ترجمة وتعليق: حميد طاس

I –
عندما تطرح جريدة ما، في أيامنا هذه، سؤالا على قرائها، فذلك لتطلب وجهة نظرهم في موضوع يكون لكل واحد منهم فيه رأي خاص، فلا تكون هناك إمكانية معرفة شيء جديد. أما في القرن 18م فكان يفضل أن تطرح على العامة مجموعة من القضايا لم يتوصل بعد إلى حلها، ولست أدري إن كانت هذه الطريقة ناجعة بقدر ما كانت مسلية. ودائما وبموجب هذه العادة نشرت دورية ألمانية هي Berlinische Monatschrift (شهرية برلين) في نوفمبر 1784م جوابا على السؤال: ما هي الأنوار؟ Was ist Aufklarung، وكان هذا الجواب لكانط.
قد لا يكون نصا مهما، ولكن أظن أن معه قد دخل إلى تاريخ الفكر، وبشكل خفي، سؤال لم تكن الفلسفة الحديثة قادرة على الإجابة عنه، بل لم تستطيع قط التخلص منه، وها هي الآن، ومنذ قرنين من الزمان مازالت تعيده وتكرره بأشكال مختلفة، فمن Hegel إلى Horckheimer أو Habermas مرورا بـ Neitzsche أو Max Weber لا توجد فلسفة إلا وواجهت، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة نفس السؤال: ما هو هذا الحدث الذي يسمونه الأنوار والذي حدد، ولو جزئيا على الأقل، ما نحن عليه، وما نفكر فيه وما نفعله الآن. فإذا تخيلنا أن Berlinische Monatschrift (شهرية برلين) ما زالت موجودة في أيامنا هذه و أخذت تطرح على قرائها السؤال: “ما هي الفلسفة الحديثة؟” ، فربما نستطيع أن نجيب وبكل تلقائية: إن الفلسفة الحديثة هي تلك التي حاولت، وبكل حذر منذ قرنين الجواب على السؤال: ما هي الأنوار؟(1)
لنتوقف قليلا عند هذا النص لكانط، فإنه يسترعي الانتباه لأسباب متعددة.

1 – ففي نفس الجريدة، ومنذ شهرين من قبل، كان Moses Mendelssohn قد أجاب هو أيضا على نفس السؤال، ولكن كانط لم يكن يعلم بذلك النص حين حرر جوابه.
صحيح أن هذه اللحظة لم تكن هي بداية الإلتقاء بين الحركة الفلسفية الألمانية والتطورات الجديدة للثقافة اليهودية، فقد كان Mendelssohn صحبة Lesing حاضرا في هذا التقاطع منذ 30 سنة، ولكن إلى ذلك الحين كان الأمر يتعلق فقط بالمطالبة بحق المواطنة للثقافة اليهودية داخل الفكر الألماني -وهذا ما حاول Lesing أن يفعله في die Juden (اليهود)-، أو بمحاولة إثارة المشاكل المشتركة بين الثقافة اليهودية والفلسفية الألمانية: وهذا ما فعله Mendelssohn في محاورات حول خلود الروح. ولكن بظهور النصين في Berlinische Monatschrift (شهرية برلين) عرفت الأنوار الألمانية والأسكالا Haskala اليهودية أنهما ينتميان إلى نفس التاريخ، فأخذا يبحثان في تحديد العامل المشترك الذي ظهرا على إثره، وربما كانت تلك طريقة للإعلان عن قبول مصير مشترك نعلم جيدا إلى أي كارثة سوف يؤدي إليها.
2 – زيادة على ذلك يطرح هذا النص في حد ذاته وداخل التقليد المسيحي مشكلا جديدا. صحيح أنها ليست المرة الأولى التي يحاول الفكر الفلسفي أن يتأمل فيها حاضره الخاص، ولكن يمكن القول، وبطريقة مبسطة، أن هذا التفكير قد أخذ إلى ذلك الحين ثلاثة أشكال رئيسية:
– فيمكن أن نتصور الحاضر كإنتماء لعصر من عصور العالم يختلف عن غيره ببعض الخصائص المميزة أو يبتعد عن غيره ببعض الحوادث الخطيرة(2). هكذا مثلا يعلم المحاورون في جمهورية أفلاطون أنهم ينتمون إلى واحدة من تلك الثورات العالمية حيث يرجع العالم متقهقرا إلى الوراء بكل ما يحمله هذا الرجوع من النتائج السلبية.
– ويمكن أيضا أن نسائل الحاضر من أجل أن نعثر فيه على علامات تبشر بوقوع حدث في المستقبل، وهنا نكون أمام مبدأ افتراض تأويل تاريخي يمكن لـ Augustin أن يعطينا مثالا على ذلك.
– كما يمكن تحليل الحاضر كنقطة تحول نحو فجر عالم جديد، وهذا ما يصفه Vico في آخر فصل من مبادئ فلسفة التاريخ. فما يراه في “الآن” هو “إنتشار أتم الحضارات عند الشعوب التي يخضع أغلبها لملوك كبار”، كما يرى في الآن “أوروبا زاهية لا تقابلها حضارة أخرى تنعم أخيرا بكل أنواع الخيرات التي تخلق سعادة وهناء الحياة البشرية”.
غير أن الطريقة التي يطرح بها كانط سؤال الأنوار هي مخالفة تماما: فليست هي عصرا للعالم ننتمي إليه، ولا حدثا ندرك علاماته، ولا حتى بداية لإنجاز. فكانط يعرف الأنوار بطريقة تكاد تكون سلبية تماما، يعرفه كـ Ausgang “كخروج”، “كمنفذ”. فإذا كان كانط في كتاباته الأخرى حول التاريخ يطرح أسئلة حول الأصل أو يحدد الغاية الداخلية لصيرورة تاريخية ما(3)، فإن السؤال في هذا المقال حول الأنوار يهتم بالوضع الراهن الخالص، أنه لا يسعى إلى فهم الحاضر انطلاقا من كلية ما أو اكتمال مستقبلي، إنه يبحث عن الاختلاف: ما هو الشيء المختلف الذي يضيفه الوضع الراهن بالمقارنة مع ما أتى به الأمس؟(4)
3 – لن أدخل في تفاصيل النص الذي يبقى غير واضح رغم اختصاره، وأريد فقط أن أثير الانتباه إلى ثلاث أو أربع نقط تبدو لي مهمة من أجل فهم الكيفية التي عالج بها كانط الحاضر معالجة فلسفية.
