بقلم : شادي كسحو

يستطيع الباحث المدقّق في مواضعات العقل الغربي المعاصر أن يلاحظ ومنذ الوهلة الأولى أن هرمنيوطيقا* غادامر قد راهنت ـ منذ مراحلها الأولى ـ على تقويض فكرة المنهج العلمي وخلخلته، الذي يشكّل دعامة العلوم الطبيعيّة والتجريبيّة، ومجاوزة خطاب هذه العلوم حول الحقيقة، فليست الحقيقة في العلوم الإنسانيّة بنت المنهج؛ أو هي على الأقل، ليست حكراً على التّعامل المنهجي مع العالم، بل هي نتيجة الخبرة المباشرة بالعالم، أو الانفتاح على العالم عبر الفهم.
ويبدو أن هيمنة العلوم التجريبيّة والطبيعيّة على الخطاب الفلسفي الغربي المعاصر، هي السّبب المباشر في نهوض الهرمنيوطيقا، فبعد الإنجازات التي تحقّقت في الميادين والمجالات العلمية والرياضيّة بدأت الأنظار تتجه نحو العلوم الإنسانيّة وبدأ يطرح السّؤال حول مدى إمكانيّة تطبيق المناهج العلمية عليها، بهدف الوصول إلى أكبر قدر من الدقة والموضوعية؛ لذلك يمكن القول: إنّ الأزمة التي كانت سبباً في ظهور الهرمنيوطيقا هي أزمة ثقة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، أزمة ثقة بالمنهج العلمي وبقدرة هذا الأخير على بلوغ معرفة يقينية،”فالمنهج لا ينتج في النّهاية إلا ما يبحث عنه أو لا يجيب إلا على الأسئلة التي يطرحها. إنّ أي منهج يتضمن إجاباته ولا يوصلنا إلى شيء جديد”.3
والحقّ أن الهرمنيوطيقا بما هي استراتيجية قرائية جديدة ترفض تلك النظرة التي ترى في المنهج الطريق الوحيد لبلوغ الحقيقة في العلوم الإنسانية أو التاريخية، وتكفي العودة إلى كتاب غادامر “الحقيقة والمنهج” لمعرفة إلى أي حدّ جاهد هذا الفيلسوف من أجل تجاوز النسخة المنهجيّة للحقيقة في العلوم الإنسانية، بل إن عنوان الكتاب نفسه قد يشكل عتبة أولية للقراءة تسهم منذ البداية في فضح تصورات غادامر حول فكرة المنهج، إذ أن كلمة المنهج المعطوفة على كلمة الحقيقة في العنوان، تضعنا منذ البداية أمام تساؤل حول ماهية العلاقة بينهما، لذلك يذهب بعض الباحثين إلى اعتبار أنّه كان من الأنسب لـ غادامر أن يطلق على كتابه عنوان “الحقيقة واللا منهج”،4 في حين يذهب البعض الأخر إلى أن العنوان نفسه “ينطوي على تهكم irony، فالمنهج ليس الطريق إلى الحقيقة. بل على العكس، الحقيقة تتملص من”الإنسان المنهجي“وتفلت منه”.5
على هذا النّحو التقريبي، يمكن لنا أن نقترب من العلاقة المربكة بين الحقيقة والمنهج عند غادامر، لكن تصوراً أكثر عمقاً لهذه المسألة يضعنا بالضرورة أمام تساؤلات، تقع في صلب ماهية الخبرة الهرمنيوطيقيّة ذاتها، لا سيما أن هرمنيوطيقا غادامر، لم تكن مجرّد جراحة تجميلية للمنهج، بقدر ما كانت مقدمة ضرورية لتحرير سؤال الحقيقة في العلوم الإنسانيّة، لاسيما كما تتجلى في خبرتي الفنّ والتّاريخ.
على هذا الأساس يمكن القول: “إنّ المكسب النظري الحقيقي في مقاربة غادامر لمشكلة المنهج هو ذلك التمييز الحاسم الذي أقامه هذا الفيلسوف بين”المعرفة الجدليّة والمعرفة المنهجيّة”.
فالمعرفة الجدليّة تبعاً لـ غادامر تقوم على ترك الموضوع يتحرك بحرية، أي ترك الأشياء والموجودات لكي توجد وتتفتح من جراء ذاتها، وذلك طبعاً، على عكس المعرفة المنهجية التي تقوم بـ تقويل موضوعاتها إن صح التّعبير؛ أي أنها تفرض وبشكل مسبق نوعاً من التفوق الزائف للذّات على موضوعها، ففي “المنهج تقوم الذات العارفة بفرض نوع من السّيطرة والتحكّم والتلاعب manipulate، أما الجدل فيترك الموضوع الذي يقابله يطرح أسئلته الخاصة التي يفترض الإجابة عنها. لا سيما أن المرء لا يجيب إلا من خلال انتمائه للموضوع وفيه.
لم يعد الموقف التأويلي هو موقف سائل وموضوع يتوجب فيه على السائل أن يشيد مناهج تكفل له أن يوقع الموضوع في قبضة فهمه، بل أصبح السائل على العكس، يجد نفسه الطرف الذي يجري استجوابه”.6
إن فرادة هذا التشخيص تكمن في توجيه النظر، إلى أن البعد الأساسي للخبرة الهرمنيوطيقية، إنما يكمن في “الإنصات إلى الوجود” وليس في “السيادة على الموجود”، لذلك يمكن أن نفهم هذا التمييز، على أنّه رغبة فلسفية من قبل غادامر في نقل مشكلة الحقيقة في العلوم الإنسانية، من نطاق سيادة الذات mastery of self الذي تقوّمت به الحداثة الغربية، إلى فسحة مفهوم “الجدل”dialectic الذي يشكل أفقاً هادياً، لتهيئة التفكير في الوجود ذاته، بما هو بيت كل الحقائق وأصلها.
