ما مدى علاقة فلسفة بول ريكور بالعلم والدين .. ؟ بقلم: حسام الدين درويش

“ما هو الفهم “la compréhension”؟”، “ما هو التأويل “l’interprétation”؟”، و”كيف يمكننا أن نحسِّنهما؟”. تشير هذه الأسئلة إلى المحور الرئيس للمسائل التي تنشغل الهيرمينوطيقا(1) بها. وتكمن خصوصية وأصالة هيرمينوطيقا بول ريكور في أنَّها شدَّدت على أنَّ هذه الأسئلة لا يمكن فصلها عن السؤال “ما هو التفسير “l’explication”؟”. وبهذا التأكيد على أهمية التفسير – بوصفه منهجاً علمياً – وعلى إمكانية وضرورة مَفصَلته مع الفهم، تتميَّز الهيرمينوطيقا الريكورية – بشكل عام، وفي الوقت نفسه – عن هيرمينوطيقا كلٍ من ديلتاي(2) وهايدغر(3) وغادامر(4). فهي تتميز عن هيرمينوطيقا ديلتاي من خلال أنها لم تُقم – كما فعل ديلتاي – تعارضاً قطبياً بين الفهم والتفسير. فعلى النقيض من ديلتاي الذي يعتبر أنَّ الفهم – لا التفسير – هو منهج العلوم الإنسانية، وأنَّ التفسير – لا الفهم – هو منهج العلوم الطبيعية، فإنَّ ريكور يؤكد على الترابط الوثيق بين الفهم والتأويل في كلٍ من الهيرمينوطيقا والعلوم الإنسانية والاجتماعية، على حدٍّ سواء. كما تتميز هيرمينوطيقا ريكور عن الهيرمينوطيقا الهايدغرية من خلال تأكيدها على أنَّه لا يمكن للهيرمينوطيقا أن تقتصر على أن تكون أنطولوجيا للفهم؛ بل يجب عليها – بالإضافة إلى ذلك وقبله – أن تهتم بالأسئلة المنهجية والإبستيمولوجية. وإنَّ انشغال هيرمينوطيقا ريكور بهذه الأسئلة هو ما يميز – أيضاً – هذه الهيرمينوطيقا عن هيرمينوطيقا غادامر.
ولتوضيح خصوصية الهيرمينوطيقا الريكورية، يُستحسن أن نبيِّن – أوّلاً – ما نعتبره السمات الرئيسة للفلسفة الريكورية. وفي الواقع، يوجد صعوبة في تصنيف الفلسفة الريكورية. وتأتي هذه الصعوبة – فيما يبدو – من انفتاح الفلسفة الريكورية على كل الفروع المعرفية تقريباً. وهذا الانفتاح جعل من ريكور ما يمكننا تسميته بـ”فيلسوف التخوم، un philosophe des frontières”. والمقصود بهذه التسمية هو القول بأنَّ ريكور حرص في فلسفته وتأملاته على أنْ يبيِّن التكامل والتضمن المتبادل بين مختلف ميادين المعرفة، متجنباً الاقتصار على ميدانٍ معرفيٍ وحيد، أو الانشغال بفرعٍ معرفيٍ وحيدٍ؛ فمثل هذا الاقتصار أو الانشغال يعني أن نضع جانباً العلاقات الوثيقة المتبادلة التي تُقرِب كل فرعٍ معرفيٍ من سائر الفروع المعرفية الأخرى. ويمكننا الحديث عن بعدين أو نوعين – متباعدين في توجهاتهما – من التخوم التي كانت محطَّ اهتمام الفكر الريكوري: داخلي وخارجي. والمقصود بالبعد أو النوع الداخلي من التخوم هو الصلة بين الخطابات أو الكتابات التي تتخذ بوضوح شكلاً ومضموناً فلسفيين. في المقابل، نقصد بالبعد أو النوع الخارجي من التخوم الصلة بين الخطابات أو الدراسات التي تنتمي إلى فروع معرفية – غير الفلسفة – كالعلم واللاهوت “la théologie” مثلاً. ويمكن تبيُّن هذا التنوع في الخطابات التي كانت محط اهتمام الفلسفة الريكورية من خلال أمرين أساسيين: من جهة أولى، من خلال المناقشات الفلسفية الكثيرة والمهمة التي أجراها ريكور مع أهم التيارات الفلسفية في القرن العشرين: الفينومينولوجيا، الفلسفة التفكُّرية(5) “la philosophie réflexive”، الهيرمينوطيقا، فلسفة اللغة، الإبستيمولوجيا، الأخلاق، الفلسفة السياسية، والعديد من التيارات والميادين الفلسفية الأخرى؛ ومن جهة ثانية، من خلال الحوار المستمر الذي عقده ريكور مع بعض أهم التيارات العلمية (الاتجاه البنيوي، علوم اللغة، التحليل النفسي، … إلخ) واللاهوتية(6) (نظريات كارل بارت(7) ورودولف بولتمان(8) وبول تيليش(9) مثلاً).

