جينيالوجيا الحقيقة عند ميشيل فوكو

بقلم : إدريس هواري
لقد أخذ تأريخ فوكو للحقيقة اسم جينيالوجيا(1) فهذه الأخيرة تعد الأداة التي تسمح للفلسفة بأن تلتقي بالتاريخ؛ بجعل الفلسفة تتخلى عن منطلقاتها الميتافيزيقية، والدفع بالتاريخ إلى أن يكون اهتماما بما يحدث فعلا في جميع مستوياته المختلفة. من هنا تظهر الجنيالوجيا وسيلة لتقويض الميتافيزيقا باعتبارها إنتاجا للحقيقة، من خلال نقد لمنطلقاتها، وإعادة النظر في الأساس المفاهيمي الذي تستند إلى الأزواج. ولعل أهمية البحث الجنيالوجي، كتقويض للميتافيزيقا، تظهر في وصفه للواقع الإنساني، كواقع يتشكل من الصراعات والمصالح، ومن ثمة الهيمنة، والرغبة في التملك(2)، إذ لا مجال للقفز على هذا الواقع من خلال إنشاء مفاهيم مجردة تنشئ عالما ينوب عن العالم الواقعي، عالما تنتفي فيه الصراعات والمصالح. إضافة إلى أن الجينيالوجيا على خلاف الميتافيزيقا، لا تهتم بالبحث في الأصل الأول الذي صدرت عنه الموجودات، باعتباره ما يحددها، ما يعطيها نمطا من الوجود تتشكل منه هويتها الثابتة(3). إن ما تظهره الجنيالوجيا هو أن الأصول -إذ ليس هناك أصل بالمفرد- حصيلة الصراع، وبالتالي فهي تتلون بطبيعته، وما يرتبط به من مصالح ومنافع, من هنا فالجنيالوجيا هي تاريخ للحقيقة؛ وهذا يعني أن التأريخ الذي يريد الجنيالوجي القيام به، يهدف إلى بيان أن الأحداث التاريخية تجد تفسيرها الحقيقي في تحديد طبيعة الحقيقة(4) التي تشكل “مادة” التاريخ، ذلك أن الإنسان وهو يشتغل، ويتكلم، ويحيا ويرغب(5)، وهو بهذا يشكل تاريخه الخاص، يجد نفسه محاطا بنوع من الحقيقة التي توافق ما يحدث. وهذا التوافق يتجسد في الممارسة التي تخص تاريخه، والتي تعطيه قواما متميزا.
ما يترتب عما سبق هو أن ما يهم الجنيالوجي هي مسألة سياسة الحقيقة التي تظهر في طبيعة الرهان(6) الذي تضعه ثقافة أو حضارة ما كأفق تحدد بواسطته هويتها، وتؤكد على المميزات الخاصة التي تطبع ذاتيتها.
لهذا نجد الجنيالوجي ما يفتأ ينتقل، لتحديد حقيقة الثقافة من الداخل إلى الخارج، يهدف إظهار الشروط التاريخية التي تمثل أشكال الإقصاء والهيمنة التي تلجأ إليهما ثقافة ما؛ إما بهدف إبراز اختلافها عن الآخر، وهذا هو تاريخ الخارج، وإما بتحديد الوحدة والتشابه، وهذا هو تاريخ الذاتية.
في هذا المنحى فإن ما يميز الجنيالوجيا هو انشغالها الكبير بالبحث في المجالات والأماكن التي تشكل تحول بداية وأصل الحقيقة، من خلال الاهتمام بمسألة الانفصال والقطيعة واللااستمرارية(7). هذا ما يفسر لماذا يغير الجنيالوجي مواقعه بشكل مستمر، ويعيد النظر في مفاهيمه وأدواته التي يعتمدها في التحليل. لهذا نلاحظ أن أهمية قضية تميز جنيالوجية الحقيقة، عند فوكو، هي قضية إقامة تاريخ محاصر(8). لأن “ما يحدث” لا شكل واحد له، فهو يغير الأماكن التي يمكن أن يظهر فيها، والأفق الذي يحدد أهميته، والوظائف التي يمكن أن يقوم بها. مما يعني أن الأسئلة التي تجسد الحاضر، ليست بأسئلة ثابتة، ولا صالحة لكل زمان ومكان. هذا ما يدفعنا إلى القول إن فوكو ركز كل اهتمامه، في أبحاثه التاريخية على الانطلاق من قضية راهنة تكتسي صفة البؤرة الأساسية التي تتمحور حولها جميع الاهتمامات، والتي تعتبر، بفعل ذلك، المجال الذي يحدد الحقيقة التي تمثل قيمة القيم. لهذا فإن الحديث عن فوكو المؤرخ يجب أن يعمل على إظهار كيف أن كل عملية للتفلسف، لا يمكن أن تكون جادة، وذات تأثير، إلا إذا أخذت اللحظة الراهنة كأفق لتفكيرها. ولعل هذا الأمر هو ما جعل فوكو يهتم بمجالات تبدو عادة تافهة وبدون أهمية في نظر الفلاسفة الذين ألفوا الاهتمام بالقمم(9). ما ترتب عن ذلك هو أننا نجد أنفسنا، مع فوكو، نقف على أرضية فلسفية غير معتادة وغير مألوفة. فهو يوجه نظرنا نحو ما ننظر إليه يوميا بدون أن نقف عنده، وهو الحاضر. ففوكو أقام “محاولات فلسفية”(10) للحاضر، وجعل من الفلسفة ذلك الشيء الذي يجعلنا نفكر في أنفسنا عندما نتخذ من الحاضر أفقا لما يحددنا. لكن أليس الحاضر هو ما كان يهم كل فلسفة جادة تريد أن تلعب دورا فعالا في فهم وتغيير الواقع؟ صحيح أن كل الفلسفات من أفلاطون إلى ماركس جعلت من الحاضر وهمومه منطلقا لتفكيرها، ومبررا لوجودها. لكن ما يميز فلسفة فوكو هو كونها لا تعمل على إخفاء الحاضر الذي تتحدث عنه في مفاهيم خالدة وأزلية؛ ففلسفة فوكو تطلب من قرائها أن يتعاملوا معها انطلاقا من إمكانية التخلي عنها يوما ما، فهو يقول: “أوافق على أن يكون خطابي يمّحي مثلما يمّحي الشكل الذي حمله حتى هذا”(11). ونجد أن فوكو، وهو يدعو إلى التعامل مع الفلسفة وقضاياها تعاملا يؤكد على إمكانية تحول هذه القضايا وتغيرها، لا يختزل الحاضر في القضايا الكبرى والمدوية، التي تبدو بفعل الضجيج الذي تحدثه، أنها الأساسية، التي يجب التفكير فيها كقضايا لا مندوحة لفيلسوف يدعي الحداثة أن لا يخوض فيها. إن فوكو لا يوجه اهتمامه إلى القضايا الكبرى، وإنما إلى القضايا التافهة والعادية والمهملة، لأن هذه القضايا هي التي تشكل، في حقيقة الأمر، ما هو “أساسي”، وما يمكن أن يكون مركز النقاشات، وما يجعل أن أمرا ما يعتبر أفقا للتفكير بامتياز. لهذا اعتبر فوكو الحاضر مجموعة من البؤر المتشتتة والمتباينة، حيث أن كل بؤرة تختلف عن الأخرى، وانطلاقا من هذا الاختلاف يتشكل ما هو “أساسي”، لأن هذا الأخير ليس كتلة عناصرها واحدة ومتشابهة(12)، بل على عكس ذلك فهي مكونة من عناصر لا أصل واحد لها، فهي لا تأتي من مكان واحد، ولا تعمل على أن تتحد فيما بينها لتؤكد على تشابه عناصرها. إن الحاضر، بالنسبة لفوكو، هو تعدد وتشتت، ومن ثمة فكل تاريخ للحاضر عليه أن ينظر إلى ما وقع في مستوى اختلافه، منطلقا في ذلك من وجود بون وبياض لا يمكن اختزالهما إلى وحدة مزعومة.