ولكي يضمن غادامر سنداً تاريخياً لمفهوم المعرفة الجدلية، كما تتجلى في العلوم الإنسانية، يستند شأنه في ذلك شأن أستاذه هيدغر، إلى فلاسفة اليونان القدامى، وللتوّ يكشف غادامر أن الجدل عند فلاسفة اليونان، لم يكن تطابقاً ساذجاً للذات مع العالم؛ بل كان شكلاً من أشكال المعرفة، أعاد من خلاله اليونانيون ترتيب علاقة الذات بالموضوع، ترتيباً انطولوجياً، “فقد كان فلاسفة ما قبل الديكارتية Cartesian- pre، فلاسفة اليونان القدماء على سبيل المثال، يرون فكرهم جزءاً من الوجود ذاته، لم يكن هؤلاء الفلاسفة يعتبرون الذاتية نقطة بدايتهم ثم يؤسسون عليها معرفتهم الموضوعية، لقد كانت طريقتهم أكثر جدلية، أي أنها لا تمانع بأن تقودها طبيعة الموضوع الذي يجب فهمه، لم تكن المعرفة عندهم كسباً وامتلاكاً بل لقاءً ومشاركة”.7
في الحقيقة إن من شأن هذه الاعتبارات أن تفسر لنا بعضاً من الاستياء الفلسفي الذي لطالما ميّز قراءة غادامر لفكرة المنهج، فـ غادامر وتبعاً، لمشاربه الانطولوجيّة، لا يرى في المنهج أكثر من “تخريب ابستمولوجي للمعنى”، وخطر داهم على الوجود الماهوي للعلوم الإنسانية*، لذلك فمواجهة غادامر لهذه النزعة المنهجية ــ من حيث هي الأساس الذي يقوم عليه موضوع المعرفة في الفكر الحديث ــ إنّما هي بالأحرى مواجهة مع الاستلاب الابستمولوجي الذي يمارسه المنهج على العالم، أي مواجهة الإدعاء المزيف بأسبقيّة المنهج على الحقيقة، ومواجهة التفسير المنهجي الذي باسمه تُمطلق الحقيقة، لاسيما أن “تطبيق المنهج – كما يرى غادامر- هو ما يقوم به شخص لا يستطيع أن يأتي بأيّ جديد، شخص لا يمكنه أن يجلب إلى دائرة الضوء أي تأويل ذو أثر بارز”.8
إن اللافت للنظر لدى غادامر هو كونه يريد أن يضع حداً للاحتفاء الابستمولوجي بفكرة المنهج، سواءً تعلق الأمر، بالاحتفاء الفلسفي به، بوصفه ظاهرة فريدة تشكلت في أفق الحداثة منذ ديكارت، أو الاحتفاء الإنساني المؤسف به، بوصفه ظاهرة إيجابية أضافت للعلوم الإنسانيّة مزيداً من الدقة والموضوعيّة. هاهنا بالضبط يمكن أن نفهم التحدي الهرمنيوطيقي لفكرة المنهج، فـ غادامر ليس ضد المنهج عموماً، وإنّما هو ضد ما يمكن تسميته بـ “حمّى المنهج”، أي ضدّ ذاك الاستحواذ القبلي والمطلق للمنهج على الحقيقة، ومعنى ذلك أن غادامر عندما أراد أن يرسم حدوداً صارمة للمنهج، فليس لكي ينفيه نفياً مطلقاً*، وإنّما لكي يبين مصادر وهمه، ووجوه سوء استعماله، وتعرية وعيه الزائف بذاته، وهدم يقينياته، وتفكيك مسلماته، والتنقيب عما يسكت عنه، إنّه بكلمات أخرى، أراد التنويه إلى أن “المنهج هو في الواقع شكل من أشكال الدوغمائية، التي تفصل المؤول عن العمل، وتقف حائلاً بينه وبين النص، وتمنعه من اختبار النص في كماله وامتلائه”.9
إن ما هو مميز حقاً في هذا التشخيص الجذري من قبل غادامر، هو كونه يُمكننا من التمييز بين اتساع الفهم الهرمنيوطيقي وشموليته من جهة، وضيق التفسير المنهجي الأحادي الجانب للعلاقة مع النص ومحدوديته ـ التراث من جهة أخرى، فالفهم الهرمنيوطيقي منفتح ولامحدود، إنه بالأحرى “يستوعب ولا يستبعد”، في حين أن التفسير المنهجي يسعى عبر تعاليه التعسفي وغروره الذاتي لابتلاع النص ضمن قوالبه الجاهزة فـ “المنهج هو جهد يبذله المؤول لقياس النص والسيطرة عليه، إنه عكس ترك الظاهرة تقودنا، إن الانفتاح على الخبرة الهرمنيوطيقية ــ والتي تُجري تعديلاً على المؤول نفسه من قبل النص ــ هو تماماً عكس المنهج”.10
قد تبدو أهمية هذا الفهم الهرمنيوطيقي، في أنه يطمح إلى تفنيد اتجاه فلسفي معاصر وتفكيكه، يدّعي أن بإمكانه فهم الظاهرة الإنسانيّة وفق أدوات وآليات فهم الظاهرة العلمية نفسها.
