ترجمة : خالد الجبيلي

دقّات ساعة سان سالفاتور أيقظت جوزف بريوير من أحلام يقظته. أخرج ساعته الذهبية الثقيلة من جيب سترته. كانت الساعة التاسعة. للمرة الثانية، قرأ البطاقة الصغيرة ذات الإطار الفضي التي تلقاها البارحة.

21 تشرين الأول 1882
دكتور بريوير،
يجب أن أراك لمناقشة مسألة بالغة الأهمية وعاجلة. إن مستقبل الفلسفة الألمانية على المحك. أرجو أن ألتقي بك في الساعة التاسعة من صباح الغد في مقهى سورينتو.
لو سالومي
يا لها من رسالة وقحة! فلم يسبق لأحد أن خاطبه بهذه الصفاقة. وهو لا يعرف أحداً باسم لو سالومي. لا يوجد عنوان على المغلف. لا توجد لديه وسيلة لإخبار مرسل هذه الرسالة بأن الساعة التاسعة ليست مناسبة، وبأن السيدة بريوير لن تكون سعيدة لتناول الفطور وحدها، وبأن الدكتور بريوير يمضي حالياً إجازته، وبأنه لا يبدي أي اهتمام بـ”المسائل البالغة الأهمية” – فقد جاء الدكتور بريوير إلى فينيسيا للابتعاد عن المسائل العاجلة تلك.
لكن ها هو يجلس هنا، في مقهى سورينتو، في الساعة التاسعة، يتصفح الوجوه حوله، متسائلاً أيّ منهم قد يكون لو سالومي الوقح.
“أتريد المزيد من القهوة يا سيدي؟”.
أومأ بريوير للنادل، وهو فتى في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمره، شعره أسود ناعم رطب ممشط إلى الوراء. منذ متى استغرق في حلم اليقظة هذا؟ ألقى نظرة أخرى على ساعته. عشر دقائق أخرى أُهدرت من حياته. وأُهدرت على ماذا؟ كالعادة كان يحلم ببيرثا، بيرثا الجميلة، مريضته التي يعالجها منذ سنتين. لا يكفّ عن تذكّر صوتها المثير: “دكتور بريوير، لماذا تخشاني؟ تذكّر كلماتها عندما أخبرها بأنه سيتوقف عن معالجتها: “سأنتظر. ستظل دائماً الرجل الوحيد في حياتي”.
قال موبّخاً نفسه: “بحق الله، أرجوكِ توقّفي! توقّفي عن التفكير! افتحي عينيك! انظري! دعي العالم يدخل”.
رفع بريوير فنجان القهوة وتنشق رائحة القهوة القوية وغبّ نفساً عميقاً من هواء تشرين الأول الفينيسي المائل إلى البرودة. تلفّت حوله. كانت جميع الطاولات في مقهى سورينتو قد امتلأت بالرجال والنساء الذين راحوا يحتسون القهوة ويتناولون فطورهم، والذين كان معظمهم من السيّاح والمتقدمين في السن. كان عدد منهم يحمل صحيفة بيد وكوب القهوة باليد الأخرى. خلف الطاولات، كانت غيوم زرق فولاذية من الحمام تحوم في السماء ثم تنقضّ فجأة. لم تكن تلك الحمامات تعكّر صفو المياه الراكدة في قناة غراند كانال التي تنعكس على صفحتها صورة القصور الفخمة الممتدة على ضفتيها بجمال أخّاذ، سوى مويجات يوقظها من سباتها جندول يعبر فوقها. أما الجنادل الأخرى، فكانت لا تزال نائمة، مقيّدة بأوتاد مثبّتة على أطراف القناة، مثل رماح ألقت بها يد عملاقة كيفما اتفق.
“نعم، صحيح – أنظر حولك أيها الغبي!”، قال بريوير لنفسه، “فالناس يتقاطرون من جميع أنحاء العالم لمشاهدة فينيسيا. أناس يرفضون أن يموتوا قبل أن يباركهم هذا الجمال”.
تساءل كم ضاعت أمور في هذه الحياة؟ هل لأنه لم يكن ينظر حوله؟ أم لأنه كان ينظر ولا يرى؟ فقد تمشّى البارحة وحده حول جزيرة مورانو، لكنه بعد ساعة من التجوال لم ير شيئاً، ولم يسجّل في عقله شيئاً. لم تنقل شبكيّة عينه تلك المشاهد الجميلة إلى البؤبؤ. لقد أضاع وقته كله بالتفكير في بيرثا: ابتسامتها الخادعة، عيناها الساحرتان، نعومة بشرتها الدافئة، وأنفاسها المتسارعة، عندما كان يفحصها أو يدلك جسمها. هذه المشاهد تنطوي على قوّة معينة – تنبض بالحياة. كانت هذه الصور تدهم عقله وتغزو مخيلته. تساءل هل سيكون هذا قدري إلى الأبد؟ هل قُدِّر لي أن أكون مجرد خشبة مسرح تؤدّي فيه ذكرياتي عن بيرثا مسرحيتها طوال الوقت؟
نهض أحد الجالسين إلى الطاولة المجاورة. أيقظه صوت احتكاك الكرسي المعدني على الأرض. مرةً أخرى راح يبحث عن لو سالومي.
