مفهوم الكتابة الأصلية في تفكيك(ية) جاك دريدا

خاليد القاسمي ::

    يشكل التمركز العقلي بوصفه أساسا ميتافيزيقيا حكم النظرة الفلسفية إلى المعرفة والحقيقة والوجود منطلقا فلسفيا يترتب عنه تمركز صوتي، يعطي أفضلية للكلام المباشر على حساب الكتابة. فالصوت وحده يتمتع بعلاقة جوهرية مع الحضور. والكلام، بعكس الكتابة، هو وحده الذي يستطيع على الفور أن يتدارك ذاته ويصحح نفسه، فهو لا يحتاج إلى مرجع آخر سواه، ولا إلى إعانة خارجية، مثلما يحتاج اللقيط إلى أب، أو كما تحتاج إليه الكتابة: هذا اللقيط بامتياز بحسب أفلاطون .
لكن دريدا سيفضح زيف هذه القيمة الميتافيزيقية، فهو يرينا ” أن الفصل نفسه الذي تتوهم الميتافيزيقا إمكان إقامته بين الكلام (الفوري، المباشر، الحيوي، التعليمي، القادر على الاضطلاع بخطابه واستعادته وتصحيحه) وبين المكتوب (الجامد في حروفه أو قوالبه، والقاصر عن الإجابة من دون حماية أبيه وإسناده)، نقول يرينا أن هذا الفصل هو إشكالي. فالكلام، كما أسلفنا في عرضه مع دريدا، هو نفسه كتابة، وذلك بمجرد أن يقبل (وهذا هو شرط معقوليته أو أدائيته) بالتقطيع والتفضية والفواصل وبنحو معين، أي ما يدعوه النحاة ب(التمييزية) diacricité. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يرينا دريدا أن الميتافيزيقا نفسها ، وسقراط نفسه، غالبا ما يرجعان إلى استخدام مجازي لمفردة الكتابة، بها يسميان الكتابة الإلهية المنقوشة في القلوب (صورة ستتكرر لدى روسو)، كما سيتم الرجوع بعد سقراط إلى الكتابة الفعلية نفسها بالذات، وليس إلى مجازها فحسب، لإدانة شرور ..الكتابة. حرج أو معاضلة “تفسر” كامل سوء الفهم أو التناقض الذي تتأسس عليه الميتافيزيقا وبموجبه تنتشر.”
إن الحوار المعمق مع هذه الإشكالية (تفضيل الكلام على الكتابة)، المندرجة في صميم ميتافيزيقا الحضور، سيفضي بدريدا إلى اجتراح علم للكتابة، ليؤسس عليه استراتيجيته في القراءة والتأويل. وقد خص دريدا هذه المقولة الإشكالية (الكتابة)، بكتاب كامل بعنوان (De la Grammatologea) أصدره عام 1967م، وترجم إلى الإنجليزية عام1976م، تحت عنوان (Of Grammatology)، وترجم إلى العربية ب(في علم الكتابة) أو (عن الغراماتولوجيا). وينطلق فيه دريدا – في دعوته التحديثية للكتابة- من الأسس الفلسفية والفكرية التي كان أسس لها، ليخلص إلى أن الكتابة ليست وعاء لشحن وحدات معدة سلفا، وإنما هي صيغة لإنتاج هذه الوحدات وابتكارها.
يقول رامان سيلدن : “لقد دعمت الفلسفة الغربية التراتب للحفاظ على الحضور، ولكن هذا التراتب يمكن نقضه بسهولة وقلبه رأسا على عقب (..) إذ نبدأ هنا في إدراك أن كلا من الكلام والكتابة يشتركان في ملامح كتابية، فهما معا عمليتان دالتان تفتقران إلى الحضور، ويكتمل نقض هذا التراتب عندما نضيف الآن أن الكلام نوع من أنواع الكتابة” .
إن المفهوم التحديثي للكتابة الذي سنه دريدا، لا يجعلها وعاء للكلام فحسب، ولكن للغة برمتها، وهي سابقة عليهما، فتكون ” اللغة نفسها تولدا ينتج عن النص، وبهذا تدخل الكتابة في محاورة مع اللغة، فتظهر سابقة على اللغة ومتجاوزة لها، فهي تستوعب اللغة، وتأتي كخلفية لها بدلا من كونها إفصاحا ثانويا متأخرا، وهذا هو البعد الخلاق الذي يريد دريدا منحه للغة” . لكن ما الذي تكونه هذه الكتابة السابقة على اللغة، وما هي خصائصها ؟
يشير رامان سيلدن إلى ثلاثة خصائص أساسية تميز الكتابة في ضوء مفهومها الدريدي الجديد، والمتوافق مع مفهوم اللغة الجديد نفسه- عند دريدا- القائم على الاختلاف ولانهائية الدلالة، وهي :
أولاها قابلية العلامة المكتوبة للتكرار في غياب منتجها الذي أنتجها في سياق معين، وكذا في غياب مخاطب محدد توجه إليه هذه الإشارة. وثانيتها أن العلامة المكتوبة يمكن أن تخرج عن إطار سياقها الفعلي، وتستنبت في سياق مختلف لا يراعي بالضرورة قصدية منتجها الأول. وثالثتها أن العلامة المكتوبة تقبل الإبعاد، فهي تنفصل عن غيرها من العلامات في سلسلة بعينها، وكذلك لا يمكنها أن تشير إلا إلى شيء ليس حاضرا فيها.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن الكتابة بهذا المفهوم، هي كتابة الاختلافات بوصفها أثرا، أي الكتابة المعلومة الوجود والسابقة على اللغة، والمجهولة الماهية، وهي ما يسميها دريدا الكتابة الأصلية (l’archi-écriture) وهي مفهوم يتضمن الكلام والكتابة العادية معا.