لكن ما جعل من فلسفة فوكو، فلسفة جنيالوجية، وبالتالي أدى إلى أن اهتمامه بالحاضر يتسم بالجدة، يكمن في كونه عمل على إبراز أن كل قضية تشكل الحاضر، لا يمكن الكشف عن ملامحها، إلا إذا تم التركيز على مسألة أساسية، مفادها أن كل ممارسة ليست تطبيقا لمبدأ أو “فكرة”، لأن الممارسة هي هذا المبدأ، وهذه الفكرة، وهذه الدعوة. لهذا عندما نفصل، عادة، بين الفكر والممارسة، فإن ما نقوم به هو الرفع من مكانة الوعي، والنظر إلى كل فعل كما لو كان نتيجة لعلة، بينما العلة والمعلول شيء واحد. هذا ما يؤدي إلى القول، بالنسبة لفوكو، أن كل ما يقع، يقع على السطح، وبالتالي ليس هناك عمق(13) يلزم البحث عنه خلف ما يرى، وما يمارس. إن ما ندعوه، عادة، عمقا ما هو في حقيقته إلا ما يحدث(14)، وما لا نعيه. فوعينا لا يمكن أن يفكر في اختلاف ما يحدث(15). لهذا جعلت بعض الفلسفات من مهامها تأمل “ما يحدث”، وبعد ذلك الدعوة إلى تصحيحه أو تغييره.
لهذه الدعاوى السابقة لا يمكن الحديث عن الحقيقة، بالنسبة لفوكو، إلا انطلاقا من الحاضر، إذ لا وجود لحقيقة خالدة وواضحة منذ البداية، وبالتالي فما يعمل الفيلسوف سوى الدعوة إلى تبنيها بعد أن يكون قد أزاح عنها الستار. إن الحقيقة، بالنسبة لفوكو، هي ما يقع في الحاضر، ليس كحقيقة خفية، بل كاختلاف، لأنها ليست وحدة متجانسة العناصر والمكونات، ولا أفقا واحدا يجب توجيه الحاضر نحوه، بل إنها ما يتشكل، في الحاضر، انطلاقا من تشتت وتعدد وتباين عناصره. لهذا يؤكد فوكو أنه، لإدراك هذا التعدد والتشتت المكون للحقيقة، يجب أن نكون إسميين(16). ذلك أن الحقيقة هي الاسم الذي نطلقه على وضعية تاريخية معينة، باعتباره يجسد ما يقع، وما يحدث؛ فأسماء مثل الحمق، أو الجنس، أو المعرفة… هي أسماء تجعل ما يشكل الحاضر يحضر.
بناءا على ما سبق، فإن الربط بين الحقيقة والحاضر، ترتب عنه، بالنسبة للفلسفة التي يدعو إليها فوكو، تجدير الحقيقة في التاريخ، والبحث لكل حقيقة عن التاريخ الذي يميزها، ويحدد نمط وجودها الخاص. فالحقيقة بنيت قطعة قطعة من التاريخ، وبالتالي فهي لا توجد في عقول الفلاسفة، ولا في قدرتهم على الإبداع والخلق(17). وعندما يجعل فوكو من الحقيقة شيئا تاريخيا، فما يعمل على التأكيد عليه هو أن التاريخ هو القادر على أن يجعلنا نفهم لماذا تم الرفع من مكانة قضية ما، على أنها تشكل، بالنسبة لنا، القيمة الأساسية. إذ أن الفيلسوف/المؤرخ لا يؤسس الحقيقة من تأملاته، بل بالاهتمام بما يقع فعلا، وما مارسه الناس. فالماضي لا يمضي، والحاضر لا يحضر، إلا لكون الحاضر والماضي يحدد الواحد منهما الآخر، ليس كعلة ونتيجة، بل كأفقين، يجد كل واحد منهما أصوله في التاريخ. فالحاضر هو استعادة للماضي بشكل مختلف، عندما يتم التركيز على عنصر من الماضي وإهمال عناصر أخرى(18). لهذا فالحاضر هو تحويل للماضي بشكل مختلف؛ وبلغة نيتشه إنها عودة للماضي بشكل جديد(19). لهذا لم يكتف فوكو بالدعوة إلى ممارسة البحث التاريخي، بل عمل على إنشاء “حفريات” يكون همها التنقيب عن النصب الأثرية(20) التي تركها الماضي شاهدة عليه، وعن طريق إعادة تأويلها نتمكن من معرفة الشروط التي تم فيها التركيز على قضية ما دون أخرى؛ ولا يعني تأويل هذه “النصبّ التاريخية، الوقوف عند المعنى الخفي والمتستر الذي على الفيلسوف الكشف عنه بهدف إظهار الحقيقة العميقة التي يحملها، بل إن التأويل لا يعني، عند فوكو، إلا شيئا واحدا، هو إبراز الممارسة التاريخية التي لا تنفصل عن الحدث الذي تم الحفر عنه(21).