ها هي! المرأة التي تسير في شارع ريفا ديل كاربون، ثم تدخل المقهى. لا بد أنها هي التي كتبت تلك الرسالة – تلك المرأة الأنيقة، الطويلة، الممشوقة، الملفّعة بالفراء، التي تسير الآن نحوه بخطى وئيدة تشي بغطرسة عبر متاهة الطاولات التي تكاد تلتصق إحداها بالأخرى. عندما اقتربت، تبيّن بريوير أنها فتاة شابة، أصغر من بيرثا. لعلها لا تزال تلميذة مدرسة. لكن هذا الحضور الطاغي ليس عادياً.
اتجهت لو سالومي نحوه بثقة تامة. كيف يمكنها أن تكون واثقة تماماً من أنه هو الشخص المطلوب؟ بيده اليسرى مسّد الشعيرات الخشنة المائلة إلى اللون الأحمر في لحيته خشية أن تكون قد علقت فيها بقايا من طعام الفطور. شدّ طرف سترته السوداء إلى الأسفل بيده اليمنى لكي لا تتجمع حول رقبته. عندما أصبحت على مسافة بضع أقدام منه، توقّفت قليلاً، وحدّقت في عينيه بجرأة.
فجأةً توقف عقل بريوير عن التفكير. لم يعد النظر الآن يحتاج إلى تركيز. فقد تعاونت شبكيّة وبؤبؤ عينيه تماماً، وتركتا صورة لو سالومي تتدفق بقوة إلى عقله. يا لها من امرأة فائقة الجمال: جبهة عريضة، ذقن قوية منحوتة بروعة، عينان زرقاوان برّاقتان، شفتان شهوانيتان ممتلئتان، وشعر أشقر فضّي ممشط بإهمال جمعته بتكاسل في شكل كعكة عالية، مظهراً أذنيها وعنقها الطويل الجميل. بمتعة خاصة لاحظ خصلات شعرها التي أفلتت من كعكة شعرها وتدلت في جميع الاتجاهات.
بثلاث خطوات واسعة أخرى، أصبحت تقف أمام طاولته. “دكتور بريوير، أنا لو سالومي، هل لي أن…؟”، وأمأت برأسها نحو الكرسي. جلست بسرعة بحيث لم يتسنَّ لبريوير أن يحييها كما يجب – أن ينهض، وأن ينحني ويقبّل يدها، ويسحب كرسياً لتجلس عليه.
“أيها النادل! أيها النادل”. طقطق بريوير أصابعه، “قهوة للسيدة. قهوة بالحليب؟” نظر نحو السيدة سالومي. أومأت برأسها. ثم خلعت معطفها الفرو، بالرغم من برودة الصباح.
“نعم، قهوة بالحليب”.
لم ينبس بريوير وضيفته بكلمة واحدة للحظات. ثمّ نظرت لو سالومي في عينيه مباشرة، وقالت: “لديّ صديق ينتابه شعور باليأس، وأخشى أن ينتحر. وإذا انتحر فذلك سيكون خسارة كبيرة لي، ومأساة شخصية عظيمة لأنني أتحمّل قدراً من المسؤولية. مع أنني أستطيع تحمّل ذلك. لكن” – مالت نحوه، وقالت بصوت أوطأ – “لكن قد تتجاوزني هذه الخسارة أنا شخصياً: فقد ينطوي موت هذا الرجل على نتائج بالغة الأهمية – لك وللثقافة الأوروبية ولنا جميعاً. صدّقني”.
أراد بريوير أن يقول: “لا بد أنك تبالغين يا آنسة”، لكنه لم يستطع نطق هذه الكلمات. فما قد يبدو غلواً في المراهقة لدى أيّ شابّة في سنّها، قد يبدو مختلفاً هنا. أمر يجب أخذه بجدية. لم يكن صدقها وتدفقها يقاومان.
“ومن هو هذا الرجل، صديقك؟ هل أعرف عنه شيئاً؟”.
“لم يحن الوقت بعد لأخبرك من هو! لكن مع الوقت ستعرفه. يدعى فريدريك نيتشه. ربما تساعدك هذه الرسالة التي أرسلها ريتشارد فاغنر إلى البروفسور نيتشه على التعريف به”. وأخرجت رسالة من حقيبتها. فتحتها وأعطتها إلى بريوير، وقالت: “يجب أن أقول لك في البداية إن نيتشه لا يعرف أنني جئت لأراك ولا يعرف أن في حوزتي هذه الرسالة”.