المسألة التي نرى ضرورة وفائدة في طرحها – في هذا السياق – يمكن صياغتها بالسؤال التالي: إلى أيِّ حدٍّ نجح ريكور في التأسيس النظري للعلاقات والترابطات الوثيقة بين الميدان الفلسفي من جهة وميداني اللاهوت والعلم من جهة أخرى، دون أن يتم الخلط بين هذه الميادين وتجاوز الحدود الفاصلة بينها نسبياً؟ وتنبع أهمية هذا السؤال من أنَّ محاولة الإجابة عليه يمكن أن تساعد على إظهار، من جهة أولى، التأثير المتبادل بين هذه المجالات المعرفية، ومن جهة ثانية، إمكانية – بل وضرورة – تعزيز التفاعل الإيجابي بين هذه المجالات.

علاقة فلسفة ريكور والدين أو اللاهوت:

فيما يتعلق بالعلاقة بين الفلسفة والدين أو بالأحرى اللاهوت، عمل ريكور – دائماً – على التمييز بين أسلوب ومضمون الخطاب الفلسفي من جهة، وأسلوب ومضمون اللاهوت من جهة أخرى؛ وذلك من أجل تجنب الخلط بين الأنواع والفروع المعرفية المختلفة. لكن، وعلى الرغم من ذلك، فقد اشتبه ، بل واتهم، بعض النقاد ريكور بأنَّ كتاباته الفلسفية ليست إلا» لاهوتاً متخفّيا “crypto-théologie”«(10). وذهبت مغالاة بعض منتقدي ريكور في هذا الصدد إلى أن يعتبروا أنّه حتى مؤلفات ريكور الفلسفية الأشهر والأكثر شهرةً وأهميةً – كثالوث الزمن والسرد مثلاً – ما هي إلا مؤلفات تنتمي إلى اللاهوت أكثر من انتمائها إلى الفلسفة فعلاً. وقد حاجج بعض هؤلاء المنتقدين بأنَّ الاهتمام الكبير الذي أبداه ريكور تجاه مسألة السرد لم يكن بريئاً على الإطلاق؛ لأنَّ »السرد – كموضوع للبحث – يحيل يشكلٍ ضمني إلى الأساس القديم للكتاب المقدس، ويمكن اعتبار ذلك بمثابة الوجه المخفي من عمل ريكور.«(11)

يبدو أنَّ منتقدي ريكور، بخصوص الجانب اللاهوتي من فكره، لا يميزون – لدى ريكور – بين البواعث العميقة لالتزامه الفلسفي ولوجوده الشخصي والطائفي، من جهة، وبين البنية أو الأسلوب الفلسفي الذي اتبعه ريكور في الحجاج والتدليل على أفكاره في أعماله الفلسفية، من جهة أخرى. فريكور نفسه لم يدَّع أنَّ قناعاته واعتقاداته الدينية لم تؤثِّر على الاهتمام الذي أبداه – في أعماله الفلسفية – تجاه هذه المسألة أو تلك.(12) لكنَّ ذلك لم يمنعه من التأكيد على الاستقلال النسبي لكلّ ميدانّ معرفي عن الآخر، مع التأكيد أيضاً على ترابطهما الوثيق بشكل يسمح بتأسيس علاقة تصالحية – لا عدائية – بين هذين الميدانين. وإنَّ هذه العلاقة المزدوجة – استقلال نسبي وترابط وثيق بين الفلسفة واللاهوت أو الإيمان الديني – أخذت طابعاً إشكالياً واضحاً حين مسَّ البحث مسألة وجود الله. ففي حين أنَّ هذا الوجود هو واضح وأكيد في الميدان الديني، من حيث أنَّ فكرة الله هي أساس كل دين، نجد أنَّ هذا الوجود ظل – في الفكر الفلسفي عند ريكور – معلَّقاً. وعلى هذا الأساس، يمكننا فهم الأسباب التي جعلت دومينيك جانيكو “Dominique Janicaud” يضع ريكور جانباً حين كان يتناول بالانتقاد ما أسماه بـ”التحول اللاهوتي للفينومينولوجيا الفرنسية”. فوفقاً له، لم يسهم ريكور – كما فعل ليفيناس وجان لوك ماريون مثلاُ- في الخلط بين أنواع المعرفة (المقصود هنا بين اللاهوت والفلسفة) باسم نقد الأنطولوجيا واللوغوس أو العقل.(13)

ورفْض ريكور لاتهام فلسفته بأنَّها محض “لاهوت متخفٍ”، رافقه رفضٌ مماثلٌ لوصف كتاباته اللاهوتية بأنها مجرد “فلسفة متخفية crypto-philosophie”. وقد ظهر هذا الرفض الأخير من خلال تأكيد ريكور على أنَّه لا يمكننا أن نجد في الإيمان الديني أو الكتابي الحلول للمسائل أو المعضلات الفلسفية؛ لأنَّ العلاقة بين الفلسفة والإيمان الديني أو الكتابي لا يمكن أن تأخذ صيغة “سؤال – جواب”. ففكرة الجواب لا توجد – في المجال الديني – كمقابل لفكرة السؤال، وإنما كمقابل لفكرة النداء “l’appel”(14). وفي حين أنَّ روجر ميهل (أحد مفكري اللاهوت المسيحي) شدَّد – في كتابه “شرط الفيلسوف المسيحي” – على أنَّ اللاهوت يحتاج – بالضرورة – إلى الفلسفة على مستوى وضع المفاهيم والنقد(15)، أكَّد ريكور أنَّه لا يمكننا أنْ نعتبر الاعتقاد والنقد كضدين، بحيث يحيل الأول إلى الدين وحده – وليس إلى الفلسفة – في حين أنَّ الثاني – أي النقد – مرتبط بالفلسفة وحدها، وليس بالدين.(16) وهكذا فعلى الرغم من تأكيد ريكور الاستقلال النسبي للفلسفة عن الدين أو اللاهوت وبالعكس، إلا أنّه لم ينفِ التأثير المتبادل والتداخل بين هذين المجالين. وقد ذهب إلى حد التأكيد على أنَّه » يوجد ظواهر من التنافذ “osmose” بين المجال الفلسفي والمجال الديني.«(17) ولقد سعى ريكور مع ذلك إلى أن يبيِّن شرعية وجهات نظر كل من الفلسفة والدين أو اللاهوت من داخل حدود الميدان المعرفي الذي يطابق كلاً منهما؛ وذلك من أجل أن يتحاشى التركيب الزائف “la fausse synthèse” بينهما.
