الناسك العدمي إميل سيوران: مختارات من كتاب مثالب الولادة

آه لو أن الولادة سبقت وجود الإنسان ؟!!
الفيلسوف الروماني المولد الفرنسي الحياة إميل سيوران يلقب ب”آخر أسباط نيتشه.” سيوران محطم التماثيل وصاحب أسلوب رائع في الكتابة أصدر عدة مؤلفات من بينها كتاب قرأته مؤخرا ترجم عنوانه للعربية ب:مثالب الولادة. يعتبر هذا الكتاب أحد أكثر أعمال سيوران تميزا لأنه مكتوب بكاملة بأقوال مأثورة تتركز فيها أفكاره.

قرأت الكتاب باللغة الإنجليزية وقمت بإنتقاء ما لمسني من أفكار وترجمتها للعربية.

.خسرنا في الولادة بمقدار ما سنخسر في الموت: كل شيء-

خلال ثورتي الطويلة على أسلافي، أمضيت حياتي وأنا أرغب في أن أكون شخصا غيري: إسباني، روسي، آكل لحوم بشر، أي شيء غير ما أنا عليه. أن ترغب في أن تكون غيرك هو إنحراف، أن تتبنى نظريا كل وأي وضع، ماعدا وضعك

.أن تحيا أي أن تخسر ثباتك-

.منذ ولدت” وتلك المنذ يتردد صداها المروع داخل أذني بشكل لا” يطاق-

.أن تتحدى الوراثة هو أن تتحدى ملايين السنين، أن تتحدى الخلية الأولى-

ما الحق الذي تملكه لتصلي من أجلي؟ لستُ بحاجة لوسيط، سأتدبر أمري بنفسي. يمكنني قبول دعاء شخص مسكين ولا أحد سواه، حتى لو كان قديسا. لا أحتمل أن تزعج نفسك بنجاتي. إن أدركت النجاة وفررت منها هذا يعني أن دعائك ضرب من الحمق. استثمر صلواتك في مكان آخر، وفي كل الأحوال نحن لا نخدم نفس الإله. إن كان إلهي عقيما، لدينا الحق في الإعتقاد بأن إلهك كذلك. ولو افترضنا أنهما كما تتخيلهما، فلا يزالان .أضعف من أن يشفياني من فزع يسكنني أقدم من ذاكرتي

الإتصال الحقيقي بين الكائنات ينشأ فقط عن الحضور الصامت، عن اللاتواصل الجلي، عن ذلك التبادل الغامض الخالي من الكلمات المشابه لصلاة داخلية.

.لدي توق بأن أكون حرا، أنا بأمس الحاجة لأن أكون حرا. حر مثل حرية من ولد ميتا-

كلما مرت السنون يتلاشى عدد الذين يمكننا أن نتواصل معهم. وعندما لا يتبقى لنا من يمكننا التحدث إليه، يمكننا أخيرا أن نكون كما كنا قبل أن ننحدر لإسم.

فلان أهانني. كنت على وشك ضربه. وعندما أعدت التفكير، امتنعت. من أنا؟ وأي هي نفسي الحقيقية: هل هي النفس التي ترد بالمثل أم النفس الممتنعه؟ رد فعلي الأول دائما متحمس، أما التالي رخو. ما يعرف بالحكمة هي فقط التفكير بالأمر، يعني عدم التصرف كفعل أول.

.من يكره نفسه ليس بشخص متواضع-

نفس الشعور باللا إنتماء، باللا جدوى، أينما ذهبت. أدعي الإهتمام بما لا يهمني، أُقحم نفسي آليا أو إحسانا مني، دون أن أحاصر نفسي، أبقى خارج كل الأمكنة. ما يجذبني هو المكان الآخر، ولا أعرف أين هو ذلك المكان الآخر

“يعلم الله أنه في اليوم الذي ستأكلون منه، سوف تفتحون أعينكم…” وحالما تفتح العيون تبدأ الدراما. المشاهدة دون وعي، هنا الفردوس. أما الجحيم، فهو المكان الذي نعي فيه، المكان الذي نستوعب فيه زيادة عن اللزوم.

لو أننا نتمكن من العودة لما قبل المفهوم، وأن نكتب على مستوى الحواس، أن نسجل الإختلافات المتنوعة الدقيقة لكل ما نلمسه، أن نقلد حيوانا زاحفا عندما يقرر الشروع بالكتابة.