الجملة الأخيرة التي نطقتها الآنسة سالومي جعلت بريوير يتوقف. هل عليّ أن أقرأ هذا الرسالة؟ فالبروفسور نيتشه هذا لا يعرف أنها تطلعني عليها، بل إنه لا يعرف أنها توجد في حوزتها! كيف حصلت عليها؟ استعارتها؟ سرقتها؟
كان بريوير يتفاخر بخصاله العديدة. فقد كان مخلصاً وسخياً، وكانت عبقريته في التشخيص أسطورية: ففي فيينا، كان الطبيب الشخصي لعدد من كبار العلماء والفنانين والفلاسفة مثل برامز وبروك وبرينتانو. وعلى الرغم من أنه في الأربعين من العمر، فقد كان ذائع الصيت في أنحاء أوروبا، وكانت شخصيات بارزة من جميع أنحاء الغرب تقطع مسافات طويلة وتأتي لاستشارته. الأهم من ذلك كله، يتفاخر بنزاهته – فلم يرتكب عملاً شائناً في حياته. إلا إذا كان عليه أن يتحمّل المسؤولية عن أفكاره الشهوانية المتعلقة ببيرثا التي كان يجب أن تتركز على زوجته، ماتيلد.
تردّد في أخذ الرسالة من يد لو سالومي الممدودة أمامه. لكن ذلك لم يدم سوى لحظات. مرةً أخرى ألقى نظرة على عينيها الزرقاوين البلّوريتين، ثمّ فضّ الرسالة المؤرخة 10 كانون الثاني 1882 التي بدأت بعبارة: “صديقي، فريدريك”، وأحيطت فقرات تلك بدوائر.
لقد قدمتَ إلى العالم عملاً لا يوازيه عمل آخر. إن كتابك يتسم بأصالة عميقة. لقد أدركت أنا وزوجتي أن هذا العمل هو الأمنية التي كنا نتوق إليها في حياتنا، الأمنية التي كنا نعرف أنها ستأتينا ذات يوم من الخارج وتأسر قلبينا وروحينا! لقد قرأنا كتابك مرّتين – مرة كل واحد منا على حدة أثناء النهار، ثم معاً بصوت مرتفع في المساء. وكدنا نتشاجر على قراءة النسخة الوحيدة المتوفرة لدينا، ونأسف كثيراً لعدم وصول النسخة الثانية الموعودة حتى الآن.
لكنّك مريض! هل عزيمتك مثبطة أيضا؟ إذا كان الأمر كذلك، كم يسرّني أن أفعل شيئاً لتبديد شعورك بالاكتئاب! كيف أبدأ؟ لا يمكنني أن أفعل شيئاً آخر سوى أن أغدق عليك مديحي.
اقبله، على الأقل، بروح ودية، مع أنك لست مقتنعاً بذلك.
تحياتي القلبية،
ريتشارد فاغنر
ريتشارد فاغنر! دهش بريوير لدماثته وألفته وتبسّطه مع الرجال العظماء في عصره. رسالة، ويا لها من رسالة، كُتبت بيد السيد نفسه! لكنّه سرعان ما تمالك نفسه بسرعة.
“هذا أمر مثير للغاية يا آنستي العزيزة، لكن أرجو أن تقولي لي الآن ماذا يمكنني أن أفعل لك بدقة”.
مالت لو سالومي إلى الأمام مرةً أخرى، وأرخت يدها المكسوة بقفاز قليلاً على يد بريوير، وقالت: “إن نيتشه مريض، مريض جداً وبحاجة إلى مساعدتك”.
“لكن ما طبيعة مرضه؟ ما هي الأعراض التي تنتابه؟”، سأل بريوير الذي أثارته لمسة يدها، وبدا سعيداً الآن لأن يخوض في مياه مألوفة.
“قبل كل شيء هو مصاب بالصداع. صداع شديد معذّب؛ ونوبات متواصلة من الغثيان، وعمى وشيك – فقد بدأت قدرته على الرؤية تتدهور شيئاً فشيئاً؛ وتلبّك في المعدة – أحياناً لا يستطيع تناول الطعام لأيام عدة – والأرق. فلا يمنحه أيّ دواء النوم فيضطر إلى تناول جرعات كبيرة من المورفين؛ وشعور بالدوار – ينتابه أحياناً دوار البحر وهو على اليابسة لأيام عديدة”.
لم تكن قائمة الأعراض الطويلة جديدة بالنسبة إلى بريوير الذي يرى عادة من خمسة وعشرين إلى ثلاثين مريضاً كل يوم، وقد جاء الآن إلى فينيسيا لينال قسطاً من الراحة. لكن قوة تأثير حضور لو سالومي أرغمته على إبداء مزيد من الاهتمام.
