بقلم : رفعت العلان
القارىء للادب بشكل عام والرواية بشكل خاص وفاته قراءة أي من اعمال البير كامو الروائية، فقد فاته شيء مهم، ان قراءة اعمال البير كامو تعد ائراء مهما للعقل وغذاء للروح وتحديدا الروح الحساسة المتعبة وكذلك النفس المتأثرة، وان ما زلت مقبلا على القراءة والثقافة عليك برائعة عالم الرواية الفلسفية والعبثية المتمردة واكثر الرويات العالمية انتشارا، رواية «الغريب»، وكذلك اعمال كامو الاخرى.

«الغريب»هذا النوع من السرد الذي يكون بعيدا عن التدرج الزمني والتحليل المنطقي، حينا يظهر على أنه غريب اجتماعيا وحينًا آخر يظهر انه غريب فكريا، لذلك يتجنب أسلوب التحليل والتعليل، في الوقت ذاته يظهر تفككا بسيطا ًفي بناء الجمل ليبين قاصدا أن العالم عبثي لا معنى له.
امتداد الرواية بين الماضي والحاضر يعطي أحداث الرواية صفة الاستمرارية من ساعة وقوعها حتى ساعة سردها على لسان بطلها، لذا تنتمي رواية الغريب الى النهج العدمي، لأن كامو يصور فيها الخواء الإنساني بالوان سوداء على لوحة سوداء.
رواية الغريب مطابقة تماما لمبادىء الأدب، فقد كتبت من اجل «غير المعقول وضد غير المعقول»، وان كنت شابا يافعا ولم تتأثر بقراءة رواية»الغريب» من اول مرة ولو لايام، يجب قراءتها ثانية او ثالثة الى ان تصل الى حالة من العبثية واللامبالاة والعدمية الممتعة.
ارتبطَ اسم البير كامو بالعبث والتحدي واللامباللاة، وقد أُسِّستْ الكثير من المدارسِ لتدريسِ هذا النمط الأدبي الذي ظهر في منتصف القرنِ التاسع عشر بعد أحداث الحرب العالمية الثانية ومخلفاته في النفوسِ والأفكارِ ونظمِ الحياة.
عند التحول من كتابة المقالة الى كتابة الادب في تلك المرحلة التي عاش فيها البير كامو، تسمى التحول من العبث الى الثورة اي من كتابةِ المقال إلى الرواية كما فعل كامو.
نراه يكرس نفسه للكتابة وقد اتخذت أعماله اتجاهينِ هما العبث والتمرد.
عن أخلاقية العبث يقول كامو: «إن الاحساس يخدع»، حين نعي ذلك تماماً فانه يقودنا لفكرة أن الانسان حر وعليه أن يتمتع بالسعادةِ في الحياة وأن يحصد نتيجةِ أعماله، طرحِ كامو هذه الأفكار من خلال اعماله، أسطورةِ سيزيف ورواية الغريب ومسرحية كاليغولا ومسرحية سوء فهم.
بدا كامو كأنه متخصص في علم النفسٍ وألاخلاقٍ بمقولة «هل ثمة في الحياة ما يستحق العيش؟» كثر هم الذين يسألون هذا السؤال، والأكثر من يجيب بالنفي.
عادة يكون معنى الحياة في ما يقوم به الانسان من أعمالٍ تفرضها العادات، ثم جاءه الانتحار ليطرح عليه سؤالا هاما عن معنى هذه الحياة، «لان الموت الاختياري يجب أن يعلم الشكل الساخرِ لتلك العادات، وأن غياب التفكيرٍ العميقٍ لمعنى الحياة هو الشكل الآخر لهذه التصرفات العادية، بالتالي ما جدوى المعاناة آنذاك؟ بالتأكيد ما من جدوى».
