مفهوم الأثر في تفكيكية جاك دريدا

بقلم : خاليد القاسمي :

– الأثر :
– الأثر بين الاخ(ت)لاف والحضور :
لا شك أن النص هو نسيج من الآثار التي تشير بصورة لا نهائية إلى أشياء غير نفسها، إلى آثار اختلافات أخرى، وهذا ما تؤكد عليه الطبيعة الاختلافية للغة كما تصورها دريدا. و” تظهر هذه الاختلافات بين العناصر أو بالأحرى تنتجها أو تجعلها تنبثق بوصفها كذلك، وتشكل نصوصا وسلاسل ونظم آثار. هذه السلاسل وهذه النظم لا يمكن أن تتحدد معانيها إلا في نسيج هذا الأثر أو البصمة” . وعليه فإن مفهوم الأثر يرتبط -لدى دريدا- ارتباطا وثيقا بمفاهيم الاختلاف والكتابة والحضور، ذلك أن الاختلاف لا يمكن التفكير فيه بدون الأثر، لأن الأثر الخالص هو الإرجاء نفسه. يقول دريدا في هذا السياق: “إن الأثر هو الإرجاء الذي يفتح الظهور والدلالة. وهو الذي يربط الحي بغير الحي بوجه عام. وهو أصل لكل تكرار، وأصل المثالية، ولكنه ليس مثاليا أكثر منه واقعيا، وليس معقولا أكثر منه محسوسا، وليس دلالة شفافة أكثر منه طاقة معتمة، ولا يمكن لأي مفهوم ميتافيزيقي أن يصفه” .
وعلى الرغم من الطبيعة المعتمة لهذا المفهوم السحري الذي تنبني عليه فكرة الاختلاف الدريدية للمعنى، فيمكن القول إنه شرط أساسي لأي امتلاء اختلافي للمعنى، فهو يتمتع بإمكانيته الاستباقية على كل نسق ميتافيزيقي. نتلمس هذه الفكرة في قول دريدا: “فالأثر (الخالص) هو الإرجاء، وهو لا يعتمد على أي امتلاء محسوس مسموع أو مرئي، صوتي أو خطي، بل على العكس يكون هو شرط هذا الامتلاء. وبرغم أنه غير موجود، وبرغم أنه لم يكن أبدا موجودا-حاضرا خارج كل امتلاء، فإن إمكانيته سابقة من حيث المبدأ على كل ما نسميه علاقة (مدلول/دال، مضمون/تعبير، إلخ) وعلى كل ما نسميه مفهوما أو عملية، متحركة أو حسية” .
إن عدم الانتباه إلى وشوم الآخر المختلف في اللغة، من شأنه أن يعطل عجلة الاختلاف، ويسقط المعنى في حباله الارتكازية الميتافيزيقية، بعيدا عن المعنى الخاضع للصيرورة المعبر عن حقيقة اللغة، فبدون ” أثر يحتفظ بالآخر في الذات بوصفه آخر، لا يستطيع أي اختلاف أن يقوم بعمله، ولا أن يظهر أي معنى”
لا شك أن مقولة الأثر التي اجترحها دريدا في سياق (علم الكتابة)، كانت بهدف الإطاحة بمركزية الصوت والثأر للكتابة المهانة، وهي في نفس الوقت من المفاتيح المهمة لاستراتيجيته التفكيكية في القراءة والتأويل. وهي المقولة التي اعتبرها دريدا لعبة الاختلاف. و في ضوء لعبة الاختلاف هذه، التي يسميها الأثر، يتشكل الشرط الأساسي لإمكانية تحلل جميع المدلولات التي تستمد وجودها من العقل .
لا شك إذن، أن مفهوم الاختلاف جاء كرد فعل قوي على فكرة الحضور، وهو ما يعني أن علاقة الأثر-بوصفه لعبة للاختلافات- بالحضور هي علاقة تصادم، من خلال سعي الأثر الدائب إلى محو هذا الحضور. في ضوء ذلك، يحدد دريدا الأثر بأنه “كل ما يستعصى على أن يلخص فى حدود الحضور وحده” . وعلى الرغم من هذا التحديد، فإن دريدا يعود ليؤكد أن الأثر ليس موجودا، شأنه في ذلك شأن الاختلاف، لأن الوجود يعنى الحضور، وهو ما تحاربه التفكيك(ية). يقول دريدا: “والأثر نفسه لا وجود له. فأن توجد معناه أن تكون، أى أن تكون موجودا، أى موجودا حاضراto on ” .
-الأثر والأصل :
يشكل الأثر من منطلق الأهمية التي يشغلها في تفسير اللغة، الفعل التفكيكي الثاني الذي يعقب حركية الاختلاف والإرجاء. هذه الحركية المؤدية إلى تحول الأصل إلى أثر لأصل، يتضح أنه هو الآخر أثر لأصل . و على غرار تعارض هذا المفهوم مع مقولة الحضور، نجده ينبذ فكرة الأصل، فهو على حد قول دريدا:” إن الأثر لا يعنى فقط اختفاء الأصل، إنه يعنى هنا – فى الخطاب الذى نتبناه والمسار الذى نتبعه- أن الأصل لم يختف، إذ إنه لم يتكون يوما إلا فى مقابل اللا-أصل، أي الأثر، الذى يصبح هنا أصل الأصل” .
إن النظر إلى المعاني باعتبارها أثرا، هو إمعان في نفي صفة الأصلية عن الأشياء، إلى درجة أن أصبح النص في عرف التفكيكيين – على رأي عبد العزيز حمودة- مجرد أثر لآثار آثار وليس أثرا لأصل معين. وهو ما يعني أن الأثر عصي عن أي تحديد، و أن لا وجود لأصل نقي، وإنما هناك فقط آثار تمنح إمكانيات مؤقتة للحضور.