.الشعور بأن تكون سابقا للآخرين أو متأخرا عنهم آلاف السنين، بأن تنتمي للبدايات أو لنهاية البشرية-

من الأفضل أن تكون حيوان من أن تكون إنسان، حشرة من أن تكون حيوان، نبته من أن تكون حشرة، وهكذا. الخلاص؟ أي شيء يقلص من مملكة الوعي ويقوض سيادتها.

.في الكتابات البوذية غالبا ما يتم ذكر “هاوية الولادة.” حقا هاوية، هوة لا نقع فيها ولكن نخرج منها إلى غمّنا الكوني-

في ذروة الفشل، في اللحظة التي يكاد فيها العار أن يبتلعنا، فجأة تغمرنا نوبة فخر مجنونة تدوم لوقت كاف بحيث تستنزفنا، تتركنا بدون طاقة، وتخفض من منسوب قوّتنا ومعها زخم عارنا

“ماذا تفعل من الصباح للمساء؟”-

“.أحتمل نفسي”

كل منا يعتقد، دون وعي بالتأكيد، بأنه وحده يبحث عن الحقيقة التي لا يستطيع الآخرون إيجادها وليسوا بمؤهلين لإيجادها. هذا الجنون متجذر عميقا ومفيد جدا بحيث لو اختفى يوما ما من المستحيل إدراك ماالذي سيحدث لكل واحد منا.

.أن تكون موضوعيا هو أن تعامل الآخرين كما تعامل الشيء، الجثة، وأن تتصرف معهم كمقاول-

.نشعر دائما بأننا نستطيع فعل كل ما يفعله الآخرون بشكل أفضل. للأسف لا نشعر بذلك عندما يتعلق الموضوع بما نفعله-

!آه لو أن الولادة سبقت وجود الإنسان-

.عبثا حاولت، لم أتمكن من إزدراء كل هذه القرون التي لم يشغل فيها الإنسان نفسه بشيء سوى إتقان تعريف للإله-

. ما ولد في العزلة، وجها لوجه مع الله، يدوم إن كان المرء مؤمنا أما لا-

“لا تحكم على شخص قبل أن تضع نفسك مكانه.” لكن هذا المثل القديم يجعل كل الأحكام مستحيلة، بالحقيقة، نحن نحكم على أي شخص لأننا لايمكننا أن نضع أنفسنا مكانه.

.نحن نخاف المستقبل فقط لأننا لسنا متأكدين بإمكانية قتلنا لأنفسنا عندما نرغب في ذلك-

.عشت حياتي وأنا أشعر بأنني أقصيت عن مكاني الحقيقي. إن كان تعبير “المنفى الميتافيزيقي” لا معنى له، فوجودي بحد ذاته يمنحه المعنى-

على قبر ما تخطر ببالي الكلمات: لعبة، احتيال، مزحة وحلم. من المستحيل التفكير بأن وجودنا هو ظاهرة جدية. في الأساس هناك اليقين بالتزوير منذ البداية. وفوق بوابة مقابرنا يجب أن يكتب:”لا شيء تراجيدي. كل شيء غير حقيقي.”

.أشعر بأني حر لكني أعلم أنني لست كذلك-

من الصعب معرفة ما الذي تنشده الموسيقى داخلنا، لكن ما نعرفه هو أن الموسيقى تصل لنقطة داخلنا من العمق بحيث أن الجنون نفسه لا يمكنه الوصول إليها.

!اقتل نفسك لأنك ما أنت عليه، أجل. لكن ليس لأن البشرية جمعاء قد تبصق في وجهك-

على مر القرون، تم استعباد الإنسان لكي يؤمن، يعبر من عقيدة لعقيدة، من وهم لوهم، ولم يمنح من وقته سوى النذر اليسير للشكوك، فسحات قصيرة بين دهور من العمى. لم تكن هذه فسحات ولكن فترات استراحة، لحظات من الراحة تعقب تعب الإيمان، أي إيمان.

أسدل الستائر وأنتظر. في الواقع، لا أنتظر شيئا، أحاول تغييب نفسي. أُنقّي نفسي، ولو لبضع دقائق، من الشوائب التي تعتم وتسد العقل، وأنتقل لحالة من الوعي حيث يتم إخلاء نفسي، وأكون بحالة هدوء كامل كأنني أستريح خارج الكون.

الحياة لاشيء، الموت كل شيء. ولكن لا شيء في الموت مستقل عن الحياة. غياب هذا الإستقلال بالضبط يميز الواقع الذي يجعل الموت كوني، ليس له عالم مستقل، إنه كلي الوجود مثل كل شيء بدون هوية، حد، احتمال: بديمومة فاحشة.

المصدر: الناسك العدمي إميل سيوران: مختارات من كتاب مثالب الولادة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s