يقول كامو: شعور العبث ان الحياة بدون هدف، مجرد روتين يومي وأعمال متكررة، الأشياء ذاتها والمواعيد وأيام العطل وأيام العمل والأعياد واشياء كثيرة تسير وِفقَ ايقاعٍ واحد، بذلك تولد شعورا بالعداوة البدائية للعالم الذي نشعر تجاهه بالغربة، وأن الزمن الذي يقودنا لمضاعفة جهودنا هو عدونا الأول، وأن حقيقة الموت تكشف لنا عبثية الحياة، والعقل بطريقته الخاصة يقول لنا أن هذا العالم عبثي.
ويقول: «بالعبث توصلت لنتائج ثلاث؛ تمردي وحريتي ورغبتي ــ وعن طريق لعبة المعرفة استطعت أن أُغير كل ما يدعو للموت في قواعدِ الحياة التي أرفضها على أنها الانتحار ذاته، اما التعريف العام للعبث: هو ذاك الصراع القائم بين مظهر العالم اللاعقلاني وتلك الرغبة المضطربة حول الصفاء والوضوح، فالعبث يكمن في وجود الانسان والعالم المشترك، وهو ينشأُ بتناقضِ الطرفين، والرابطة الوحيدة بينهما هي اللامنطقي والحنين الانساني والعبث ذاته، تلك هي شخصيات الدراما الثلاث التي يجب أن تنتهي بشكلٍ منطقي.
التحدي «التمرد» يقول كامو: في هذا المجال «إن العبث لا يحرر الشخص بل يقيِده، وهو لا يضبطُ الأفعال بل يحقِق المساواة والتكافؤ» حيث ان التمرد يحقق للحياةِ قيمتها وعظمتها، لأنه يحرض التفكير واعتزاز الانسان بأمورٍ عدة في حقيقة تتجاوزه ذاته.
و يضيف: العبث لا يوصي بالجريمة لأنها عمل تافهٌ وسخيف، والندم لا جدوى منه.
الانسان وحده الذي يرسم نهايته الخاصة به، ومن بين أعماله هناك ما يخدم البشرية وما يضر بها، ومن خلال هذه النزعة الانسانية تحرك فكر البير كامو واستطاع تغيير الرأي إلى الارتقاء و التطور، وعلى الانسان ان يجمع بين العقل والجنون، بين الفوضى والرتابة، بين التوتر والاستقرار ويكون سلاحه في ذلك، التمرد.
ليس بوسع احد ان يتحدث عن كامو دون سارتر حيث ان اسميهما اقترنا بالوجودية وفيما بعد انفصلا فصلا عميقا في الفكر والصداقة.
كامو يتجه نحو: «اننا غير مسؤولين عن أمنا وابينا او اسمنا او ديننا، كلها حصلت قبل وجودنا اما المستقبل او المصير فنحن مسؤولون عنه وعلينا ان نقرره ونختاره وهذه هي الحرية المسؤولة».
فيما يتجه سارتر نحو: «ان الحرية هي الرعب»، يتجه كامو نحو: «التكاتف الانساني». ويعود سارتر للاتجاه نحو: «الاخرون هم الجحيم».
ويرى كامو: «عندما يبارك الاسقف حكم الاعدام، يكون في رأيي قد تخلى عن دينه، وحتى عن انسانيته». اما سارتر فيرى: «اننا نعيش في عالم مليء بالشر، ولهذا فاننا لا نستطيع ان نسيطر عليه الا اذا كنا قساة ولوثنا ايدينا بالجريمة».
بهذا اعلن كامو انفصاله التام عن الشيوعية، فارسل اليه سارتر برسالة من ضمنها: «هناك اشياء كثيرة تربط بيننا واخرى قليلة تفرق بيننا ولكن هذه الاشياء القليلة بالغة الخطورة بحيث اصبح من المستحيل ان نلتقي».
حصل كامو على نوبل مبكرا وايضا مات مبكرا فقال سارتر: «انه كان احد اهم اخلاقيي العصر الكبار». وقال عن روايته الكبرى «الغريب» : «ما كاد غريب البير كامو يخرج من المطبعة حتى نال اكبر قيمة دفعت الكثيرين الى القول بأنه خير كتاب صدر بعد الهدنة، وانه في وسط النتاج الادبي لهذه الايام، فقد تلقيناه في الطرف الاخر من ضفة البحر المتوسط، ليحدثنا عن الشمس في ذلك الربيع الشاعري الذي لا يعكره غبار الفحم».
