ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي
إذا كان تطور الفكر الغربي خلال القرنين السابع والثامن عشر قد ترك تقنيات التأويل التي عرفها القرن السادس عشر معلقة، وإذا كان النقد الذي وجهه (بيكون) و(ديكارت) للتشابه قد لعب دورا كبيرا في وضع تلك التقنيات بين قوسين، فإن القرن التاسع عشر، وعلى الأخص ماركس ونيتشه وفرويد، قد طرحوا أمامنا إمكانية أخرى للتأويل. إنهم أسسوا إمكانية قيام تأويل جديد.[…]
إن أول سؤال أود أن أطرحه هو السؤال الآتي: ألم يحدث ماركس وفرويد ونيتشه تغيرات عميقة على المكان الذي تتوزع فيه الدلائل والعلامات فتتحدد بموقعها فيه؟
ففي العهد الذي انطلقنا منه واتخذناه مرجعا لنا، وأعني خلال القرن السادس عشر، كانت الدلائل والعلامات تتوزع بكيفية متجانسة في مكان كان هو ذاته مكانا متجانسا، كما أن هذا التوزيع كان يتم حسب جميع اتجاهات ذلك المكان. فدلائل الأرض وآياتها كانت تحيل إلى السماء، ولكنها كانت ترد في الوقت ذاته إلى عالم ما تحت الأرض. إنها كانت تحيل من الإنسان إلى الحيوان، ومن الحيوان إلى النبات والعكس. وابتداء من القرن التاسع عشر، أي مع فرويد وماركس ونيتشه أصبحت الدلائل والعلامات تتدرج في مكان متفاوت الأجزاء وحسب بعد يمكننا أن نطلق عليه بعد الأعماق، شريطة ألا نفهم من هذا، البعد الباطني وإنما بعد العمق الخارجي. […]
أما الفكرة الثانية التي أود أن أعرضها عليكم، والتي لا تخلو من ارتباط مع هاته النقطة الأولى، فهي كون التأويل قد أصبح، انطلاقا من هؤلاء المفكرين الثلاثة الذين نتحدث عنهم مهمة لا نهاية لها.
والحق أنه كان كذلك حتى خلال القرن السادس عشر. ولكن العلامات كانت تحيل إلى بعضها بعض لسبب بسيط وهو أن التشابه لا يمكن أن يكون إلا محدودا. وابتداء من القرن التاسع عشر أصبحت الدلائل تترابط فيمابينها لتشكل سلسلة لا نهاية لها، ولا يؤتى على نهايتها لا لكونها تقوم على تشابه عديم الحدود بل لأن هناك انفتاحا وفوهة لا يمكن أن تنغلق.
إن عدم اكتمال التأويل وقابليته الدائمة للفحص، وكونه يظل دوما تأويلا معلقا، كل هذا نجده بصفة متماثلة سواء عند ماركس أو نيتشه أو فرويد وذلك في صورة رفض للبداية. فماركس كان يرفض الحديث عن حياة (حي بن يقظان)، ونيتشه كان يعطي أهمية شديدة للتمييز بين البداية والأصل والفصل بينهما، أما فرويد فإنه كان يلح على الصبغة اللامكتملة للطريقة التراجعية التحليلية. ونحن نلاحظ هذه التجربة بكيفية أكثر حدة عند نيتشه وفرويد على الخصوص، أكثر مما نلفيها عند ماركس. وأظن أنها تجربة أساسية بالنسبة للتأويل المعاصر. وهي تتلخص في كوننا، كلما أغرقنا في التأويل، نقترب، في الوقت ذاته من منطقة شديدة الخطورة لا يرد عندها التأويل على أعقابه فحسب، بل يختفي كتأويل محدثا معه اختفاء المؤول ذاته. فبما أن النقطة النهائية للتأويل تظل دوما نقطة تقريبية، فإن ذلك يعني وجود نقطة انفصال. […]
أعتقد أن خاصية عدم الاكتمال هاته، وهي خاصية أساسية في التأويل، ترتبط بمبدأين آخرين أساسيين هما أيضا. وهما يشكلان إلى جانب المبدأين السابقين مصادرات التأويل الحديث. أول هذين المبدأين هو أنه إذا لم يكن في استطاعة التأويل أن يكتمل فذلك لسبب بسيط وهو عدم وجود ما يؤول. فليس هناك عنصر أول ينبغي تأويله وينطلق منه التأويل. لأن العناصر كلها تكون في الحقيقة تأويلا. وكل دليل لا يشكل في ذاته الشيء الذي يعرض نفسه للتأويل وإنما هو تأويل لعلامات أخرى.