لكن أهمية جنيالوجية الحقيقة تكمن في كونها أبرزت علاقة الحقيقة بالسلطة، فهذا الجانب هو الذي استعاده فوكو من نيتشه، وطبقه على موضوعات لم يكن تاريخ الفلسفة يحفل بها. فلقد لاحظ فوكو أن ما ندعوه حقيقة، هو نتاج لصراع القوى، ودخول قوة في علاقات مختلفة تتسم بالصراع، ومن ثمة بالهيمنة، وبالسيطرة لأن ما يسمى بالواقع ليس ذلك المجال الساكن والهادئ الذي ينتظر فاعلا من الخارج لكي يؤثر فيه، بل الواقع يعج بالصراعات التي لا تنتهي(22). إذ حينما يلتقي فعل بفعل آخر ينتج عنه صراع القوى، فتنزع كل قوة إلى الهيمنة والسيطرة. لهذا من العبث إقامة تاريخ للحقيقة دون الاهتمام بصراع القوى؛ فما يسمى، عادة، حقيقة ما هو إلا تجسيد لقوة انتصرت على قوة أخرى(23). وبالتالي فإن السلطة هي هيمنة وسيطرة قوة على أخرى، هذا ما يجعلها تأتي من كل مكان، وتنتج بمجرد ما يقع هناك التقاء لقوة بأخرى. إذ أن كل نقطة في الواقع قادرة على إنتاج السلطة، أي علاقات قوى. لهذا يتحدث فوكو، في سياق الفكر النيتشوي، عن إرادة للحقيقة همها إقامة فصل بين ما يعتبر حقيقة، وبين ما يعتبر خطأ ووهما وضلالا. ولن نفهم شيئا من تاريخ الحقيقة، إذا نحن اكتفينا بالنظر إلى الحقيقة باعتبارها الصدق والحق الذي انتصر على الخطأ، لأن هناك ماهية تميز كل واحد في ذاته، وتجعل كل طرف من أطراف “بنية” الحقيقة ينفصل عن الآخر بمجرد ما نعرف أن الحق حق، والخطأ خطأ. لكن هذا الفصل ليس فصلا تاما ونهائيا، فما يعتبر حقيقة يمكن أن ينقلب وينتقل إلى ما يناقضه؛ وهذا ما يظهره تاريخ الحقيقة. حيث نلاحظ، مع فوكو، أن حقيقة ما لا تبقى ثابتة ولا أزلية. فالحقائق متعددة في التاريخ تبعا لتعدد القوى المشكلة له من جهة، ولنمط العلاقات التي تقوم بين القوى من جهة أخرى. فعندما نتابع، في التاريخ، كيف انتصرت قوة على قوة أخرى، وكيف أن استراتيجية تحكمت في صراع القوى، نفهم لماذا تم الرفع من مكانة حقيقة ما، واعتبرت صدقا على حساب ما تم إقصاؤه على أنه خطأ.
في هذا المنحى فإن إقامة تاريخ للحقيقة، انطلاقا من صراع القوى، ما كان ليتم لولا اكتشاف فوكو لما يسميه “بالحدث الأركيولوجي”(24)؛ وهو يشير بذلك إلى حدث من طبيعة خاصة، قلما يتم الالتفات والاهتمام به، بسبب طغيان التركيز على الأحداث التي تبدو أساسية بفعل بروزها وحضورها، وقوة تأثيرها الملاحظ. فالأحداث البارزة والمحدثة ضجيجا وضوضاء، هي التي كانت دائما في مقدمة الأحداث التي توجه عمل المؤرخ، وبالتالي الفيلسوف. فما يؤسس فلسفيا هذا الاهتمام بالأحداث المدونة، هو إعطاء أهمية كبرى لما يحضر، وما يعتبر نتيجة لحدث سابق، بفعل قوة تأثيره، وعدم إمكانية الشك في أهميته، لأنه حدث بديهي، وواضح للجميع(25). فعلى خلاف هذا النوع من الحدث، تعمل الجنيالوجيا-الأركيولوجيا على إبراز نوع آخر من الأحداث؛ وهي الأحداث الصغيرة والتافهة التي تمر بدون أن تحدث ضجيجا ولا ضوضاء. لأنها أحداث لا تتشكل من وقائع، ولكن من علاقات(26) نشأت من نقط متشتتة، ومتباينة ومتباعدة، وبالتالي لا تقدم نفسها على أنها أحداث حاضرة يمكن للجميع أن يتعرف عليها بإرادته الحسنة.
هذا النوع من الأحداث، التي تهم الجنيالوجي الذي يؤرخ للحقيقة، ترتبت عنه نتائج أساسية: أولها أن الحقيقة تتأسس قطعة قطعة، ومن عناصر مختلفة ومتباينة؛ وبالتالي فما يتم الرفع من قيمته على أنه حقيقي هو ما جعل المختلف والمتشتت مركزا للتفكير، ومجالا للصراع، وإطارا لتحديد قيمة القيم. من هنا يظهر أن فلسفة الحضور، كإرادة مفرطة في إنسانيتها، لا تعير اهتماما للبعد الإشكالي، الذي بدونه لن يكون التاريخ سوى سرد للأحداث؛ على خلاف هذا فإن “الحدث الأركيولوجي” الذي يحفر عنه الجنيالوجي، لا يتم الكشف عنه، بهدف إبراز أهميته، إلا انطلاقا من طرح إشكالي يجعل الفيلسوف المؤرخ يركز، في تأريخه للحقيقة، على بيان شروط ظهور الحدث.
ثانيا: إن الاهتمام بالحدث المهمل والمنسي، ليست الغاية منه استذكار الحدث كما وقع، بل الوقوف عند التجربة(27) التي أدت بالحدث ليصبح حقيقة. وتحت مفهوم التجربة لا يجب أن نفهم، فقط، السلوك العملي الذي يسلكه الناس في مرحلة تاريخية، بل كذلك “الاسم” الذي يمنحه هؤلاء الناس لوضعية تاريخية خاصة. لهذا تصبح التجربة، في هذا المنحى، باعتبارها حدثا، هو ما يجسد موضوع الصراع بامتياز.
ثالثا: إن “الحدث الأركيولوجي” لا يبرز لمؤرخ الحقيقة، إلا عندما يقف عند الحدود والأزمات والكوارث، لأن “الحدث الأركيولوجي” علامة، بالنسبة لمؤرخ الحقيقة، على أن ثقافة ما تضع ما تملك من قيم موضع تساؤل، بهدف تحديد رهان جديد لها. لهذا ندرك لماذا يوجه الأركيولوجي نظره، بشكل خاص، إلى اللااستمرارية، جاعلا منها أداة للتحليل، وفي نفس الوقت موضوعا لتأريخه(28).