علاقة فلسفة ريكور بالعلم:

انطلاقاً من تنوُّع اهتمامات ريكور وكتاباته، يمكن القول أنَّ ريكور هو أكثر من مجرد فيلسوف. ونقصد بذلك أن نقول إنَّ اهتمام ريكور لم يقتصر على ميدان الفلسفة، بل تعدَّاه إلى الاهتمام بالميادين الأخرى، ويأتي في طليعة هذه الميادين العلوم الإنسانية والاجتماعية. وقد أكدَّ ريكور على أنّ حياة الفلسفة وقوتها تكمن في صلاتها الوثيقة مع ما يغايرها عموماً، ومع العلوم الإنسانية والاجتماعية خصوصاً.(18) وبموازاة هذا التأكيد من ريكور – بوصفه فيلسوفاً – على أهمية العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والعلم، نجد أنَّ مسيرة العلم المعاصر نفسه تبينَّ أنّها تتطلب هذه العلاقة الوثيقة؛ فالكثير من العلماء لم يعودوا يعتبرون اليوم الفلسفة خصماً للعلم، بل أصبحوا يرونها كمكمِّلٍ له.(19) ومن هنا يمكن القول بأنَّ العلاقة بين الفلسفة والعلم قد تجاوزت(20) الطلاق شبه الكامل – الذي كان موجوداً في منتصف القرن العشرين – بين الفلسفة والعلوم عموماً، والعلوم الإنسانية والاجتماعية خصوصاً. وقد نتج ذلك الطلاق من سوء أو عدم الفهم للدور الذي تقوم به الفلسفة في الميدان العلمي، ومن الارتياب المتبادل الذي كان موجوداً بين الفلاسفة والعلماء. لقد اعتقد العلماء لفترة طويلة أنَّ العلوم لم يكن يمكنها أن تتقدم بقوة إلَّا من خلال تحرير نفسها من “وصاية” الفلسفة. لكنَّ الفلاسفة أنفسهم باتوا عموماً يعتبرون – في العقود الأخيرة – أنَّ دور الفيلسوف لا يتمثل في أن يقول للعلماء ما يجب عليهم فعله. في المقابل، يعترف العلماء بأنَّ الفلاسفة يمكنهم عموماً أن يؤولوا ما يفعله العلماء بطريقة أفضل من طريقة العلماء أنفسهم(21)؛ لأنَّ الدراسة الفلسفية للمعرفة العلمية تبيِّن، من جهة أولى، صلات المعرفة العلمية بسياقها الاجتماعي-التاريخي، وتكشف، من جهة ثانية، الأبعاد الأنطولوجية والأخلاقية لهذه المعرفة. بالإضافة إلى ذلك، تسهم هذه الدراسة الفلسفية في إيجاد تحليل بنَّاء للأسُّس الإبستيمولوجية والمنهجية للعلم.

