الكتابة الأليغورية -فجر البدايات وخيبة الفلسفة الأوروبية

يحيى بن الوليد
تستعد بعض الأوساط العلمية، في فرنسا، للاحتفاء بالجوانب العلمية للسيدة ماري سيسيل ديفور المليح، وذلك في إطار الذكرى الأولى لوفاتها. وللإشارة فهي زوج الكاتب المغربي اليهودي إدمون عمران المليح الذي غطى على شهرتها خصوصا وأنها ذات تكوين فلسفي صلب حتى وإن كانت قد ركزت أغلب جهودها على فالتر بنيامين (1892-1940) أحد أبرز الأعضاء في مدرسة فرانكفورت الألمانية وإن كان حضوره فيها قد ظل “هامشيا” مقارنة بباقي أعضائها. ويبقى أن نشير هنا إلى مدى صعوبة قراءة فالتر بنيامين، بحكم الطابع الكلي والمتنوع لأعمله وكثرة الذين درسوه مما يشكل مكتبة مستقلة. ويبقى أن نشير كذلك إلى مدى تميز ماري سيسيل ديفور على هذا المستوى، وهو ما يبدو جليا من خلال كتابها الأخير الكتابة الأليغورية L’écriture Allégorique الذي صدر بعد وفاتها ببضعة أشهر. وهنا وقفة عند هذا الكتاب الغني إسهاما منا في نقاش “نقد الحداثة” الذي بدا لنا مهيمنا على باب “دراسات وأبحاث” من مجلة فكر ونقد.
خلال العام الماضي وعلى وجه التحديد في يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر نوفمبر العام 1998 فارقت الحياة السيدة ماري سيسيل ديفور المليح صديقة المغرب ومدرسة الفلسفة في جامعة السوربون. وهي التي لم تكن تفارق زوجها إدمون عمران المليح. ولذلك ليس من الغريب في شيء أن يقدم هذا الأخير لكتابها

[1] الذي سلفت الإشارة إليه قبل قليل. ويظهر أنه ثمة أكثر من علامة تجمع بينهما، في دنيا الكتابة، بدءا من التركيز على موضوع الكتابة ذاته الذي كرس له إدمون عمران المليح كتابه الأخير المقهى الأزرق (Café Bleu) وانتهاء بطريقة الكتابة المفتوحة التي تميزهما معا في أثناء تعاطيهما لبعض القضايا والمواضيع. هذا بالإضافة إلى أن هذه الكتابة غير مأخوذة إلى “سعار” المفاهيم حتى وإن كانت هذه المفاهيم تحضر بشكل مندغم ومنجدل في عمق الكتابة والتحليل.
ويصوغ إدمون عمران المليح، في نص التقديم، وبتركيز شديد، مجموعة من الملاحظات حول الاهتمامات الفلسفية عند ماري سيسيل ديفور. وأول ما يلفتنا إليه ثقل فالتر بنيامين (1892-1940) ومكانته اللافتة في اهتماماتها. وبعد ذلك يشير إلى أن الكتاب يتضمن بحثين هما: (رسالة إلى ديكارت) و(الكتابة الأليغورية)، ويرى أن هناك ما يقرب من عقد من الزمن يفصل بينهما لكن مع ذلك تظل العلاقة وطيدة بينهما، فكلاهما يستجيب للآخر ثم إن الجمع بينهما حاسم بالنسبة لها. وليست هذه أول مرة تخوض فيها صاحبة الكتاب في موضوع الأليغوريا، فلقد ظلت هذه الأخيرة مثل البذرة في كتاباتها السابقة، البذرة التي تنتظر موتها كي تنمو. ولقد استطاعت سيسيل، في فترة التقاعد، والصمت أيضا، أن تشتغل أحسن على عمل بنيامين الذي أخذت عنه ممارسة القراءة-الكتابة. بنيامين الذي هرب من النازية وكانت نهايته مأساوية في السادس والعشرين من شهر سبتمبر العام 1940 في الحدود الفرنسية الإسبانية وعلى وجه التحديد في جسر (Prot-Bon)[2]. دون أن نغفل أن فكره يثير شكوكا كثيرة متصلة بـ “الإيديولوجية الصهيونية”، هذا بالإضافة إلى أن هناك من ينعته بـ”حاخام ماركسي” و”مادي مسيحي”… وسبب ذلك مقاربته الجديدة للتاريخ. غير أن ما يتفق عليه الكثير من دارسيه هو أن فكره يظل دوما في حاجة إلى من يكتشفه، وفي موازاة ذلك يظل في حاجة إلى تلك القراءات الهادئة كما يعلق أحد المهتمين به[3].