لكن مقصد غادامر أعمق من ذلك بكثير: إنه بالأحرى، يريد إعادة تخريج طبيعة العلاقة بين “الحقيقة الفلسفية والحقيقة العلمية” وذلك من خلال إضاءة مختلفة لماهية الحقيقة في العلوم الإنسانية، بوصفها حقيقة انطولوجية من نوع آخر “فخبرة الحقيقة، التي ينشدها غادامر لا تعتمد على الابستمولوجيا أو نظرية المعرفة، بقدر ما تعتمد على”التأسيس الجذري“grounding أو ما يمكن تسميته أيضاً، بالأرضية أومنبع الحياة، ولكنه ليس معرفة بالمعنى الدقيق للكلمة”.11
قد يساعدنا هذا التنبيه على تفادي الوقوع في أي فهم متسرع أو شكلاني لأهداف هرمنيوطيقا غادامر حول المنهج، والانصراف إلى التساؤل عن طبيعة تلك التحديات الفلسفية التي تتضمنها الهرمنيوطيقا الفلسفيّة وتتأسس عليها، فالبؤرة التأويلية لمشكلة المنهج عند غادامر، هي مسألة الحقيقة، ومسارات تكشفها في العلوم الإنسانيّة، وحول هذه النقطة، فإنّ موقف غادامر واضح جداً فـ “الحقيقة عنده لا تُطلب منهجياً؛ بل جدلياً، وهذه الطريقة هي في الحقيقة، نقيض المنهج”.12
من هذا المنطلق يغدو الفهم الهرمنيوطيقي مشروعاً مفتوحاً في الفضاء الفلسفي المعاصر، أو لنقل هو طموح الفلسفة ذاتها إلى تجاوز مشكلاتها التي تتعلق بدعاوى، مثل امتلاك اليقين المطلق، والمعرفة الكلية بالعالم والوجود، إلى تأويل لذاتها ومُساءلة لميكانيزماتها المؤسّسة.
ولعل هذا ما يجعل من الهرمنيوطيقا مشروعاً طموحاً لفهم الكائن البشري، ومنحه إمكان فهم ذاته من حيث كينونته ووجوده في العالم، وكأني بالفهم الهرمنيوطيقي، قد صار منوطاً به كسر الطوق الذي فرضه المُعطى الترانسندنتالي للفلسفة التأمليّة، والتحوّل في العلاقة الكلاسيكيّة المتعالية “منهج – حقيقة” من الوضعيّة القائمة على دوغمائيّة المنهج، إلى الوضعيّة القائمة على انفتاح الحقيقة، فالحقيقة هي في نهاية المطاف القدرة على تفهم لغة الآخر والإنصات إليها، بدلاً من“ابتلاعها منهجياً” عبر آتون لغتنا الخاصّة.
هي إذن أوهام الحداثة* ومنهَجة العالم ما أغرى العقل الغربي بالانعطاف نحو الهرمنيوطيقا؛ بل إنّها أحلام المماثلة والمطابقة والتّعالي والتّمركز ما جاءت الهرمنيوطيقا لتكشف عن قيمتها المعياريّة وتحفر عميقاً في ترسّباتها مميطةً اللثام عن مجازيتها وابتعادها عن الحقيقة. ولعلّ هذا ما أدركه البعض جيّداً عندما ربطوا ظهور الهرمنيوطيقا بأزمة الحداثة الأوربية، أو بطريقة أكثر وضوحاً بأزمة المناهج العلميّة فـ “بالموازاة مع الشمولية التي يدعيها المنهج العلمي يلجأ المنهج التأويلي- إن صح التعبير- إلى بحث طريقة جديدة أساسها توسيع مساحة تواجد الحقيقة وجعلها أكثر مرونة و انسيابيّة”13.
في الحقيقة إن هناك رغبة جامحة عند غادامر في تأسيس هرمنيوطيقا فلسفية تقوم بمراجعة شاملة لكل ما قدمه تاريخ الفلسفة، بل وفي إجراء نوع جديد من المصالحة الانطولوجية بين “الذات والموضوع”، “الأنا والأخر”؛ لذلك فإن هرمنيوطيقا غادامر لم تتوقف عند نقدها لمناهج العلوم الطبيعية، وإنما امتد نقدها أيضاً إلى الفلسفة الحديثة برمتها؛ أي إلى الحداثة من حيث هي التّعبير الدّقيق عن “الأنا” أو عن الذاتية.
فالذات غير مؤهّلة لفهم العالم بمفردها، فهي تزيد رقعة العماء الذي يفصلنا عن الوجود، ولا ترتقي إلى الأهلية الانطولوجية التي ينطوي عليها سؤال الفهم، لذلك ينصحنا غادامر بأن نكف عن تأوّل معنى الفهم وفقاً لـ براديغم الذات، فـ الفهم هو دائماً “لا ذاتي” على نحو جذري، أو كما يكتب غادامر فـ “الفهم ليس فهماً لسلوكيات الذات الممكنة والمتنوعة، بل هو نمط وجود الدزاين نفسه، وإنه لبهذا المعنى استعمل مصطلح التأويلية هنا”.14
في الحقيقة إن من شأن هذه الرؤية أن تدعم الخصوبة الانطولوجية التي تتميز بها الخبرة الهرمنيوطيقية، فـ غادامر عندما يدين مبدأ سيادة الذات، فهذا يعني أنه يدعو الذات من جهة أخرى إلى المرور إلى الفهم عبر توسط الآخر بكل تعيناته، وهذا التوسط ليس إلا قبولاً للآخر وإصغاءً لصوته، إنه فرصة جديدة لتحرير المعنى والسّماح له بالقدوم إلينا، وهو في نفس الوقت تحرير للذات ذاتها، أي تحريرها من الأوهام التي رسمتها حول نفسها، من أجل إعادة اكتشافها على نحو أكثر عمقاً واتساعاً.