لقد تشكَّل مشروع الفلسفة الريكورية من خلال إقامة حوار دائم وعلاقات وثيقة بين الفلسفة والعلم عموماً، والعلوم الإنسانية والاجتماعية خصوصاً، مع التأكيد على ضرورة المحافظة على الحدود والتخوم الفاصلة بين هذه الفروع المعرفية، والمميِّزة لها. وإنَّ إشكالية المنهج هي المركز الذي تمحورت حوله دراسة العلاقة بين الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية. وقد اهتمَّ ريكور – بشكلٍ خاص – بالمكان الذي يمكن أن يشغله التفسير – بوصفه منهجاً علمياً – في الهيرمينوطيقا والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وبالدور الذي يمكن أن يقوم به الفهم والتأويل في هذه الهيرمينوطيقا وهذه العلوم. ومن بين الأسئلة الرئيسة التي سعى ريكور إلى الإجابة عنها: كيف يمكننا أن نصالح بين المقاربة التفسيرية والمقاربة التفهمية “compréhensive” في ميداني الهيرمينوطيقا والعلوم الإنسانية والاجتماعية؟ ما هو المكان الذي يمكن أن تشغله محاولات الموضَعة العلمية، أو إعطاء الصفة الموضوعية في العلم، ومنهج التفسير – بأشكاله المتنوعة – في ميدان الهيرمينوطيقا: ميدان الفهم والتأويل؟ هل يوجد مكان للفهم والتأويل في منهجية العلوم الإنسانية؟ وتم طرح هذه الأسئلة في الهيرمينوطيقا الريكورية، مع السعي إلى القيام بتحليل معمَّق لها؛ لأنَّ مسألة المنهج تحتل مكاناً مركزياً فيها. ويمكن تفسير هذا الانشغال بمسألة المنهج في الهيرمينوطيقا الريكورية من خلال الإشارة إلى أنَّ الحوار، الذي حرص ريكور على إقامته بين الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، قد ركَّز، بدرجة كبيرة، على إشكالية المنهج. وفي هذا الموقف المنتبه لأهمية الإشكالية المنهجية، ولضرورة وفائدة إقامة حوار دائم ومنفتح بين الفلسفة والميادين المعرفية المغايرة لها – تظهر أصالة الهيرمينوطيقا الريكورية وتميزها عن بعض أهم الصيغ المعاصرة للهيرمينوطيقا.
إنَّ الانشغال بإشكالية المنهج – سواء في الهيرمينوطيقا أو في العلوم الإنسانية والاجتماعية – قد رافق مسيرة الفلسفة الريكورية منذ نفاذ الهيرمينوطيقا في هذه الفلسفة عام 1960. ويجب الإشارة هنا إلى أنَّ التأكيد على انشغال هيرمينوطيقا ريكور بالمسائل المنهجية والإبستيمولوجية لا يجب أن يجعلنا نقلِّل من قيمة أو أهمية البعد الأنطولوجي في هذه الهيرمينوطيقا. فقد عمل ريكور دائماً على أن يهتم بالمسائل الأنطولوجية إضافة إلى اهتمامه بالمسائل المنهجية والإبستيمولوجية. فهو لم يعارض الهيرمينوطيقا الهايدغرية بوصفها هيرمينوطيقا أنطولوجية. فما رفضه في أنطولوجية هايدغر للفهم هو طابعها المباشر. فقد اعتبر ريكور أنَّ هذه الهيرمينوطيقا الأنطولوجية يجب أن تكون متوسَّطة ومسبوقة بتحليل إبستيمولوجي ومنهجي لفعل الفهم؛ بمعنى أنَّه يجب دراسة الفهم – بوصفه أسلوباً أو نمطاً من أنماط المعرفة – قبل دراسته، بوصفه نمطاّ أو طريقة في الكينونة. ويمكن القول بأنَّ هذا النوع من التوسط “la médiation” هو سمة مميزة ومحايثة للهيرمينوطيقا الريكورية(22) التي يمكن تعريفها بأنها هيرمينوطيقا للذات بامتياز؛ لأنَّ موضوع هذه الهيرمينوطيقا وغايتها الأخيرة يتمثلان في فهم الذات “la compréhension de soi”. وفي طعنه بالحدس المباشر للذات أو لشفافيتها لنفسها – وهو ما تقول به فلسفات ديكارت(23) وفيشته(24) وهوسِّرل(25) مثلاً – يشدِّد ريكور على أنَّ فهم الذات يجب أن يكون متوسَّطاً دائماً بتأويلٍ للعلامات “les signes” والرموز “les symboles” والنصوص. ولقد كان فهم وتأويل العلامات والرموز والنصوص من أهم الموضوعات التي انشغلت بها الهيرمينوطيقا الريكورية. وبإظهار ريكور لوجود تماثل بين النص والفعل، أصبح هذا الأخير – ابتداءاً من علم 1970 – أحد أهم مواضيع هيرمينوطيقا ريكور. وانطلاقاً من كلِّ ذلك يمكننا أن نميز نسبياً بين ثلاث مراحل أو ثلاثة أوجه للهيرمينوطيقا الريكورية: هيرمينوطيقا الرموز والعلامات، هيرمينوطيقا النص، هيرمينوطيقا الفعل. لكن يجب التشديد هنا على نسبية هذا التمييز؛ لأنَّه يوجد تضمن وتداخل قوي بين هذه الأوجه أو المراحل من هيرمينوطيقا ريكور. وتشديدنا على هذا التضمن والتداخل يهدف إلى التأكيد على وحدة واستمرارية المشروع السائد في كل أعمال بول ريكور.