ولكي نعود إلى نص التقديم فإن إدراك التاريخ، عند بنيامين، لا يأخذ معناه وحقيقته إلا من خلال الحاضر، مما يقود إلى الوقوف عند حجم الصدام بين هذا الحاضر وما جرى في الماضي. وأهمية فكر بنيامين تكمن في أنه يقود إلى التفكير في إنقاذ الحاضر وانتزاعه من التكرار والموت اللذين نتجا عن هيمنة الإيديولوجيا وأساطير العالم المعاصر… ومثل هذا النوع من الاشتغال الفلسفي يدرجه إدمون عمران المليح ضمن ما يسميه بـ “الفلسفة المتطفلة”[4] التي يقول بأنها تتغذى أبدا من التأويلات الضرورية لكبار الفلاسفة. وفي السياق ذاته يشير إلى الجرأة الهادئة والثقة المحتدمة التي تميز تعامل سيسيل ديفور مع فكر بنيامين، مما جعلها تتوصل إلى قمم هذا الجبل-الفكر. وكما يشير إلى تركيزها على عصر النهضة حيث سر اللغة الخفي، والأدب الذي “نحيا به”، والإبداع المطلق. وهو ما يصدم الذهن العلمي أو الذهن الفلسفي ذاته. تلك إذن هي أهم الملاحظات لأدمون عمران المليح حول رحلة سيسيل ديفور في أعمال فالتر بنيامين الذي ظل –كما يقول بيانسيوتي عنه- يتسكع في حدود المذاهب المتصارعة من تاريخ وسوسيولوجيا واستيتيقا وتيولوجيا.
وأول ما تشير إليه صاحبة الكتاب في نص الرسالة (رسالة إلى ديكارت) -التي جاءت على غير لسان ماري سيسيل ديفور- هو الكتابات الكثيرة عن الفيلسوف الفرنسي، غير أن الأهم ليس هو العدد كما تضيف. وويل للذين يقرؤونه ممن لا يقدرون على قراءة ما بين السطور. وعلى الرغم من الفترة الزمنية التي تفصل بين القرن السابع عشر ونهاية القرن فما زال لديكارت حضور كبير. ولذلك ما الذي يمكن أن يقوله لنا؟ أسئلته، أجوبته التي تظهر أنها غير قادرة على أن تكون أجوبتنا. لكن من أين له هذا الحضور القوي. وهل يمكن له أن يضيء ذاتي كما تقول صاحبة الرسالة. وعلى مستوى آخر فهي تذكره بالتعسف الذي ألحقه به التعليم المنحط. وقبل ذلك تذكره بأستاذه مونتين الذي كان يقرؤه حفنة في مدرسة (La Flêche). كما تذكره بعصره الجديد (وقتذاك) الذي سيظهر فيه ما سيكون أفضل وأخطر ما في هذا العالم: سلطة العقل، العقل الذي سيسوي بين الناس. وكذلك الحرية التي ستكشف عن نفسها، عند ديكارت دائما، في شكل فكرة-قوة. وتذكره أيضا بما كان قد تصوره من أن العلم الجديد قادر على جعل الإنسان سيدا ومالكا للطبيعة، سيدا ومالكا لنفسه أيضا، ومؤكدا وجوده في فكره.