يسارع كانط بالتصريح بأن هذا “الخروج” الذي يميز الأنوار هو صيرورة تخرجنا من حالة “القصور”، ويعني بالقصور حالة معينة لإرادتنا تسمح لنا بقبول وصاية شخص آخر من أجل توجيهنا في ميادين يكون من الأفضل أن نستعمل فيها العقل، ويعطي كانط ثلاثة أمثلة على ذلك، فنحن نكون في حالة من “القصور” عندما يقوم كتاب ما مقام فهمنا، أو عندما يقوم مرشد ديني مقام ضميرنا، أو عندما يقرر طبيب في مكاننا نظام أكلنا. (يمكن أن نسجل هنا بسهولة أنواع الانتقاد الثلاثة رغم أن النص لا يصرح بها علانية)، وبصفة عامة تتحدد الأنوار بتغير العلاقة الموجودة سلفا بين الإرادة والسلطات واستخدام العقل.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا “الخروج” قد قدم من طرف كانط بصورة مبهمة فهو يميزه مرة كحدث، كصيرورة سارية الحدوث، كما يقدمه مرة أخرى كمهمة يجب القيام بها وكضرورة، فمنذ الفقرة الأولى يشير كانط إلى أن الإنسان هو نفسه المسؤول عن حالة القصور التي يعيشها، لذا يجب أن نفهم أنه لا يمكن أن يخرج منها إلا بتغيير يحدثه هو بنفسه على نفسه أو بتعبير آخر فإن كانط يقول أن لهذه الأنوار شعارا Wahlspruch يعرف بها: غير أن الشعار هو سمة مميزة نعرف بها، كما أنه تعليمات نعطيها لأنفسها ونقترحها على الآخرين. فما هي هذه التعليمات؟ (إنها تتلخص في العبارة التالية): “فلتكن لديك الشجاعة والجرأة للمعرفة”(5). إذن يجب أن نعتبر الأنوار، في نفس الوقت، كحدث يشترك فيه جميع الأفراد وكفعل شجاع نقوم به بطريقة فردية حيث يكون هؤلاء الأفراد، في نفس الوقت عناصر وعوامل لنفس الحدث. فهم يمكن أن يكونوا الفاعلين فيه في الوقت الذي يكونون عناصر ينتمون إليه، وينتجونه في الوقت الذي يقررون أن يكونوا الفاعلين المتطوعين فيه.
إضافة إلى ما سبق هناك أيضا صعوبة ثالثة تظهر في نص كانط والمتعلقة باستعمال كلمة Menschleit (الإنسانية)، ونحن نعلم أهمية هذه الكلمة في التصور الكنطي للتاريخ. فهل يجب الفهم أن مجموع النوع البشري هو المقصود في حدث الأنوار؟ وفي هذه الحالة يجب أن نتخيل أن الأنوار هي تغير تاريخي يمس الوجود السياسي والاجتماعي لجميع البشر على وجه الأرض. أم يجب الفهم أن الأمر يتعلق بتغيير يمس ما يكوّن إنسانية الكائن البشري؟ وبالتالي يطرح السؤال لمعرفة هذا التغيير؟ وهنا أيضا يبدو أن جواب كانط لا يخلو من غموض إذ يبدو، على كل حال، جوابا معقدا رغم ما يبدو عليه من بساطة.
وهكذا يحدد كانط شرطين أساسيين لكي يخرج الإنسان من حالة قصوره. وهذه الشروط هي في نفس الوقت شروط روحية ومؤسساتية، أخلاقية وسياسية. وأول هذه الشروط هو أن يفصل جيدا بين ما يرجع إلى الطاعة والخضوع وبين ما يرجع إلى استعمال العقل. وكانط عندما يميز باقتضاب حالة القصور فإنه يذكر العبارة المألوفة: “لا تعملوا الفكر بل أطيعوا” وهذا هو الشكل الذي يمارسه عادة النظام العسكري، السلطة السياسية، والسلطة الدينية فالإنسانية يمكن أن تتقدم ليس لأنها لن تطيع أبدا ولكن عندما نقول لها: “أطيعي، وسوف تستطيعين التفكير كيفما تشائين”، وهنا يجب الإشارة إلى أن الكلمة الألمانية المستعملة هنا هي: “razonieren” (التفكر) هذه الكلمة التي نجدها أيضا في مؤلفات النقد(6) لا ترجع إلى أي استعمال كيفما كان للعقل ولكن إلى استعمال له هدف آخر غير ذاته، فـ”razonieren” هي التفكر من أجل التفكر. وكانط يعطي مجموعة من الأمثلة رغم أنها تبدو ركيكة في ظاهرها: فما يميز حالة التقدم حسب كانط، مثلا هو أن نؤدي الضرائب ولكن أيضا أن نستطيع التفكير كيفما نشاء في قضايا الضرائب أو نحافظ على خدمة الكنسية التي ننتمي إليها وفقا لمبادئها عندما نكون قساوسة ولكن أن نفكر كيفما نشاء في موضوع العقائد الدينية.
قد نظن أن لا شيء يختلف عما كنا نسمعه منذ القرن 16م حول حرية الرأي بمعنى أن لدينا الحق في أن نفكر كما نشاء دون أن نطيع كما يجب. غير أن كانط هنا يدخل فرقا آخر بطريقة مفاجئة. يتعلق الأمر بالفرق بين الاستعمال الخاص والاستعمال العمومي للعقل. ويضيف مباشرة بأن العقل يجب أن يكون حرا في استعماله العمومي بينما يجب أن يكون خاضعا في استعماله الخاص، الشيء الذي يخالف حرفيا ما يسمى عادة بحرية الرأي. ولكن يجب أن ندقق بعض الشيء. فما هو هذا الاستعمال الخاص للعقل حسب كانط؟ وما هو المجال الذي يمارس فيه؟ يقول كانط إن الإنسان يستعمل عقله استعمالا خاصا عندما يكون “أداة في جهاز ما” أي عندما يكون له دور يلعبه في المجتمع ووظائف يمارسها: كان يكون جنديا، أو تكون له ضرائب يسددها، أو يكون مسؤولا عن كنيسة، أو يكون موظفا في إحدى الحكومات، كل هذا يجعل من الكائن البشري عضوا معينا داخل المجتمع، إنه يوجد بذلك في وضع محدد يملي عليه تطبيق جملة من القواعد ويسعى لغايات معينة. وكانط لا يطلب القيام بطاعة عمياء دون تفكير، ولكن يطلب استعمالا للعقل يكون متكيفا مع هذه الأوضاع المحددة وفي هذه الحالة نجد أن العقل يكون خاضعا لتلك الغايات المعينة، فلا يكون هناك إذن استعمال حر للعقل. وبخلاف ذلك عندما نفكر فقط من أجل استعمال فكرنا، عندما نفكر ككائنات مفكرة (وليس كأداة في جهاز)، عندما نفكر كجزء ينتمي للإنسانية المفكرة، فإن استعمال العقل يجب أن يكون حرا وعموميا. والأنوار ليست فقط حدثا يضمن من خلاله الأفراد حريتهم الخاصة في التفكير، بل تتحقق الأنوار عندما يكون هناك تطابق للاستعمال الكوني، والحر مع الاستعمال العمومي للعقل(7).