“إن الجواب عن سؤالك، يا سيدتي العزيزة، هو نعم. طبعاً سأرى صديقك. هذا أمر مؤكد. فأنا طبيب. لكن أرجو أن تسمحي لي بأن أسألك سؤالاً. لماذا لا تسلكين أنتِ وصديقك طريقاً مباشراً إليّ؟ لماذا لا تكتبان إلى عيادتي في فيينا وتحصلان على موعد؟”. هنا، راح بريوير يتطلع حوله بحثاً عن النادل ليُحضر له الحساب، وقال لنفسه كم ستكون ماتيلد مسرورة لو عاد إلى الفندق مبكراً.
لكن لم يكن ثمة شيء يمكن أن يثني هذه المرأة الجريئة، فقالت: “دكتور بريوير، أرجو أن تمنحني بضع دقائق أخرى. إني لا أبالغ في خطورة حال نيتشه. إن شعوره بالاكتئاب شديد جداً”.
“لا أشكّ في ذلك. لكني أريد أن أسألك مرةً أخرى يا آنسة سالومي، لماذا لم يأتِ السيد نيتشه لاستشارتي في عيادتي في فيينا؟ أو لماذا لم يستشر طبيباً في إيطاليا؟ أين يقيم؟ هل تريدين أن أعطيك إحالة على أحد الأطباء في المدينة التي يعيش فيها؟ ولماذا أنا بالذات؟ في المناسبة، كيف عرفتِ أنني في فينيسيا؟ أو أنني من رواد الأوبرا ومعجب بفاغنر؟”.
صمتت لو سالومي وابتسمت بينما راح بريوير يمطرها بوابل من الأسئلة، وبدأت ابتسامتها تزداد مكراً مع استمرار سيل الأسئلة.
“آنسة، إنكِ تبتسمين كما لو كنتِ تخبئين سرّاً. يخيَّل إليَّ أنكِ شابّة تستمتع بالاحتفاظ بالأسرار!”.
“أسئلة كثيرة يا دكتور بريوير. هذا رائع – فلم نتحدث إلا لبضع دقائق، وهناك الكثير من الأسئلة المحيّرة. لا شكّ أن هذا يبشّر بالخير في أحاديثنا المقبلة. اسمح لي بأن أخبرك المزيد عن مريضنا”.
مريضنا! أُعجب بريوير ثانيةً بجرأتها. تابعت لو سالومي كلامها وقالت، “فقد رأى نيتشه جميع الأطباء في ألمانيا وسويسرا وإيطاليا، لكن أياً منهم لم يفهم حقيقة مرضه أو حتى يتمكن من التخفيف من حدة الأعراض التي يعاني منها. فقد أخبرني أنه رأى خلال الأربعة وعشرين شهراً الأخيرة أربعة وعشرين طبيباً من كبار الأطباء في أوروبا. لقد هجر بيته وأصدقاءه، وتخلّى عن أستاذيته في الجامعة وراح يبحث عن منطقة يتحمّل مناخها للتخفيف من شدة الألم الذي يعاني منه”.
صمتت الشابّة ورفعت كوبها لترشف منه وهي لا تزال تنظر إلى بريوير.
“آنسة، إني أرى في عيادتي عادة مرضى يعانون من حالات غير عادية. لكن دعيني أحدّثكِ بصدق: لا يمكنني أن أفعل معجزات. وفي هذه الحال – عمى وصداع ودوار والتهاب معوي ووهن وأرق – وقد استشار عدداً من كبار الأطباء ولم يعثروا على علاج مناسب له، لا أظن أنني أستطيع أن أفعل أكثر مما فعله كبار الأطباء الخمسة والعشرين الذين استشارهم خلال تلك الأشهر”.
استند بريوير إلى كرسيّه، وأخرج سيجاراً، وأشعله. نفث سحابة رقيقة زرقاء من الدخان وانتظر حتى تبددت، ثمّ تابع: “للمرة الثانية أقول لكِ إنني مستعد لرؤية السيد البروفسور نيتشه في عيادتي، لكن يبدو أن علاج حال معقدة كحاله لا يزال خارج قدرة العلم الذي وصلنا إليه في عام ألف وثمانمئة واثنين وثمانين. لعل صديقك ولد في جيل قبل جيله”.
“ولد في جيل قبل جيله!”، قالت ضاحكة، “إنها ملاحظة تنبّوئية يا دكتور بريوير. كم مرة سمعت نيتشه يردد هذه العبارة بالذات! الآن أصبحت متأكدة من أنك الطبيب المناسب له”.
