تكلمنا في الحلقة الأولى عن حياة نيتشه الصاخبة بالقلق والتشاؤم والعدمية وعن افكاره الراديكالية وتأثره بآراء شوبنهاور وفاغنر. في كتابه «أصل الأخلاق» الذي صدر عام 1887 يقدم نيتشه افكاره الأساسية وهي ان في العالم اقوياء وضعفاء، وسادة ومسودين، وطيورا وجوارح وحيوانات مفترسة وحملانا، تجمع بينهم علاقات مادية بحتة يغيب عنها أي عنصر اخلاقي. وهذه العلاقات هي علاقات الحياة نفسها، علاقات لافراد متنوعين، ولكن المهم في الأمر، هو ان الضعيف يفسر قوة خصمه على انها قسوة لكي يفلت من علاقات القوة التي ليست في صالحه، وتختفي خلف افعاله هذه «ارادة» هي جوهر هذه القوة. كما رأى بأن الكون ساحة تتصارع فيها الارادات، وان الصراع الهادف الى السيطرة يظهر بوضوح وفي جميع مظاهر الحياة.
هذه الافكار الراديكالية ولدت عنده «الذات العقلانية» التي تتفجر كالعاصفة، والتي وصفها بالشحنات الكهربائية الصاعقة التي تتحول بدورها الى «ذوات اصطناعية» كما عبر عنها آلان تورين، ومن جهة اخرى، فإن نيتشه يهدف من ذلك الى جعل الحياة «مختبراً للمعرفة» فبالعاطفة التي تسكن القلب يمكن للانسان، لا ان يعيش بشجاعة فحسب، بل ايضا يمكن ان يعيش بمرح وان يضحك بفرح، ومن لا يعرف كيف يضحك ويمرح ويعيش جيداً لا يعرف كيف يقاتل ويعيش؟

ان افكار نيتشه الراديكالية موجهة في الواقع وبالدرجة الأولى الى الحضارة الأوروبية وحداثتها وعقلانيتها، وليس الى السيطرة الرأسمالية وتكنولوجيتها، وهي بذلك نقد انثروبولوجي وليس سوسيولوجيا. كما ان مفهوم «السياسة الكبرى» الذي دعا اليه ما هو الا انعكاس لعدائه الشديد للديمقراطية والاشتراكية والمسيحية باعتبارها تمثل «اخلاق العبيد».

ويظهر لنا بأن النزعة المأساوية ـ العدمية كانت قد نشأت عنده منذ ايام الطفولة ونمت مع الموسيقى التراجيدية التي استهوته، وقد ظهر ذلك واضحاً في مفهومه «للفن النموذجي». ففي كتابه «التراجيديا الاغريقية» عرف الفن بأنه نتيجة للتوترات بين ما هو ديونيسي ـ اشارة الى ديونيس إله الخمر والخلاعة والمجون عند اليونان ـ حيث تصل الشخصية التي تتبع هذا الاسلوب الى اكثر اللحظات قيمة في الوجود عن طريق الغاء الحدود العادية للوجود وكذلك الغاء القيود المفروضة عليها من خلال الحواس الخمس، كما تهدف الى تحطيم ما يحدث في حالات العنف والسكر والانفعالات الشديدة. أما الاسلوب الأبوليني ـ نسبة الى أبولو ـ إله الحب والجمال ـ فإن الشخصية التي تتبعه لا تثق بالافعال السالفة الذكر لتحقيق قيمة الوجود وإنما تبتعد عن حالات العنف والافراط وتحافظ دائماً على البقاء في حالة انفعالية متوسطة تحتفظ فيها بالوعي وادراك الواقع ولا تفقد وعيها حتى في حالات العنف الشديد، وهي بهذا شخصية متزنة من الناحية الانفعالية ولا تدخل في تجارب نفسية عميقة وممزقة.

والحقيقة ان هدف نيتشه كان تعرية الغريزة البشرية في الأخلاق من اجل هدم الأخلاق البرجوازية وتعريتها على حقيقتها، مثلما حارب الاخلاق النفعية باعتبارها «فلسفة للخنازير» تقوم على الجشع وتتميز بالحرص الممزوج بالجبن لتحقيق المآرب والمنافع، وبهذا فالأخلاق عنده ليست سوى استراتيجية للدفاع عن مصالح محددة تمنع الفرد من اطلاق العنان لرغباته، واذا نادى نيتشه بموت الإله، فإنه دعا في ذات الوقت، الى موت الانسان، الذي اوقفه عصر التنوير على رجليه. وان هذه الافكار ليست سوى هوس فلسفي بالوجود المفقود وبالعدمية المنتصرة بعد موت الإله.