ضدّ التّعالي المتعب للذّات الحديثة إذن، دفعت الهرمنيوطيقا بسؤال الفهم إلى الواجهة، معلنةً بأن الذّات ليست هي المقام الوحيد للسّؤال عن الوجود، وبأن المنهج ليس هو المصدر الوحيد لتعيين كل الحقائق في العالم، فالفهم الهرمنيوطيقي ـ كما يرى غادامر- ليس فهماً أداتياً يحدد المقولات والأطر ثم يبحث عمّا يملؤها بالموضوعات والأشياء، بل هو سؤال أكثر جذريّة من سابقه؛ إنّه يتعلق بالوجود أولاً وبالذّات، لذلك فما تروم الهرمنيوطيقا بحثه هو إقامة هرمنيوطيقا للوجود تتجاوز الوعي الذّاتي المنهجيself-methodical consciousness وتعلو عليه، فمهمّة الهرمنيوطيقا هي انطولوجية أكثر منها منهجية، أي أنّها، “لا تطرح سؤالاً عمّ نفعله أو ما يجب أن نفعله، ولكن عمّ يحدث، فيما وراء إرادتنا وفعلنا.15
إن التّناول المنهجي الذي تفرضه نظريّة المعرفة الكلاسيكيّة يقوم على اعتبار الأشياء معطاة بشكل نهائي، وعلى أنّ الذّات المتعالية هي مصدر الوعي المباشر بهذه الأشياء. من خلال هذه التّرسيمات السّالبة للذات ــ بما هي بيت كل حقيقة ممكنة “ديكارت” وبما هي المسار الذي يمكن من خلاله استقبال كل صور العالم وظواهره “هوسرل” ــ برزت الهرمنيوطيقا وبرزت مهمة الهرمنيوطيقا، فهذه “الذاتانية” لم تقدم بديلاً فلسفياً مقبولاً لعملية الفهم، ففرغت الذات من محتواها، وبدلاً من أن تتحول هذه الذات إلى موضوع للمعرفة ذاتها، أصبحت في موقع يخولها أن تجعل من العالم كله ميداناً لها، لاسيما أنّها فرضت تفوّقاً زائفاً للذات على الموضوع، وبهذا أنتجت نظريّة المعرفة وهماً باكتمال صورة الموضوع في الوعي المدرك وكذلك وهماً باكتمال الذات، غير أن السؤال المنسي والحال كذلك هو سؤال معنى الكينونة، ومثلما يرى أحد الباحثين فإنّه لهذه الأسباب “اتضحت مسألة اقتراح استبدال المنهج العلمي أو التّحليل الفلسفي بنوع جديد من المناهج وهي مهمّة الهرمنيوطيقا.16
من أزمة العلوم التجريبية إذن امتدت الأزمة إلى العلوم الإنسانيّة، وهذا ما ساهم في ترسيخ نوع من الأزمة والاغتراب على صعيد تناول النّصوص والثقافات الإنسانيّة، وقد تفاقمت الأزمة شيئاً فشيئاً بعد أن حاولت العلوم الإنسانيّة استخدام مناهج العلم الطبيعي، فقد تحوّل الإنسان إلى واقعة علمية، إذ غيب العلم الطبيعي الإنسان وساهم في اغترابه وتشيؤه، حتى تحول الإنسان إلى مجرد موضوع للبحث والتأمّل، وهذا ما أدّى أخيراً إلى التشكّك حيال الكثير من القضايا المتعلقة بالوجود والحياة والفن، وكما لاحظ دلتاي فقد “نما في القرن التّاسع عشر الوعي بالتقدّم المثمر الذي أحرزته العلوم الطبيعيّة، فلقد استطاع العلماء قياس ووزن كلّ مكوّن من مكوّنات الكوكب الذي نعيش فيه، وظهرت الاختراعات المذهلة التي ضيّقت المسافات على الأرض… فكان نتيجة ذلك أن فقدت الصور المثالية فاعليتها… وأصبح الشعور بالحياة مشكلة، وبدأ هذا واضحا ًفي كل أنواع الفن والأدب”.17
هي إذن الدوغمائية السالبة للعقل الغربي ما دفعت غادامر إلى التبشير بالهرمنيوطيقا الفلسفية، وبإمكاننا القول: “إن توجهاته الإصلاحية والنقدية هذه، تتنزل ضمن إطار الاشتغال الفلسفي الفينومينولوجي، الذي يتجه نحو انتقاد العلوم الطبيعية ويُعنى بالماهيات، ويرفض ثنائية الذات والموضوع، ويتمسك بمفهوم الوجود في العالم، ويرفض بالمجمل أي محاولة لعلمنة العلوم الإنسانية وتطبيعها* أو جعلها مجرّد خادمة للمنهج”.
لذلك يقترح غادامر الهرمنيوطيقا، مشروعاً لتحرير المعنى وإنقاذه في الفكر الغربي، فلا يمكن الوصول إلى المعنى إلا عندما ترسم العلوم الإنسانية مناهجها الخاصة بها والمختلفة طبعاً عن منهجيات العلم الطبيعي، لكن مشكلة العلوم الإنسانية ليست مشكلة محايثة لبنيتها من حيث هي علوم إنسانية، فجوهر العلوم الإنسانية لا إشكال فيه، وإنما المشكلة أن العلوم الإنسانية أصبحت ضحية هيمنة العلوم الطبيعة وسيطرتها، لذلك تابع غادامر معركة الاستقلال – إن صحّ التعبير – ضد الاستلاب العلمي وذلك بالتركيز على خبرتي الفن والتاريخ والارتقاء بهما إلى مصاف الخبرات الزاخرة بالحقيقة، فالهرمنيوطيقا إنما تريد التأكيد على أن “العلوم الإنسانية مرتبطة بأشكال من التجربة تقع خارج العلم: أي أنها ترتبط بتجربة الفلسفة، والفن، والتاريخ نفسه. وهذه هي جميع أشكال التجارب التي بلغتها معرفة معينة بحيث لا يمكن التثبت منها بوسائل منهاجية مناسبة للعلم”.18
لقد أدرك غادامر إذن أن الأزمة التي تعيشها العلوم الإنسانية هي أزمة استقلال وتفّرد، ومن هنا كان خياره الإستراتيجي أن على الهرمنيوطيقا أن تنأى بنفسها عن أن تكون مجموعة من القواعد والمبادئ،* ومعنى ذلك أن الهرمنيوطيقا تتعين في روح النص. التراث في كلّ تعرّجاته الوجوديّة وانتشاراته التاريخيّة والمعرفية.
