الأساس البنيوي لاستراتيجية التفكيك الدريدية

بقلم : خاليد القاسمي
أ- دريدا ونقد البنية :
كيف يكون المركز باعتباره معنى، ركنا أساسيا في منظومة البنيوية، وهو غائب وخارج دائرة التحليل في الوقت نفسه؟ ينطلق الفيلسوف دريداJacques Derrida من هذا السؤال الشائك، في بحثه المعنون (البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية) والمعروض ضمن الندوة التي عقدت في جامعة (جون هوبكنز) سنة 1966م، راصدا ” أن فكرة (البنية) كانت تفترض دائما مركزا من نوع ما للمعنى حتى في البنيوية. هذا المركز يحكم البنية ولكنه هو نفسه ليس موضوعا للتحليل البنيوي ( إذ إن إيجاد بنية للمركز يعني إيجاد مركز آخر) ” . فالبنيوية تؤكد وجود مركز لا زماني ترتكز عليه كل المظاهر الخارجية للتاريخ، وهو سابق على الأنظمة البشرية.
لكن دريدا لا يكشف عمق التناقض في خطاب البنيوية، من خلال غياب المركز عن التكوين الكلي للبنية فحسب، ولكن، من خلال ما أسماه إصرارا ورغبة في تعيين مركز ثابت من لدن البنيويين يعمل على تثبيت الدلالة. وهكذا ” على الرغم من الاعتراف الضمني بأن مفهوم البنية يتناقض مع مفهوم المركز، فالبنية هي مجموعة من العناصر التي يتصل بعضها ببعض وتنتج المعنى أو الدلالة من خلال تلك العلاقات. ولأن هناك حاجة لتثبيت الدلالة كان من الضروري أن يوجد مركز يربط تلك العناصر.” وبناء عليه، تصبح أية محاولة لتثبيت مركز للمعنى خارج بنية اللغة، اختراعا إنسانيا لا يشكل سوى شكلا آخر من أشكال التمركز المنطقي، الذي هو أساس ميتافيزيقا الحضور. وعلى غرار ذلك، يهاجم دريدا فكرة العلمية التي تسلح بها البنيويون في قراءة النصوص الأدبية. يشير إلى ذلك الدكتور (محمد عناني)، بقوله إن “جهود البنيويين الأوائل في هذا السبيل لم تلق من دريدا إلا الهجوم والسخرية، إذ صب جام غضبه على ما رآه أو ما زعمه من طموح دعاة البنيوية إلى اتباع المنهج العلمي، فالعلمscience في نظره، مثله في ذلك مثل الدين والفلسفة الميتافيزيقية، يقيم نظامه system على ما يسميه بالحضور presence ومعناه التسليم بوجود نظام خاج نطاق اللغة وإطار عملها بحيث يبرر ما تدعيه من الإحالة إلى الحقائق أو الحقيقة truth(..) وهو ما اعترض دريدا عليه بشدة قائلا إن اعتبار اللغة نشاطا بنائيا لا يخضع لسيطرة الذهن الواعي بل يتبع قوانين اللاوعي، يعتبر آخر محاولة تقوم بها الفلسفة لإرساء ما يسميه ب(ميتافيزيقا الحضور) metaphysics of presence” .
في ضوء ذلك، يستنفر دريدا فكرة عدم الثبات واللعب المتواصل للمعنى للقول بانتفاء المركز والحقيقة. فهو يرى أن ” البنيوية حين تبدأ من البنية تفترض سلفا نوعا من التزامن اللاهوتي الذي يستنجد بسرمدية الكتاب كما يراه الله، ولهذا يعني دريدا بتمزيق البنية وتفكيكها، فليست ثمة بنية أو مركز، إن المركز عنده خارج النص (أي نص) وداخله، إنه اللعبة المتواصلة بين المركز واللامركز” . إن نظرة دريدا في بحثه السالف الذكر، تندرج ضمن مشروعه القاضي بتفكيك الميتافيزيقا، ومن بينها مقولات المنهج البنيوي. هذا الأخير في أدق أشكاله المحافظة، ما هو إلا استشراف يدعم الأفكار التقليدية التي تقول بأن النص يحمل معاني ثابتة (إن لم تكن معقدة) وإن الناقد لا يعدو ان يكون باحثا أمينا ومخلصا عن الحقيقة في النص نفسه. ويمكن أن نضيف إلى ما قيل، أمرا آخر لم يخل من نقد التفكيك(ية)، هو أن نظام التعارضات الثنائية الذي سلكه المنهج البنيوي، يرى دريدا أنه يؤدي إلى تطبيقات ايديولوجية ، من منطلق أن الايديولوجيات يروق لها أن ترسم حدودا جامدة بين ما هو مقبول وما ليس كذلك، بين الذات واللا-ذات، بين الصدق والكذب، بين المعنى واللامعنى، بين العقل والجنون، بين المحوري والهامشي، بين السطح والعمق.. . وعلى هذا الأساس، يصبح المنهج البنيوي في تصور دريدا، منهجا ايديولوجيا ذو أبعاد ميتافيزيقية.