لكن سرعان ما تتغير لهجة الرسالة تجاه ديكارت إذ ما الذي يمكن أن نفعله في عصر أخذ فيه الكل ينهار؟ عصر لم نعد نرى فيه قيما جديدة تظهر. إضافة إلى مشكلة الإنسان التي طرحت بقوة. الإنسان الذي هو لا شيء كما قال مونتين، والذي هو كل شيء كما يقول ديكارت. عدا ما انتهى إليه العقل ذاته أمام آلة الخراب. فنحن نمر بمرحلة حرجة بالنسبة للإنسانية جمعاء… حيث الحرية/حرية الفكر، التي طالب بها ديكارت، صارت مهددة في جميع بلدان العالم ومن جميع الجهات وبأشكال مختلفة. وباسم العقلانية يتم إسكات الأشخاص، وطمس الحرية. نحن الآن في أزمة أعمق من أزمة القرن السادس عشر، القرن الذي جاء بعده ديكارت، طالما أن القيم انقلبت إلى ضدها. فالحرية صارت فخا يأسر الإنسان، والعقل لم يعد قوة للحرية بل صار –ولا يزال- قوة للاضطهاد. وكما أن ظهور الأنساق التوتاليتارية ليس طارئا، فالمنطق التوتاليتاري منكتب في قلب تطور الديمقراطيات الأكثر تقدما. وقد حصل ذلك عندما تم تدمير حرية العلاقة بين الإنسان وذاته، وبينه وبين المجموعات التي ينتمي إليها؛ وعندما تم تدمير حرية الكلام المتبادل وبالتالي جعل الانفعالية واللامبالاة القانون الكلي تجاه الآخر.
وكما أن المشهد التاريخي صار مشهدا للتكرار والعجز، صار المشهد السياسي مكانا للموالفة (أو التوليف) (Bricolage) والمغامرة والمغامرين. العالم، الذي كان شابا، في فترة ديكارت، مات، ولا يزال يموت؛ هذا الموت الذي نحياه، نحن أموات أحياء. إنه الارتداد إلى الحالة الحيوانية التي يعرض لها كافكا، والتي هي حقيقة زمننا. إضافة إلى ما كان قد جعله كافكا نفسه، تبعا لملاحظة أدورنو، من “وجود ما قبل-إنساني” يطفو على سطح الفرد والمجتمع. تلك إذن هي صورة العالم البورجوازي الذي لم يتوقف عن الموت-الموت اللامحدود، تلك هي حقيقة جهنم. كذلك التاريخ الذي جاوز حدوده، لأنه بدون مطلب التقدم الذي نادى به لا يمكن له أن يفكر كتاريخ، ليس له مكان. لقد حصل العكس فصار التاريخ قناعا للتكرار، من هنا وجه جهنم أيضا. ولذلك ينبغي ابتكار فكر آخر، ولغة جديدة. وربما ديكارتنا (Notre Descartes) لم يولد بعد.