على الرغم من استعداده للمغادرة لأنه يعرف أن ماتيلد تنتظره في الفندق مرتدية ثيابها وتذرع الغرفة جيئةً وذهاباً متململة، أبدى بريوير اهتمامه على الفور، وقال: “كيف ذلك؟”.
“إنه يردد إنه “فيلسوف سبق عصره” – فيلسوف لم يفهمه العالم بعد. في الواقع، يبدأ الكتاب الجديد الذي ينوي كتابته بهذا الموضوع – النبي، زرادشت، الممتلئ حكمة، ويقرّر تنوير الناس. لكن لا أحد يفهم ما يقوله. فلم يتهيأ الناس بعد لاستقباله، النبي، ويدرك أنه أتى في زمن قبل زمانه، لذلك ينكفئ إلى عزلته”.
“آنستي، إن كلماتكِ تأسرني – فأنا شغوف بالفلسفة، لكن ليس لديّ وقت كافٍ اليوم، ويجب أن أسمع رداً مباشراً على السؤال الذي طرحته وهو لماذا لا يستشيرني صديقكِ في فيينا”.
“دكتور بريوير”، قالت لو سالومي مثبتة عينيها في عينيه مباشرة، “اعذرني لأنني لم أكن دقيقة. لعلي لم أكن صريحة. فأنا أجد متعة كبيرة عندما أكون في حضرة عقول عظيمة – ربما لأنني بحاجة إلى قدوة كي أطوّر ذاتي، ولعلي أحبّ ببساطة أن أجمع هذه العقول. لكني أعرف أني فتاة محظوظة لأنني أتحدّث مع رجل بعمقك وسعة أفقك”.
تدفق الدم إلى وجه بريوير الذي لم يعد يحتمل نظرتها إليه فأشاح بوجهه عنها بينما واصلت كلامها.
“ما أقصد قوله هو أنني ربما كنت مذنبة لأنني لم أكن صريحة معك لكي أطيل فترة وجودنا معاً”.
“هل ترغبين في المزيد من القهوة يا آنسة؟”، قال بريوير وأشار إلى النادل، “وفي المزيد من شرائح الخبز اللذيذة. هل تعرفين الفرق بين طريقة خبز الخبز الألماني والإيطالي؟ اسمحي لي بأن أصف لكِ نظريتي عن التوافق بين الخبز والشخصية الوطنية”.
لم يعد بريوير مستعجلاً للعودة إلى ماتيلد في الفندق، وراح يتناول طعامه ببطء مع لو سالومي، مستغرقاً في التفكير في حالته. فمن الغرابة أنه جاء إلى فينيسيا لكي يزيل الضرر الذي أحدثته امرأة جميلة، وها هو الآن يجلس مع شابة أكثر جمالاً يتجاذب معها أطراف الحديث! ولاحظ للمرة الأولى بعد أشهر عديدة، بأنه لم يشعر بالقلق تجاه بيرثا.
قال لنفسه ربما يوجد عندي أمل. ربما أستطيع أن أستخدم هذه المرأة لأتمكن من إخراج بيرثا من مسرح عقلي. هل سأتمكن من اكتشاف علاج نفسي يصبح بديلاً من الأدوية؟ فمن الممكن الاستعاضة عن المورفين الأكثر خطورة بدواء حميد مثل حشيشة الناردين. وكذلك، ربما استعاض عن بيرثا بلو سالومي- سيكون ذلك تقدماً سعيداً! فهذه المرأة على درجة أكبر من الذكاء والحنكة. إن بيرثا- كيف يمكنني أن أقول ذلك؟ – امرأة لم تنضج جنسياً، امرأة غير مكتملة، طفلة في جسد امرأة على نحو سيئ.
لكن بريوير كان يعرف أن براءة بيرثا وعدم نضجها جنسياً هما اللذان جذباه إليها حقاً. إن المرأتين كلتيهما تثيرانه جنسياً، وأحدث التفكير فيهما رعشات خفيفة أسفل بطنه. كما أثارت كلتا المرأتين خوفه: فهما امرأتان خطيرتان، لكن خطورة إحداهما تختلف عن الأخرى. إن لو سالومي هذه تخيفه بسبب قوة شخصيتها – بما يمكن أن تفعله له، أما بيرثا فتخيفه بسبب ضعفها واستسلامها – بما يمكن أن يفعله لها. سرت في جسده رعشة عندما طرأت الأخطار التي يجازف بها مع بيرثا – فكم مرة أوشك على انتهاك القاعدة الأخلاقية للطب، ويدمر نفسه وأسرته، وحياته برمتها.
في الوقت نفسه كان مستغرقاً في الحديث مع رفيقته الشابة المفتون بها وهو يتناول طعام فطوره، التي عادت هي، لا هو، إلى موضوع مرض صديقها – خاصة إلى تعليق بريوير عن المعجزات الطبية.