وإذا شئتم فلنقل إنه لا يكون هناك موضوع ما من موضوعات التأويل إلا وقد أول من قبل، بحيث تكون العلاقة التي تقوم في عملية التأويل علاقة عنف بقدر ما تكون علاقة توضيح وكشف. وبالفعل، فإن التأويل لا يكشف خفايا مادة للتأويل تعطي نفسها بشكل سلبي منفعل، إن التأويل لا يمكنه إلا أن يستحوذ وبعنف على تأويل آخر سبق وجوده من قبل فيقبله ويقلبه وينزل عليه ضربات عنيفة. […]
إن القول بأن التأويل يسبق الدليل ويتقدمه يفترض أن الدليل ليس كائنا بسيطا (طيبا) مثلما كانت الحال خلال القرن السادس عشر، حيث كانت غزارة الدلائل والعلامات ووجود تشابه بين الأشياء، دليلين على طيبة الرب، ولم يكونا ليفصلا الدليل عن فحواه إلا عن طريق حجاب شفاف. وعلى العكس من ذلك يبدو لي أنه انطلاقا من فرويد وماركس ونيتشه، سيصبح الدليل شريرا خبيثا وسيتخلى عن طيبته، أعني أنه أصبح يضمر، بكيفية غامضة، نوعا من سوء النية. وهذا بمقدرا ما أن الدليل تأويل لا يعطي نفسه ولا يقدمها على أنها كذلك. فالعلامات هي تأويلات تحاول أن تبرر ذاتها، وليس العكس. […]
لنعرض في النهاية السمة الأخيرة للتأويل: فالتأويل يجد نفسه مرغما على أن يؤول ذاته إلى ما لا نهاية، وأن يتناول ذاته من جديد وعلى الدوام. تتمخض عن ذلك نتيجتان أساسيتان: أولاهما أن التأويل يكون دوما للمجهول الذي قام بالتأويل. فنحن لا نؤول المعنى الذي يوجد في المدلول وإنما نؤول هذا الذي قام بالتأويل. فليس مبدأ التأويل إلا المؤول. ولعل ذلك هو المعنى الذي يعطيه نيتشه لكلمة (سيكولوجيا). أما النتيجة الثانية فهي أن التأويل يكون عليه دوما أن يؤول ذاته. وهو لا يملك بدا من أن يؤول ذاته على الدوام. فمقابل زمن العلامات الذي هو زمن الأجل المحدود، ومقابل زمن الجدل الذي هو بالرغم من كل شيء زمن خطي، لدينا زمن التأويل الذي هو زمن دائري. فهذا الزمن مرغم على أن يمر من الموقع نفسه الذي مر به من قبل. الأمر الذي ينتج عنه أن الخطر الوحيد الذي يتهدد التأويل هو أن نؤمن بوجود علامات تتمتع بوجود أصلي، أولي، حقيقي، كما لو كانت آثارا منسجمة بارزة واضحة منسقة.
وعلى العكس من ذلك، فإن ما يضمن حياة التأويل هو ألا نؤمن إلا بوجود تأويلات. ويبدو أن علينا أن ندرك جيدا هذا الأمر الذي يتناساه معظم المفكرين المعاصرين، وهو أن التأويل والسيميولوجيا عدوان لدودان. فإذا كان تأويل ما يرد نفسه إلى السيميولوجيا فإنه سيكون مضطرا لأن يؤمن بوجود العلامات والدلائل وجودا مطلقا. وحينئذ سيتخلى عن العنف وعدم الاكتمال ولا نهائية التأويل كي يدع المجال شاغرا لرعب الإشارات ولكي يتهم اللغة. وهاهنا نجد الماركسية كما آلت بعد ماركس. وعلى العكس من ذلك فإذا ما انطوى التأويل على ذاته، فإنه سيقتحم مجال اللغات التي لا تنفك يفضي بعضها إلى بعض، وسيلج ذلك الميدان الذي يفصل الحمق عن اللغة الخالصة. وها هنا نلفي نيتشه.
M.Foucault, “Nietzsche, Freud, Marx” in Nietzsche, Colloque de Royaumont, Paris Minuit..

_________________________________________________

((مجموعة مواقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة ))

https://modernitysite.wordpress.com/

https://twitter.com/POSTMODERNISME2

https://www.google.com/+MichelFoucaultphilosophe2022

https://www.facebook.com/post.postMODERNISME/?fref=n

modernity2022@gmail.com

http://post2modernisme.blogspot.com/