البنيوية الأدبية :
تبلور المنهج البنيوي في الأدب، وعرف ازدهاره بفرنسا في ستينات القرن الماضي، من خلال تشبعه بمجموعة من الروافد، نذكر منها لسانيات (سوسيرSaussure )و أعمال الشكلانين الروس و كذا إنجازات النقد الجديد بأمريكا. وبرز تألق البنيوية، من خلال كتابات رولان بارت Roland Barthes وجيرار جينيت Gerard Genette، و أ.ج.جريماسA.J. Greimas ورومان جاكوبسون، وتزفيتان تودوروف، لكنه سرعان ما تحول إلى ما يسمى بحركة (ما بعد البنيوية) Post-structuralism خصوصا في كتابات بارت، وجوليا كريستيفاJulia Kristeva وجاك دريداJacques Derrida . وينطوي هذا التحول على تجدد للرؤى تجاه نسق اللغة وعلاقتها بالمعنى. فبالرغم من الصبغة العلمية التي تحلت بها البنيوية، في تحليلها لنصوص الأدب من نثر وشعر، برزت” في منتصف الستينات وما بعدها بضعة شكوك في الكفاية المنهجية للبنيوية(..) ولكن سرعان ما تحولت هذه الشكوك إلى تيار نقدي يحاول نقد الوصفية البنيوية المجردة، ونموذجها اللغوي الذي عممته على المعارف والعلوم الإنسانية” . وكان منطلق ذلك، أن لاقى المنهج البنيوي مصاعب تحليلية في لغة الشعر، القائمة على إعمالات البلاغة والرمزية والتكثيف والتخييل وغيرها، وهو ما جعل هذه النظرية النقدية الوصفية التحليلية، تحتفظ ” ببون شاسع بين منهجها من ناحية وبين الإعمالات المنظمة المختلفة للغة الشعر من الناحية الأخرى” . وقد نجم عن هذا التقوقع في داخل النص، ودراسته باعتباره بنية مغلقة مفصولة عن سياقها الثقافي وبعدها التاريخي، وما يستتبع ذلك من تعميق لأفكار القطيعة مع المؤثرات الخارجية، نجم عن ذلك بروز إشكالية تفسير نصوص تتجاوز أنظمتها البنية الداخلية للغة وتتعدى أنشطتها المقاربة الوصفية، وهو ماحفز رولان بارتRoland Barthes لاستشراف علم يتجاوز البنيوية، إذ ارتأى ” أن تتجه الدراسة من البنيوية إلى السيميولوجيا، إلى النصوص التي ينتجها الخيال، إنها الحكايات، والصور والتعابير واللهجات والأهواء، والبنيات التي تتمتع في ذات الوقت بمظهر الاحتمال وعدم اليقين ” .
وكما سبق القول بالسبق الذي حازته البنيوية اللغوية ل(دي سوسير)، في إرساء قواعد المنهج البنيوي في الحقول المعرفية الأخرى، يجدر بنا القول أن نقد ما بعد البنيوية ممثلا في تفكيك(ية) (دريدا)، تركز بكيفية قوية على إعمالات المنهج السوسيري. وفي هذا الصدد، نقف على أهم محطات النموذج اللغوي البنيوي، كما قعد له العالم السويسري (دي سوسير) في محاضراته التي جمعها ونشرها طلابه، بعنوان (علم اللغة العام)، ونقصد على وجه الخصوص، مقولات: الاختلاف، الكلام والكتابة، وهي مقولات ستستأثر بنقاش وافر من دريدا.