“لقد بلغتُ الحادية والعشرين من العمر يا دكتور بريوير ولم أعد أومن بالمعجزات. وأدرك أن عدم تمكن أربعة وعشرين طبيباً من كبار الأطباء يعني أننا بلغنا حدود المعرفة الطبية المعاصرة. لكن أرجو ألاّ تسيء فهمي! فلا توجد لديَّ أوهام بأنك ستتمكن من معالجة نيتشه. ليس هذا هو السبب الذي جعلني أطلب مساعدتك”.
وضع بريوير فنجان قهوته على الطاولة ومسح شاربه ولحيته بمنديله، وقال: “سامحيني يا آنسة، إني مشوّش الآن حقاً. ألم تبدئي بالقول بأنكِ تطلبين مساعدتي لأن صديقكِ مريض جداً؟”.
“لا، يا دكتور بريوير. لقد قلت إن لديَّ صديقاً في حالة يأس، وهو معرّض لخطر أن يضع حداً لحياته. إني أطلب منك أن تعالج اكتئاب البروفسور نيتشه، لا جسده”.
“لكن يا آنسة، إذا كان صديقك مصاباً باليأس ولا يتوفر لديّ علاج له، فماذا في إمكاني أن أفعل؟ فليس في وسعي معالجة عقل مريض”.
فهم بريوير إيماءة لو سالومي بأنها تعني أنها عرفت أن هذه كلمات طبيب ماكبث، وتابع: “آنسة سالومي، لا يوجد دواء لحالات اليأس، ولا يوجد طبيب للروح. لا يمكنني أن أفعل أكثر من أن أوصي بأحد الحمّامات المعدنية العلاجية الممتازة في النمسا أو في إيطاليا، أو ربما يمكنه التحدث إلى كاهن أو مستشار ديني آخر، أو إلى أحد أفراد الأسرة – أو ربما إلى صديق جيد”.
“دكتور بريوير، أعرف أنكَ تستطيع أن تفعل أكثر من ذلك. لديَّ جاسوس. فقد حضر أخي جينيا، الطالب في كلية الطبّ، إلى عيادتكَ في مطلع هذه السنة في فيينا”.
جينيا سالومي! حاول بريوير أن يتذكر الاسم. هناك عدد كبير من الطلاب.
“عرفتُ منه أنكَ تحبّ فاغنر، وأنكَ ستمضي عطلة نهاية هذا الأسبوع في فندق أمالفي في فينيسيا. لكن كيف يمكنني أن أتعرّف عليك. لكن الأهم من ذلك كلّه، عرفتُ منه أنكَ، في الحقيقة، طبيب يعالج حالات اليأس. فقد حضر في الصيف الماضي ندوة شرحتَ فيها الطريقة التي اتبعتَها في علاج شابّة تدعى آنا و. – كانت مصابة باليأس، وأنكَ استخدمتَ طريقة جديدة في علاجها، “العلاج بالكلام” – وهو علاج يستند إلى الإدراك، إلى تفكيك تداعي الأفكار المتشابكة، ويقول جينيا إنكَ الطبيب الوحيد في أوروبا الذي يستطيع أن يقدّم العلاج النفسي الصحيح”.
آنا و. أجفل بريوير عندما سمع الاسم، وانسكبت بضع قطرات من القهوة عليه عندما وصل الفنجان إلى شفتيه. جفّف يده بمنديله، راجياً ألاّ تكون الآنسة قد لاحظت ما حدث. آنا و.! آنا و.! أمر لا يصدَّق! فحيثما التفتَ، كان يصادف آنا أو. – الاسم السرّي لبيرثا بابينهيم. فقد دأب بريوير على الحفاظ على السرية التامة، ولم يكن يفصح عن أسماء مرضاه الحقيقيين أثناء مناقشة حالاتهم مع طلابه، بل كان يطلق اسماً مستعاراً على كل مريض بقلب الحرف الأول من اسمه: هكذا فإن الحرفينB. P. (بيرثا بابينهيم) يتحولان إلى A. O. أو آنا و.
“إن جينيا معجب بكَ كثيراً يا دكتور بريوير. فعندما أخبرني عن تلك الندوة التعليمية التي تحدثتَ فيها عن معالجتكَ لآنا أو.، قال لي إنه يعتبر نفسه محظوظاً لأنه رأى نور عبقري، مع أن جينيا فتى لا يمكن أن يؤثر فيه شيء بسرعة. لم أسمعه قط وهو يتحدث هكذا. لذلك قررتُ أن أراكَ ذات يوم وأتعرف عليكَ، بل ربما أدرس على يدكَ. لكن ‘ذات اليوم’ اقترب كثيراً بعدما ساءت حال نيتشه في الشهرين الماضيين”.