هكذا تكلم زرادشت يعتبر كتابه «هكذا تكلم زرادشت» 1883 من اشهر كتبه، بل والأعظم من بينها. فقد كتبه بأسلوب ادبي ـ نقدي رفيع المستوى، جمع بين النثر والشعر والموسيقى، وصاغ فيه افكاره «الجهنمية» وصور نموذج الانسان المتفوق، الخارق للعادة (السوبرمان) الذي رآه متحرراً من القيود الاجتماعية والأخلاقية، مثل انسان عصر النهضة الذي تجرأ على ان يعيش حياة تتفق مع مصيره الاعلى، وكانت معرفته هي الشكل الظاهري لارادة القوة التي هي هدف الحياة.

والواقع ان نيتشه في هذا الكتاب كان شاعراً اكثر منه فيلسوفاً، اذ قال عنه الاديب الالماني الكبير توماس مان بأنه «افضل ما كتب باللغة الالمانية». كما قال عنه نيتشه نفسه «لقد اوصلت اللغة الألمانية الى ذروة كمالها». وفي هذا الكتاب كسر نيتشه جميع الحواجز التي وقفت امامه وحطم الايمان بالحقيقة المطلقة والقيم الانسانية. ومما قاله: «ليس هناك وجود مطلق وانما وجود يتكون، وليس هناك تجديد لا نهائي وانما عودة ابدية، مثل الساعة الرملية الأبدية للوجود التي تعيد دورتها باستمرار، ولا يحتاج الانسان فيه الى شعور رقيق، لأن كل المبدعين يجب ان يكونوا اقوياء الارادة».

هكذا يمجد نيتشه القوة وارادة القوة، وبدل العقل والعقلانية جعل الجسد هو العقل الأكبر، وان اللاعقل هو المصدر الاصل، «ففي كل مكان يكاد يكون الجنون هو الذي يفتح الطريق امام الفكر الجديد، وعلى البشر ان يحققوا اهدافهم الكلية. والانسان المتفوق (السوبرمان) هو الذي يستطيع تحقيق الاهداف والارتفاع الى مستوى الحب القدري»، وبهذا جعل نيتشه الانسان «كمؤدب» للانسان، ومن يستطيع تحقيق الاهداف عليه ان يعرف «انه يحتاج الى اسوأ ما فيه اذا اراد ان يصل الى افضل ما فيه». وهو بهذا لا ينادي بتحرير الغرائز بقدر ما يريد اضفاء الصبغة الروحية عليها وتحويل الطبيعة الى عمل فني والعودة الى الأبدي. يمثل نيتشه في الواقع نزعة عدمية بأحلك صورها، فهو يقول بأن الحقيقة والكذب يوظفان دوماً من اجل الكائن المتفرد، كما ان الحقيقة والوعي والعقل والموضوعية والاخلاق، وكل ما على الأرض في هذا الزمن، انما يبرهن، خطوة فخطوة بكونه تدهوراً، مجرد «خشبة عمل» امام قرف الحياة. وامام هذا العجز والاحباط ليس هناك من مخرج سوى «تحرر الأنا والدخول في نيرفانا الفناء».

في 3 كانون الثاني عام 1889 كتب نيتشه الى احدى المعجبات من قرائه وهو راقد في مصح الأمراض العقلية بأن «العالم مجنون والإله على الأرض الآن، ألا ترينه؟ لقد فرحت السماء بذلك، وحصلت الآن على ملك في مملكتي.. ارمي الباب في السجن واتركي فلهلم بسمارك ووزيره شتوكر مقتولين»، ثم قال «لقد اكتشفنا السعادة. هكذا قال آخر البشر وغمز بعينيه.. لا يوجد راع وانما فقط قطيع، كل يريد الوصول الى نفس الهدف، وان يكون مساوياً للآخر».

وكان نيتشه قد تنبأ بانفجار حروب فظيعة سوف تعصف بالناس، حروب لا مثيل لها في الأرض.. هذا هو مصير الناس في القرن القادم: عرض وطلب، ومن يستطيع ان يكون شجاعاً سينتصر، وسوف يعم النور في كل مكان، «وهو ما ادركه» «وابتداء مني ستكون هناك سياسة عظيمة» و«ما اقوله سيكون تاريخ القرنين القادمين.. وبعد غد هو لي.. فبعض الرجال يولدون بعد مماتهم». ثم اردف، «من الصعب ان اعرف من انا.. لننتظر مئة سنة اخرى فربما يوجد، حتى ذلك الوقت، من يتعرف على عبقري من البشر اسمه ف.ن» (فردريك نيتشه). وفي كتابه «الانسان المجنون» الذي صدر عام 1882 قال «ولدت مبكراً، وانا لست لهذا الزمن».