سوسير ودريدا: اختلاف الاختلافين
قوض فرديناند دي سوسير، أصول الدرس التقليدي للغة، الذي كان يرى فيها وسيلة معبرة عن الأشياء. وهو ما أضفى على اللغة، أهمية لم تكن تتمتع بها من قبل. فبهدف وصف واستقراء أبعاد الظاهرة اللغوية، لجأ منهجيا، إلى اشتقاق بضع ثنائيات عدت مرتكزات أساسية في المبحث اللغوي الحديث، وأهمها اللغة والكلام والدال والمدلول وغيرها. وقد حازت الإشارة اللغوية باعتبارها النتيجة الاجمالية للارتباط بين الدال والمدلول، مكانا مهما ضمن جهود سوسير اللغوية، فهو يورد في محاضراته في علم اللغة، أنها كيان ثنائي يجمع بين الدال والمدلول، أي بين الصورة الصوتية التي ينطق بها المتكلم والصورة العقلية التي يثيرها الدال الصوتي في ذهن المتلقي، و من أهم خصائصها مبدأ الاعتباطية، الذي يقول عنه: “إن الإشارة اللغوية اعتباطية. ففكرة (الأخت)sister لا ترتبط بأية علاقة داخلية بتعاقب الأصوات s-o-r التي تقوم بوظيفة الدال في اللغة الفرنسية: فهذه الفكرة يمكن التعبير عنها باستخدام أي تعاقب صوتي آخر، وخير دليل على ذلك اللغات المختلفة(التي تستخدم إشارات مختلفة)” ، فالدال لا يحمل في ذاته أي في تتابع أصواته أيما صفة، تجعله هو بالذات، معبرا عن هذا المدلول بالذات، وإنما تم اختياره اعتباطا، وتم التواضع عليه ضمن لسان معين. هكذا تصير لفكرة الأخت دوالا صوتية مختلفة باختلاف اللغات، وبالتالي ليس هناك سبب يجعلنا نفضل دالا صوتيا على آخر في إشارته لمدلول ما. ويضيف سوسير موضحا معنى الاعتباطية:” إن كلمة الاعتباطية تحتاج إلى توضيح. فهذه الكلمة لا تعني أن أمر اختيار الدال متروك للمتكلم كليا(..) بل أعني بالاعتباطية أنها لا ترتبط بدافع، أي أنها اعتباطية لأنها ليس لها صلة طبيعية بالمدلول.”
ووفق هذا التحليل، إذا كان مبدأ الاعتباطية ينفي أية قيمة عن الدال، فإن ما يتبقي لهذا الأخير من قيمة، ليس سوى اختلافه الصوتي عن غيره من الدوال. يقول سوسير بهذا الخصوص:” فأية صورة صوتية ليست أفضل من غيرها للتعبير عما كرست له، لذا فمن الواضح- بل من الواضح سلفا- أن أي جزء من اللغة لا يمكن في أساسه أن يعتمد على أية فكرة سوى عدم التطابق بينه وبين غيره. فالاعتباطية والتفاضل هما صفتان متلازمتان.” في ضوء هذه النتيجة يصبح الاختلاف هو ميزة اللغة الذي تستمد منه وجودها وفاعلية تحقيقها للدلالة. إن رؤية سوسير للغة باعتبارها بنية من العلاقات جاء في سياق تحليله لكيفية حدوث الدلالة عبر اشتغال عناصر البنية اللغوية، وهو ما يفترض ضمنيا، أن البنيوية اللغوية انطلقت من تسليمها بوجود الدلالة وإن كانت تنطوي على قدر معين من مراوغة المدلول للدال في تحقيقها. وهو مايشير إليه (عبد العزيز حمودة بقوله) بقوله إن : ” البنيويين لم يتوقفوا أصلا عند الدلالة أو المعنى، سواء معنى واحد أو متعدد، لأنهم انطلقوا من (حدوث الدلالة) وحيدة أو متعددة، باعتباره أمرا مسلما به وتحولوا إلى دراسة كيفية حدوث حدوث تلك الدلالة !!” . في ضوء هذه الفكرة قد يبدو الحديث عن اختلاف تفكيك(ية) دريدا عن بنيوية سوسير اللغوية، أمرا محسوما، ويسد كل السبل في تلمس محاورة فكرية بناءة بين المشروعين، خصوصا وأن دريدا –كما سنرى- لا يعترف بحدوث الدلالة، لأنه يعتبر ذلك تمركزا ميتافيزيقيا، وهو وفقا لذلك يجعلها معلقة بين الآثار المتحركة واللانهائية التي تفرزها اختلافات اللغة، وعليه فهو” حينما يتحول إلى دراسة آليات حدوث الدلالة، أو بالأحرى اللادلالة، فإنه يركز على جوانب النفي، حتى ولو كان ذلك يعني (ثني ذراع) مقولة سوسيرية شبه متفق عليها.”