فهي تنبع من اللحظة الزمانية والمكانية المؤسّسة لهذا النص أو ذاك، لتنفتح به على كل طاقاته الانطولوجية والمعرفية والدلالية، وهذا ما انتبه إليه بول ريكور عندما أكّد، أنّ مشروع غادامر الفلسفي، يكشف عن تأليف بين أنواع عدّة للهرمنيوطيقا “من الهرمنيوطيقات الإقليمية إلى الهرمنيوطيقا العامة، ومن ابستمولوجيا علوم العقل إلى الانطولوجيا”.19
لقد سقط الفكر الغربي أخيراً في فخ “العلموية*” وفي العجز عن مقارعة العلوم الطبيعية المسلحة بترسانة منهجية كبرى، لكن هذا الأمر لا يصلح لفهم العلوم الإنسانية “فالعلوم، ليس فقط الطبيعية ولكن الابستمولوجية أيضاً، العلوم الرئيسية المتمثلة في الرياضيات والتي تقوم على البرهان؛ هذه الأنواع من العلوم لا تستطيع أن تضيف شيئاً جديداً للعلوم الإنسانية”.20 فمثل هذه العلوم لا يمكن أن تحتكر معرفة الحقيقة، ولا فهم الوجود، لذلك فإن أي محاولة لتعريف الوجود وضبطه ضمن قوالب وتقنيات، مستقاة من المنهج العلمي، إنما هي بالأحرى محاولة لجعل الوجود أكثر استغلاقاً، لاسيما “أن التجربة العلمية، تنتزع الموضوع من لحظته التاريخية، وتعيد إنتاجه بحيث يناسب المنهج”21
لذلك يحاول غادامر أن يقنعنا أن الهرمنيوطيقا لا تبحث عن جملة من القواعد والمبادئ للفهم والتأويل، وإنّما هي بالأحرى هرمنيوطيقا انطولوجية تبحث في شروط الفهم وإمكاناته أكثر مما تبحث عن قواعد أو تقنيات له، ومثلما يكتب غادامر، فإن الهرمنيوطيقا هي “محاولة لفهم ما هي العلوم الإنسانية حقيقة، بتجاوز وعيها الذاتي المنهاجي، وما يربطها بكليانية تجربتنا للعالم، ولئن جعلنا الفهم موضوعاً لتفكيرنا، فليس المرمى من وراء ذلك هو فن الفهم أو تقنية الفهم، مثلما أرادت أن تكون التأويلية اللغوية التقليدية والتأويلية اللاهوتية.
فمثل هذا الفن أو التقنية ستخفق في إدراك أن التقنية الشكلية، في نظر الحقيقة التي تتحدث إلينا من التراث، تنتحل لنفسها تفوقاً زائفاً”22.
لقد أقصى غادامر إذن عمليّة الفهم عن المنهج وعن الذات التراسندنتالية في نفس الوقت، ولقد كان لهذا الفصل أثره على المستوى الفلسفي في الفكر الغربي المعاصر، فقد شكّل أفقاً لتجاوز هذه الأنا التي ميّزت الحداثة والجماليات الكانطيّة من جهة، ووصل من جهة ثانية عمليّة الفهم بالحقيقة، باعتبارها تكشفاً وتفتحاً للوجود، فالفهم إنّما هو حوار بين الذات والموضوع، الأنا والأخر، أفق القارئ وأفق النص، أفق الماضي وأفق الحاضر، وهذا ما أطلق عليه غادامر لاحقاً “انصهار الآفاق” fusion of horizons، وكما أشار بول ريكور فإن الفكر الغربي عموماً “مدين لـ غادامر بهذه الفكرة الخصبة التي مفادها أن التواصل عن بُعد بين وعيين يختلفان في موقعهما يتم بفضل انصهار أفقيهما أي بتقاطع قصديهما حول البعيد والمنفتح إن هذا المفهوم انصهار الآفاق يعني أننا لسنا نعيش لا في آفاق منغلقة ولا في أفق واحد”.23
يمكن القول إذن إنّ مشكلة العلوم الإنسانية واستقلاليتها، هي المشكلة الأكبر التي أجهد غادامر نفسه لاقتراح حلول لها، لا سيما أنّ غادامر قد شهد هو نفسه تبعية العلوم الإنسانية للعلوم الطبيعية، وشهد كيف تماهت مناهج العلوم الإنسانية مع مناهج العلم الطبيعي. فقد كان لاستخدام مناهج العلم الطبيعي في دراسة العلوم الإنسانية والتراث عموماً أخطر النتائج التي لحقت بالعلوم الإنسانية. فقد تحول الإنسان من أفق حي ومفتوح إلى موضوع في مقابل الذات، بحيث تراجع سؤال الوجود، ولم يعد أولياً، “فبعد بيكون وديكارت وهوبز ولوك ــ كما يرى غادامر ــ لم يعد السّؤال عن الوجود أولياً وأصبح السؤال الأول للفلسفة في القرن السابع عشر معرفياً: ما هو وضع معرفتنا؟ كيف نعرف أننا نعرف؟ ونتيجةً لهذا تحولت الفلسفة إلى ابستمولوجيا للعلوم الوضعية وبدلاً من كونها خادمة للاهوت أصبحت خادمة لما يسمى بالعلوم الحديثة”.24
تلك هي إذن الأسس الفلسفية، التي يستمدّ من خلالها خطاب غادامر الهرمنيوطيقي مبرراته ومشروعيته، أي من المطالبة بموقع فريد للعلوم الإنسانية، وهذه والحال كذلك رؤيا جديدة في التفكير الفلسفي المعاصر. إذ لم يعد النّشاط الفلسفي يستنفد نفسه، بمجرّد الإحالة على المنهج أو البحث المحموم عن كوجيتو، ولم يعد التفلسف نتاج العلمنة التعسفيّة لمواضيع العالم، وهنا يبرز الفهم الهرمنيوطيقي بوصفه تبصراً يحاول تجاوز الثنائية التقليدية الشهيرة “الشكل – المضمون”، والثنائية الغنوصولوجية ذات – موضوع، ويعمل في مقابل ذلك على إحداث علاقات ومسارات جديدة بين المتناقضات التقليدية، فيغدو كل فهم وجوداً، وكل وجود فهماً، إلى أن تأتي لحظة الحقيقة بوصفها انكشافاً.