ويرجع الاهتمام باللاستمرارية، إلى أن هدف الفيلسوف/المؤرخ، هو إبراز حدود الحقيقة الكونية التي تدعيها ثقافة ما من جهة، وبيان، من جهة أخرى، عن طريق البحث التاريخي الرصين، أن تغيرا، أساسيا، يلوح في الأفق، وأن ما كان موضوعا للصراع كحقيقة تحولت رهاناته.
يظهر، بفعل الاهتمام “بالحدث الأركيولوجي”، أن الحقيقة لم تعد ما تدعيه الإرادة الحسنة(29)، التي تتعرف على الحدث في ظهوره وبروزه، وفي تأثيراته المباشرة التي تبرز في الآراء والمواقف التي يتخذها هذا الطرف ضد الطرف الآخر، بل ما يتأسس من المختلف والمتشتت والمتنافر، وبالتالي ما يعد حصيلة تجربة ثقافية. لهذا نعتقد أن النظام(30)، الذي اهتم به فوكو في مرحلة الحفريات يجد تفسيره في جينيالوجيا الحقيقة، لأن حديث فوكو عن المبادئ القبلية التاريخية، وعن النسق، وعن الإبستمي، يبين أن الهم الذي شغله هو كيف تنشأ معرفة تريد أن تكون علمية حول الإنسان، ضمن شروط تجعل من معرفة ما، كحقيقة تتأسس على حساب حقيقة أخرى. هذا الأمر هو ما دفعه إلى الاهتمام بآليات الفرز والتقسيم والعزل والإقصاء، لأن النظام ليس خطا مستقيما، تأتي العناصر المتشابهة والمتطابقة، لكي ترسو فوقه مشكلة بذلك هوية ثقافية ما، بل على عكس ذلك، إن النظام يتكون من التشتت والتعدد، وما يرتبط بهما من الكثرة والاختلاف. وهذا يبين أنه لا وجود لنظام واحد، كما أن أصول النظام، هي الأخرى، متعددة، بتعدد أشكال الفرز والإقصاء والإبعاد.
في هذا المنحى فإن ما أبرزه فوكو تحت اسم التشكيلات المعرفية، هو علاقة السلطة بالمعرفة. ذلك أن العبارة التي شكلت موضوع حفريات المعرفة، سواء كان الأمر يتعلق بحفريات للاستلاب، أو بحفريات للمرض، أو بحفريات للعلوم الإنسانية(31) لها علاقة وطيدة بسلطة الحقيقة. ولقد برز هذا، بشكل واضح، في بيان فوكو لارتباط العبارة بالندرة، وهذه الأخيرة بالشروط التي تجعل الوظيفة العبارية، التي تحتلها الذات المتكلمة، لا تتصف بصفة الحقيقة إلا إذا وقعت ضمن ما هو حقيقي. فلا يمكن للفرد أن يتحدث عن كل شيء، ولا أن يعتقد أنه باستجماعه لكل قواه الفكرية، قادر على أن ينشئ مجالا معرفيا لم يكن معروفا. فكل كلام خاضع لشروط خاصة كقول يقع ضمن الحقيقة.
لهذا نعتقد أن ما عمل فوكو على تجاوزه، هو اعتبار المعرفة شيئا محايدا ومنفصلا عن الشروط التي يمارس فيها، أو منحدرا من أعلى إلى أسفل. فالمعرفي والعملي لا ينفصلان، ما دام، كل واحد منهما، يجد أصله في نفس الممارسة. هذا ما يجعل من المعرفة سلطة تفرز وتصنف وتقسم وتقصي(33) لأنها في عمقها ممارسة، ولا يمكن إلا أن تكون كذلك. فمن العبث افتراض، أنه قبل الإرادة والمبادرة الفردية لا وجود لممارسة ما؛ فالموقف الذي يدافع عن هذا التصور لا يرى في الممارسة إلا ما يأتي بعد الوعي. لكننا إذا نظرنا إلى الممارسة، من جهة الجانب الخفي فيها -وفوكو، هنا، ليس تشومسكيا، ولا فرويديا- فسيظهر لنا، أن الممارسة تحيط بكل جوانب حياتنا، وتطوق كل سلوك نسلكه، وكل لفظ نتلفظه، وعند التأكيد على هذه المسألة، يمكن تحديد الصفات التاريخية لهذه الممارسة، من خلال بيان أصولها وفصولها الجنيالوجية.
مما سبق نفهم أن انتقال فوكو من الأبحاث التي قام بها في كتابه “الحراسة والعقاب”، إلى الأبحاث الجنسانية، مشروع وممكن. ذلك أن فوكو لا يود أن ينتج معرفة مستقلة ومحايدة؛ فهو يؤكد في الدرس الذي ألقاه في سنة 1975-1976 تحت عنوان “الدفاع عن المجتمع” أنه “لا يمكن للذات المتحدثة في هذا الخطاب [يشير هنا إلى الدرس الذي يلقيه ] أن تحتل موقع رجل القانون أو الفيلسوف، أي موقع الذات الشاملة، ففي هذا الصراع العام الذي نتحدث عنه، هي حتما في هذا الجانب أو ذاك، وهي موجودة في المعركة، لها أعداؤها، وهي تقاوم من أجل انتصار ما”(34). يظهر، إذن، أن فوكو لا يجعل من المعرفة ما يغير الواقع من فوق، لأنها هي الواقع نفسه؛ فبين ما نعرفه وما نمارسه علاقة وطيدة لا يمكن تغيير أحدهما بدون تغيير الأخرى. هذا ما دفعه، وهو يؤرخ للحقيقة، إلى إبراز الشروط التي تتكون فيها الذات، ونعني بالشروط، الوضعية التي يتخذها الإنسان، ضمن ما هو حقيقي، ككائن يعمل ويحيا ويتكلم ويرغب… فالذات ليست واحدة في التاريخ، ولا تتشكل، ولا تتطور بفعل التصحيح والتقويم الذي تدخله على مسارها، اعتمادا على وعيها، من أجل تحقيق الكمال. فالذاتية، من حيث خصائصها، وطبيعة وجودها، مرتبطة بالشروط التاريخية التي توجد ضمنها، وبالتالي فإن ما يريد فوكو أن يجيب عنه هو معرفة كيف أنه في لحظات تاريخية مختلفة، وفي سياقات مجتمعية متباينة تصبح الذات موضوعا للمعرفة حيث ينظم الفرد معرفة معينة، لها مواصفات خاصة، بينه وبين ذاته؛ وبينه وبين الآخرين.