لقد انطوت طروحات دريدا، التي استثمرت مقولات سوسير المهمة عن الاختلاف، على فهم خاص، فهي طورت هذه المقولات لتقلب نتائجها رأسا على عقب. إن الهدف الثمين الذي يناور دريدا للإطاحة به، عبر هذا التوظيف لمقولات سوسير هو المعنى، فهو يصير في ضوء المعالجة الدريدية ناتجا ثانويا، لتفاعل يفترض أنه لا نهائي بين الدالات، وليس مفهوما مربوطا بقوة إلى ذيل دال معين. والدال لا يعطينا مدلولا مباشرة، كما تعطي المرآة صورة، فليس ثمة منظومة متآلفة من التناظرات المفردة بين مستوى الدالات ومستوى المدلولات في اللغة. ولكي تتعقد الأمور أكثر، فليس هناك حتى تمييز ثابت بين الدالات وبين المدلولات. فإذا أردت معرفة معنى (أو مدلول) دال ما، فبإمكانك البحث عنه في قاموس، لكنك لن تجد سوى المزيد من الدالات، التي يمكنك البحث عن مدلولاتها بالتالي، وهلم جرا.
و يرى (عبد العزيز حمودة) بهذا الخصوص، أنه إذا كان “معنى اللفظ أو دلالته يحدده اختلافه مع ألفاظ أخرى من وجهة نظر سوسير، فإن العلامة اللغوية (اللفظ) بالنسبة إلى دريدا تؤكد غياب الشيء الذي تحدده(..). غياب المحدد للمعنى يعني بالضرورة، بالنسبة إلى دريدا، نفي إمكان حدوث معنى محدد أو حرفي. وحيث إن العلامة في المعادلة السوسيرية تشير إلى المفهوم العقلي للشيء وليس إلى الشيء ذاته، بل حتى في ظل التفسير التقليدي لشفافية اللغة، حيث تشير العلامة اللغوية إلى الشيء، فإن النتيجة في كلتا الحالتين واحدة: (حضور) العلامة اللغوية، متلفظة أو مكتوبة، يعني بالضرورة (غياب) الشيء أو مفهومه. وهكذا بدلا من الدلالة نواجه بالاختلاف، وبدلا من المعنى نواجه بالإرجاء المستمر له. ومفاهيم دريدا عن الغياب في الحضور، وعن الاختلاف بديلا عن التثبيت، وعن الإرجاء المستمر للمعنى، ليست، في مجموعها، أكثر ولا أقل من نسف العلاقة بين الدال والمدلول..” . يتضح من هذا الكلام، أن الخيط الرفيع الذي حافظ عليه سوسير لتحقيق الدلالة عبر فاعلية الاختلاف، يقطعه دريدا لتتشتت الدلالة إلى آثار لا نهائية من المعاني المتحركة. إنه ” يرفض أطروحة سوسور التي تقول إن قيمة كلمة مثل redouter يمكن أن يتم تحديدها بصورة وحيدة المعنى – أي جعلها حاضرة- بالنسبة للاختلافات التي تشكل حقلها الدلالي. وهو يرى أن هذه الأطروحة العقلانية تتحول إلى فكرة مسبقة لوغومركزية (ماورائية) تسعى لتثبيت مدلول سابق للتجربة transcendantal، معنى غير قابل للإفساد.” فما يجعل حضور المعنى أمرا غير متحقق، هو أن الدالات تظل تتحول إلى مدلولات والعكس بالعكس، ولن تصل أبدا إلى مدلول نهائي لا يكون هو نفسه دالا، وعليه فإن التفكير الدريدي – الذي يعرف، عادة، بأنه (ما بعد –البنيوية)- يمضي خطوة بعيدة : إنه يفصل الدال عن المدلول .
