ربط النظرية الماركسية بالنشاط الثوري. وقد لقيت أطروحاته رواجاً في العالم الثالث، لاسيما في أمريكا اللاتينية، والهمت مفكرين ناشطين مثل ريجيس دوبريه.
بحث التوسير وهو يقرأ ماركس في المرئي واللامرئي من الخطاب الماركسي للوقوع على الأبنية اللاواعية له. وفهم “ذلك المعنى الذي يكشف عمّا تحت السطح البريء للكلام من نمط مختلف تماماً من الخطاب، هو خطاب اللاوعي”. وهكذا فإن الإحاطة بتأويلات ألتوسير لماركس يقتضي معرفة وافية بالفلسفة وعلم اللغة وعلم النفس والأنثربولوجيا، فهو يستخدم رؤى ومناهج هذه العلوم في مقاربته للفلسفة الماركسية.
استعار من جاستون باشلار مفهوم ( القطيعة المعرفية، إذ “يفترض باشلار وجود حقب علمية يمكن أن تخلق انقطاعات معرفية من ذلك النوع الذي حدده ألتوسير في أعمال ماركس”. واستعار من علم اللغة البنيوي مفهوم ( القارئ الممتاز ) الذي هو؛ “أداة للتحليل ووسيلة لإعادة قراءة النص، والتقاط المواضع التي تتكشف عن أهمية خاصة، بالنسبة إلى المعرفة المحددة التي يملكها هذا القارئ”. وقد أدى ألتوسير نتيجة تعمقه في قراءة نصوص ماركس دور مثل هذا القارئ لتحرير الماركسية من لقراءة العادية مثلما عبّر عن ذلك الأداء. وذهب إلى “أن النظرية الماركسية التي تناقض نفسها على مستويات عدّة، وتحتوي ثغرات ومواضع صمت وغياب، يجب أن تُعاد قراءتها بطريقة أعراضية ( saymptomatic ). ومن شأن هذه القراءة الجديدة عن الأبنية اللاواعية الخفية، عن طريق تفسير التحولات transpositions ) ) والتناقضات ( absurdities ) والأغلاط ( errors ) فتنتج هذه القراءة نصاً مختلفاً، نصاً تتكشف إشكالياته النظرية من خلال الأعراض التي سببت هذه الإشكاليات. وهكذا تُحل شفرة ( النص الموضوعي )، أي كتابات ماركس وحياته على حد سواء”.
ولكن، عمَّ تمخض ذلك التزاوج الذي أراده ألتوسير بين البنيوية والماركسية؟. وهل حقاً “استطاع إعادة النظر فيما هو مشترك بين الجدل الهيجلي والجدل الماركسي، بفضل ما طرحه الفكر البنيوي من أبعاد جديدة للزمن، وما يترتب على ذلك من إمكانية التعامل مع اللحظات التاريخية بوصفها وقائع آنية الحدوث، تقع في الماضي كما تقع في أية لحظة بعينها ـ في كل وقت حاضر، فانتهى إلى أن هذين الجدلين يشتركان في شيء واحد هو مفهوم التاريخ، بوصفه عملية تدفع مسيرتها التناقضات الداخلية”؟.
ولأن موضوع الجدل نفسه تغير عند ماركس عنه عند هيجل فلا يمكن القول أن جدل ماركس هو معكوس جدل هيجل. فالتغير طال طبيعة الجدل نفسه. وهنا يتحدث ألتوسير عن بنية مهيمنة على الكلية ( الوحدة الشاملة ) الاجتماعية بتناقضاتها العديدة، المعقدة. والوحدة الشاملة، عند ماركس، هي الاقتصاد بتناقضاته الداخلية، فهي إذن: وحدة بنيوية. فيما الوحدة الشاملة، عند هيجل، تتكون من كليات، فهي إذن: وحدة مثالية. وقد آمن التوسير “بأن التناقضات الداخلية في ماركس كانت تخضع لحتمية مركّبة، على نحو ما تخضع التناقضات العصابية للفرد، داخلياً، لحتمية مركّبة”.
فصل ألتوسير “بين الواقع العلمي والعملية التي نتعرف بها هذا الواقع”. ومما لا شك فيه أن الماركسية تصدت لموضوعات فكرية مطروحة سابقاً في مفاهيم ونظريات عملت الماركسية على تغييرها. لكن ما جرى بحسب ألتوسير هو تأكيد “استمرار التحولات في الممارسة التاريخية العلمية للماركسية” نفسها. من هنا فرّق، في تطور فكر ماركس، بين ثلاث مراحل:
ـ مرحلة مبكرة تضمنت نواقص نظرية وغوامض اصطلاحية وبقايا إيديولوجية ( مثالية ) كما في ( مخطوطات 1844 ) و ( العائلة المقدسة ) وفيها كان ماركس إنسانياً عقلانياً، أقرب ما يكون إلى كانط وفخته، يرى في العقل والحرية جوهر الإنسان.