فالثنائيات التقليدية شكل- مضمون، ذات – موضوع، منهج ـ حقيقة تغدو مع الهرمنيوطيقا وهماً من أوهام التأسيس المفاهيمي للعقل الغربي، فلقد أظهرت هذه التركيبات الضدية إفلاسها على مستوى الممارسة والتطبيق، أضف إلى أنّها ساهمت في الغالب في إقصاء حدّ على حساب الحدّ الآخر، وهذا ما أدى أخيراً إلى إشكاليات كثيرة على رأسها الفن، تم ربطها بكل صفات الزيف واللاحقيقة.
لقد سارت الفلسفة منذ سقراط على هُدي العقل، وإن تعددت التسميات بعد ذلك, فالأنا والروح، والعقل، والنسق، والمنهج، كلها مدلولات لدال واحد، هو جوهرانية الذات في مقابل الموضوع. المدُرِك في مواجهة المدُرَك، وتبقى الصعوبة والحال كذلك في إخراج الوجود من عتمته وفي محاولة إظهاره وتسريحه، لذلك يؤكد غادامر على أنّنا يجب أن نكون مونادات بتعبير ليبنز، نعكس حقائق الوجود برمته “لكنّنا لسنا مونادات مغلقة وعديمة الأبواب والنوافذ. بل مونادات تأويلية مفتوحة ومنفتحة، مفتاحها الحوار ما دامت اللغة لم تقل بعد ولن تقول أبداً ما تريد”أو ما نريد قوله“والتعبير عنه”.25
من هذا المنطلق يصبح “الحوار” dialogue هو جوهر الهرمنيوطيقا، التي يقترحها غادامر للعلوم الإنسانيّة، وفي هذا الصدد يؤكد الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي، أن أهمية هرمنيوطيقا غادامر لا تنبع من كونها تُرينا أخطاء الابستمولوجيا، أو تنجز ما فشلت الابستمولوجيا في إنجازه؛ بل لكونها تقدم طريقة أخرى في المعرفة، قائمة على الحوار والتضامن، “تلك التي نحصل عليها عندما لا نكون ابستمولوجيين بعد الآن”.26
ضمن هذا المعنى تتجه الهرمنيوطيقا إلى إعادة ترتيب العلاقة مع التراث- النص، فهي إذ تأكد على التفاعل الحواري، في مقابل التعالي الابستمولوجي، بمعنى أنها تؤكد الاهتمام بالآخر بنفس درجة الاهتمام بالذات، فلأنّها تريد أخيراً جَسر الهوة بين الذات والموضوع – الأنا والآخر، بما يكفل شكل من أشكال تحرير المعنى من مهرجانات الأنا المتلاحقة “ديكارت – كانط ــ هوسرل”، وإضفاء نوع من التّسامح على طرق استنطاق المعنى، لجهة اعتباره علاقة يلتف حولها كل من أفق الذات وأفق الآخر.
ولسنا نعني من ذلك أن الهرمنيوطيقا هي محاولة للقفز على العلاقة المتوترة بين الأنا والآخر، الماضي والحاضر، بل إن الهرمنيوطيقا على العكس من ذلك تماماً تنفتح على الآخر، لأنها تعي أن الآخر هو أحد أشكال الحقيقة… وأحد مقامات تجلي الوجود، وتعي من جهة أخرى وعلى خلاف المنهج، أن “الحوار مع الماضي ــ الآخر، يجعلنا ننفتح على حقائقه ورموزه ومعانيه ليس كإكراه قسري، وجبر قهري، إنما كحسن التمعن وفن الإنصات لما يقوله وينشده”.27
وبالمحصلة فقد شهدت الهرمنيوطيقا مع غادامر انقلاباً انطولوجياً يتحول بمقتضاه الفهم الهرمنيوطيقي، من مواجهة وجودية إلى مشاركة وجودية، ومن نمط أو فعالية معرفية إلى نمط من أنماط الوجود، ويتحول السؤال الفلسفي تبعاً لذلك من سؤال المنهج “ابستمولوجيا”، إلى سؤال الوجود “انطولوجيا”.*
فالمنهج لا يحتوي الحقيقة، بل بالأحرى إن الحقيقة هي من تحتوي على المنهج وتتجاوزه، بحيث تصبح العلاقة بين الفهم والحقيقة هي علاقة انكشاف وانقشاع، أي حقيقة محايثة لخبرة الفهم بوصفها خبرة البحث عن معنى الوجود نفسه، وينتج عن ذلك أن كل جهد إنساني هو وجود من أجل الحقيقة، أي أنّه إرادة فهم وإرادة وجود أو هو كليهما معاً، وكأن مهمّة الفهم تكمن أخيراً في تجاوز النّسخة العلميّة للحقيقة، وتقديم البديل الانطولوجي لها، والتأكيد من جهة أخرى على أن الحقيقة هي صنو الوجود، أي أنّها مدلول انفلات ولا نهائي، لا يمكن لأي جهة أن تتبناه لصالحها الخاص.