وعليه، فالاختلاف في حقيقته إحالة إلى الآخر وإرجاء لتحقيق الهوية في انغلاقها الذاتي ، وهو ما يعني أن فكرة الحضور، فكرة مشتقة وليست أصلا، لأن الاختلاف هو الأصل وهو الذي يترك أثره على الآخر، والأثر هو الأصل المطلق لكل معنى ولكل دلالة ولما كان الأثر دون أصل فإن المعنى أيضا يفقد كل مصدر يعود إليه وبذلك تتلاشى مشكلة الحقيقة والمعرفة والأصل الأول، ولا يبقى إلا عالم بريئ صالح للتأويل.
ولنجمل ما قيل عن الاختلاف بين دريدا وسوسير، لا يسعنا إلا أن نستخلص على لسان (عبد العزيز حمودة) أن ” الجمع بين ركني (العلامة) و(علاقات الاختلاف)، كما قدمهما سوسير، هو أساس تحقيق الدلالة، لكن الجمع بين الركنين أنفسهما عند جاك دريدا، هو أساس تحقيق (اللادلالة) أو (اللامعنى) !!”
الكلام والكتابة:
وقفنا سابقا على إفادة (جاك دريدا) من الطروحات الأساسية لعلم اللغة السوسيري، ونقصد على وجه التحديد، مقولة الاختلاف الذي وضعها في سياق بحثه المعمق في بنية اللغة، وما يرتبط بذلك من مبدأي الإعتباطية والتفاضل، اللذين يحكمان اشتغال الإشارة اللغوية. وإذ يقيم دريدا –استنادا إلى هذين المبدأين- عددا من النتائج المعرفية عن الاختلاف، و التي تؤدي إلى عملية فصل تام بين الدال والمدلول، فإنه سيجري كذلك نقدا ثوريا لهرمية إحدى الثنائيات الميتافيزيقية الأكثر جدلا في مشروعه التفكيكي، وهي ثنائية الكلام والكتابة. ومعلوم أن سوسير وعلى غرار الفكر الغربي الذي سبقه، أقر أفضلية الكلام عن الكتابة، وهو ما يعني-حسب دريدا- تكريسا لفلسفة الحضور وتمركزا حول الظاهرة الصوتية.
في الفصل السادس من الكتاب، الذي جمع محاضراته في علم اللغة العام، والمعنون (الصورة الكتابية للغة) ، يطرح سوسير العديد من الأمثلة، ليبرز اللدور الثانوي للصورة الكتابية، على حساب الدور الذي تلعبه الصورة الصوتية، وهو إذ يفعل ذلك، يربطه بالنظام الكلي للغة. يقول سوسير في تعريفه لنظام الكتابة: “اللغة والكتابة نظامان متميزان من الإشارات، والهدف الوحيد الذي يسوغ وجود الكتابة، هو التعبير عن اللغة. ولكن الهدف لعلم اللغة ليس الصورة المكتوبة والصورة المنطوقة للكلمات، بل يقتصر هذا الهدف على الأشكال المنطوقة” . نفهم من هذا الكلام، أن مبرر وجود الكتابة -كما يرى سوسير- هو تمثيل اللغة، وهي خارجة عن دائرة الدراسة في علم اللغة. إن تمثيل الكتابة للغة كما يرى سوسير، ينطوي على الكثير من الخرق والتشويه للنظام الصوتي، باعتباره الحافظ الأمين لنظام اللغة، لذلك يدعو سوسير إلى خلق نظام صوتي لكل لغة، لمواجهة البدع والتشوهات التي تسببها الصورة الكتابية. وعليه “فالإسهام الحقيقي للنظام الصوتي (فونولوجي) إنما هو في توفير الخطوات الاحتياطية لمواجهة الصورة المكتوبة، التي يًتطلب تجاوزها للوصول إلى اللغة. فالأدلة التي تقدمها الكتابة لا تصح إلا بعد تفسيرها. وعلينا أن نرسم لكل لغة نظاما صوتيا.”