نيتشه يلغي العقل والوعي والنظام مثلما يلغي كل المبادئ والضمانات التي اقامتها الافلاطونية وكل ما تضمنته من مثل اخلاقية وكل ما له صلة بالخبرة والحقيقة المطلقة.

وقد ذكر فاتيمو بأن نيتشه يرى بأنه ليست هناك حقائق بالمعنى الموضوعي، وان الحقيقة هي على الأرجح، احد اشكال الوهم وانه يوجه سخريته الى «الانسان المتفوق» والى نموذجه «السوبرمان». وان خلق الانسان المتفوق يتعدى في الحقيقة الحياة الشاملة ونمط الحكمة، وان هدف نيتشه الاساس انما هو الكمال الاخلاقي، وهو «نمط جمعي» من ذوات متنوعة لا ترسو الا على اساس ثابت، كما ان انسان نيتشه المتفوق يقترب تماما من وصف كيركير غارد للنبي ابراهيم الذي ضحى بولده استجابة لدعوة الرب. لقد ترك ابراهيم القيم والمعايير الدنيوية من اجل ان يتبع رسالة الله التي لا يمكن ردها وتبريرها بأسس عقلية عامة وانها تعبير عن تنازله لإرادة الله. هكذا هو انسان نيتشه المتفوق من الممكن فهمه في النهاية، على انه غير مخادع.

هل كان نيتشه مؤسسا للفكر النازي؟

ثمة مبالغة في اعتبار نيتشه مؤسسا للفكر النازي في المانيا، مع ما تتصف به كتاباته من نزعة لا عقلانية ومقولاته عن ارادة القوة والحرب والانسان القوي والشعر الجرماني الاشقر وغيرها.. وكان هايدغر، الذي يعتبر من انصار الحزب النازي في المانيا قد اصدر كتابا لتكريم نيتشه عام 1961 ووضعه في ظلال هتلر والنازية.

والحال ان افكار نيتشه التشاؤمية والعدمية ودعوته لارادة القوة والحرب تسقطه في حنين وافتتان بالأمة الالمانية، كشعب حي، هو الذي دفع هايدغر، الذي تأثر به كثيرا، الى التحالف مع النازية.

والواقع ان صعود القوميات في اوروبا الوسطى وبخاصة في المانيا وايطاليا لا يمكن عزله عن افكار نيتشه، ذلك الصعود الذي مثل اول ازمة تعرضت لها ايديولوجيا الحداثة. كما ان خطورة النازية التي كانت مسخرة لخدمة دولة متسلطة وتدعو الى فكرة مصطنعة عن الشعب (Volk) بمعناها الالماني، وتبني دولة قومية في اسوأ سلطة قومية مستبدة ودكتاتورية قامت باسم الشعب والأمة والقائد، التي كانت لها آثار مدمرة على المانيا والعالم، ما زالت حية حتى اليوم. ولهذا جعله النازيون بطلا وبنوا له متحفا في فايمار. غير ان نيتشه نفسه كان قد سخر من الجميع بمن فيهم الالمان، ولكنه استثنى الاغريق. كما انه احتقر التمييز العنصري وكان معجبا بالشاعر الالماني اليهودي هاينرش هاينه الذي قال عن كتاباته «انني ابحث عبثا عن موسيقى بهذه العذوبة والهوى». كما قال «يا لها من نعمة ان تجد يهوديا بين الالمان».

والحقيقة فقد تبنت الحكومات النازية والفاشية مقولات نيتشه وافكاره في ارادة القوة والانسان المتفوق وشرعت في تفسيرها على اساس نموذج احادي الجانب، في حين كان الفيلسوف الذي دعا الى ارادة القوة يعانق حصانا من اجل حمايته من ضربات حوذي قاس. ولكن نيتشه في الواقع، كان قد اساء الى الالمان واليهود مثلما اساء الى الشعوب الاخرى، وان لم يكن مثلما اوحت به شقيقته اليزابيث التي حورت افكاره وتزوجت رجلا اشترى مزرعة في باراغواي واقام مستعمرة فيها واراد ان تكون نموذجا للفاشية، في حين كانت اليزابيث «كاهنه» ترأست مجموعة من المتحمسين لافكار نيتشه التي ورثها النازيون في ما بعد.