ولقد عمل فوكو على تناول تاريخ الذاتية، سواء من خلال التقسيم الذي يقام داخل المجتمع، باسم الجنون والمرض والانحراف، من أجل قياس التأثيرات التي تحدث على شخص عاقل وعادي؛ أو سواء من خلال تحديد أشكال التوضيع Objectivation، داخل المعرفة، كما أبرزها في مجال اللغة والعمل والحياة؛ أو سواء من خلال الوقوف عند الأنماط الأخلاقية.
ما تظهره هذه المحاولات الثلاث، هو أن الحقيقة، في عمقها، لعبة بين ما يتم إبرازه على أنه أساسي، وبين ما يتم إبعاده على أنه خطأ ووهم.
يمكن أن تبدو أعمال فوكو، إذا أخذنا بالاعتبار تعدد تموضعات الذات، أن هذه الأعمال تكثر من هذه التموضعات، مما ينتج عنه تفتيت الذات إلى مستويات مختلفة. لكن إذا رجعنا، إلى الكيفية التي عالج بها فوكو، هذه المسألة، أي تاريخ الذاتية، فإننا نلاحظ أن اهتمامه بالذاتية، في إطار تأريخه للحقيقة، يهدف إلى إبراز النقط والأماكن المتعددة التي تؤدي إلى تشكيل حقيقة الذات. لأن نمط وجود الذات ليس واحدا؛ كما لا توجد هوية ثابتة تطوي، جميع أشكال تموضع الذات، بطريقة يطبعها التطابق والتشابه.
ما نود أن نؤكد عليه هنا، هو أن فوكو اهتم، أساسا، بشكلين من أنماط حقيقة الذات. يتمثل الشكل الأول، في خضوع الآخر للذات، وما يميز هذا الشكل هو الإقصاء والهيمنة، لأن الذات كحقيقة لا تتأسس كذلك، إلا عندما تسيطر وتهيمن، مبرزة قوتها التي تشكلت من جراء إخضاع المختلف والمباين. في هذا المستوى الأول، تظهر الحقيقة أنها ما يأتي من الخارج، وما يتشكل من العلاقة التي تحدد طبيعة الذات انطلاقا من الآخر، وما يجعل من الآخر المهمل والمقصي، الحد السلبي الذي يسمح لحقيقة الذات أن تبرز كشيء إيجابي. وتكمن أهمية هذا المستوى، في كونه سمح لفوكو، في إطار النقد والتفكيك، إقامة نقد للحقيقة، بإبراز أشكال الهيمنة التي مورست على الطرف الذي أقصي، باعتباره ليس حقيقيا.
أما الشكل الثاني فيتعلق بالداخل، عندما تؤسس الذات حقيقتها، بفعل تحويل الخارج إلى داخل، وتجاوز اليون الذي يفصل الذات عن الآخر، فتصبح الحقيقة ما تم طيه وثنيه، بهدف جعل الذات لا تخضع إلا لذاتها، ولا تقيم الحقيقة، إلا من خلال نفسها. في هذا المستوى الثاني تظهر الحقيقة كإطار تستعيد فيه الذات هدوءها وسكينتها، بعد هيمنتها على الآخر الذي يجسد القوة القادمة من الخارج.
ما يتأكد لنا، من المستويين اللذين أشرنا إليهما، عدم انفصال أو ابتعاد الحقيقة عن مجال الصراع، الذي يؤدي إلى الهيمنة والسيطرة، لأن الحقيقة ليست محايدة، ولا تنتظر من يتكلم باسمها، ومن يعمل على إخراجها إلى واضحة النهار. إن الإنسان وهو يعمل ويحيا ويتكلم ويرغب… يؤسس نمطا خاصا من الذاتية كحقيقة، لأن السلطة تخترق أشكال الحقيقة أي الذاتية. لهذا فما تظهره جنيالوجية الحقيقة، التي قام بها فوكو بالنسبة للمجتمعات الحديثة -وهي هنا الغربية- هو أن الحداثة قامت على مبدأ إخضاع الإنسان ومراقبته(35)، وذلك بالتحكم فيه اقتصاديا وسياسيا. ولقد انصب موضوع المراقبة على الجسد(36)، الذي بات يشكل مركز الاهتمام، حيث أنشئت حوله معارف وعلوم تهدف إلى معرفة كل شيء، عن الأعضاء التي تكونه، والإمكانيات التي يمكن أن يحققها، والصفات التي تميزه.
لهذا سيتم تجدير الجسد في علاقات كلها مخترقة من طرف السلطة وآلياتها، من خلال التحكم في أعضائه، وتحديد قيمة كل حركة من حركاته، والبحث عن توظيف اقتصادي منتج لهذه الحركات. في إطار هذا يبرز فوكو أن المجتمعات الحديثة هي مجتمعات الانضباط. وهذه المسألة هي التي تجعل أن طريقة التحكم في الجسد في المرحلة المعاصرة تختلف عن الأشكال التي تمت تجربتها في مجتمعات مختلفة، ونعني بذلك العبودية والإقطاعية والخدمة المنزلية(37)؛ ذلك أن الانضباط، كحقيقة، لا تخضع الجسد لقوة قاهرة، تمارس عليه من فوق، أو تواجهه كما يتواجه محاربان في ساحة المعركة، بل تشتغل من بعيد ولا تظهر آلياتها القامعة في واضحة النهار؛ إنها سلطة مختفية؛ مع هذا الفارق، هو أن تسترها يعني بروزها وتجليها. وهذا راجع لكونها منتشرة في المجتمع، وموجودة في كل مكان، ويمكن أن تأتي من أي مكان، فلا أحد يعد مالكها سواء كان فردا أو طبقة أو دولة(38)؛ وهذا الانتشار هو ما يعطيها هذا الحضور/الغياب القوي؛ وبفعل ذلك تمارس دورها بدون الشك في وظيفتها، وطريقة اشتغالها، وعدم التساؤل عن أصلها ومن ثمة إمكانية مواجهتها. في هذا المنحى فإن الحقيقة تتواطأ مع السلطة، لأن كل واحدة تدافع عن الأخرى، وتبرز مشروعيتها وقيمتها. إذ أن الشك في الحقيقة يدفع السلطة إلى الخروج عن حيادها، وإثبات أحقية الحقيقة التي تم التساؤل حولها؛ والشك في السلطة تجعل الحقيقة تدافع عن قيمة السلطة التي بفضلها تبدو الأمور طبيعية وبديهية.