الهوامش:
1- لقد ارتأيت – كما فعل الكثيرون – المحافظة على رسم الكلمة بهذه الطريقة وعدم وضع كلمة عربية كمقابل لها. والترجمات العربية لهذه الكلمة غير مناسبة أو غير مقنعة تماماً، من وجهة نظري. وهذه الترجمات تتنوع، فنجد من يستخدم كلمة “التأويلية” (هذا ما يفعله مثلاً د. حسن ناظم وعلي حاكم صالح في ترجمتهما لكتاب هانز جورج غادامر، الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، مراجعة د. جورج كتورة، دار أويا: طرابلس (ليبيا)، 2007)، وهناك من يستخدم مصطلح “علم التفسير” (هذا ما يفعله مثلاً وجيه أسعد في ترجمته لكتاب بول ريكور، في التفسير: محاولة في فرويد، أطلس للنشر والتوزيع: دمشق، ط1، 2003). والأمر نفسه ينطبق على الكثير من المصطلحات الأخرى، كالفينومينولوجيا مثلاً، ففي كتاب (بول ريكور، من النص إلى الفعل: أبحاث التأويلII , ترجمة: محمد برادة – حسان بورقية, عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية: الهرم (مصر)، ط1،2001)، يستعمل المترجمان تارةً كلمة “الظاهراتية” وتارةً أخرى كلمة “الفينومينولوجيا” لترجمة مصطلح “phénoménologie la”. ولتجنب هذه الازدواجية – التي قد تؤدي إلى التشويش على القارئ، سنعتمد في كل الحالات كلمة “فينومينولوجيا” كاسم، وكلمتي “فينومينولوجي” أو “فينومينولوجية” كصفة، مقابل كلمتي “phénoménologie” و “phénoménologique” على التوالي. ولأنَّ الترجمة فنٌ أكثر منها علم مضبوط ومحدّدَ المعالم بدقة، فسنعتمد – في هذا البحث وفي البحوث اللاحقة ذات الصلة – في توثيقنا للاقتباسات من كتب ريكور – أو غيرها من الكتب – على الترجمات العربية (في حال وجودها، وفي حال وجدنا الترجمة مناسبة)، لكن عندما نرتئي أنه يمكن ترجمة النص بطريقة أفضل أو أنسب، سنقوم بالإحالة إلى المصدر بلغته الأصلية (مع إضافة اسم الكتاب باللغة العربية ورقم الصفحة وفقاً للترجمة العربية بين قوسين). وسنقوم بذلك حتى حين يكون الاختلاف بين الترجمة التي سنعتمدها والترجمة الموجودة يتعلق بكلمة واحدة فقط. ولا يجب أن يُعتبر ذلك انتقاصاً من قيمة الترجمات الموجودة التي يستحق أصحابها كل شكر وتقدير. ولا ننكر هنا طبعاً استفادتنا من كل الترجمات الموجودة، حتى في حال عدم استخدامها.
2- فيلهلم ديلتاي “Wilhelm Dilthey” (1833-1911)، فيلسوف ألماني، ومن أهم أعلام الهيرمينوطيقا الفلسفية وفلسفة الحياة وفلسفة التاريخ. حاول وضع أسس العلوم الإنسانية – على غرار وضع كانط لأسس العلوم الطبيعية – من خلال القيام بنقد ما أسماه ب”العقل التاريخي”. كان من أوائل الفلاسفة والإبستيمولوجيين الذين جعلوا من الفهم منهجاً خاصاً بالعلوم الإنسانية، ومقابلاً لمنهج التفسير في العلوم الطبيعية. انتقده هايدغر لاعتقاده بأنَّ ديلتاي لم يولي البعد الأنطولوجي للفهم الاهتمام اللازم، وانتقده غادامر الذي رأى أنه على الرغم من انتقاد ديلتاي للنزعة الرومانسية فإنَّ هذه النزعة موجودة في هيرمينوطيقاه؛ وانتقده ريكور لوضعه التفسير والفهم في حالة صراع وتناقض، وهذا ما عمل ريكور على تجاوزه في هيرمينوطيقاه. لكن هذه الانتقادات وغيرها لم تمنع اعتراف هؤلاء الفلاسفة وغيرهم بأهمية إسهام ديلتاي في ميدان الهيرمينوطيقا وغيره من الميادين. من أهم أعمال ديلتاي: “نقد العقل التاريخي: مقدمة لعلوم الروح”، “تشييد العالم التاريخي في علوم الروح”، “ميلاد الهيرمينوطيقا”.
3- مارتن هايدغر “Martin Heidegger” (1889-1976)، فيلسوف ألماني ومؤسس أنطولوجيا الفهم والصيغة الأولى للفينومينولوجيا الهيرمينوطيقية. انتقد الاتجاه المنهجي والإبستيمولوجي في هيرمينوطيقا ديلتاي، ورأى أنَّ الهيرمينوطيقا يجب أن تهتم بالفهم من حيث كونها نمطاً من الكينونة، واعتبر أنَّ الجوانب المنهجية والإبستيمولوجية للفهم وللهيرمينوطيقا هي مسائل ثانوية ومشتقة. كان لفلسفة هايدغر الأنطولوجية والهيرمينوطيقية واللغوية تأثير كبير في معظم تيارات الفلسفة في القرن العشرين. يُعتبر كتابه الرئيس “الكينونة والزمان” أحد أهم الكتب الفلسفية في القرن العشرين. ومن أعماله المترجمة إلى العربية: (مبدأ العلة، ترجمة: د. نظير جاهل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1991)، (نداء الحقيقة، ترجمة: د. عبد الغفار المكاوي، دار الثقافة، القاهرة، ط1، 1977)، (التقنية – الحقيقة – الوجود، ترجمة: محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي: بيروت/الدار البيضاء، ط1، 1995)، (ما الفلسفة؟ ما الميتافيزيقا؟ – هيلدرلن وماهية الشعر، ترجمة: فؤاد كامل، محمود رجب، مراجعة: عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة: القاهرة، ط1، 1974)، (أصل العمل الفني، ترجمة: أبو العيد دودو، منشورات الاختلاف: الجزائر، ط1، 2001. ولهذا الكتاب ترجمة أخرى بعنوان: كتابات أساسية 1: منبع الأثر الفني، ترجمة: إسماعيل المصدق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة: ط1، 2003)، (من تجربة الفكر – طريق الحقل، ترجمة: فؤاد رفقة، دار النهار: بيروت، ط1، 2004.)، (كتابات أساسية ج2، ترجمة: إسماعيل المصدق، المجلس الأعلى للثقافة: القاهرة، ط1، 2003).