لا شك إذن، أن مقولة الأثر هي مفتاح مهم ضمن الكتابة الأصلية التي وضعها دريدا في كتابه (في علم الكتابة)، إذ به تتشكل قوة الكتابة، لأنه يمثل وظيفة شبكة العلاقات الداخلية في تكوين العلامة، وهي وظيفة لا يمكن إفرادها ولا عزلها . وهو ما نفهمه من قول دريدا:” إن كل عنصر يتأسس انطلاقا من الأثر الذي تتركه فيه العناصر الأخرى في السلسلة أو النسق” . وعليه فإن الأثر وفق إمكاناته المتعددة، هو ما يحدد بنية الموجود كمجال للحضور، وهو سابق على هذا الموجود، وهو ما يشير إليه دريدا بقوله :” ينبغي التفكير في الأثر قبل الموجود. ولكن حركة الأثر هي بالضرورة حركة خفية (..) إن مجال الموجود قبل أن يتحدد كمجال للحضور تتحدد بنيته طبقا لإمكانات متعددة (..) للأثر” .
إن للأثر تأثيره الوجداني على القارئ التفكيكي، فهو ينبثق من قلب النص كقوة تنتعش وتتشكل بها الكتابة، وإن كان سحرا لا يدرك بحس، ولكنه يتحرك من أعمق أعماق النص متسربا من داخل مغاوره، ليشعل طاقاته بالفعاليات الملتهبة، مؤثرا بذلك على كل ما حوله دون أن تستطيع يد مسه، والأثر مسؤول عن كل انفعال يصدر عن الجزئيات الدنيا للإشارة” . في ضوء هذا التأثير، تتحدد الوظيفة الجمالية الانفعالية للأثر التي تخاطب وجدان القارئ وذائقته، وهو ما يؤكده (محمد عبد الله الغذامي) بقوله : “..و(الأثر) هو القيمة الجمالية التي تجري وراءها كل النصوص ويتصيدها كل قراء الأدب..” .
وعلى غرار الوظيفة الجمالية، تبرز الخاصية الانمحائية للأثر، من خلال ما يرصده القارئ التفكيكي في النصوص من أثر لمحو متعلق بآثار أخرى. إن “هذا الأثر المبحوث عنه، معلوم الوجود، مجهول الهوية، ويتمثل ذلك في كون القارئ التفكيكي يقر بوجود الأثر، ومن ثم يبدأ في البحث عنه داخل النص ومحاولة تصيده دون ان يعي جوهر ماهيته، لأن الأثر في حركة دائبة من الجلاء والخفاء، ما إن يظهر حتى يختفي من جديد” . وعليه، يصبح ” (الأثر) –trace مثلا هو ما يشير وما يمحو في الوقت نفسه، يشير إلى امحاء الشيء وبقائه محفوظا في الباقي من علاماته. ويقوم عمل دريدا على بعث طاقة التعبير الحية في المعنى الآخر (المهمش) لهذه المفردات، والتأكيد عليه بقوة بحيث يعود يواجهنا كلما ورد ذكر الكلمة المتضمنة له.” . وهو ما يجعل الأثر قناة للارتباط بسابق النصوص والعلامات، وللتيه في علامات اخرى لاحقة .
انطلاقا مما سبق، يمكن القول إن الأثر حضور متصدع سرعان ما يغيب عند كل امحاء وشطب، وعند كل امحاء ترك لأثر امحاء جديد، يحيلنا إلى نص آخر أثره محو للأثر نفسه. يقول الدكتور عصام عبد الله : “هناك في كل نص ميتافيزيقي (أثر) موشوم يحيلنا إلى نص آخر حاضر بغيابه، وأن وشمة هذا الأثر على النص الميتافيزيقي لا يمكن أن تدرك إلا (كمحو) للأثر نفسه، وعلى الرغم من ذلك فإن هذا المحو يخلف أثره في النص. إنه لفظ تضاد ينطوي على قوة للخلخلة والتفكيك عملت الميتافيزيقا على الدوام على الحط من أحد معانيه.”
……………………………………………………..
– جاك دريدا،في علم الكتابة،ت.أنور مغيث ومنى طلبة،المركز القومي للترجمة،ط2،القاهرة،2008،ص152.
– عصام عبد الله،حاك دريدا: ثورة الاختلاف والتفكيك،مكتبة الانجلو المصرية،ط1، القاهرة،2008،ص31.
– جاك دريدا، الكتابة والاختلاف،ت.كاظم جهاد،دار توبقال للنشر،ط2، الدار البيضاء،2000، ص33.
– في علم الكتابة، ص126.
– عبد الله محمد الغذامي،الخطيئة والتكفيرمن البنيوية إلى التشريحية،الهيأة المصرية العامة للكتاب،ط4، 1998، ص56.
– نفسه، ص55.
– نفسه،ص149.
– نفسه،ص 148-149.
– الكتابة والاختلاف، ص33.
– في علم الكتابة، ص154.
– نفسه، ص323.
– هشام الدركاوي،التفكيكية-التأسيس والمراس،دار الحوار للنشر والتوزيع،ط1،اللاذقية،2011،ص97.
– حاك دريدا: ثورة الاختلاف والتفكيك، ص28.
– الكتابة والاختلاف، ص27.
– حاك دريدا: ثورة الاختلاف والتفكيك، ص31.
– عبد العزيز حمودة، الخروج من التيه-دراسة في سلطة النص،عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،ع298، الكويت،2007،ص192.
– في علم الكتابة، ص147.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s