وهذا يجرنا إلى سؤال رابع يجب طرحه على نص كانط: إننا نفهم جيدا أن الاستعمال الكوني للعقل (خارج كل غاية معينة) هي مسألة تخص الذات نفسها كفرد، كما نعلم أيضا أن حرية هذا الاستعمال يمكن أن تكون مضمونة بطريقة سلبية تماما نظرا لعدم وجود أية متابعة ضدها، ولكن كيف نضمن الاستعمال العمومي لهذا العقل؟ فكما نرى لا يجب أن نفهم ببساطة أن الأنوار هي حدث عام يمس البشرية جمعاء، أي أن نفهمها فقط كضرورة مفروضة على الأفراد، إنها تظهر الآن كمسألة سياسية(8), وفي كل الحالات سيطرح السؤال حول معرفة كيف يمكن للاستعمال العمومي للعقل أن يأخذ شكلا عموميا خاصا به، كيف يمكن لجرأة المعرفة أن تشتغل في واضحة النهار رغم أن الأفراد يطيعون كما يجب.
ولكي يختم كانط ويجيب على هذه التساؤلات يقترح على Frederic II نوعا من التعاقد الغير المصرح به، أو ما يمكن تسميته تعاقد الإستبداد العقلاني مع العقل الحر حيث سيكون الاستعمال العمومي والحر للعقل المستعمل هو أحسن ضمانة للطاعة، بشرط أن يكون المبدأ السياسي الذي سوف يتم الخضوع له مطابقا بالمقابل للعقل الكوني.
لنترك الآن هذا النص، فأنا لا أسعى تماما إلى اعتباره يمثل وصفا وافيا للأنوار، وأظن أنه لن يستطيع إشفاء غليل أي رجل تاريخ لتحليل التغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي ظهرت في أواخر القرن 18م. ولكن رغم طابعه الظرفي، ودون السعي إلى إعطائه مكانة خاصة في عمل كانط، أظن أنه يجب أن نسجل العلاقة الموجودة بين هذا المقال القصير ومؤلفات النقد الثلاثة فهذا النص يصف الأنوار كلحظة تسعى فيها الإنسانية إلى استعمال فكرها الخاص دون الخضوع لأي سيطرة، وهذه اللحظة بالذات هي التي يكون فيها النقد ضروريا، ذلك أن دور النقد هو أن يحدد الشروط المشروعة لاستعمال العقل لكي يحدد ما يمكن معرفته وما يمكن فعله وما يمكن انتظار وقوعه. وهكذا فالوهم والاستعمال الغير المشروع للعقل هو الذي ولد لنا الدوغمائية والتبعية، وبمقابل ذلك عندما نحدد بشكل واضح الاستعمال المشروع للعقل وفقا لمبادئه فسيكون استقلاله مضمونا. فكأن النقد هو بمثابة مذكرات يومية مكتوبة لعقل اصبح خارج وضعية القصور في عصر الأنوار؛ وعكس ذلك أصبحت الأنوار هي عصر النقد.
وأظن أنه يجب أن نسجل أيضا العلاقة بين هذا النص لكانط والنصوص الأخرى المخصصة للتاريخ، فإذا كانت هاته الأخيرة تبحث في أغلبها في تحديد الغاية الداخلية للزمن، والنقطة التي يسعى إليها تاريخ البشرية، فإن تحليل الأنوار واعتبارها مرور الإنسانية إلى حالة من التطور، يضع الآنية في مقابل حركة المجموع هاته واتجاهاتها الأساسية. ولكنها في نفس الوقت توضح في هذا الوضع الراهن كيف أن كل فرد يجد نفسه مسؤولا بطريقة ما عن هذا الحدث الجماعي.
والفرضية التي أريد اقتراحها، هي أن هذا النص القصير يوجد بشكل ما في نقطة التقاء التفكير النقدي والتفكير حول التاريخ، هذا الالتقاء الذي ليس إلا تفكير كانط في آنية مشروعة. صحيح أنها ليست المرة الأولى التي يعطي فيها فيلسوف ما أسباب شروعه في عمله في هذه اللحظة أو تلك. ولكن يبدو لي أنها أول مرة يوجد فيلسوف يربط بشكل وثيق وعميق دلالة عمله مع المعرفة من جهة، والتفكير حول التاريخ من جهة ثانية وتحليله الخاص للحظة التي يكتب فيها ولماذا يكتب فيها من جهة ثالثة. يبدو لي أن التفكير في “الآن” كاختلاف داخل التاريخ وكدافع نحو مهمة فلسفية خاصة هو الجديد الذي يحمله هذا النص، كما يبدو لي أن التعامل معه بهذا الشكل يمكن أن نجد فيه نقطة انطلاق أو إرهاصا لما يمكن تسميته بموقف الحداثة(9).
II –
أعلم أنه يتم الحديث دائما عن الحداثة كحقبة تاريخية أو، في كل الحالات، كمجموعة من المميزات التي تطبع حقبة تاريخية ما، حيث يتم إيجاد مكان لها داخل يومية تتقدمها حقبة “ما قبل الحداثة” التقليدية والقديمة، وتتبعها حقبة “ما بعد الحداثة” الغامضة والمخيفة. ويتم التساؤل بعد ذلك لمعرفة هل الحداثة هي ما يتبع عصر الأنوار وتطوراته أم هي تلك التي تحقق قطيعة أو نزوحا عن المبادئ الأساسية للقرن 18م.
وبعودتي إلى نص كانط كنت أتساءل، لماذا لا يمكن أن نعتبر الحداثة كموقف عوض اعتبارها حقبة من حقب التاريخ، وأعني بالموقف شكلا من العلاقة مع ما يحدث في الوضع الراهن، واختيارا واعيا يقوم به البعض، وأخيرا نمطا من التفكير والإحساس وطريقة في السلوك والاستجابة التي تدل على انتماء معين وتظهر كمهمة يجب فعلها. أو بعبارة أخرى ما كان الإغريق يطلقون عليه “Ethos” (الطابع). وهكذا عوض أن نعزل حقبة الحداثة عن الحقب التي تسبقها أو تليها، أظن أنه يجدر بنا أن نبحث كيف أن موقف الحداثة، منذ نشأته قد وجد نفسه في مواجهة المواقف “لمضادة للحداثة”.
ولكي أميز موقف الحداثة هذا باقتضاب سأعطي مثالا أرى أنه ضروري، وهو مثال Baudelaire ذلك لأننا عرفنا لديه أحد التصورات الأكثر صرامة للحداثة في القرن 19م.
1 – هناك دائما محاولة للنظر إلى الحداثة كوعي بالحركة المتقطعة للزمن أي كقطيعة مع التقاليد وإحساس بالجدة والنشوة بما يمر الآن، ويبدو أن هذا فعلا هو ما يعنيه بودلير حين يعرف الحداثة بـ”المتنقل أو الهارب أو الطارئ”، ولكن لا يعني هذا بالنسبة له أنه يكفي أن تتعرف على هذه الحركة الدؤوبة وتقبلها لكي تكون إنسان الحداثة، ولكن بالعكس أن تتخذ موقفا منها.
وهذا الموقف الإرادي والصعب يتمثل في إحكام القبض على شيء خالد لا يوجد لا خارج اللحظة الحاضرة، ولا وراءها ولكن فيها، فهو الذي يساعد على القبض على ما هو “عظيم” في الزمن الحاضر، لذا فالحداثة ليست هي الموضة التي لا تعمل إلا على تتبع جريان الزمن، إنها ليست مجرد إنفعال أمام حاضر يمضي بل إنها إرادة “تعظيم” الحاضر.