تطلع بريوير حوله. كان العديد من روّاد المقهى الآخرين قد أنهوا طعامهم وغادروا، بينما لا يزال هو جالساً هنا، ناسياً بيرثا تماماً، بصحبة شابة رائعة الجمال اقتحمت حياته منذ لحظات. سرت في جسده قشعريرة، برودة. ألا يوجد مهرب من بيرثا؟
“آنسة” – تنحنح بريوير وتابع كلامه بصعوبة -“إن الحال التي وصفها شقيقكِ كانت مجرد – حال منفردة جرّبتُ فيها طريقة في العلاج، ولا يوجد ثمة سبب يدعونا للاعتقاد بأن هذه الطريقة بالذات ستفيد صديقكِ. في الحقيقة، توجد جميع الأسباب التي تجعلنا نعتقد بأنها لن تكون مفيدة له”.
“لماذا يا دكتور بريوير؟”.
“أظن أن الوقت لا يسمح لي بأن أجيبك باستفاضة. يمكنني أن أقول ببساطة إن مرض آنا و. يختلف عن مرض صديقكِ اختلافاً تاماً. فقد كانت تعاني من الهستيريا ومن بضعة أعراض جعلتها امرأة عاجزة، كما يمكن أن يكون قد شرح لكِ شقيقكِ. وتضمن النهج الذي اتبعتُه علاجاً منتظماً للتخلص من الأعراض التي تعانيها بمساعدة مريضتي على التذكر، وبمساعدة التنويم المغناطيسي، ومن خلال الصدمة النفسية المنسية التي نشأت فيها. وعندما يتم الكشف عن المصدر المعيّن، تزول الأعراض”.
“أظن أن الشعور باليأس هو أحد الأعراض المرضية. ألا تستطيع علاجه بالطريقة نفسها يا دكتور بريوير؟”.
“يا آنسة، إن اليأس ليس عرضاً طبياً. إنه شيء غامض، غير دقيق. في حين أصاب كلّ عرض من أعراض آنا جزءاً منفصلاً من جسمها، وأطلق كلّ عرض منها إشارة تنبيه داخل الدماغ من خلال ممرّ عصبي. وكما قلت فإن الشعور باليأس الذي يعتري صديقكِ ما هو إلا وهم. للأسف لا توجد بعد طريقة لعلاج مثل هذه الحالات”.
للمرة الأولى تردّدت لو سالومي، وقالت: “لكن دكتور بريوير”، ووضعت مرة أخرى يدها على يده، “قبل أن تعالج آنا، لم يكن هناك علاج نفسي للهستيريا. وحسب علمي، كان الأطباء يستخدمون الحمّامات أو العلاج بالكهرباء المريع فقط. إني على اقتناع تام بأنكَ أنتَ، وربما أنتَ فقط، مَن يستطيع ابتكار علاج جديد لمعالجة نيتشه”.
نظر بريوير فجأةً إلى الساعة. يجب أن يعود بسرعة إلى ماتيلد، فقال: “آنسة، سأفعل كلّ ما في وسعي لمساعدة صديقكِ. اسمحي لي بأن أعطيك بطاقتي. سأرى صديقك في فيينا”.
ألقت نظرة سريعة على البطاقة قبل أن تدسّها في محفظتها.
“دكتور بريوير، أخشى ألاّ يكون الأمر بهذه البساطة، لأنني أستطيع القول إن نيتشه ليس مريضاً متعاوناً. في الحقيقة، هو لا يعرف أنني أكلمكَ هنا عنه. إنه شخص منغلق تماماً وذو كبرياء، ولن يقرّ أبداً بأنه في حاجة إلى مساعدة”.
“لكنكِ تقولين إنه يتحدث علناً عن الانتحار”.
“في جميع أحاديثه ورسائله، لكنه لا يطلب مساعدة من أحد. وإذا عرف بحديثنا هذا، فلن يغفر لي، وإني واثقة من أنه سيرفض زيارتكَ. وحتى لو تمكنت، بطريقة ما، من إقناعه بزيارتك، فسيقصر استشارته لكَ على أمراضه الجسدية. مطلقاً – ولا بعد ألف سنة – لن يطلب منكَ معالجته للتخفيف من حدة شعوره باليأس. إن لديه آراء قوية عن الضعف والقوّة”.
بدأ يتملك بريوير شعور بالإحباط ونفاد الصبر، ثم قال: “هكذا إذاً يا آنسة. ازدادت المسرحية تعقيداً. تريدين أن أرى بروفسوراً يدعى نيتشه تقولين إنه واحد من كبار الفلاسفة في عصرنا لأقنعه بأن الحياة – أو على الأقل حياته – جديرة بالحياة. ويجب أن أفعل ذلك من دون أن يعرف فيلسوفنا”.