ـ مرحلة انتقالية تبدأ من العام 1845 وحتى العام 1857 كما في ( بؤس الفلسفة ) و ( البيان الشيوعي ) و ( الأجور والسعر والربح ) وفيها تفرغ ماركس للثورة البروليتارية.
ـ مرحلة النضج بعد العام 1857 وتتمثل في تفرغ ماركس لبحوثه في الاقتصاد السياسي ( الغروندريسه ) و ( رأس المال ).
من المآخذ الأساسية على ألتوسير من قبل منتقديه:
ـ عدم إدانته للتدخل السوفيتي في المجر وتشيكوسلوفاكيا، وقد سوّغ ذلك التدخل بعدِّه إنقاذاً للثورة من التحريفيين. وإذعانه للتوجيهات السوفيتية في تجنب تأييد الثورة الطلابية ( مايو 1968 ). وعدم دفاعه عن حرية الفرد، وتسويغه لقمع الأنظمة الشيوعية لشعوبها، فلم يوجّه أي انتقاد للينين، بل على العكس، دعا الحزب الشيوعي الفرنسي إلى المضي على خطى لينين الذي أكمل، مثلما يرى، الثغرات التي تركها ماركس، وتجاهل النقد الموجّه للينين من أن ممارساته الفعلية أدت إلى ديكتاتورية الحزب والمكتب السياسي بدلاً من ديكتاتورية البروليتاريا. كما تقول إديث كريزويل.
ـ يرى ريمون آرون أن سارتر أراد إقامة الماركسية على أساس من “فهم الوحدة الشاملة التاريخية، في كتابه نقد العقل الجدلي”، بينما أراد ألتوسير “أن يعزل النظرية ( أو ممارسة النظرية ) لكي يُظهر علمية ( رأس المال )، وهي مهمة مستحيلة لفيلسوف لا يعرف الاقتصاد”.
ـ قسم ألتوسير مفاهيم ماركس عن الإنتاج إلى ( المادي والسياسي والإيديولوجي والنظري ) وبذا، بحسب ( أندريه جلوكسمان ) لا يحقق هذا التقسيم “اتحاد النظرية والممارسة بين الأنواع المختلفة للإنتاج قط ، بل يحققها في كل نوع على حدة لا غير”. وبذلك لا تعود النظرية مرتبطة بالممارسة، وهذا “ما يناقض المسلمة المركزية عند ماركس نفسه”. ويقوِّض نظرية ألتوسير من الداخل.
ثمة مفكر آخر ينتمي إلى تلك الكوكبة اللامعة من المفكرين الماركسيين الذين تتلمذوا على كتابات غرامشي ولوكاش وتشربوا تقاليد الثقافة الفرنسية في الآن نفسه، هو ريجيس دوبريه. ودوبريه شغل الأوساط الفكرية والنضالية في الوقت الذي كان لثورات العالم الثالث بريقها وجاذبيتها، يوم ذهب إلى أمريكا اللاتينية، وهو في العشرينيات من عمره، وانضم إلى الحركة المسلحة التي كان يقودها جيفارا في بداية الستينيات من القرن الماضي، وهناك كتب عدداّ من الكتب لينظِّر لتلك الثورة وينتقد بعض جوانب تكتيكاتها وإستراتيجيتها منها ( ثورة في الثورة )، وقد ألقي القبض عليه وأودع السجن في بوليفيا بضع سنوات قبل أن يطلق سراحه بضغط دولي. وفي السجن كتب مذكراته ( مذكرات برجوازي صغير ). ومن ثم ألف رواية يحكي فيها جوانب من مشاركته في الثورة هناك أسماها ( غير المرغوب فيه ). قبل أن يعود إلى فرنسا ويتفرغ للعمل الفكري والثقافي. وبلا شك أثرت تلك التجربة في شخصيته وفكره وإنتاجه اللاحق، لاسيما في كتابه ( نقد العقل السياسي ).. يقول؛ “وأمريكا اللاتينية التي أتحدث عنها هي في العمق المكان الذي أكتشفت فيه أسلوباً آخر للعيش اليومي، معنى ما للاحتفال، والهجنة والانفعالية المفرطة والسخاء الذي لا يوصف”. لكن خيبة أمله في الثورة، وما أفضت إليه التجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية من فشل وبيروقراطية ومصادرة للحريات، فضلاً عن إعادة قراءته وتقويمه للفكر الماركسي قادته إلى التنصل من ماركسيته؛ “أحفظ من الماركسية نزعتها العقلانية، فأنا عقلاني حتى في مقاربتي للظاهرة الدينية… أما سوى ذلك فقد تخليت عن الماركسية منذ عام 1968”. وبعد ربع قرن من هذا التاريخ، وبعد أن سقطت التجارب الاشتراكية، وساد منطق العولمة واتخذ تاريخ العالم مساراً لم يكن في