عدو النساء في كتابه «منطق الأحلام» امتدح نيتشه الاخطاء التي تحدث في الحياة باعتبارها ضرورة حياتية. وقد رأى بأن كل شيء يأتي حسب الدور، ولكن ذلك يصدم الفيلسوف في كل مكان، اذا كان ذلك في الاخلاق والدين والفن والتربية والعائلة والنساء وحتى الحياة الخاصة وغيرها.

ويعتقد غرينباين بأن نيتشه يقف ضد اي اتجاه انساني، في الفلسفة والادب والانثروبولوجيا، وكل كتاباته الشعرية والفلسفية تفتح امامه طريقا واحدا هو الوهم. كما يعتقد آخرون بأن نيتشه كان خناثا، نصف مجنون ونصف متمركز عقليا وكائناً حياً بين الانسان والحيوان، لا يمكننا تصنيفه في اية خانة. لقد حمل نواة مرضه (الشيزوفرينيا)، وهي احدى اهم خصائصه التي طبعت تفكيره الكئيب وحبه لنفسه وكرهه للمرأة. فنيتشه لم يحب مرة، ولم يعجب بواحدة من النساء، وانما احب نفسه واعجب بها فقط.

في الجزء الاول من كتابه «هكذا تكلم زرادشت» يقول «اذا ذهبت الى المرأة، فلا تنس السوط (الكرباج)»!. وهذا هو مفتاح فلسفته في الحياة.

نقد الحداثة ـ بيان أول «ما بعد الحداثة» يعتقد كرستوف كولب وآلان تورين وفاتيمو، بأن خيبة أمل نيتشه من شروط الحداثة، التي تعيد نفسها اليوم في كتابات فلاسفة ما بعد الحداثة، بشكل او بآخر، جعلت منه في الحقيقة اول من قدم حججا نقدية ضدها وركز في هجومه على فكرة الذات وضد افكار عصر التنوير والتقدم والعقلانية، مثلما دعا الى التحكم في الانفعالات بواسطة ارادة القوة المسخرة انثروبولوجياً وليس سوسيولوجياً، بحيث اصبح عداؤه للحداثة اشد تطرفا.

والحال، لم يكن بيان «ما بعد الحداثة» الذي اصدره فوكو هو الاول وانما افكار نيتشه ونقده للحداثة، حيث اعلن بأن انتصار الوعي هو اغتراب الطاقة الانسانية المنفصلة عن نفسها والتي تعادي ذاتها بتماهيها مع إله ومع قوة غير انسانية تفرض على الانسان الخضوع لها، وهو ما قاد الى العدمية، التي تعني استنفاد الانسان الذي انتقلت قدراته الى العالم الإلهي بواسطة المسيحية التي ليس لها من سمة تخصها سوى الضعف، وهو ما ادى الى انحطاطها. كما ان قلب القيم يعني رفض هذا الاغتراب واستعادة الانسان لوجوده الطبيعي وطاقاته الحيوية وارادته في القوة. كما ينطلق في نقده للحداثة في تماهيها مع النفعية ومع اخضاع الفرد لها يخضع العالم لصالح التنظيم الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع البرجوازي.

والحال يتفق كثير من المفكرين على ان افكار نيتشه وفلسفته غير صائبة، انها تتضمن افكارا ومفاهيم راديكالية وقفت ضد الديمقراطية، وعداء سافرا للنساء، وكلمات لا تليق ان يتكلم بها فيلسوف. فقد وصف نيتشه الفلسفة بأنها «علم ممنوع»، وانها مملوءة بـ «الكذب والقبح».

فمنذ منتصف القرن الماضي اكتشف رواد مدرسة فرانكفورت فردريك نيتشه، ومن ثم وجد رواد ما بعد الحداثة الفرنسيون امثال دلوز وفوكو في افكاره مناهضا قويا لليسار الاوروبي.

ومع هذا وذاك يمكننا وضع نيتشه كفيلسوف مفارق له امكانيات هائلة ورسالة نبوية متشائمة، كان يحلم بمجتمع آخر له امكانيات كبيرة في التنوع وخيارات عديدة واساليب حياة حرة، غير انه اساء الى المجتمع والفلسفة والانسان والمرأة، مثلما اساء فهم الديمقراطية التي من الممكن ان تقدم فضاء متنوعا في عالم متعدد الحضارات والهويات، وكذلك تفسيرات عديدة لها عن طريق الثورة الاتصالية وتكنولوجيا المعلومات الالكترونية وكذلك الثورة الجديدة في خارطة الهندسة الوراثية (الجينوم) التي من الممكن ان تذلل كثيراً من الصعاب التي تقف امام سعادة الانسان وتطوره نحو الافضل.

**************************************

المصدر “