ويبرز فوكو، بشكل واضح، هذا التواطؤ بين السلطة والحقيقة، عند تناوله لمسألة الرغبات. إذ لاحظ أن الحقيقة التي تم نشرها عن الرغبات، وخاصة الجنسية منها، تخضع لتحريض قوي من طرف السلطة، إذ يطلب من الناس أن يقولوا كل شيء عن رغباتهم، ويتحدثان عن ممارستهم، لأن موضوع الرغبة لم يبق موضوعا يتعلق بعلاقة الفرد بذاته، بل أصبحت “المصلحة العامة” تتوسط هذه العلاقة، جاعلة بذلك من الرغبات موضوعا “سياسيا” بامتياز(39). فعلى الدولة أن تكون على علم بما يفعله الناس برغباتهم. في هذا الإطار ستقوم السلطة الانضباطية بتشغيل آلية، كانت منتشرة في المجتمعات المسيحية، وهي آلية الاعتراف. فبفضل هذه الآلية تدفع السلطة، المنتشرة في كل نقطة من نقط المجتمع، بالأفراد إلى إنتاج خطاب حول رغباتهم، وأن يقولوا كل شيء عن الحقيقة التي تهم الجميع، والتي أمست أمرا ضروريا، يجب على كل فرد أن يخضع ذاته لمتطلباتها، حتى يكون ضمن ما هو حقيقي.
يظهر مما سبق، أن قيمة التحليلات التي يقدمها فوكو تكمن في كونها لا تتعامل مع الحقيقة كشيء محايد وبعيد عن مجال الصراع والحرب، وكل ما يتعلق بفن الحرب من استراتيجية، وتاكتيك، وسياسة، وسهم، وديبلوماسية؛ إذ يعمل على أن يبين أن الحقيقة هي موضوع نشأ عن تراشق بالسهام، وبالتالي عن الخضوع و الهيمنة.
بناءا على ما تم إبرازه من قبل، فإن البحث في كيفية تشكل الحقيقة سيكون ناقصا ومجزءا، إذا لم يتم طرح مسألة الأخلاق. فهذا المجال ليس بعيدا عن السلطة وآلياتها، كما يعتقد عادة. ذلك أن السلوك الذي يسلكه الفرد كسلوك أخلاقي هو سلوك محاط بسياج السلطة، ومخترق بأهدافها. في هذا الصدد يبرز فوكو أن التأريخ للحقيقة عليه أن يضع على رأس مهامه، بعدا أساسيا من أبعاد عناصر الحقيقة، وهو مسألة فن العيش أو استيتيقا الوجود(40). ويشير فوكو بهذا المفهوم إلى الكيفية التي يحول بها الفرد ذاته لكي تصبح ذاتا أخلاقية، لا يهمها الخضوع إلى قواعد أو أوامر أو مواعظ خارجية، بقدر ما تبحث الذات على إعطاء وجودها بعدا جماليا. ولفظ جمال يعني، هنا، أن الفرد يهتم بذاته، وقلق على وجوده، لأنه يود أن يقيم توازنا بينه وبين ذاته.
لهذا فالأخلاق التي يود فوكو أن يهتم بها في إطار تأريخه للحقيقة، هي علاقة الذات بذاتها، والكيفية التي تنشئ بها الذات نفسها انطلاقا من وضعها كذات أخلاقية لا تهدف سوى إلى إبراز صفة الجمال التي تخصها. إن بحث فوكو، في هذا المستوى الأخلاقي، يعمل على التأكيد على الطابع الذاتي للحقيقة، وذلك بالتركيز على ما يميز الذات عندما تهتم بذاتها، وهي لا تبحث، فقط على أن تكون قدوة ونموذجا للآخرين، بل تتخذ من ذاتها موضوعا لتأملاتها، ومجالا لتحقيق ذاتها.
ما يميز هذا النوع من الأخلاق، هو كونه لا ينفصل عن مجال الصراع المنشئ للحقائق، وهذا يعني أن فوكو يبرز الكيفية التي تنشأ فيها أخلاق الذات، عندما تنظر إلى السلطة، ليس انطلاقا من قدرتها اللامتناهية على اختراق كل شيء، بل من خلال الحدود التي يتم بواسطتها تملكها والسيطرة عليها. ولقد جاء بحث فوكو في سياق محاولة وضع أخلاق، بعد أن ظهر أن الفكر المعاصر تخلى عن هذا المجال، إذ لم يعد من الممكن وضع أخلاق على شاكلة الأخلاق المسيحية أو الكانطية. فالأخلاق كقواعد تأتي من الخارج، يقوم الفرد بالخضوع لها لم تعد ممكنة. من هنا نعتقد أن فوكو يتمم أبحاثه التي قام بها لتحديد الشروط التي تؤدي بالفرد إلى إخضاع ذاته لنمط معين من الذاتية. لأن ما نلاحظه، مع مجال الأخلاق، والذي يشكل المجال الثالث، من مجال تاريخ الحقيقة، هو بروز مسألة الذاتية بشكل واضح، أكثر مما كان عليه الأمر في بحوثه السابقة، حيث تظهر الذات كأساس للحقيقة عندما لا تخضع إلا لذاتها. لهذا يمكن القول إن البعد النقدي الذي ميز مرحلة الحفريات، تراجع لكي يترك مكانه للبعد الاستيتيقي. إذ انصب اهتمام فوكو، بشكل أساسي، على تأسيس مجال تجد فيه الذات حقيقتها بعد أن تكون قد طوت الخارج وانتصرت عليه، لأن الاستراتيجية التي تحكمها هي استراتيجية أخلاقية.
وانطلاقا من قناعة فوكو، بأن دور المثقف لم يعد يكمن في قول الحقيقة والجهر بها(41)، وإبراز ما لم يكن واضحا إلا له وحده، فإنه لا يعمل على رسم معالم استيتيقا للعيش، ولا يبين نوعية الأخلاق التي يمكن تبنيها، ولا القواعد التي يلزم على الجميع أن يخضع ذاته لها: في هذا المنحى نفهم لماذا لجأ إلى اليونان والقرنين الأولين المسيحيين لتأريخ لأخلاقهم.
فما وجده عند اليونان، هو قدرتهم على اكتشاف الذات، بعد أن تكون قد طوت الخارج وجعلته ثنية. ذلك أن اليونان جعلوا من مسألة الذات موضوعا لتفكيرهم، وطريقة للانتصار على السلطة التي تأتي من الخارج. إن قيمة التجربة اليونانية، بالنسبة لفوكو، لا تكمن في الانتقال من الميتوس إلى اللوغوس، بل في اكتشاف الذات، وذلك من خلال تحكم الفرد في ذاته بهدف التحكم في الآخرين. من هنا نعتقد أن القراءة التي يقدمها لنا فوكو، عن اليونان، في إطار تأريخه للحقيقة، هي قراءة تركز على مسألة الطي والثني، وبالتالي فإن كل حقيقة هي لعبة بين الخطأ والصواب.