الهوامش
* إن كلمة “هرمنيوطيقا” “hermeneutics” ترجع في أصلها إلى الكلمة اليونانية “”hermeneusوتعني المفسر أو الشارح، وهي مرتبطة بهرمس“Hermes” رسول الآلهة إلى البشر، ومن جملة الخصائص التي أوردها هوميروس في وصفه له كونه الوحيد القادر على أن يعبر المسافة الفاصلة بين الآلهة والبشر وينقل في لغة واضحة ومفهومة ما يجول في خاطر الآلهة.
و يجدر الذكر أنني آثرت المحافظة على رسم الكلمة كما هي، وعدم وضع كلمة معربة كمقابل لها، لعدم اقتناعي بجدوى ترجمة هذه الكلمة، إلى كلمة “التأويلية” كما استخدمها الكثير من الباحثين والمترجمين العرب، لأنني لا أعتقد أنها تستنفد الطاقة الدلالية لكلمة hermeneutic.
وقد اهتم بمشكلة الهرمنيوطيقا عند غادامر الكثير من الباحثين العرب، و على سبيل المثال يمكن الإشارة إلى الدراستين القيمتين اللتين أنجزهما كل من هشام معافة (الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون تحت عنوان: التأويلية و الفن، بيروت:2010) و ماهر عبد المحسن حسن (الصادرة عن دار التنوير تحت عنوان: جادامر مفهوم الوعي الجمالي، بيروت: 2009).
1- أبو زيد، نصر حامد. الهرمنيوطيقا ومعضلة تفسير النص، فصول في النقد، المجلد الأول، العدد الثالث، الهيئة العامة المصرية للكتاب، ابريل 1981، ص:153.
2- جاسبر، دافيد. مقدمة في الهرمنيوطيقا، تر: وجيه قانصو، ط1، الدر العربية للعلوم ناشرون، بيروت:2007، ص :148.
3- Palmer, Richard E. Hermeneutics, Northwestern University Press, Evanstone:1969, p:163.
4- Ibid, p:165.
5- Ibid, p:164-165.
* للوقوف على عمق الطرح الهرمنيوطيقي لمشكلة المنهج، يكفي في نظر غادامر أن نسلط الضوء على التشويهات الناجمة عن تطبيق المنهج على العلوم الإنسانية، بالعودة إلى التراث الإنسانوي، إذ يؤكد غادامر أن هذا التراث، قد فقد بكوريته الفلسفية و أصبح بالغ الاضمحلال بالنسبة إلينا، نتيجة لإضفاء الطابع الذاتي و المنهجي على المفاهيم المؤسسة لهذا التراث مثل: الثقافة، الحس المشترك، الحكم و الذوق.
و في هذا الصدد يؤكد غادامر استناداً إلى هيغل وهردر، أنه من بالغ الخطر أن ننظر إلى مفهوم الثقافة bildung“” “formation”على أنه مجموعة من المعارف و المعلومات، فهذا خطأ يميز التفكير الحديث المرتكز إلى المنهج، فالإنسان المثقف هو بالأحرى ذلك الشخص الذي يتعلم نوعاً من التراجع أمام معارفه، فالشخص العاجز عن الاعتراف بجهله و ترك بعض القرارات مفتوحة لا يتطابق مع ما يمكن أن ندعوه شخصا ًمثقفاً.
إن الشخص المثقف ببساطة هو الذي يعي أنه لا يعرف شيئاً و هو بذلك يرتفع إلى نوع من “الكلية” التي تجعله ينفتح على وجهات نظر أخرى و أكثر شمولية.
و يرى غادامر أن هذه الـ“لا اعرف شيئاً”، هي مثال بارز عن الحقيقية المميزة للعلوم الإنسانية، لأنها لا تمت بأي صلة إلى المنهج، و تُكتسب عبر نوع من الحساسية و الرقة، أي أنها حقائق لا يتم تعلمها، بل تتشكل ويتم تثقيفها .
للمزيد من الاطلاع، انظر: الحقيقة و المنهج، ص: 57 – 69.
6- Gadamer In Conversation, Ed: Richard E. Palmer, Yale university press, New Haven &London, p:42.
* يتهم الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس هرمنيوطيقا غادامر، بأنها كرست نوعاً من القطيعة والعدائية، تجاه المنهج العلمي وفكرة الموضوعية، وذلك على حساب التراث والتقليد، لذلك فكثيراً ما نرى هابرماس يصف غادامر بالفيلسوف المحافظ.
لكننا نؤكد أن غادامر لم ينفِ المنهج نفياً نهائياً، وإنما أراد فقط أن يوسع من مجال الفهم في العلوم الإنسانية، بما يكفل إقصاء التعارض بين الذاتي والموضوعي في عملية المعرفة، لذلك أعتقد أن هابرماس يسيء فهم ما ذهب إليه غادامر حينما يتهمه بالعدائية للعلم والمنهج، فعلى العكس تماماً من رؤية هابرماس فإن إصرار غادامر على أولوية سؤال الحقيقة، يجب أن يفهم بوصفه محاولة للحيلولة دون السقوط في فخ اليقين الذاتي أو الدوغمائية المنهجية، فمهمة الهرمنيوطيقا هي الارتقاء بالعلاقة مع التراث، من علاقة هيمنة إلى علاقة مشاركة وتفاهم.