وسأكتفي بعرض ما قاله بودلير بخصوص رسم الشخصيات المعاصرة، فهو يهزأ من أولئك الرسامين الذين حين يجدون نوعا من القبح في هندام رجال القرن 19م لا يرسمون إلا أثواب القضاة القديمة. فالحداثة في الرسم لا تمثل، بالنسبة له، في إدخال الألبسة السوداء في اللوحة، ولكن الرسام الحديث سيكون هو ذلك الذي يظهر المعطف الطويل الداكن كلباس أساسي في عصرنا”، إنه ذلك الذي يستطيع أن يرى في موضة اليوم هذه العلاقة الأساسية والدائمة والملازمة التي يربطها عصرنا مع الموت، وبذلك “فإن اللباس الأسود والمعطف الطويل ليس لهما فقط جمالهما الشاعري الذي هو تعبير عن المساواة الكونية، ولكن أيضا لهما شاعريتهما التي هي تعبير عن الروح الشعبية، وتتابع عظيم لمحامل موتى السياسيين والعاشقين والبورجوازيين، فكلنا محتفل ببعض مراسيم الدفن”. ولكي يحدد بودلير موقف الحداثة هذا يستعين في بعض الأحيان بلطافة ذات دلالة كبيرة، ذلك أنها تظهر على شكل وصية تقول:”ليس لديكم الحق في احتقار الحاضر”.
2 – صحيح أن هذا التعظيم يبدو ساخرا، فلا يتعلق الأمر أبدا في موقف الحداثة بتقديس اللحظة التي تمر الآن لكي نبقيها أو نجعلها تدوم، كما لا يتعلق الأمر أبدا بأن “نستقبلها كفضول عابر ومهم، فهذا سيكون هو ما سماه بودلير بموقف “التجوال” لأن الجوال يكتفي فقط بفتح الأعين والانتباه وتزيين الذكريات. ويقابل بودلير رجل التجوال برجل الحداثة “الذي يمضي ويجري ويبحث، وأكيد أن هذا الرجل، هذا المتفرد الموهوب بخيال خصب، الدائم السفر عبر صحراء الرجال الكبرى، له هدف أسمى من هدف ذلك الجوّال المحض، هدف أسمى بكثير يخالف لذة المناسبات العابرة. إنه يبحث عن ذلك الشيء الذي يمكن أ، نسميه الحداثة. يتعلق الأمر بالنسبة له بأن يستخرج من الموضة ما يمكن أن تحمله من شاعرية في ما هو تاريخي”، وكمثال على الحداثة يذكر Baudelaire الرسام Constatin Guys، فقد يبدو في الظاهر بأنه جوّال في كل مكان، مغرم بتصنيف الأشياء الغريبة، تجده “آخر من يبقى في كل مكان يمكن للنور فيه أن يسطع، وللشعر أن يدوي، وللحياة أن تكثر، وللموسيقى أن تنغم، أو في كل مكان يمكن للإشتياق فيه أن يفتح أعينه، وفي كل مكان يتجلى فيه الإنسان الطبيعي وإنسان المدينة في روعة غريبة، وفي كل مكان تضيء فيه الشمس أفراح الحيوان الغير المهذب السريعة”.
ولكن لا يجب أن ننخدع في ذلك، فـ Constatin Guys ليس بالرجل الجوال لأن الرسام الحديث بامتياز في أعين بودلير هو ذلك الذي حين يغرق العالم في النوم يشمّر على ساعديه ويبدأ في العمل ليغير وجه العالم. هذا التغيير الذي ليس إقصاءً للواقع ولكن لعبة صعبة بين حقيقة الواقع وممارسة الحرية، وهكذا ستبدو الأشياء “الطبيعية” أكثر طبيعية، وستبدو الأشياء “الجميلة” أكثر جمالا، وتبدو الأشياء الفريدة وقد “نفخت فيها حياة أكثر حماسة كروح باعثها”. فبالنسبة لموقف الحداثة فإن القيمة العليا للحاضر لا تنفصل عن المطالبة الملحة بتخيله في شكل آخر عما هو عليه وتحويله، ليس عن طريق هدمه بل بالقبض عليه كما هو، فالحداثة البودليرية مراس يصطدم فيه الاهتمام الكبير بالواقع بممارسة حرية تحترم هذا الواقع وتخترقه في نفس الوقت.
3 – غير أن الحداثة عند بودلير ليست فقط شكلا من العلاقة مع الحاضر، ولكن أيضا نمط من العلاقة يجب ربطه مع الذات.فموقف الحداثة الإرادي مرتبط بالضرورة مع نوع من التصوّف، والإنتماء للحداثة ليس معناه تقبل الذات كما هي في تيار الأحداث التي تمر بل هي أخذ الذات كموضوع للكشف المعقد والمضني أو ما يسميه بودلير حسب مفردات ذلك العصر “Dandysme” التأنق”. ولن أذكّر هنا بالصفحات المشهورة، تلك التي كتبت حول الطبيعة الخشنة -الترابية- القذرة”، أو حول الجهاد الضروري للإنسان مع نفسه أو تلك التي كتبت عن “مذهب الأناقة” الذي يفرض على “هؤلاء المتعصبين الطموحين والمتواضعين” عقيدة أكثر جوارا من أنظمة أفظع الأديان، وأخيرا الصفحات التي كتبت حول تصوف المتأنق الذي يجعل من جسده، وسلوكه وأحاسيسه وانفعالاته ووجوده عملا فنيا. إن إنسان الحداثة، حسب بودلير، ليس هو ذلك الذي يسعى إلى البحث عن ذاته، عن أسراره وحقيقته الغامضة المختبئة، بل هو ذلك الذي يسعى إلى خلق ذاته، فهذه الحداثة لا “تحرر الإنسان من وجوده الخاص” بل تفرض عليه مهمة صنع ذاته.
4 – أريد أن أضيف كلمة واحدة في الأخير وهي أن هذا التعظيم السافر للحاضر، ولعبة الحرية هذه مع الواقع التي تسعى إلى تحويله، وهذه البلورة المتصوفة للذات لا يتصور بودلير إمكانية وجودها داخل المجتمع ذاته أو داخل الجسد السياسي، إنها لا يمكن أن تنتج إلا في مكان آخر هو الذي يسميه بودلير الفن(10).
إنني لا أدعي أنني استطعت في هذه الملاحظات القليلة الإحاطة بذلك الحدث التاريخي المعقد الذي صنع الأنوار في أواخر القرن 18م، ولا أن أبيّن مختلف الأشكال التي اتخذها موقف الحداثة خلال هذين القرنين الأخيرين. لقد أردت من جهة أن ألح، داخل الأنوار على عمق نمط التساؤل الفلسفي الذي ربط في نفس الوقت وداخل علاقة إشكالية كلاًّّ من العلاقة مع الحاضر ونمط الوجود التاريخي، ثم بناء الذات ككائن مستقل، ومن جهة أخرى أردت أن أسجل أن الخيط الذي يمكن أن يجمعنا بهذا الشكل مع الأنوار ليس هو الوفاء لمبادئ المذاهب بل إعادة التنشيط المستمر لموقف ما، أي لطابع Ethos فلسفي يمكن اعتباره نقدا مستمرا لوجودنا التاريخي، فهذا الطابع هو الذي أردت باقتضاب أن أبرزه.