لكن إذا كانت الحقيقة حصيلة الصراع الذي يتجسد في اختلاف الاستراتيجيات وأشكال المقاومة والهيمنة المرتبطة بهما، فإن كل حقيقة هي ما تمت استعادته بهدف تشغيله بشكل مختلف وجديد. وهذا يعني أن الحقيقة التي تنشر ظلها على فترة من التاريخ، تجد أصلها في تذكر وعودة الماضي، ومن ثمة في رسم أفق جديد لهذا الماضي، مما يجعل الحقيقة تأخذ قيمة مختلفة.
ويقدم لنا، فوكو تحت اسم التناسخ، عملية الاستذكار والاستعادة هاته، من خلال التفكير في الاختلاف. ذلك أن الاختلاف، ليس ذلك الشيء الذي يبعد ويطمس باسم الوحدة، والهوية، والتطابق، والتشابه، بل ما يجب تحديد مكانته “الإيجابية”، بالوقوف عند الحركة التي تطبعه، وتجعل منه حقيقة نشأت من صراع القوى، وبالتالي من السيطرة والهيمنة. لهذا لا يجب التخلص بسرعة من الاختلاف، عند التأريخ للحقيقة، كعائق يقف أمام صيرورة الحقيقة، بل على العكس من ذلك، يجب التأكيد على اختلاف القوى، لأن الواقع هو مجموع القوى التي تتصارع فيما بينها، في اختلافها وتعددها. هذا الأمر هو الذي يؤدي إلى أن الحقيقة ، عبارة عن نسخة لنسخة أخرى، استعيدت بشكل مختلف، وبالتالي فإن ما يعتبر أصل الحقيقة هو حقيقة أخرى تغير أفقه ومجال انبثاقه ، لهذا فما يوجد، بالنسبة لفوكو، هوعودة الأصل بأشكال مختلفة، بعد أن يكون الأصل قد انفصل عن تطابقه وذاتيته. هذا ما دفع بفوكو إلى القول أننا اختلاف، وتاريخنا اختلاف، وذاتيتنا اختلاف(42).
مما سبق، برز لنا أن التاريخ الذي يود فوكو أن يكتبه، هو تاريخ الاختلاف، انطلاقا من إظهار الأصول التي تتغير باستمرار، وتتحول إلى أن تختفي كأصول، تاركة، فقط، نسخا متباينة وراءها. وما يميز تناسخ الأصول هو الطي والثني الذي يجعل نسخة تطوي أخرى، مشكلة بذلك انثناءات. لذا فما ندعوه تاريخا هو مجموع الانتثناءات والتحولات المختلفة للأصول. وإن تفسير الأحداث التاريخية، يعني فك الانثناءات للكشف عن طبيعة الطي الذي عرفته، والدواعي التي جعلت من انثناء ما يختفي في انثناء آخر.
لكن ما يجعل بحث فوكو التاريخي يأخذ أهمية كبرى، انطلاقا من الثني والطي، هو تنقيبه المستمر والحثيث عن القوى. إذ ما يتم طيه وثنيه هو القوة، عندما تدخل قوة في علاقة مع قوة أخرى، مشكلتين بذلك، مجالا لبروز الحقيقة. لأن ما يقع فعلا في التاريخ هو أن القوة المهيمنة تطوي القوة المسيطر عليها، مما يعني أن الصيرورة التي يعرفها التاريخ، أي التحول الذي يجعل من حقيقة ما هيمنت لمدة زمنية معينة، تختفي تاركة المكان لحقيقة أخرى، تجد تفسيرها في كون الحقائق تعبيرا عن القوى ومجسدة لحدة ودرجة كل قوة.
ويذهب تحليل فوكو، لمسألة الثني والطي، إلى الاهتمام بالكيفية التي يعتمدها الفرد للالتفاف على السلطة التي تواجهه في كل مكان، والتي تقيم سياجا من الضبط والمراقبة، يحيط بكل سلوكاته. ويبين فوكو أنه لمواجهة السلطة، لا يجب على الفرد أن يتوهم أن هناك واقعا لا سلطة فيه، بل عليه أن يقر أن التحرر الفعلي من السلطة لا يتم، إلا عندما يخضع القوة، من أجل امتلاكها، لذاته؛ انطلاقا من الذات نفسها، مما يعني أن على الفرد أن يجعل من قوته قوة تؤسس الحقيقة، عندما تطوي الخارج لكي يصبح داخلا.
يظهر مما سبق أن الحقيقة، استعادة لما سبق أن وقع، ولكن بشكل مختلف. ذلك أن الاختلاف هو محرك التحول الذي تعرفه الحقيقة، والذي يجعل من الحقائق التي يتم الرفع من مكانتها كحقائق، حصيلة ثني قوة لقوة أخرى.
ولعل أهمية التأريخ الذي قام به فوكو للحقيقة يكمن في كونه لم يكتف بالقول أن هناك إرادة للحقيقة ثاوية وراء الحقيقة، بل عمل على الكشف عنها في حفريات انطلاقا من ما وقع فعلا.