إن موقع الكتابة الأصلية يصعب تحديده، وهي ليست جزءا من نظام اللغة، بل هي شرط لكل نظام لغوي يحكمه الاختلاف والإرجاء بين دواله ومدلولاته. يقول دريدا: ” إن الكتابة الأصلية بوصفها حركة للإرجاء وقضية مركبة أصلية، لا تقبل التبسيط، وهي تفتح في إمكانية واحدة، السبيل للتحديد الزمني والعلاقة مع الآخر ومع اللغة، كما لا يمكنها بوصفها شرطا لكل نظام لغوي أن تكون جزءا من النظام اللغوي نفسه، ولا يمكنها أن تصبح موضوعا يعالج داخل مجال هذا النظام (وهو ما لا يعني أن لها مكانا واقعيا في مجال آخر، أو موقعا آخر مخصصا لها)” .
ويسترسل دريدا في جدله مع إشكالية الكتابة، دون أن يقلب السلم الهرمي: كلام / كتابة. فهو بطرحه للتصور الجديد للكتابة الأصلية، يبين قدر العنف الذي مارسته هذه الكتابة على اللغة. فكتابة الاختلاف بوصفها عودة أزلية أسطورية، مزقت أوصال اللغة، وضيعت حلمها في تمثيل الحقيقة. يقول دريدا:” إن تفكيك هذا التراث لا يعني قلبه، لا يعني تبرئة الكتابة، بل يعني أننا نبين لماذا يطرأ عنف الكتابة على لغة بريئة. هناك عنف أصلي للكتابة لأن اللغة، بمعنى ما (..) هي أولا كتابة..لقد كان التعدي موجودا بشكل دائم. إن اتجاه الخط المستقيم يظهر بوصفه تأثيرا أسطوريا للعودة(..)” .
لقد أتى دريدا بالكتابة المزدوجة الذي يحرض نصفها الأول على قلب الهيمنة الثقافية التي يطابق دريدا بينها وبين الميتافيزيقا وسلاسلها الهرمية، في حين أن نصفها الثاني يتيح تفجر الكتابة في صميم الكلمة بحيث يؤدي هذا التفجر إلى تمزيق النسق المعهود . فالكتابة هنا تقف ضد النطق وتمثل عدمية الصوت، وليس للكينونة إلا أن تتولد من الكتابة، وهي حالة الولوج إلى لغة (الاختلاف) والانبثاق من الصمت أو لنقل إنها انفجار سكون . وبالتالي “فالمرجع بالنسبة للحقيقة مقرر سلفا بالمعنى ولكن المعنى متعلق بالكتابة البدئية بوصفه اختلافا متواصلا للدلالات، ولهذا فإن (الغراماتولوجيا) ترى أن ليس هناك شيء قبل اللغة أو بعدها. فمفاهيم الحقيقة والعقلانية ما هي إلا من نتائج المجاز والاستعارة” .
في ضوء ما سبق، يصبح لدينا نوعان من الكتابة: “الأولى: كتابة تتكئ على (التمركز المنطقي) وهي التي تسمي الكلمة كأداة صوتية/أبجذية خطية، وهدفها توصيل الكلمة المنطوقة. وثانيتهما هي الكتابة المعتمدة على (النحوية) أو كتابة ما بعد البنيوية، وهي ما يؤسس العملية الأولى التي تنتج اللغة ” .
…………………………………….
– جاك دريدا، الكتابة والاختلاف،ت.كاظم جهاد،دار توبقال للنشر،ط2، الدار البيضاء،2000، ص33.
– في علم الكتابة، ص26.
– جاك دريدا، صيدلية أفلاطون، ت.كاظم جهاد، دار الجنوب للنشر، تونس،1998، ص7.
– بسام قطوس، استراتيجيات القراءة-التأصيل والاجراء النقدي،دار الكندي للنشر والتوزيع،اربد، الاردن،1998، ص28.
– سلدن رامان: النظرية الأدبية المعاصرة، ت.جابر عصفور،دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع،القاهرة،1998 ص137-138.
– استراتيجيات القراءة-التأصيل والاجراء النقدي، ص29.
– النظرية الأدبية المعاصرة، ص139.
– الدركاوي هشام: التفكيكية-التأسيس والمراس،دار الحوار للنشر والتوزيع،ط1،اللاذقية،2011، ص101.
– جاك دريدا، في علم الكتابة،ت.أنور مغيث ومنى طلبة،المركز القومي للترجمة،ط2،القاهرة،2008. ص145.
– نفسه ، ص111.
– أحمد عبد الحليم عطية، جاك دريدا والتفكيك (مقال ادوارد سعيد قارئا لدريدا،ترجمة عبد الكريم محمود)،سلسلة أوراق فلسفية،
دار الفارابي،ط1،بيروت،2010، ص142.
– عبد الله محمد الغذامي: الخطيئة والتكفيرمن البنيوية إلى التشريحية،الهيأة المصرية العامة للكتاب،ط4، 1998،ص55.
– عبد الله ابراهيم وسعيد الغانمي وعواد علي: معرفة الآخر-مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة،المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت-الدار البيضاء،1990، ص135.

– الخطيئة والتكفير ، ص55.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s