الحسبان وجد نفسه إزاء واقع مغاير تقصر الماركسية التقليدية عن فهمه وتفسير تحولاته. فالعالم يتوحد على وفق اعتبارات ومقتضيات عقلانية السوق لكنه يتخلى عن أن تكون له هوية جمعية موحدة؛ “إن العالم يزداد تشرذماً بازدياد وتائر توحيده”. وأن المجتمعات تنكفئ إلى الاحتماء بهوياتها ما قبل الدولتية بالتوازي مع تطور وسائل الاتصال والإعلام، وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة جامعة. فهي إذن عولمة ذات طابع أحادي خادع. “إن هذا الحيّز الذي يُزعم أنه يشمل الكرة الأرضية بأسرها، هو أميركي في الجوهر والأساس؛ وذلك يُعمِّم على الكرة الأرضية نمط الحياة والفكر الأميركي الشمالي. فهي إذن عولمة زائفة لا تبادل فيها ولا تعامل بالمثل”. هذا ما يخلص إليه دوبريه في قراءته لصورة العالم المعاصر، حيث تطغي قوانين السوق الرأسمالية على العالم سالبة المجتمعات هوياتها، والتي تنزع في رد فعل مفاجئ إلى الركون إلى هوياتها المحلية والغائرة في عمق ماضيها، وحيث أن “تحديث البنى الاقتصادية يحيي سلفية الذهنيات. ومثل هذا الأمر لم يكن في وارد البرنامج الذي وضعه ماركس أو آدم سمث”.
لم يعد العالم الذي حكى عنه ماركس وانتقده بضراوة موجوداً.. لم تعد هناك أمميات الحركات العمالية التي ولدتها الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.. يقول دوبريه؛ “ربما ما عادت الأمميات موجودة لأن الحركة العمالية ما عادت موجودة. وإذا كانت الحركات العمالية ما عادت موجودة ـ ونحن هنا ندلي بدلو ماركسي ـ فذلك يعني أن الأسس المادية لهذه الحركة ما عادت موجودة”. إن بنية العالم الاجتماعية والطبقية والسياسية تتحوّل وتتغير، والصورة التي ألفناها للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الطبقات وبين الشعوب قبل عقود قليلة أصبحت شيئاً من الذاكرة. فالجنوب، كما يقول “يتبتلر ( من بروليتاريا ) والشمال يتبرجز، وأن البروليتاريا في الشمال تستبدل، شيئاً فشيئاً، بأعداد المهاجرين من الجنوب”. والآلة باتت تحل محل العامل اليدوي، والكومبيوتر بات يستعيض عن الذهن البشري في حل أعقد المسائل. ولهذا بحسب دوبريه؛ “ما عادت الماركسية صالحة لوصف مجتمعنا الغربي”.
يعقِّب جان زيغلر على أطروحة دوبريه بتأكيده على أن الفرضية الأساسية التي تقوم عليها النظرية الماركسية برمتها ( كذلك علم الاقتصاد السياسي الكلاسيكي لسمث وريكاردو ومالثوس ) هي الندرة الموضوعية؛ أي أن موارد الأرض لا تكفي لتلبية حاجات سكانها المتزايدين. وهذه الندرة مثلما يخبرنا زيغلر ليست موجودة اليوم، وبالتالي فالفرضية الأساسية للماركسية لم تعد قائمة. لكنّه يعد ويقر بوجود ندرة اجتماعية “يولِّدها نظام قاتل للعالم، ماثلة على نحو مخيف”. وقد بنت الماركسية الجزء الهام من نظريتها على هذه الندرة الاجتماعية التي هي معطى طبيعي لنظام اقتصادي اجتماعي جائر هو النظام الرأسمالي.
وإذا كان دوبريه ينكر شعار ( يا عمال العالم اتحدوا ) وينعتها بأممية الخرافة الماركسية الكبيرة فإنه يؤكد أن نضاله إنما ينصب “لكي لا يتحول هذا الكوكب إلى سوبر ماركت، وأن تكون هناك جزر صغيرة كالدولة والثقافة والتعليم، خارج قانون العرض والطلب، وخارج قانون الموسر الأكبر”. فالنظام الرأسمالي يتبع منطقه الداخلي، وهو منطق لا ينطوي على قيم أخلاقية. فالرأسمالية “بربرية تعريفاً، وينبغي أن نناضل ضد هذه البربرية في العمق، إذا كنا نؤمن بذلك”. غير أنه يعود ويتساءل إن كان هناك بديل عن السوق؟ وعلى حد تعبيره “فقد يكون التطور الذي سيطرأ خلال هذا القرن هو البرهان على أن هذا البديل لا وجود له”.