لقد عد سوسير الكتابة نظاما خارجا عن وظيفة اللغة، يؤدي إلى تشويه تمثيلاتها الصوتية الحقيقية، يقول بصدد ذلك: “إن هذا التشويه الصوتي هو جزء من اللغة ولكنه لا ينبع من الوظيفة الطبيعية لها. فهو ينبع من تأثير خارجي. وعلى علم اللغة أن يضعه في محل خاص به للملاحظة: شأنه في ذلك شأن الحيوان الغريب” . من هنا نتلمس أن الكتابة في تصور سوسير، هي كائن منحط ليس من طبيعة اللغة في شيء، لذلك وجب استبعاده والحيطة منه. ويمكن إجمال آراء سوسير في هذا الموضوع، في ضوء عبارته القائلة “إن الكتابة تطمس المعالم الحقيقية للغة. فهي ليست رداء للغة بل شيء تتنكر به” .
لا غرو إذن، أن نظرة سوسير للكتابة، تندرج ضمن تلك النزعة التي هيمنت على تاريخ الفكر الفلسفي الغربي، إذ” عبر الفلاسفة كثيرا عن كرههم للكتابة، وأبدوا خشيتهم من أن تدمر سلطان الحقيقة الفلسفية، تلك الحقيقة التي تعتمد على الفكر الخالص (منطق، أفكار، قضايا) الذي يتعرض لخطر التشويه عند كتابته” . ومن زاوية معاكسة، وجب التمركز حول الصوت أو الكلام، لأنه حضور ممتلئ للغة، ومن ثم للمعنى،” فالكلام أقرب إلى الفكر الخالص، ونحن نعزو إلى الكلام – عندما نستمع إليه- (حضورا) نراه مفتقدا في الكتابة. وننظر إلى كلام الممثل العظيم أو الخطيب السياسي على أنه كلام يمتلك الحضور ويجسد روح المتكلم، إذا جاز التعبير. أما الكتابة فتبدو أقل صفاء من الكلام، وتبرز نسقها الخاص في علامات مادية ذات استمرار نسبي، والكتابة قابلة للتكرار، وهذا التكرار (بواسطة الطباعة وإعادة الطباعة …الخ) يشجع على التفسير وإعادة التفسير. ومن هنا، فإن الكلام الذي يخضع للتفسير يتخذ عادة شكل الكتابة. ولا تحتاج الكتابة إلى حضور الكاتب، في مقابل الكلام الذي يتخذ دائما حضورا مباشرا، اضف إلى ذلك أن الأصوات التي تصدر عن المتكلم تتبدد في الهواء ولا تترك أثرا (إلا إذا سجلت). ومن ثم، فإنها لا تشوه الفكر الخالق كما هو الحال في الكتابة” . يفهم مما سبق، أن نزعة تفضيل الكلام على الكتابة، تكرست بهدف حراسة الحقيقة الممثلة في حضور المعنى، والخشية عليها من التلاشي الذي قد يصيبها في حالة الكتابة. لكن دريدا سيعتبر هذا الانحياز تمركزا ميتافيزيقيا لا مبرر له، وجب تقويضه وكشف مزاعمه الباطلة، لذلك يرصد أن “(الصوت الحي )، في الحقيقة، مادي قدر مادية الطباعة، وأن العلامات المنطوقة، حيث إنها لن تعمل، مثلها مثل العلامات المكتوبة، إلا من خلال عملية اختلاف وانفصال، فإن بالإمكان، بالقدر نفسه، الحديث عن الكلام على أنه شكل من أشكال الكتابة مثلما يقال عن الكتابة إنها شكل من الدرجة الثانية للكلام” . وفي ضوء ذلك، ستحضى مسألة الكتابة بحيز كبير من اهتمامات دريدا التفكيكية، إذ سيعمد في بحثه المعنون: (الإشارة، الحدث، السياق) إلى تحديد ثلاث خصائص للكتابة :” أولاها، العلاقة المكتوبة هي إشارة يمكن تكرارها، وليس فقط في غياب الذات التي ابتعثتها في سياق بعينه، بل أيضا في غياب مخاطب محدد توجه إليه هذه الإشارة. وثانية هذه الخصائص أن العلامة المكتوبة يمكن أن تخرج عن إطار سياقها الفعلي، وتقرأ في سياق مختلف بغض النظر عما قصد إليها كاتبها، فأية سلسلة من العلاقات يمكن (استنباتها) في خطاب ينتمي إلى سياق مغاير(كما يحدث في اقتباس النصوص). وثالثة هذه الخصائص أن العلامة المكتوبة تقبل (الإبعاد) espacement بمعنيين: فهي أولا تنفصل عن غيرها من العلامات في سلسلة بعينها، وهي ثانيا تنفصل عن (الإشارة الحاضرة) (أي أنها لا يمكن أن تشير إلا إلى شيء ليس حاضرا فيها). هذه الخصائص تميز الكتابة عن الكلام..” . ليخلص دريدا من ذلك إلى أن الألسنية السوسورية، التي يحلل طبقتها strate (اللوغومركزية) و(الفونومركزية)، كونها تديم التراث الماورائي، وتعطي الأولوية للغة المحكية، التي من المفترض أنها تستطيع ضمان حضور المعنى، والمدلول السابق للتجربة ، وهو التراث الذي بني على أساس الميتافيزيقا، لذلك سيخوض (دريدا) حملة شرسة على هذا التراث لتفكيك مقولاته الميتافيزيقية.
………………………………
– عبد العزيز حمودة، الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص، ص160
– رامن سيلدن، النظرية الأدبية المعاصرة، ت. جابر عصفور، ص134-135.
– سعد البازعي،المكون اليهودي في الحضارة الغربية،المركزالثقافي العربي،ط1، الدار البيضاء،2001، ص351.
– د.محمد عناني،المصطلحات الأدبية الحديثة-دراسة ومعجم انجليزي-عربي،الشركة العالمية للنشر-لونجمان،ط3،مصر،2003، ص135.
– عبد الله ابراهيم وسعيد الغانمي وعواد علي،معرفة الآخر-مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة،المركز الثقافي العربي،ط1،بيروت- الدار البيضاء،1990،ص68-69.
– كريستوفر نوريس، التفكيكية- النظرية والممارسة،ت.صبري محمد حسن،دار المريخ للنشر،الرياض،1989، ص24.
– معرفة الآخر-مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة، ص59.
– تيري إيجليتون، مقدمة في نظرية الأدب، ت. أحمد حسان، نوارة للترجمة والنشر،ط2، 1997،ص116-117.
-المصطلحات الأدبية الحديثة-دراسة ومعجم انجليزي-عربي، ص101.
– عبد الله ابراهيم، التفكيك الأصول والمقولات، منشورات عيون المقالات، ط1، الدار البيضاء، 1990،ص16-17.
– التفكيكية- النظرية والممارسة ،ص33-34.
– التفكيك الأصول والمقولات، ص20-21.
– التفكيك الأصول والمقولات ،ص7-8.
– فردينان دي سوسير،علم اللغة العام،ت.يوئيل يوسف عزيز،سلسلة تصدر عن دار آفاق عربية،بغداد،1985، ص87.
– علم اللغة العام ، ص87-88.
– نفسه، ص137.
– الخروج من التيه-دراسة في سلطة النص،ص61.
– نفسه، ص67.
– مقدمة في نظرية الأدب، تيري إيجليتون، ص112.
– الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص، ص68.
– التفكيكية: دراسة نقدية، ص75.
– مقدمة في نظرية الأدب، ص112
– جاك دريدا، الكتابة والاختلاف،ت.كاظم جهاد،دار توبقال للنشر،ط2، الدار البيضاء،2000، ص31.
– عادل عبد الله،التفكيكية-ارادة الاختلاف وسلطة العقل، دار الحصاد للنشر والتوزيع والطباعة،ط1،دمشق،2000، ص37.
– الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص ،ص66-67.
– علم اللغة العام ،ص42
– علم اللغة العام ، ص53.
– نفسه، ص50.
– نفسه، ص48.
– النظرية الأدبية المعاصرة، ص137
– مقدمة في نظرية الأدب، ص114.
– النظرية الأدبية المعاصرة، ص139
– التفكيكية: دراسة نقدية، ص76.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s