أما الرسالة الثانية فتفتح بانتظار ديكارت جديد. وبعد ذلك تتم الإشارة إلى الأصل الأوروبي الذي جعل صاحبة الرسالة تخلط بين ظهور الفلسفة المفهومية (conceptuelle) العقلانية الغربية وظهور الفلسفة بشكل عام. وهي بذلك تريد أن تستدرك أن الفلسفة الأولى لا تعدو أن تكون مجرد جزء من الثانية. وفي هذا السياق تشير إلى أن بنيامين أفهمها أنه كم من مرة كانت قراءة ديكارت لا تحيد عن الأصل الغربي طالما أنها (أي القراءة) كانت مركوزة في المفاهيم. إننا انفصلنا عن أصولنا، كما تقول، عن ولادتنا الأصلية، عن اللغة التي ولدنا بها والتي كانت مصدر إنسانيتنا. وبإهمالنا اللغة ضيعنا عالم التخيل وعالم الفن، مثلما تسرب العجز إلى اللغة بسبب المفاهيم والبناء العقلاني. من هنا التساؤل حول العصر الكلاسيكي الذي نتج عنه الغرب. كيف أمكن لهذا العصر أن يؤدي إلى الأزمنة الحديثة بعد أن رسم نهاية النهضة. وكيف تمكنت أوروبا من تشكيل هذه السلطة الفادحة والمدمرة لبقية الكوكب. من هنا ينبغي التفكير في النهضة. وهو ما يقود، في نظر ماري سيسيل ديفور دائما، إلى ما يسميه بنيامين اليقظة التي هي قرينة اللغة والكتابة الأليغورية… خصوصا وأن تاريخ العصور القديمة لم يكن مليئا بالصراعات والحروب الدينية. ثم إن الأليغوريا لا تنبثق من الرغبة المنحدرة من الوعي، فهي تظهر من الحب والاسم، الاسم الذي لم نبتدعه لكننا تلقيناه، أعطي لنا وبواسطته ننتمي للإنسانية، ونكون قادرين على الحب وأن نكون موضع حب من طرف الآخرين. ولذلك ينبغي وضع ديكارت نفسه موضع السؤال. ديكارت الذي صارت العقلانية، ومن خلاله، مثل نموذج كوني للمعرفة يلغي كل شكل قديم أو غريب. من هنا (كان) ضياع فجر البدايات، وفي مقابل ذلك الانغلاق في التسلطية (Autoritarisme).
وفي ما يتعلق بالكتابة الأليغورية، ومن منظور بنيامين، تقول بأن الشذرات البارقة لهذا الأخير تتيح الوقوف عند مفهومين يقعان في قلب هذا المنظور، وهما: الأليغوريا واليقظة، وهذان المفهومان مترابطان، ولا يمكن فهمأحدهما بمعزل عن الآخر. والأليغوريا، في عبارة الكتابة الأليغورية، لا تعني البتة أنها مجرد أداة لهذه الكتابة. فهي لا صلة لها بما هو خارج عنها، هي أليغوريا وكتابة في نفس الآن. هي، في جوهرها، كتابة. ولقد وقعنا، كما تقول سيسيل ديفور، في خطأ أصلي يبدأ تاريخه من القطيعة المتعجرفة مع الأليغوريا، وذلك عندما أردنا استبدالها بالمفهوم مع أن هذا الأخير ناتج عنها.
وتظهر الأليغوريا من الوحدة الديالكتيكية بين المفاهيم، مثلما تظهر من القوانين الذاتية لهذه الوحدة.. وفي التحليل الأخير فهي تظهر من اللغة: هي كتابة. لكن أي نوع من الكتابة؟ وهنا تميز صاحبة الكتاب بين الكتابة التأملية والكتابة المفهومية، ومن الجلي إذن أن تميل إلى الكتابة التأملية التي تجعل من الإصغاء العاشق للشيء المحسوس العنصر الأساس للإبداع الفني وإدراكه. وفي هذا السياق إذا كانت اللغة صيغة للوجود والتفكير فهي صيغة للكتابة أيضا. غير أن التبدلات، التي مست إنسان العصر الكلاسيكي، حصرت اللغة في الوظيفة الأداتية والزخرفية. ولذلك فإن ما سعى إليه بنيامين هو بعث الأليغوريا، حقيقة انتمائها للإنسانية والتاريخ، من هنا ضرورة العودة إلى ما كانت عليه الأليغوريا في الماضي حيث زمن الحقيقة وزمن التاريخ.