تكتسي أفكار دوبريه، في كتاباته المتأخرة، شأنه شأن كثر من الماركسيين السابقين، بمسحة من التشاؤم حتى أنه يؤشر نقطة خلاف له، يجدها أساسية، مع الماركسية، وهي نزعتها التفاؤلية.. يقول؛ “إن الماركسية هي نزعة تفاؤلية مرضية، وعمياء، وبلغت من الخطورة بحيث أنها لم تر الضوابط البنيوية للكائن الجمعي، والطابع المتجدد لتوالد العنف، والطابع الديني الذي لا يمكن تجاوزه. إذ قد يسبب التفاؤل أحياناً من الشرور ما قد لا يتسبب به بعض من التشاؤم”.
في خضم خوضه حرب العصابات في أحراش بوليفيا، وقضائه سنوات بين جدران أربعة في السجن، أعاد دوبريه التفكير بالمسلّمات النظرية لتي كان يؤمن بها. عندئذ اكتشف، كما يعترف، جانباً مهماً، وكاملاً، من الواقع أغفلته الماركسية. فبدءاً ليست السياسة “هي الاقتصاد مركّزاً، بحسب مزاعم لينين. فثمة نصاب مستقل للسياسي”. في مقابل “أن السلوك السياسي للمتحدات البشرية لا تبدِّل منه التغيّرات التي تطرأ على نمط الإنتاج الاقتصادي”. فماذا نستخلص من هذا؟.. يقول؛ “بالإمكان الاستدلال من ذلك على لاوعي سياسي قارّ، ليست الأديان والإيديولوجيات سوى أعراضه المتلوِّنة. هذا اللاوعي السياسي يُستمد من بنية خاصة بكلِّ مجتمع بشري أياً كان هذا المجتمع، وأسمي هذا اللاوعي السياسي باللاإكتمال على غرار قضية غودل Godel ( في علم الرياضيات ) فما من مجموعة تبلغ تمامها بالعناصر المتضمنة فيها فقط. ما يعني أن هناك دائماً ما يمكن وصفه باللاعقلاني في داخل كل مجتمع بشري”.
يضع دوبريه إلى جانب التاريخ التقني لعلاقات الإنسان بالأشياء، وهو تاريخ ديناميكي، تراكمي ومفتوح ( مثلما يدعوها )، التاريخ الديني لعلاقات الإنسان بالإنسان وهو ( تاريخ ) استعادي وقابل للبرمجة. وإذن فلا يحصل تقدم تقني، برأيه، إلاّ على الصعيد التقني، ولكن ليس بالضرورة على الصعيد السياسي. وهذا خلاصة وروح ما يقوله في كتابه ( نقد العقل السياسي ).
هنا يتحدث عن الليبرالية والماركسية بعدِّهما وجهي وهم واحد هو ( الوهم الاقتصادي ). حيث يغدو “ماركس وآدم سمث وريكاردو… تنويعات على فرضية واحدة” وهي فرضية خاطئة من وجهة نظره.. فيستدرك قائلاً؛ “إن ما يضعه ماركس في خانة البنية الفوقية إنما ينتمي إلى البنية التحتية للنمو الاجتماعي. فالدين.. ليس معطى انتقالياً، بل إنه معطى بنيوي في كافة المجتمعات البشرية، حتى المعلمنة منها”. وما ينشده هو تقويض النزعة الاقتصادوية، وإعطاء العوامل الأخرى حصتها في التغير الاجتماعي.. يقول؛ “إن موازين الهيمنة ليست فقط ذات طبيعة اقتصادية،بل أصبحت رمزية أكثر فأكثر، ومتخيلة وثقافية. لذلك لا زلت أتبنى واقعية ماركس الخالية من الأوهام”.
أهم المصادر؛
1ـ ( عصر البنيوية ) أديث كرزويل.. ترجمة؛ جابر عصفور.. دار سعاد الصباح.. الكويت/ 1993.
2ـ ( كي لا نستسلم ) ريجيس دوبريه وجان زيغلر.. ترجمة؛ رينيه الحايك وبسام حجار.. المركز الثقافي العربي.. الدار البيضاء ـ بيروت/ ط1/ 1995.
3ـ مقال ( لويس ألتوسير قارئاً لماركس ) عبد الوهاب شعلان..