4- هانس جورج غادامر “Hans-Georg Gadamer” (1900-2002)، فيلسوف ألماني وأهم المنظرين للهيرمينوطيقا الفلسفية في القرن العشرين. انطلق في هيرمينوطيقاه من فينومينولوجيا هوسرل وأنطولوجيا الفهم عند هايدغر وتجاوزهما لاحقاً ليكوَّنَ صيغة مميزة من الفينومينولوجية الهيرمينوطيقية. انتقد بشدة فكرة المنهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ورأى أنَّ هذه العلوم – بوصفها علوماً هيرمينوطيقية – لا تحتاج إلى منهج مماثل أو مشابه لمناهج العلوم الطبيعية لتصل إلى حقيقة الظواهر الإنسانية المدروسة. من أهم أعماله: (الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية)، وهو مترجم للعربية كما ذكرنا آنفاً. ومن أعماله الأخرى المترجمة إلى العربية: ( تجلي الجميل ومقالات أخرى، تحرير: روبرت برناسكوني، ترجمة ودراسة وشروح: د. سعيد توفيق، المجلس الأعلى للثقافة: القاهرة، ط1، 1997)، (بداية الفلسفة، ترجمة: علي حام صالح و د. حسن ناظم، دار الكتاب الجديدة المتحدة: طرابلس، ط1، 2002)، (فلسفة التأويل: الأصول – المبادئ – الأهداف، ترجمة: محمد شوقي الزين، الدار العربية للعلوم/منشورات الاختلاف/المركز الثقافي العربي: الجزائر/المغرب/بيروت، ط1، 2006).
5- يمكن عموماً ترجمة “réflexion la” بالتأمل أو التفكير أو الانعكاس. ولهذا تمت ترجمة مصطلح “la philosophie réflexive” بالفلسفة التأملية أحياناً (وهذا ما فعله مثلاً محمد برادة وحسان بورقية في ترجمتهما لكتاب بول ريكور “من النص إلى الفعل : أبحاث التأويلII ، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية: الهرم (مصر)، ط1، 2001″؛ وكذلك الحال بالنسبة للدكتور منذر عياشي في ترجمته لكتاب “بول ريكور، صراع التأويلات : دراسات هيرمينوطيقية، ترجمة : د. منذر عياشي، مراجعة : د. جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة: بيروت، ط1، 2005.”)، وبالفلسفة التفكرية أحياناً أخرى (وهذا ما فعله مثلاً د. جورج زيناتي في ترجمته لكتاب “بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة وتعليق وتقديم : د. جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة: بيروت، ط1، 2005.). ونحن نرى أنَّ ترجمة د. جورج أنسب وأقرب للدقة لأنَّ كلمة تفكُّر تعبر في لغتنا العربية عن المعنيين الرئيسين هنا “التأمل والانعكاس”. انظر مثلاً د. أحمد مختار عمر، ” مادة تفكر”، معجم اللغة العربية المعاصرة، المجلد الثالث، عالم الكتب: القاهرة، 2008، ، ص1734. فالتفكِّر وفقاً لهذا المعجم وغيره هو “تجربة باطنية تنصبّ على النشاط الذهنيّ الداخليّ؛ فهو معرفة تكون فيها الذات العارفة والموضوع المعروف شيئاً واحداً”. والتفكر عند ريكور هو تأمل، لكنه ليس مجرد تأمل مجرد نظري، فالتفكر هو تأمل من نوع خاص، تكون فيه ذات التأمل هي موضوع هذا التأمل. ويشرح د. جورج زيناتي – في ترجمته لكتاب ريكور “الذات عينها كآخر” – ذلك بالقول: »[…] فكلمة تفكرية اشتقت من كلمة “réflexion” التي تعني أمرين في آنٍ واحد: الانعكاس أولاً والتفكير ثانياً، لذا كان الحذر ضرورياً في الترجمة. والتفكري مفهوم مركزي عند ريكور ولا يعني التأمل النظري المحض، بل هذا المجهود المستمر الذي تقوم به الذات لفهم ذاتها عبر اكتشاف معنى تجربتها، عن طريق التساؤل عن الأسس التي تقوم عليها، لأنها غير قادرة على الاستناد إلى يقينية مطلقة.« ص67.
6- للفكر الريكوري تأثير وحضور قوي في العديد من المدارس والاتجاهات اللاهوتية. انظر على سبيل المثال:
François-Xavier Amherdt, L’herméneutique philosophique de Paul Ricœur et son importance pour l’exégèse biblique. En débat avec la New Yale Theology school, Paris : Éd. du Cerf, coll. « La nuit surveillé », 2004.