والغاية من بعث الأليغوريا ليست من أجل تمجيد الماضي، بل من أجل الإنسانية-يقظة وولادة جديدتين. وهي قد تضيء حداثتنا، قد توقظها في النهاية. وكما أن الفكر المفهومي لا يعرف إلا النثر في خاصيته النفعية، وفي مقابل ذلك فهو يتجاهل الشعر الذي يقوم على تعارض الدلالات واللعب بالكلمات… وهنا يمكن أن نفهم الخاصية التثويرية للأليغوريا، وإرادة الهدم التي تغذي قصديتها. وإذا كانت الصور القديمة تغلقنا في الماضي فإن الصور الجدلية تخلصنا من هذا الانغلاق. وهذا هو العجز الذي ينبغي تفاديه. ثم إن تصورات بنيامين تفيد أن نقد الحداثة لا يفارق الحداثة ذاتها بله هو جزء منها. وضمن الكتابة الأليغورية تتأكد أهمية هولدرلين ومالارميه وبروست وجويس وكافكا وأرتو والسوريالين وجان جنيه وبودلير[5]. هذه هي الكتابة التي ينبغي أن تنقذ (بالفتحة على القاف). من هنا السعي إلى الانتماء إلى لغة ما قبل الحداثة، ومن هنا كذلك خيبة الفيلسوف الأليغوري الذي يريد أن يظهر على السطح الاجتماعي والسياسي من أجل الإنسانية جمعاء. وفي هذا الصدد فإن بنيامين فتح مسالك جديدة للفكر والكتابة الغريبين، مسالك الكتابة الأليغورية التي لا يبقى إلا أن نلتزم بها.
وتواصل صاحبة الكتاب حديثها عن الكتابة، وتقول بأن العلامات هي التي تشكلها. لكنها تستدرك قائلة بأننا ضيعنا اللغة بسبب هذا التعريف، وأرغمناها على أن تكون مجرد أداة في خدمة الفكر المفهومي، من هنا مناداتها بالعودة إلى ما قبل السقوط، الماضي، زمن النهضة. والكتابة هي التي تسترد الأليغوريا، وليس الفكر المفهومي، إنها العودة إلى الأصل. إلا أن الأصل، عند بنيامين، وتبعا لأفلاطون، ليس سؤالا تاريخيا، ليس سؤال السبب كما يعلمنا العلم، إنه سؤال الكائن ذاته. إنها الفكرة الأفلاطونية حول الاسم الذي يتضمن، في ذاته، صيرورته المخصوصة. إنها اليقظة للأصل، اليقظة نحو التاريخ، اليقظة التي تقودنا إليها اللغة والكتابة. والأليغوريا هي حركة الكتابة الصاعدة نحو نبعها الذي هو نبع الكتابة. ذاك الأصل الذي لا يمكن الوصول إليه، الأصل الذي بدونه تختفي الكتابة. ويبقى أن نفهم كيف أن اليقظة هي هذه العودة للتاريخ، اليقظة نحو التاريخ وإلى التاريخ، العودة إلى الأصل. وكيف أن اليقظة هي وظيفة الكتابة، الكتابة التي ليست إرثا لأحد أو طبقة اجتماعية، الكتابة التي هي للجميع: يوطوبيا مجتمع بدون طبقة بالمعنى الماركسي للكلمة. وهو ما يقود إلى الحقيقة التي تنأى عن أي نوع من القدصية. فالحقيقة كائن بدون قصدية، القصدية التي تتشكل من خلال الأفكار. وفي هذا الصدد يمكن أن نضيف مع إحدى دراسات فالتر بنيامين أن الكتابة، في الأليغوريا، هي على وجه التحديد هذا الشيء الذي يبقى مثل طيف، ومثل ظل مرتبط بخطاب يهرب إلى الأمام (أمامه)[6].