A – سلبيا Négativement:
1 – هذا الطابع Ethos يفترض أولا أن نرفض ما سأسميه بكل تلقائية “نوعا من الابتزاز” Chantage مع الأنوار، فأظن أن الأنوار كمجموعة من الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والثقافية والتي ما زلنا نرتبط بها تكوّن ميدانا خصبا للتحليل، وأظن أيضا أنها كعمل نربط فيه بين تقدم الحقيقة وتاريخ الحرية بواسطة رباط علائقي مباشر فإنها قد أخرجت سؤالا فلسفيا ما زال مطروحا علينا، وأظن أخيرا -وقد حاولت إبراز ذلك في نص كانط- أن الأنوار قد حددت طريقة معينة للتفلسف. ولكن هذا لا يعني أنه يجب أن نكون “مع” أو “ضد” الأنوار. وهذا يعني أيضا وبالتحديد أنه يجب رفض ما يظهر على شكل خيار سهل وسلطوي، أي إما أن نقبل الأنوار ونبقى في تقاليد عقلنته (الشيء الذي يراه البعض أمرا إيجابيا بينما يؤاخذ عليه البعض الآخر) أو أن ننتقذ الأنوار ونحاول التهرب من مبادئ عقلانيته (الشيء الذي قد يعجب البعض ويغضب البعض الآخر)، وليس الخروج من هذا الابتزاز Chantage هو إدخال الفروق “الجدلية” إليها للبحث عن تحديد ما هو حسن وما هو قبيح في الأنوار.
وبدل ذلك يجب القيام بتحليل لذواتنا ككائنات تحددت تاريخيا في جزء منها بواسطة الأنوار، الشيء الذي يفرض علينا سلسلة من البحوث التاريخية الدقيقة ما أمكن. هذه البحوث التي لن تقفل راجعة إلى “النواة الأساسية للعقلانية” التي يمكن أن نجدها في الأنوار والتي يجب إنقاذها كيف ما كانت الأحوال، ولكن ستتجه نحو “حدود الضرورة الراهنة” أي نحو ما ليس ضروريا أو لم يبق ضروريا قط من أجل بناء أنفسنا كذوات مستقلة.
2 – هذا النقد المستمر لأنفسنا يجب أن يتجنب ذلك الخلط الذي يكون دائما سهلا بين النزعة الإنسانية والأنوار.
فلا يجب أن ننسى أبدا أن الأنوار هو حدث أو مجموعة من الأحداث والصيرورات التاريخية المعقدة التي وقعت في لحظة معينة من تطورات المجتمعات الأوروبية. هذه المجموعة التي تضم عناصر من التحولات الاجتماعية ونماذج من المؤسسات السياسية وأشكالا من المعرفة، ومشاريع لعقلنة المعارف والممارسات، وتحولات تكنولوجية يصعب جمعها في كلمة واحدة، رغم أن الكثير من هذه الظواهر ما زالت ضرورية في وقتنا الراهن. فما نبهت إليه وما يبدو لي أنه كان المؤسس لشكل كامل من التفكير الفلسفي لا يهم إلا نمطا من العلاقة المتبادلة مع الحاضر.
أما النزعة الإنسانية فإنها شيء آخر، إنها موضوع أو بالأحرى مجموعة من المواضيع التي ما فتئت تظهر في مناسبات متعددة عبر الزمن في المجتمعات الأوروبية، هذه المواضيع التي ارتبطت دائما بأحكام قيمية قد عرفت تحولات متعددة في محتواها كما في القيم التي كانت تمتلكها، إضافة إلى ذلك فقد كانت هذه المواضيع تستعمل كمبدأ نقدي لخلق التمايز. فقد كان هناك مذهب إنساني قدم نفسه كنقد للمسيحية أو للدين بصفة عامة، وكان هناك مذهب إنساني مسيحي معارض لمذهب إنساني متصوف وأكثر تركيزا على اللاهوت (هذا في القرن 17م)، أما في القرن 19م فقد كان هناك مذهب إنساني يقظ ومعارض وناقد بخصوص العلم، ومذهب آخر يضع أمله (بخلاف الأول) في هذا العلم. والماركسية كانت مذهبا إنسانيا، والوجودية و الشخصانية كانتا أيضا مذهبا إنسانيا، حتى لقد كان هناك عصر حيث يتم الدفاع عن القيم الإنسانية ممثلة في الاشتراكية الوطنية وحيث يقول الستالينيون (أنفسهم) إنهم كانوا إنسانيين.
لا يجب أن نستنتج من هذا أن كل من استطاع أن يدّعي النزعة الإنسانية يجب التخلص منه، بل يجب استنتاج أن الموضوع الإنساني هو نفسه شديد الليونة، شديد الاختلاف، قليل البرهنة، إلى درجة أنه لا يصلح أن يكون موضوعا للتفكير. وهذا واضح. فما نسميه النزعة الإنسانية ما فتئت، على الأقل منذ القرن 17م، تستند بالضرورة على بعض التصورات للإنسان المستقاة من الدين أو من العلم أو من السياسة. فالخاصية الإنسانية كانت تصلح لتزيين وتفسير تصورات الإنسان التي كان لا بد أن ترجع إليها.
غير أنني أظن أننا يمكن أن نقابل هذه الأطروحة المتكررة دائما والملتصقة بالنزعة الإنسانية بمبدإ النقد والاكتشاف الدائم لأنفسنا داخل استقلاليتنا، أي بمبدإ يوجد في قلب الوعي التاريخي الذي اتخذته الأنوار لنفسها. ومن هنا فإني يمكن أن أرى بين الأنوار والنزعة الإنسانية وجود نوع من التوتر عوض وجود هوية تجمعهما، وعلى كل حال فأن نجمع بينهما فهذا أمر خطير وغير صحيح تاريخيا. فإذا كان مشكل الإنسان والنوع البشري والخاصية الإنسانية مشكلا مهما على امتداد القرن 18م، فإني أظن أن الأنوار قلما اعتبرت نفسها مذهبا إنسانيا. ويكون من المؤسف أن نسجل أنه إذا كان عمل المؤرخين على طول القرن 19م يهتم كثيرا بالنزعة الإنسانية للقرن 16م عند أشخاص أمثال Sainte-Beuve أو Burckhardt، فإنه كان دائما مخالفا، وفي بعض الأحيان معارضا لهما أقل من أن يوحد بينهما. وعلى كل حال أظن أنه كما يجب النفور من الابتزاز الفكري والسياسي أي “أن تكون مع أو ضد الأنوار” يجب النفور أيضا من الاضطراب التاريخي والأخلاقي الذي يخلط موضوع النزعة الإنسانية بمشكلة الأنوار. وهكذا سيكون القيام بتحليل لعلاقتهما المعقدة عملا مهما لا بد منه خلال القرنين الأخيرين من أجل أن يتضح شيء من الوعي الذي نملكه عن أنفسنا وعن ماضينا.