يبيِّن هذا الكتاب تأثير هيرمينوطيقا ريكور في اللاهوت عموماً، وفي مدارس تفسير الكتاب المقدس خصوصاً.
7- كارل بارت “Karl Barth” (1886-1968)، لاهوتي سويسري، أحد مؤسسي تيار “اللاهوت الديالكتيكي”، ويعتبر من أهم اللاهوتيين المسيحيين عموماً، والبروتستانتيين خصوصاً، في القرن العشرين.
8- رودولف بولتمان “Rudolf Bultmann” (1884-1976)، لاهوتي ألماني بروتستانتي، تأثر بأنطولوجية هايدغر، وكرَّس أهم كتاباته لممارسة ما أسماه “إزالة الأسطرة عن الكتاب المقدس”. من أهم أعماله: (يسوع: أسطورة وإزالة الأسطرة)، وقد كتب ريكور تقديماً لهذا الكتاب في الترجمة الفرنسية له.
9- بول تيليش “Paul Tillich” (1886-1965)، لاهوتي وفيلسوف ألماني، تقع أعماله على التخوم بين اللاهوت والفلسفة. تمت ترجمة ثلاثة من أعماله: (الشجاعة من أجل الوجود، ترجمة: كامل يوسف حسين، مراجعة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع: بيروت، ط1، 1981)، (الحب والقوة والعدالة، ترجمة: كامل يوسف حسين، مراجعة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع: بيروت، ط1، 1981)، (زعزعة الأساسات، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع: بيروت، ط1، 1995).
10- Paul Ricœur, Soi-même comme un autre, Paris : Éd. du Seuil, coll. « Point/Essais », 1990, p. 37. .(الذات عينها كآخر، ص 106)
11- Olivier Mongin, Note éditoriale, dans : Paul Ricœur, Lectures 3. Aux frontières de la philosophie, Paris : Éd. du Seuil, coll. « Point/Essais », 1994, p. 9.
12- من أجل أن يوضِّح أفكاره في هذا الصدد، دافع عن نفسه بالقول:» […] أظن أني لم أقدم لقرائي سوى حجج لا تلزم القارئ باتخاذ موقف محدد، سواء أكان هذا الموقف الرفض أو القبول أو الامتناع بالنسبة للإيمان بالكتاب المقدس.« بول ريكور، الذات عينها كآخر، مصدر سبق ذكره، ص 105. وفي مكان آخر يقول ريكور: »لقد ميزت بين المحاجَّة الفلسفية في الفضاء العام للنقاش وبين الحوافز العميقة لالتزامي الفلسفي ولوجودي الشخصي والطائفي.«
13- Dominique Janicaud, Le tournant théologique de la phénoménologie française, Paris : Éd. de l’Eclat, coll. « Tiré à part », 1990, p. 13.
14- لقد ميَّز ريكور بين معنيي مفهوم النداء بقوله:»إن الإجابة عن سؤال بمعنى حل معضلة مطروحة هو أمر، في حين أنَّ الرد على نداء بمعنى الانسجام مع طريقة الوجود التي يقترحها “الترميز الأكبر Grand code” هو أمر آخر.« بول ريكور، الذات عينها كآخر، مصدر سبق ذكره، ص 105.
15- Cf. Paul Ricœur, « La condition du philosophe chrétien », Lectures 3. Aux frontières de la philosophie, op. cit., p. 242.
قام ريكور – في هذه المقالة – بدراسة تحليلية ناقدة لكتاب روجر ميهل “شرط الفيلسوف المسيحي”. وينتقد ريكور – في تحليله لهذا الكتاب – أطروحته الأساسية القائلة بحاجة العقيدة الدينية أو افتقارها إلى المفاهيم والنقد الفلسفي.
16- Paul Ricœur, La critique et la conviction. Entretien avec François Azouvi et Marc de Launay, op. cit., p. 211. -17- لقد كتب ريكور في هذا الصدد: » الفلسفة ليست مجرد نقد، فهي تنتمي إلى نظام الاعتقاد أيضاً. والاعتقاد الديني نفسه يملك بعداً نقدياً داخلياً.« نفس المصدر السابق، ص 245.
18- بهذا المعنى يمكننا أن نفهم قول تشارلز تايلور بأنَّ الفلسفة الريكورية هي “فلسفة بلا تخوم”. وهذا القول هو عنوان لمقالة لتايلور عن ريكور:
Charles Taylor, « Une philosophie sans frontières », Magazine littéraire, n° 390, septembre 2000, p. 30-31.
19- Cf. Les grands entretiens du Monde, Tome II : Penser la philosophie, les sciences, les religions avec…, Le Monde, Paris, 1994, pp. 73-133.
في هذه المقابلات، يؤكد بعض العلماء والفلاسفة، كدومينيك لوكور “Dominique Lecourt” وجيرال إيديلمان “Gerald Edelman” مثلاً، على العلاقات الوثيقة والتأثير المتبادل بين الفلسفة والعلم.