وعلى مستوى آخر تتحدث ماري سيسيل ديفور عن البعد الإنساني والبعد الروحي والأخلاق. وكيف أن هذا البعد هو ما ينقصنا لكي نفهم، وبعمق، ما يمكن أن تكون عليه الأليغوريا واليقظة. وهو البعد الذي اختفى منذ نهاية النهضة بسبب اللامبالاة تجاه علامات اللغة. وفي هذا السياق تحدثنا عن موت أوروبا، وهو خطاب ألفناه، ويدخل في إطار خطابات النهايات؛ غير أن صاحبة الكتاب تبدو متميزة على هذا المستوى. فأوروبا هي نفسها التي أعلنت موتها، وحصل ذلك منذ فجر العصر الكلاسيكي وعندما قررت تجاهل الآخر. وهنا تظهر –لصاحبة الكتابة- أهمية فكر ليفيناس الذي تلمس فيه بعدا يصدع الأنطولوجيا وانغلاق الكائن. ثم إن أنطولوجيا مارتن هيدغر، التي نجحت في إظهار الاتجاهات العميقة للفلسفة الغربية، لا تخلو، في توجهها الباطني، من التوتاليتارية. ولذلك فإن فكر ليفيناس نجح في إصلاح الأخلاق. الأخلاق القادرة –بلغة سيسيل ديفور- على إنقاذنا، وذلك من خلال الاعتراف بالآخر. غير أن الاعتراف بالآخر ليس خلطا أو توحدا به. الآخر هو آخر. وهو مختلف وينبغي أن يكون ذلك حتى يتحقق التفاعل الذاتي (Intersubjectivité). إنه الاعتراف بواقع الآخر. من هنا منشأ اليقظة، يقظة ماري سيسيل ديفور هذه المرة.
وفي البحث الأخير من الكتاب، والمتعلق بـ”النص والصورة”، تشير صاحبته إلى فكرة مهمة تتعلق باستقبال فكر بنيامين بفرنسا. وتلاحظ أنه جاء متأخرا ومتناقضا، وهي ترد ذلك إلى المؤولين المخلصين للتقاليد والتابوهات الجامعية، مما أوجد فكر بنيامين ضمن ثنائيات تريد أن تأسره داخل الشيوعية أو الصهيونية، المادية الملحدة أو الفكر الصهيوني. وفي البحث نفسه تدعو صاحبة الكتابة إلى التفكير في القطيعة التي ابتدأت من القرن السابع عشر إلى العصر الكلاسيكي، وأدت بالتالي إلى قطائع أخرى. تلك القطيعة، في اللغة، التي أدت إلى الفصل بين اللغة والفكر ذاته. ولذلك صارت اللغة، في الثقافة الغربية، مجرد أداة للفكر؛ مثلما اختزلت وظائفها، على مستوى علاقتها بالذات المفكرة والوعي، في التعبير والتواصل. ففي العصر الكلاسيكي فقدت اللغة –والكتابة- وجودها المخصوص وإمكانية الحياة الروحية. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها ميرلو بونتي، على صعيد إعادة تقييم اللغة، فإن هذه الجهود لم تتمكن من زحزحة الأفكار المسبقة التي تتحكم في أسس المعرفة-معرفتـ(نا). ونحن الغربيين، كما تقطع، لم نبتكر كونية العقل (عقلنا). وتضيف أنه من الصعوبة فهم بنيامين، مستحيل مقارنته مع أي كان؛ ومن الصعوبة موقعته حتى في موقعه الخاص. فموقعه بعيد عن الإيديولوجيا المادية أو الروحانية، التيولوجيا أو المادية الملحدة، الصهيونية أو الشيوعية. هو يفكر شعريا، وضمن هذا التفكير يتمثل التفكيك الكلي للعلاقات الاجتماعية السائدة ولإرادة السيطرة على الأشياء. فالإنسان مسؤول على سقوط اللغة في العلامات وعلى ضياع الأليغوريا.
تلك إذن هي أهم الأفكار الواردة في الكتاب. والخلاصة هي أنه دعوة إلى التفكير في إنقاذ الأليغوريا التي ترادف الفلسفة ذاتها في تصور صاحبته. ويمكن أن نتساءل حول تركيزها على فالتر بنيامين بدلا من تيودور أدورنو (1903-1969) أو هربرت ماركوز (1898-1979)… أو يورجن هابرماس (1929) أحد أبرز المطورين للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت في وقتنا الحاضر، النظرية التي تحترس من صيغة “ما بعد الحداثة”، أو “ما بعد بعد الحداثة” كما رحنا نسمع في الآونة الأخيرة، وذلك بسبب المخاطر التي أخذت تهدد الإنسانية من جهات عديدة.