B – إيجابيا Positivement:
ولكن رغم أخذ هذه الاحتياطات بعين الاعتبار فلابد أن نعطي مضمونا إيجابيا عن ما يكونه الطابع الفلسفي المتمثل في نقد ما نقوله وما نفكر فيه وما نفعله من خلال أنطولوجيا تاريخية لأنفسنا.
1 – يمكن نعت هذا الطابع الفلسفي بالموقف الحدودي. فلا يتعلق الأمر بسلوك رفضي. ولا يجب أن نسقط في ثنائية الداخل والخارج، بل يجب أن نتموقع على الحدود، أليس النقد هو بالأحرى تحليل الحدود والتفكير فيها؟ فإذا كان السؤال الكنطي هو أن يعرف أية حدود يجب على المعرفة أن تقف عندها وأن لا تتجاوزها، فأظن أن سؤال النقد الآن يجب أن يقلب إلى شكله الإيجابي أي أن نتساءل من داخل كل ما هو كوني وضروري وإجباري عما هو نصيب الشيء المتميز والعارض أو ما جاء نتيجة ضغوطات استبدادية، يتعلق الأمر إذن بتحويل النقد الممارس في شكل محدودية ضرورية إلى نقد يمارس في شكل تجاوز ممكن، الشيء الذي سيؤدي، كما نرى، إلى أن النقد سوف لا يمارس داخل البحث عن البنيات الصورية التي لها قيمة كونية، ولكن سوف يمارس كبحوث تاريخية من خلال الأحداث التي أدت إلى تكوننا والتعرف على أنفسنا كذوات لما نقوم به وما نفكر فيه وما نقوله، وبهذا المعنى لن يكون هذا النقد متعاليا Transcendantale ولن تكون غايته أن يجعل ميتافيزيقا ما ممكنة، بل إنه سيكون نقدا جينيالوجي الغاية وأركيولوجي المنهج.
هذا النقد يكون أركيولوجيا -وليس متعاليا- بمعنى أنه لن يبحث في استخراج البنيات الكونية لكل معرفة أو لأي عمل أخلاقي ممكن، ولكن سيتعامل مع الخطابات التي تمزج ما نفكر فيه وما نقوله وما نفعله كأحداث تاريخية.
ثم أن هذا النقد سيكون جينيالوجيا بمعنى أنه لن يستنبط من الشكل الذي نوجد عليه الشيء الذي يستحيل فعله أو معرفته، ولكن سيستخرج من الحالة العابرة التي جعلتنا نكون ما نحن عليه، إمكانية أن لا نكون ولا نفعل ولا نفكر ما نكونه وما نفعله وما نفكر فيه.
إن هذا النقد لا يسعى إلى أن يجعل من الميتافيزيقا، التي أصبحت أخيرا علما، شيئا ممكنا، إنه يسعى إلى أن يلقي من جديد بعمل الحرية اللانهائي إلى أبعد مدى وأوسع نطاق.
2 – وحتى لا يكون هذا مجرد ادعاء أو حلم فارغ للحرية يبدو لي أن هذا الموقف التاريخي النقدي يجب أن يكون أيضا موقفا تجريبيا، أي أن هذا العمل المنصب على حدود أنفسنا يجب أن يفتح من جهة مجالا لبحوث تاريخية، ومن جهة أخرى أن يوضع تحت محك الواقع وما يجري الآن من أجل ضبط النقط التي يكون فيها التحول، وبعبارة أخرى يجب على هذه الأنطولوجيا التاريخية لأنفسنا أن تحيد عن كل تلك المشاريع التي تدعي أنها عامة وراديكالية. ونحن نعلم بواسطة التجربة أن المطالبة بالتخلي عما يجري من أجل إعطاء برامج عامة من أجل مجتمع آخر وشكل آخر للتفكير وثقافة أخرى ونظرة أخرى للعالم لم تؤدّ في الحقيقة إلا إلى مسايرة أكثر التقاليد خطورة.
وإني أفضل التحولات الدقيقة جدا التي حدثت منذ عشرين سنة في عدد من المجالات والتي تهم أشكال الوجود والتفكير والعلاقات السلطوية والعلاقات بين الجنسين والطريقة التي ندرك بها الجنون أو المرض، إني أفضل هذه التحولات، حتى ولو كانت جزئية، والتي حدثت أثناء ارتباط التحليل التاريخي بالموقف العملي عوض وعود الإنسان الجديد التي رددتها أقبح الأنظمة السياسية طيلة القرن 20م.
سأصف إذن الطابع الفلسفي Ethos الخاص بالأنطولوجيا النقدية لأنفسنا كتجربة تاريخية عملية للحدود التي يمكننا تجاوزها وبالتالي كعمل نقوم به بأنفسنا على أنفسنا ككائنات حرة.
3 – ولكن وبدون شك سيكون من المشروع أن يطرح الاعتراض التالي: ألا يؤدي اقتصارنا على هذا النوع من البحوث أو التجارب المجزأة والمحلية دائما إلى كوننا محددين من طرف أنظمة أكبر قد لا نملك الوعي بها والتحكم فيها؟ وعلى هذا الاعتراض هناك جوابان:
فصحيح أنه يجب أن نستسلم أن لا أمل للوصول إلى وجهة نظر يمكن أن توصلنا إلى المعرفة الكاملة والنهائية لما يمكن أن تكونه حدودنا التاريخية، وبالتالي فإن التجربة النظرية والميدانية التي نقوم بها لحدودنا ولإمكان مجاوزتها هي نفسها دائما محدودة ومحددة؛ وإذن يمكن إعادتها دائما، ولكن هذا لا يعني أن كل عمل لا يمكن أن يتم إلا داخل الاختلال والافتراض، فإن لهذا العمل شموليته وتنظيمه كما أن له تجانسه ومداره.