20- لقد كتب ريكور – فيما يتعلق بهذا التجاوز – ما يلي:» أنا واعٍ لعدم إمكانية تكرار فلسفة عام 1945. أنا أعترف – بدايةً – أنَّ الفلسفة لا يمكن أن تحافظ على بقائها إلَّا من خلال قيامها بحوار وثيق مع العلوم الإنسانية؛ إنَّ زمن العزلة الخلابة قد انتهى.«
Paul Ricœur, « Le philosophe », Bilan de la France : 1945-1970, colloque de l’association de la presse étrangère, Paris : Éd. du Plon, 1971, p. 57. Cité dans : François Dosse, Paul Ricœur. Les sens d’une vie, Paris : Éd. La Découverte, 1997, p. 345.
21- Les grands entretiens du Monde, Tome II : Penser la philosophie, les sciences, les religions avec…, op. cit., pp. 82, 126.
22- يشير د. جورج زيناتي – في تقديمه لترجمة كتاب ريكور “الذات عينها كآخر” إلى هذه المسألة بقوله:» التوسط الفكري (médiation réflexive) هاتان الكلمتان تكتسبان أهمية قصوى في فلسفة ريكور بل تكادان تختصرانها […].« بول ريكور، الذات عينها كآخر، مصدر سبق ذكره، ص 67.
23- رنيه ديكارت “René Descartes” (1596-1650). فيلسوف فرنسي، تُعتبر فلسفته انتقالاً من الفلسفة الوسيطة الدينية المؤسَّسة على فكرة الله، واستهلالاً للفلسفة الحديثة القائمة على فكرة الذات أو الأنا أفكر “الكوجيتو”. ولا ينكر ريكور يقينية الكوجيتو الديكارتي، لكنه يؤكد، في المقابل، على أنَّ هذا الكوجيتو فارغ بمعنى أنَّنا نعرف من خلاله أنَّ الذات موجودة، لكننا لا نعرف من خلال الكوجيتو، أو إدراك الذات المباشر لنفسها، أي شيء عن هذه الذات. ولهذا لابد من أن يستعين التفكر بتأويل منتجات الذات من رموز وعلامات ونصوص لكي يصل إلى غايته المتمثلة بفهم هذه الذات. تمت ترجمة معظم أعمال ديكارت إلى العربية، ونذكر منها: (تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى، تثبت أن الله موجود وأنَّ نفس الإنسان تتميز من جسمه، ترجمة: د. كمال الحاج، منشورات عويدات: بيروت، ط4، 1988)، (حديث الطريقة، ترجمة وشرح وتعليق: د. عمر الشارني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2008).
24- جوان غوتليب فيشته “Johann Gottlieb Fichte” (1762-1814)، فيلسوف ألماني أسَّس ما أسماه ب”مذهب العلم” الذي يحاول أن يجعل الفلسفة علماً دقيقاً، وهذا ما حاول فعله أيضاً هوسرل لاحقاً. له كتاب مترجم إلى اللغة العربية: خطابات إلى الأمة الألمانية، ترجمة وتحقيق: سامي الجندي، دار الطليعة: بيروت، ط1، 1979.
25- إدموند هوسرل “Edmund Husserl” (1859-1938)، فيلسوف ألماني ومؤسس الفينومينولوجيا المعاصرة التي تركت أثراً بالغ الأهمية في معظم تيارات وفلاسفة القرن العشرين. حارب النزعة الفلسفية في الفلسفة وسعى إلى وضع أسس ترنسندنتالية للفلسفة والعلوم. وعلى الرغم من انتساب ريكور الصريح للفينومينولوجيا، إلا أنَّه وجَّه نقداً شديداً إلى بعض الأطروحات الأساسية للفينومينولوجيا الهوسرلية. وسنعرض أبرز هذه الانتقادات لاحقاً في هذا الكتاب. من أعمال هوسرل المترجمة إلى العربية: (تأملات ديكارتية. المدخل إلى الظاهريات، ترجمة وتقديم: د. نازلي إسماعيل حسين، دار المعارف: القاهرة، ط1، 1969)، (الفلسفة علماً دقيقاً، ترجمة وتقديم: محمود رجب، المجلس الأعلى للثقافة: القاهرة، ط1، 2002)، (فكرة الفينومينولوجيا. خمسة دروس، ترجمة: فتحي إنقزو، المنظمة العربية للترجمة: بيروت، ط1، 2007)، (أزمة العلوم الأوربية والفينومينولوجيا الترنسندنتالية: مدخل إلى الفلسفة الفينومينولوجية، ترجمة وتقديم: إسماعيل المصدق، مراجعة: د. جورج كتورة، المنظمة العربية للترجمة: بيروت، ط1، 2008)، (دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطني بالزمن، ترجمة: لطفي خير الله، منشورات الجمل: بغداد – بيروت، ط1، 2009).
************************************* الأوآن

مجموعة مواقع (( الحداثة ومابعد بعد الحداثة Modernité Et Le Post-Postmodernisme )) التي تستطيعون عبرها التواصل مع منشوراتنا .

 

وتستطيعون مراسلتنا وتزويدنا بما تودون نشره على مجموعة مواقعنا عبر البريد الالكتروني للصفحة ** modernity2022@gmail.com
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s