المعضلة الكبرى التي واجهت البير كامو، التمرد والموت، وهو الكاره لكل اشكال الموت والمرض الذي عادة يمهد للموت، لقد تعلق كامو بالحياة الى درجة لا يمكن تخيلها، وفي ذروة هذا التعلق بالحياة كتب: «كل رعبي من الموت يكمن في غيرتي على الحياة، انني غيور ممن سيعيشون من بعدي، وممن سيكون للازهار والشهوات تجاه المرأة معنى من لحم ودم، انني حسود لانني احب الحياة حبا جما لا استطيع معه الا ان اكون انانيا، ولكن الموت يأتي ليخطف كل شيء».
«اما المرض فهو الاسوأ، انه دواء ضد الموت، انه يمهد له، انه يخلق الاشفاق على الذات، في مرحلته الاولى انه يدعم الانسان في جهده الكبير في التهرب من يقينه، وأنه سيموت كاملا، واشعر عندئذ ان التقدم الحقيقي الوحيد للحضارة، التقدم الذي يتعلق به البشر من زمن لآخر، هو ان نبدع ميتات واعية ومحترمة. ان ما يدهشني دوما هو فقر افكارنا عن الموت».
يقول كامو: «هناك نوع من التفاؤل، مؤكد ليس من سجاياي، لقد ترعرعنا انا وسائر ابناء جيلي على قرع طبول الحرب العالمية الاولى وقد تابع التاريخ منذ ذلك الحين حكاية القتل والجور والعنف، الا ان التشاؤم الحقيقي كالذي نراه اليوم يكمن في استغلال هذه الوحشية والخزي، وفي ما يتعلق بي فقد ناضلت من دون هوادة ضد هذا الانحطاط، لست اكره الا اولئك المتوحشين، وفي احلك اعماق عدميتنا لم اكن انشد سوى الطريق لتجاوز العدمية».
يتحدث كامو عن الموت من خلال موت الآخرين وعندما يتحدث عن نفسه لا ينجح في تصوير هذا الموت ولكنه يرى ان الابداع هو خير وسيلة لمجابهة الموت، انه الموت الواعي والناضج.
«اقول في نفسي، سأموت، لكن هذا لا يعني شيئا لأنني لا اتوصل الى الاعتقاد به، ولا يمكن ان تكون لي الا تجربة موت الاخرين، لقد رأيت اناسا يموتون، رأيت كلابا تموت، وكان لمسها هو الذي يبلبلني، وحينها يتبادر الى ذهني: الازهار، الابتسامات، الشهوات للمرأة، اريد ان احمل صحوي حتى الثمالة وان انظر الى نهايتي بكل اسراف غيرتي وسعادتي، وبمقدار ما انفصل عن العالم اخاف من الموت، لكن هذا الصوت الراجف يموت مبكرا وينفصل تماما عن العالم. المفارقة الغريبة ان البير كامو في ذروة احتفاله بجائزة نوبل للآداب وذروة التألق العالمي والمجد والشهرة والثروة يسير مع صديق له، وفجأة، تصطدم سيارتهما بجذع شجرة على طرف الطريق ويكون كامو هو المفارق للحياة في هذا الحادث الذي غدا عالميا في عام 1962.
ولد كامو في الجزائر 1913 وبعد عامٍ واحد من وفاة والده في الحرب العالمية الأولى، تولت والدته الاسبانية الأصل تربيته في المنزل البسيط الكائن في حي شعبي في الجزائر، حصلَ على البكالوريا، وقامَ بأعمال إدارية وتجارية لمتابعةِ دراساته الفلسفية.
************************
المصدر : ملاحق جريدة المدى 27-05-2011

Advertisements