وليفهمني القارئ جيداً: إن المسألة بالنسبة لهرمنيوطيقا غادامر، ليست مسألة صلاحية أو عدم صلاحية المنهج في حد ذاته، و إنما هي مسألة مقاربة فلسفية ترى أن الفهم الأصيل لشيء ما، إنما يتقوم بلغة الحقيقة و الوجود، وليس بقابلية التحقق المنهجي، لذلك سيظل المنهج دائماً، دون مستوى التحدي، الذي تطرحه العلوم الإنسانية.
للاطلاع على المناظرة بين غادامير- هابرماس، انظر: ديفيد كوزنز هوي، الحلقة النقدية، تر:خالدة حامد، دار الجمل، بغداد:،2007ص:168 وما بعدها.
7- Palmer, Richard E. Hermeneutics, Northwestern University Press, Evanstone:1969, p:247
.
8- Ibid: p: 247.
9- Grondan, Jean. The Philosophy of Gadamer, McGill-Queen’s University Press, Montreal&Kingston:2003, p:19.
10 – Palmer, Richard E. Hermeneutics, Northwestern University Press,
Evanstone:1969, p:165
* ربما علينا التنويه أن انتقادات غادامر للحداثة، ليست موجهة للحداثة في حد ذاتها، بقدر ما هي موجهة نحو المبدأ الذي قامت عليه؛ أي مبدأ “الذاتية”، و الحقيقة أن هذا الإجراء هو تقليد فلسفي ما بعد حداثي، أسس له نيتشه و من بعده هايدغر، ثم جرى تبنيه من قبل الكثير من الفلاسفة مثل فوكو، ديريدا، ريكور رورتي، و آخرون.
11 – احمد، إبراهيم. انطولوجيا اللغة عند مارتن هايدجر، ط1،الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت: 2008، ص: 126.
12- غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج، تر:حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، ط1، طرابلس:2007، ص:36.
13 -E. Ling, David, introduction of PHILOSOPHICAL HERMENUTICS, Hans George Gadamer, university of California press, 1977, p:xi.
14 – ناصر، عمارة. اللغة والتأويل، ط1، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت: 2007، ص: 15.
15 – سيد أحمد، محمود. دلتاي وفلسفة الحياة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة: 1990، ص:11. بتصرف
* أي النظر إليها كما لو كانت ظاهرة طبيعية.
16- غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج، تر: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، ط1، طرابلس:2007، ص: 28.
* في إشارة للهرمنيوطيقا الكلاسيكية، لاسيما كما تبلورت عند كل من شلايرماخر ودلتاي
ومع أن غادامر لا ينكر أن هذه المحاولات التي سبقته، قد حاولت البحث عن هامش لاستقلال للعلوم الإنسانية، إلا أن هذه المحاولات، كما يصف غادامر نفسه، اختزلت نفسها في هرمنيوطيقا قواعدية، ولم تسلم من تأثير مناهج العلوم الطبيعية.
لمزيد من الاطلاع، انظر: الحقيقة والمنهج، ص:270 وما بعدها.
17 – ريكور، بول. من النص إلى الفعل، تر: محمد برادة، حسان بورقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، ط1، القاهرة:2001، ص:74.
* من العلم “أي الرأي القائل بقدرة العلم وحده على تحري الدقة والموضوعية.
18 – Weinsheimer, Joel, Gadamer’s Hermeneutics, A Reading of Truth and Method ,Yale University Press, New Haven and London:1985 ,p:41.
19 – Palmer, Richard E. Hermeneutics, Northwestern University Press,
Evanstone:1969, p:194.
20 – غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج، تر: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، ط1، طرابلس:2007، ص:29-30
21 – ريكور، بول. من النص إلى الفعل، تر: محمد برادة، حسان بو رقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية و الاجتماعية، ط1، القاهرة:2001، ص : 120.
22 – حسن، ماهر عبد المحسن. جادامر مفهوم الوعي الجمالي، دار التنوير، بيروت:2009، ص:16.
23 – سيد احمد، محمود. هرمنيوطيقا جادامر والتواصل مع الآخر، عالم الفكر، ع:4، مج:37، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت:2009، ص:258.
24- Rorty, Richard. Philosophy and The Mirror of Nature, Princeton university press, Princeton:1979, p:325.
25- سيد احمد، محمود. هرمنيوطيقا جادامر والتواصل مع الآخر، عالم الفكر، ع:4، مج:37، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت:2009، ص:261.
* لفهم قصيدة ما على سبيل المثال: يمكننا تأمل هذه القصيدة بدقة، و مقارنتها بغيرها من القصائد، يمكننا معرفة بحرها الشعري و معرفة المدرسة الشعرية التي تنتمي إليها و يمكننا من جهة أخرى البحث عن كل الصور و الاستعارات التي تحتويها، و مناقشة كل التفاصيل المتعلقة بهذه القصيدة.
قد نكون بنيويين إذا بحثنا عن جملة العناصر المشكلة لبنية هذه القصيدة، وقد نكون سيميائيين إذا بحثنا عن إشاراتها و رموزها.
كل هذا الاشتغال على القصيدة قد يكون ممتعاً و مفيداً، غير أن شيئاً واحداً لا نحققه بذلك “الفهم”، فإذا أردنا الوصول في وقت من الأوقات إلى الفهم الحقيقي لهذه القصيدة، يجب علينا أن نتماهى معها و أن ننصهر في آفاقها، لكي نلج إلى عمقها الانطولوجي.
قد تثبت كل المعلومات والإجراءات السابقة أنها صحيحة، ولكن لا يمكن لكل هذه النظريات والمناهج أن تعوض عن الدخول، إلى عالم القصيدة نفسه، الذي يبقى عصياً عن أي منهج أو تكنيك.
يفترض بهذه الملاحظة أن تلفت الانتباه – ولو نسبياً- إلى الفارق بين الفهم الابستمولوجي القائم على التقنيات والآليات، وبين الفهم الانطولوجي القائم على المشاركة والحوار.