ومن الجلي إذن أنه ليس هناك أدنى شك حول الأهمية القصوى لفكر بنيامين على هذا المستوى. وفي الوقت نفسه لا بأس من الإقرار بصعوبة تأويله، إنه مؤلف صعب كما يقول عنه صديقه سرشوم شوليم[7]. وهو ما يفسر كثرة الذين درسوه سواء من أصدقائه مثل شوليم نفسه الذي ألف عنه كتابا يحمل عنوان فالتر بنيامين بالألمانية العام 1975 مثلما أهدى إليه كتابه حول التيارات الكبرى للتصوف اليهودي، ولا داعي للحديث عن الميول الصهيونية عند هذا الأخير والتي قادته مبكرا إلى الرحيل عن ألمانيا (1923) نحو فلسطين… أو المفكرة اليهودية كذلك Hannah Arendt (1907-1975) صاحبة الأبحاث الكثيرة حول التوتاليتارية والعداء للسامية والتي فرت بدورها من ألمانيا النازية نحو فرنسا وبعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأميركية، أو صديقه بيير ميسال الذي توفي في شهر أكتوبر العام 1986 وقبل أن يظهر بعام واحد كتابه حول العبور الخاطف لفالتر بنيامين. ولعل القاسم المشترك بين هؤلاء هو محاولة الحفاظ على فكر بنيامين من الإتلاف والاختلاس. ويظهر أن ماري سيسيل ديفور أقرب من هؤلاء بحكم إعجابها الكبير بفكر بنيامين حتى وإن كانت تركز على جانب فيه دون سواه، وهو جانب الأليغوريا التي قادتها إلى الكتابة، غير أن السؤال الأساس الذي يمكن طرحه مع C.Pernet في كتابها حول فالتر بنيامين: ما هو على وجه التحديد الشيء الذي تراهن عليه هذه الاستيطيقا المؤسسة على الأليغوريا؟ وتجيب صاحبة السؤال بأن الأمر يتعلق بدفع وهم حياة طبيعية ودفع الخلط بين الحياة والطبيعة، وذلك من أجل تبيان أنه لا حياة إلا للذي يمكنه أن يتكلم وأن يتمثل وإلا لهذه الأشكال التي تقلبها اللغة، وبعد ذلك تهجرها وهي تهجرها لأنها تموت[8]. ولعل ما سبق، من عرضنا لأفكار ماري سيسيل ديفور، هو جوابها على هذا السؤال العريض. وفي هذا الصدد يمكن أننركز على مدى إعجابها “المطلق” بفكر بنيامين دون الاختلاف معه ولو في نقطة صغيرة. ولذلك فهل مصدر البربرية الحضارية أو البربرية القائمة في الحضارة من كون أن هذه الأخيرة تتغذى من الأول كما يقول بنيامين، وهو ما يستخلص من كتاب ماري سيسيل ديفور، أم أن البربرية كامنة في نفسياتنا وأخلاقنا أيضا طالما أن هذين العنصرين الأخيرين –وفي كنف الحضارة ذاتها- بربريان كما يقول باحث آخر معاصر هو إدغار موران[9].