أ – فبالنسبة لمداره:
فإنه يظهر من خلال ما يمكن أن نسميه “تعارض العلاقات بين القدرة والسلطة”، فنحن نعلم أن الأمل الكبير والوعد الأكبر للقرن 18م أو لجزء من القرن 18م كان هو التزايد المستمر والمتناسب بين القدرة التقنية التي تؤثر على الأشياء وبين حرية الأفراد بعضهم مع بعض وبالتالي يمكن أن نلاحظ أنه على طول تاريخ المجتمعات الغربية (وربما هنا يكمن أصل وجهتهم التاريخية الفريد -المتميز، والمختلف عن [الآخرين ] في مسارهم، والأكثر شمولية وهيمنة بالمقارنة مع الآخرين) أن اقتناء القدرات من أجل الحرية قد شكلا عناصر دائمة الحضور. غير أن العلاقات بين نمو القدرات ونمو الاستقلال الذاتي ليست بسيطة كما أعتقد القرن 18م. فلقد رأينا ما هي أشكال علاقات السلطة التي تم تمريرها عبر تكنولوجيات مختلفة (التي قد تكون إنتاجات ذات مرامي اقتصادية، أو مؤسسات تهدف إلى تنظيمات اجتماعية أو تقنيات للتواصل) والتي تجد أمثلة لها في التنظيمات الجماعية والفردية في نفس الوقت وإجراءات الضبط الممارسة باسم سلطة الدولة وإكراهات المجتمع أو المناطق السكنية فالسؤال الذي تدور حوله القضية هو: كيف نباعد تطور القدرات عن تقوية علاقات السلطة؟
ب – خاصة التجانس:
هذا سيؤدي إلى دراسة ما يمكن أن نسميه “المجموعات العملية” ويتعلق الأمر بألا نأخذ كمجال مرجعي متجانس التصورات التي يعطيها الأفراد لأنفسهم، ولا الشروط التي تحددهم دون وعي منهم، ولكن ما يفعلونه والطريقة التي يشتغلون بها، أي أشكال العقلنة التي تنظم طرق العمل (أو ما يمكن أن نسميه مظهرهم التكنولوجي)، والحرية التي بواسطتها يسلكون داخل تلك الأنظمة العملية مستجيبين لما يفعله الآخرون، ومحولين بقدر معين قواعد اللعبة (أو ما يمكن أن نسميه التدفق الاستراتيجي لتلك الممارسات). فتجانس تلك التحليلات التاريخية النقدية هي إذن مضمونة بمجال هذه الممارسات مع تدفقها التكنولوجي والاستراتيجي.
ج – خاصية التنظيم:
هذه الممارسات أو المجموعات العملية ترجع إلى ثلاثة مجالات كبرى هي مجالات علاقات السيطرة على الأشياء، ومجال علاقات التأثير على الآخرين وأخيرا مجال العلاقات مع الذات. وهذا لا يعني أن هذه المجالات الثلاثة غريبة عن بعضها البعض، فنحن نعلم جيدا أن السيطرة على الأشياء تمر عبر العلاقة مع الآخرين، وهذه الأخيرة تعني دائما علاقات مع الذات؟ والعكس أيضا صحيح. ولكن يتعلق الأمر بثلاثة اتجاهات ينبغي تحليل خصوصيتها وتعقدها وهي اتجاه المعرفة، ثم اتجاه السلطة فاتجاه الأخلاق. أو بعبارة أخرى فإن الأنطولوجيا التاريخية لأنفسنا يجب أن تجيب على لائحة مفتوحة من الأسئلة، عليها أن تقوم بعدد غير محدود من البحوث التي يمكن أن نعددها وندققها كيفما نشاء، ولكن رغم ذلك فإنها تجيب كلها على التشكيلة التالية:
كيف تم تشكيلنا كذوات لمعارفنا؟
كيف تم تشكيلنا كذوات تمارس أو تمارس عليها علاقات السلطة؟
وكيف تم تشكيلنا كذوات أخلاقية لأفعالنا؟
د – خاصية الشمولية:
وأخيرا قد تظهر أن البحوث التاريخية النقدية لها خصوصيتها، بحيث أنها تشتغل دائما على مادة أو حقبة أو جسد من الممارسات والخطابات المحددة، وهذا صحيح ولكن هذه البحوث لها شموليتها على الأقل بالقياس إلى المجتمعات الغربية التي تنحدر منها، بمعنى أنها كانت حتى حدودنا هذه بحوثا ذات طبيعة متكررة مثل شكل العلاقات بين العقل والجنون أو المرض والصحة أو الجريمة والقانون أو مشكل المكانة التي تعطيها للعلاقات الجنسية…إلخ. ولكن إذا كنت أذكر هذه الشمولية فليس من أجل القول إننا يجب أن نعيد تتبعها في استمراريتها وراء التاريخ عبر الزمن، ولا أن نتتبع تغيراتها، فما يجب فهمه هو: إلى أي حد يمكن القول إن ما نعرفه عنها، وأشكال السلطة التي تمارس فيها والتجربة التي نقوم بها مع أنفسنا داخلها لا تشكل إلا صورا تاريخية محددة بنوع خاص من التساؤل الإشكالي الذي يحدد المواضيع، وقواعد العقل، وأشكال العلاقات مع الذات. فدراسة أنواع التساؤل الإشكالي (أي ما هو لا ثابت انتروبولوجي، ولا متغير اكرونولوجي) هي إذن الطريقة التي نحلل بها أسئلة ذات طابع عام في شكلها التاريخي المتفرد.

وككلمة أخيرة للتلخيص والعودة إلى كانط أقول:

لست أدري إن كنا سنصبح أسيادا، فكثير من الأشياء في تجربتنا تقنعنا بأن الحدث التاريخي للأنوار لم يجعل منا أسيادا، أو أننا لم نصبح بعد كذلك. غير أني أظن أنه يمكن أن نعطي معنى لهذا التساؤل حول الحاضر وحول أنفسنا والذي عبر عنه كانط حين فكر في الأنوار. فأظن أننا هنا أمام طريقة في التفلسف لم تكن تخلو من أهمية ونجاعة خلال القرنين الأخيرين(11).
غير أننا لا يجب أن نعتبر الانطولوجيا النقدية لأنفسنا كنظرية أو مذهب ولا حتى كنظام معرفي دائم التراكم، بل يجب أن ننظر إليها كموقف، كطابع Ethos وكحياة فلسفة حيث يكون نقد ما نحن عليه، هو في نفس الوقت، تحليل تاريخي للحدود التي وضعت لنا وتجربة لإمكان مجاوزتها. وهذا الموقف الفلسفي يجب أن يترجم إلى بحوث متعددة لها تماسكها المنهجي، في نفس الوقت، في الدراسة الأركيولوجية والجينيالوجية للممارسات التي تظهر تباعا كنموذج تكنولوجي للعقلانية ومجموعة من اللعب الاستراتيجية للحرية. كما أن هذه البحوث لها تماسكها النظري في التعريف بالأشكال التاريخية الفريدة التي تمت فيها أشكلة شموليات علاقاتنا بالأشياء وبالآخرين وبأنفسنا. وهذه البحوث لها تماسكها التطبيقي أيضا في عنايتها بوضع التفكير التاريخي-النقدي تحت محك الممارسات الظاهرة. ولست أدري إن كان يجب القول حتى الآن إن العمل النقدي ما زال يعني الاعتقاد في الأنوار، فأظن أنه يفرض علينا دائما الاشتغال على حدودنا، أي حرث صبور يعطينا صورة عن حرية لا تطيق الصبر.
الهوامش:

1 – إن كانط قد أسس، حسب فوكو، التقليدين الكبيرين للنقد واللذين تقاسما الفلسفة الحديثة، فعن طريق عمله النقدي أسس كانط التقليد الأول للفلسفة الذي يضع سؤال الشروط الممكنة لإقامة معرفة حقيقية، وهنا يمكن رؤية انفتاح قناة فلسفة منذ القرن 19م وتطورها كعملية تحليلية للحقيقة. بينما أسس سؤال الأنوار التقليد النقدي الثاني داخل الفلسفة الحديثة وحتى المعاصرة حيث يضع السؤال: ما هي حالتنا الراهنة؟ وهو الحقل الحالي لتجاربنا الممكنة؟ فهنا لا يتعلق الأمر بعملية تحليل للحقيقة ولكن بما يمكن تسميته، حسب فوكو، بأنطولوجية الحاضر أو أنطولوجيتنا نحن.