أومأت لو سالومي، وأخذت نَفَسَاً عميقاً، وتراخت في كرسيّها.
ثم تابع: “لكن كيف يمكنني عمل ذلك؟ ببساطة إن تحقيق الهدف الأول – لا يزال علاج اليأس في حد ذاته خارج متناول العلوم الطبية، أما الثاني – وهو معالجة المريض سراً – فينقل عملنا إلى عالم الخيال. هل توجد عقبات أخرى لم تخبريني بها؟ ربما كان البروفسور نيتشه لا يتحدث إلا باللغة السنسكريتية – أو أنه يرفض أن يغادر صومعته في التيبت؟”.
أحسّ بريوير بالدوار عندما رأى قسمات لو سالومي المرتبكة، لكنه تمالك نفسه بسرعة، وقال: “بجد، يا آنسة سالومي، كيف يمكنني أن أفعل ذلك؟”.
“ترى الآن يا دكتور بريوير! الآن ترى لماذا أتيتُ إليكَ ولم أتوجه إلى شخص أقل شأناً”.
قرعت أجراس سان سالفاتور معلنةً الساعة العاشرة. لا بد أن ماتيلد بدأت تقلق الآن… أشار بريوير إلى النادل مرةً أخرى، وخلال انتظارهما وصول الحساب، وجّهت إليه لو سالومي دعوة غير عادية.
“دكتور بريوير، أوّد أن أدعوكَ لتكون ضيفي على الفطور غداً؟ وكما قلت فإني أتحمّل جزءاً من المسؤولية الشخصية لإصابة البروفسور نيتشه باليأس. ثمة أشياء كثيرة أوّد أن أحدّثكَ عنها”.
“غداً، آسف، مستحيل. صحيح أن امرأة جميلة لا تدعوني كلّ يوم إلى الفطور يا آنسة، لكني لست حراً لقبول الدعوة، لأن زيارتي إلى فينيسيا مع زوجتي تجعلني لا أستطيع أن أتركها وحدها مرة أخرى”.
“إذاً اسمح لي بأن أقترح عليكَ خطة أخرى. لقد وعدتُ أن أزور أخي هذا الشهر. في واقع الحال، قررتُ أن أسافر إلى هناك مع البروفسور نيتشه. عندما أذهب إلى فيينا سأزودك معلومات أخرى. في غضون ذلك، سأحاول إقناع البروفسور نيتشه بزيارتكَ لمعالجة حاله الصحية المتدهورة”.
خرجا معاً من المقهى. لم يبق سوى عدد قليل من الزبائن، وانهمك الندل في تنظيف الطاولات. عندما همّ بريوير باستئذانها ليغادر، شبكت لو سالومي ذراعها بذراعه، وسارت معه.
“دكتور بريوير، كانت هذه الساعة قصيرة جداً. إني أطمع بفترة أطول من وقتك. هل يمكنني أن أرافقك إلى الفندق الذي تنزل فيه؟”.
رأى بريوير أن طلبها هذا ينمّ عن جرأة، جرأة ذكورية، لكن ما نطقته شفتاها يجب أن يكون أمراً طبيعياً. فمن الطبيعي أن يتكلّم المرء بهذه الطريقة. فإذا وجدت امرأة متعةً في صحبة رجل ما، فما الضير في أن تشبك ذراعها في ذراعه وتطلب أن تسير معه؟ لكن هل توجد امرأة أخرى يعرفها، يمكنها أن تقول مثل هذه الكلمات؟ هذه المرأة تنتمي إلى نوع آخر من النساء. إنها امرأة حرّة.
“لا يمكنني رفض دعوة كهذه”، قال بريوير، ضاغطاً على ذراعها، مقرّباً إياها منه، “لكن عليَّ أن أعود إلى الفندق، ويجب أن أعود وحدي، لأنه لا بد أن زوجتي الحبيبة قلقة الآن وتنتظرني عند النافذة، ومن واجبي مراعاة مشاعرها”.
“طبعاً، لكن” – وسحبت ذراعها من ذراعه، ووقفت أمامه، كرجل منكفئ على نفسه، وأضافت – “إن كلمة “واجب” كلمة ثقيلة ومرهقة بالنسبة لي. فهي تختزل جميع واجباتي إلى واجب واحد فقط – وهو إدامة حريتي. إن الزواج وما يرافقه من امتلاك وغيرة يستعبد الروح. لن أدع ذلك يهيمن عليّ. آمل، يا دكتور بريوير، أن يأتي ذلك الوقت الذي لا يظلم فيه الرجال والنساء أحدهم الآخر”. استدارت بالثقة نفسها التي أبدتها عندما وصلت، وقالت: “أوف ويدرسيهين. إلى اللقاء في فيينا”.
*************************
المصدر : جريدة النهار

Advertisements