لكن ما هي أهمية هذا البحث الذي يقوم به فوكو؟ وما ذا يريد أن يثبت؟ يظهر أن فوكو، وهو يتابع إرادة القوة التي تحكمت في تاريخ الغرب، لا يريد أن يقول إن كل شيء سيء، وأن ما أنتجته الحضارة الغربية لم يؤد إلا إلى قمع الأحمق، وخلق سياج من المراقبة على الناس، وحثهم على أن يقولوا كل شيء عن جسدهم حتى يمكن التحكم فيهم. إن فوكو وجه مطرقته، ليس إلى تهديم الأصنام كما فعل نيتشه من قبل، بل إلى أن يبرز، استنادا إلى التاريخ وأحداثه، كيف تشكلت الهوية الغربية. ونحن نعتقد أن هذا النقد للهوية الغربية، الذي يهدف إلى تفكيكها، والذي يمكن أن نلاحظ بدايته مع نيتشه، يجد في فكر فوكو إحدى محطاته البارزة. ونريد أن نقول بذلك إن الحضارة الغربية التي هيمنت باعتبارها حضارة الحداثة، بدأ مشروعها الحضاري يعرف انتشارا كونيا، وأن هيمنة التقنية التي يتحدث عنها هايدجر لم تعد تنحصر آثارها في الغرب، بل امتدت إلى معمور الأرض، إذ لم تبق هناك إمكانية للحضارات الأخرى، لم تعرف التقنية وما يرتبط بها، أن تقبلها أو ترفضها؛ لقد باتت العصور الحديثة عصرا كونيا. أمام هذا التحول، فإن الأسئلة الأساسية بالنسبة للغرب تكمن في إعادة وضع أسس جديدة لتاريخه. ونعني بذلك وضع أسس تمكن الغرب من أن يندمج في مجموع أنواع المشروعات الحضارية الأخرى. لهذا نفهم لماذا لم يعمل فوكو على إنتاج خطاب فلسفي كوني، يجعل بواسطته الغرب يحتل المركز من جديد. لقد جعل فوكو من ممارسته الفلسفية، ممارسة قطاعية وجهوية، ترسم لنفسها حدوجا متعلقة بطبيعة المجال الذي تهتم به. وهذا يؤكد أن فوكو يتوفر على وعي تاريخي بمحدودية خطابه؛ وأن قوة خطابه ستمكن في تقاطعها مع خطابات قطاعية وجهوية أخرى.
ويمكن القول إن فوكو، وهو يجوب مجالات المعرفة والمجتمع والأخلاق بهدف وضع تاريخ للحقيقة، ينحت مفاهيم جديدة، ويدخل إلى التفكير الفلسفي موضوعات لم تكن محط اهتمام الفلاسفة، ويعمل على إبراز ما كان منسيا ومهملا، وهو بهذا يجدد التفكير الفلسفي بعد أن ارتفعت في بداية هذا القرن صيحات منادية بنهاية الفلسفة وموت الميتافيزيقا. وهذا التجديد، هو في عمقه، محاولة لإبراز الوجود الذي يخص نهاية هذا القرن بنقده من جهة، وبخلق بون فيه، بهدف التفكير فيما يبدو مستحيلا التفكير فيه.

الهوامش:
1 – Michel Faucualt: l ‘usage des plaisirs , histoire de la sexualité T2., Gallimard 1984, p. 12.
2 – ميشيل فوكو: نيتشه، الجنيالوجيا والتاريخ، ص 53 ضمن ميشيل فوكو: جنيالوجيا المعرفة، ترجمة أحمد السطاتي/ عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 1988.
3 – نفس المرجع، ص 52.
4 – Paul Veyne: Comment on écrit l’histoire, Ed. Du seuil, 1978, p. 211.
5 – هذه القضايا هي التي شكلت مواضع فوكو الأساسية، من كتابه تاريخ الحمق إلى كتبه التي خصها لتاريخ الجنس.
6 – Michel Foucault: La volonté de Savoir, Histoire de la sexualité T1., Gallimard, 1976, p. 109.
7 – ميشال فوكو: حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، الطبعة الأولى 1986، ص 9
8 – Michel Foucault: surveiller et Punir, vaissonce de la prison, Gallimard 1975, p. 35
9 – Michel foucault: Les jeux du pouvoir, p. 174, in Politique de la philosophie Grasset, Paris, 1976.
10 – Michel Foucault: L’usage des plaisirs, op.cit., p. 15
11 – ميشالة فوكو: حفريات المعرفة، مرجع سابق، ص 199.
12 – Michel Foucault: Histoire de la folie à l’âge classique, Tel Gallimard 1972, p. 181
13 – فوكو: نيتشه، الجنيالوجيا والتاريخ، مرجع سابق، ص 59
14 – Paul Veyne: Comment on écrit l’histoire, op.cit, p. 212
15 – Michel Foucault; les mots et les choses, Gallimard 1966, p. 12
16 – Michel Foucault: la volonté de savoir, op.cit, p. 123
17 – ميشال فوكو: الحقيقة والسلطة، ص 77 ضمن، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1984.
18 – Michel Foucault: Histoire de la folie à l’âge classique, op.cit. p. 39
19 – Michel Foucault: Théatrum philosophicun, p. 906, critique n° 282, Novembre 1970.
20 – ميشال فوكو: حفريات المعرفة، مرجع سابق، ص 9.
21 – Michel Foucault: Naissance de la clinique, presses universitaires de France, 1963, p. XII.
22 – Nietzsche: Généologie de la morale, idée/Gallimard, 1964. Trad. Henri Albert, p. 108.
23 – Ibid; p. 170.
24 – Michel Foucault: Les mots et les choses, op.cit, p. 230
25 – Michel Foucault: Theatrum philosophicum, op.cit, p. 893.
26 – Michel Foucault: Histoire La folie à l’âge classique, op.cit, cha^pitre II.
27 – Michel Foucault: L’usage des plaisirs, op.cit. p.10.
28 – ميشال فوكو: حفريات المعرفة، مرجع سابق، ص 10.
29 – Michel Foucault: theatrum philosophicum, op.cit, p. 898.
30 – Michel Foucault: Les mots et les choses, op.cit, p. 12.
31 – يتعلق الأمر هنا، بالكتب التي تنتمي لمرحلة الحفريات.
32 – فوكو: نظام الخطاب، ضمن جنيالوجيا المعرفة مرجع سابق، ص 15.
33 – نفس المرجع، ص 6.
34 – دروس ميشال فوكو، ترجمة محمد ميلاد، الطبعة الأولى، دار توبقال للنشر 1994، ص 49.
35 – Michel Foucault: Surveiller et punir, op.cit, p. 139.
36 – Ibid.
37 – Michel Foucault: Deux essais sur le sujet et le pouvoir, p. 303 in Dreyfus/Rabinow: Michel Foucault: un parcours philosophique, tred. F.D. Borget Gallimard, 1984.
38 – Michel Foucault: La volonté desavoir, op.cit, p. 123.
39 – Ibid, p. 85.
40 – Michel Foucault: L ‘usage des plaisirs, op.cit, p. 17.
41 – فوكو: الحقيقة والسلطة، ص، 75، ضمن نظام الخطاب مرجع سابق
42 – فوكو: حفريات المعرفة، مرجع سابق، ص ص 125-126.

_______________________________________________

((مجموعة مواقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة ))

https://modernitysite.wordpress.com/

https://twitter.com/POSTMODERNISME2

https://www.google.com/+MichelFoucaultphilosophe2022

https://www.facebook.com/post.postMODERNISME/?fref=n

modernity2022@gmail.com

http://post2modernisme.blogspot.com/

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s