وهكذا يقول فوكو: “إن الاختيار الفلسفي الذي يواجهنا الآن هو إما إمكانية تبني فلسفة نقدية تقدم نفسها كفلسفة تحليلية للحقيقة بصفة عامة، أو إمكانية تبني فلسفة نقدية تأخذ شكل أنطولوجيتنا، أنطولوجية الحاضر وهذا الشكل هو الذي أسس من هيجل ومدرسة فرانكفورت بنيتشه وماكس فيبر شكلا من التفكيرحاولت أن اشتغل عليه”.
Magazune Littéraire, N° 207, Avril 1984, p.39.
2 – يحاول فوكو في هذه العبارة الإشارة إلى الكيفية التي حلل بها كانط سؤال ما الثورة؟ (1798م). ذلك أن الثورة كفعل درامي بما يحمله من كوارث ودم وضجيج وانقلاب للأوضاع للذين يشاركون فيها، ليست هي ما يميز عصرا عن عصر آخر حسب كنط، بل الكيفية التي تظهر بها الثورة بالنسبة (لغير المشاركين فيها) للذين حضروها وشاهدوها وتأثروا بها. فالثورة غيرت، وتغير، و ستغير وجه الزمن لا كظاهرة وكارثة ولكن كمشهد عظيم Spectacle لمن يتابعها (ولا يشارك فيها) ويتأثر بها. يقول فوكو: فلنكن حذرين، يقول كانط لقرائه، فلا يجب أن نبحث عن علامات التقدم في الأحداث الكبرى بل في الأحداث التي تكون أقل إدراكا”.
Magazine Littéraire N° 207, Avril 1984, p.37.
3 – نجد عند كانط أولا نصوصا تطرح على التاريخ سؤال الأصل، فهناك مثلا نص حول “بدايات التاريخ” نفسه وهناك نص حول تعريف مفهوم العرق. ثم هناك ثانيا نصوص أخرى تطرح على التاريخ السؤال حول شكله الاكتمالي فنجد مثلا في نفس سنة ظهور مقال “ما هي الأنوار؟” (أي 1784م) ظهور نص بعنوان: L’idée d’une histoire universelle du point de vue cosmopolite وهناك أخيرا نصوص أخرى تتساءل حول الغايات الداخلية التي تنظم الصيرورة التاريخية مثل النص المخصص لاستعمال المبادئ اللاهوتية.
4 – أو بعبارة أخرى: ما ذا يجري الآن. ماذا يحدث حاليا؟ وما هو هذا الآن الذي نوجد بداخله، والذي يحدد الفترة التي أكتب فيها؟
5 – يقول كانط في مقاله “ما هي الأنوار؟”: ماذا تعني الأنوار؟ إنها خروج الإنسان عن حالة قصوره. ذلك القصور الذي يكون الإنسان ذاته مسؤولا عنه. وأنا أعني بالقصور عجز الإنسان عن استخدام فهمه دون توجيه الآخرين. كما أقول إن الإنسان هو ذاته المسؤول عن ذلك القصور لأن السبب فيه لا يعود إلى عيب في الفهم، وإنما يرجع إلى غياب القدرة على اتخاذ الموقف والشجاعة في استخدام الفهم دون قيادة الآخرين، إن شعار الأنوار يتلخص في العبارة التالية: اجرؤ على استخدام فهمك الخاص”.
الفلسفة الحديثة، نصوص مختارة، ترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي.
6 – أي نقد العقل الخالص Critique de la raison pure
نقد العقل العملي Critique de la raison pratique
نقد ملكة الحكم Critique du jugement
7 – يقول كانط في مقاله ما هي الأنوار.: “إن الاستعمال العمومي لعقلنا ينبغي دوما أن يكون حرا، وهو وحده الكفيل بأن يجلب الأنوار. لكن استعماله الخاص يمكن أن يكون مقيدا أشد التقيد دون أن يكون ذلك حاجزا ضد نمو الأنوار. وأنا أعني بالاستخدام العمومي لعقلنا ذلك الذي نقوم به كعارفين أمام الجمهور الذي يقرأ. كما أسمي استخداما خاصا ذلك الذي يكون من حقنا أن نقوم به في مصلحة مدنية أو في وظيفة معينة تناط بنا”.
الفلسفة الحديثة، المرجع السابق، ص 251.
8 – يقول G. Le Blanc: إن راهنية الأنوار تكمن في الانتقال من درجة من القصور إلى درجة من التطور، والكائن البشري يصبح ذاتا سياسية عندما يخرج من حالة من القصور يكون هو المسؤول عنها وتشكل هذه المرحلة حسب Le Blanc الشكل السياسي Politique لتأسيس الذاتية إضافة إلى الشكل الأخلاقي Ethique والجمالي Esthetique.
Magazine Littéraire, n° 309n Avril 1993, p60.
9 – يظهر هذا الموقف الفلسفي (للحداثة) في محاولة الإجابة عن السؤال الرئيسي التالي: ما هو الحدث الذي يشتمل عليه الحاضر والذي يصلح مادة للتفكير الفلسفي؟ وإجابة كانط كانت لا تسعى للبحث عما يهم الفكر والمعرفة والفلسفة في ذلك الحدث، ولكن كانت كما يقول فوكو: تسعى إلى إظهار على أي شكل وكيف أن من يتكلم كمفكر أو عالم أو فيلسوف يشكل في حد ذاته جزءا لا يتجزأ من ذلك الحدث، بل أكثر من ذلك كيف أن له دورا يلعبه في ذلك الحدث وبالتالي يكون في نفس الوقت عنصرا وفاعلا”.
Magazine Littéraire, n° 204, Avril 1984, p.35.
10 – يقول G. Le Blanc : يوضح فوكو كيف أن موقف بودلير يشكل امتدادا لموقف الحداثة الكانطي.
Magazine Littéraire, n° 309, Avril 1993, p.60.
11 – إن الأنوار هي مرحلة، مرحلة لها عملتها الخاصة ووصيتها الخاصة وهي التي تقرر ما يجب فعله إزاء التاريخ العام للفكر وإزاء الحاضر وأشكال المعرفة والجهل والأوهام التي طبعت الفترة التاريخية التي تواجدت فيها. وفي هذه الكلمة التي كان على الأنوار أن تلقيها رأى فوكو طريقة فلسفة جديدة قد تأسست وطبعت القرنين الأخيرين. وهكذا أصبحت ضرورة التساؤل الدائم حول الحاضر الخاص من مهمة الفلسفة التي يقال لها الفلسفة الحديثة.

_________________________________________

((مجموعة مواقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة ))

https://modernitysite.wordpress.com/

https://twitter.com/POSTMODERNISME2

https://www.google.com/+MichelFoucaultphilosophe2022

https://www.facebook.com/post.postMODERNISME/?fref=n

modernity2022@gmail.com

http://post2modernisme.blogspot.com/