هذا من جهة أولى ومن جهة ثانية فإن الرجوع إلى ديكارت له أهمية بالغة، والشيء ذاتهيقال عن بنيامين، لكن كيف يمكن القفز على ماركس[10]. هذا عدا مسألة الإيقاع وعلاقته بالعلامة في نسق تصور بنيامين للأليغوريا، وهو ما يلتفت إليه هنري ميشونيك في دراسة لافتة حول الأليغوريا عند بنيامين. هذا بالإضافة إلى أن صاحبة الكتاب لا تكترث بما أسماه شوليم اللون الشخصي لفكر بنيامين[11]. وفي هذا السياق تستوقفنا دراسة ميشونيك إذ تمثل الأليغوريا بالنسبة لبنيامين معنى الضياع-ضياغ كل شيء وضياع المعنى ذاته، وفي ضوء هذا الضياع يقول إن المعنى الذي أعطاه بنيامين للأليغوريا هو معنى علاقته باليهودية، وهكذا يخلص إلى أن تجربة بنيامين هي في حد ذاتها أليغوريا تاريخ يبحث عن معناه الخاص. إنها مغامرة يهودية[12]. وفي الواقع إن هناك أكثر من دارس، لفكر بنيامين، لا ينحو هذا المنحى. ومن المؤكد أن صاحبة الكتاب واحدة من هؤلاء. ويبقى أن نختم أنها تتحرك من داخل الفلسفة الغربية ذاتها، ويدافع نقد هذا الفسيفساء الغريب الذي يدعى الحداثة، إلا أن الأهم هو أن هذا النقد جزء من الحداثة ذاتها.

marie-cecile-dufour-%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d9%84%d9%8a%d8%b3-%d8%af%d9%88%d9%81%d9%88%d8%b1
إدخال تسمية توضيحية

Marie-Cécile Dufour

*********************

الهوامش :

[1] Marie-Cecile Dufour-El Maleh : L’écriture Allégorique, La pensée sauvage, Editions, 1999.
وللإشارة فإننا لن نحيل إلى صفحات لكي لا نثقل كاهله بالأرقام.
[2] بخصوص سيرة فالتر بنيامين انظر:
Bernd Witte : Water Benjamin-une biographie. Traduit-André Bernold. Cerf, Paris, 1988.
[3] Catherine Coquio : (La critique Envoûtée), in Rendez-vous avec Walter Benjamin/ Critique et Théorie (Collectif). L’Harmattan, Paris, 1996, p84.
[4] في الواقع هذه تسمية ماكرة، ولا ينبغي أخذها بمعناها السطحي. ويمكن فهمها في ضوء ما يعرف بـ “الفكر القرائي” (la pensée lectrice)، ومعناه أن الفكر متوالية قرائية أي أنه وراء أكثر من مفكر (معاصر) منفكر آخر.
[5] مسألة النقد الأدبي عند فاتلر بنيامين يمكن أن تكون موضوعا مستقلا طويلا ويكفي أن نشير هنا إلى أن النقد عنده هو نوع مستقل ويتوفر على عمق وجمال، أي أنه لا مجال فيه إلى ما يمت بأية صلة لأن يكون مجرد خدوم بسيط للعمل أو الجمهور، فهو ينافس الإبداع ذاته. انظر:
Jean-Michel Palmier : La recréation de la critique littéraire comme genre philosophique chez Walter Benjamin/propose de la critique (collectif). L’Harmattan, Paris, 1995, p79.
[6] Catherine Pernet : Walter Benjamin sans destin, La différence, Paris, 1992, p40.
[7] Gershom Scholem : Fidélité et Utopie – Essais sur le Judaisme contemprain. Traduit-Margnerite Delmotte et Bernard Dupuy, Calmann-Lévy – France, 1978, p120.
[8] Catherine Pernet : Water Benjamin sans destin, p42.
[9] Edgar Morin : De l’incertitude démocratique à l’Ethique politique/une politique de civilisation – Edgar Morin et Samir Naïr. Arlea, Paris, 1997, p177.
[10] انظر في هذا الصدد:
Edgar Morin : A la recherche des fondements perdus/une politique de civilisation.
[11] G.Scholem : Fidélité et Utopie, p126.
[12] Henri Meschonic : (L’allégorie chez Walter Benjamin, une aventure juive). Walter Benjamin, Paris (collectif), Cef, 1986, p741.

________________________________________________________________

((Follow our page)) مجموعة المواقع التابعة ل( الحداثة ومابعد بعد الحداثة )
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s