ترجمة: عبد الله زارو

فتاة، ترتدي لباسا أسود، تمتطي عربة، تلوح بكرباج وذات مظهر حاد، على الأقل قبالة آلة التصوير، ورجلان يجرانها. الفتاة هي [لودوسالومي ] والرجلان هم :

[بول ري ] و[نيتشه ]، وباسماء مستعارة هم: [ كات ]، [جول ] و[جيم ]. من من الفيلسوفين سيكون [جيم ] [ كات ]؟ فكلاهما مأخوذ بحب تلك الفاتنة في العشرينات من عمرها والتي لم تكن تحلم إلا بصداقة متحررة.

كان [نيتشه ] يحلم أكثر من [ري ] بأن تكون [ لو] خطيبته الأزلية. لن تتزوج [لو] [ري ]. أما [نيتشه ] الذي كان سيفضل مجرد علاقة حرة معها ذهب أبعد من ذلك، فاقترح على الحسناء زواجا وهو اقتراح قوبل بالرفض من طرفها. بعد ذلك، سيتبادلان رسائل وأشعارا. كانت بنظر [نيتشه ] “أذكى امرأة” صادفها بل و”روحا سامية”. تنفلت منه ويعاني جراء ذلك بل ويهدد منافسه بمواجهة. أجل، يجب أن نتخيل هذا الثلاثي [بول ]، [جيم ] و[ كات ]، هذه الأرواح المتقدة، بناة فلسفة لمستقبل هذا العالم وهي فريسة لهذه الأشياء الصغيرة المرتبطة بالحب والتي سببت لهم، كباقي الناس، شجونا كبيرة.

سنة 1894: يقيم [نيتشه ] ببيت جدته بـ [نانمبورغ ] تحت رعاية دقيقة منذ أواسط 1888، يجلس على كرسي وتير ولا ينطق بكلمة وقد يحدث أن يصرخ ويصيح. إنه أضحى، كما نعتاد القول، مجنونا. لم يعد يهذي ولا يرقص ولا يرتجل على آلة البيانو، جامد لا يتحرك، إنه شبيه بجماد. أما [لودوسالومي ] فإنها ستتزوج من [ أندرياس ] وتعرضت لهجوم قوي من عائلة [نيتشه ]وذلك في نفس الفترة التي أصدرت فيها بفيينا كتابا بعنوان: (نيتشه من خلال أعماله)(1). من ثنايا هذا المؤلف ترشح الحداثة الفييناوية التي قام [جاك لوريدو] بتحليل متألق لها وتطل من جهتين:

-جهة خاصة بنيتشه كما يروي عنه شاهد فريد من نوعه (لو)

-جهة خاصة بـ[ لو] نفسها ذات الأنوثة الأقوى ومنبع فوق-بشري منطلق وحالم، والمنظرة المستقبلية لنظرية النرجسية.

لو سالومي
لو سالومي

كتب عن نيتشه، لكن ليس هذا ما يعوزنا فلنا حتى الآن [سقراط البطل ] لـ [ميشيل كيران ] و”نيتشه والفلسفة” لـ [جيل دولوز ] و”نيتشه” لـ [ كلوسوفسكي ] وكلها كتب في الفلسفة عن (نيتشه) الفيلسوف، في حين أن كتاب [ لو] عن (نيتشه) يختلف. إنه ضرب من “سيرة داخلية” تصف من خلالها صاحبها كما رأته بأم العين بل كما انفعلت هي بحبه لها وكما استشعرت بدواخلها ذلك الحب من جانب واحد من خلال لقاءات نخمن أن إيروسا فكريا كان يقودها بقوة. وكان هذا الكتاب عنه النتيجة الباهرة لكل هذا، فما يحمله بين طياته من معطيات لفهم أعمال نيتشه أشبه بما تكون بدم الروح أو نار الفكر، بل هي الحياة ذاتها المهددة من كل جانب، وكل هذا مصوغا في لغة إنشادية لا تقاوم.

أول ما نجد، عند متم بضع صفحات منه، بورتريه لافتا عن الفيلسوف: هادئ، متوسط القامة، متواضع وأنيق، يمشي الهوينى، كتفاه مائلتان دائما ويتحدث بصوت خفيض، يكاد يمر أمام ناظريك من دون أن يلفت انتباهك كما تقول [لو]. ومن كل صفاته هنالك ثلاث بارزة أكثر من غيرها وهي: ضحكه الوديع، يداه الرائعتان وفم معبر مدفون تحت شارب كث كما أن هناك عينيه كذلك. فقد كان كفيف البصر إلى الحد الذي جعله يقول عن نفسه، إنه “نصف أعمى” إلا أن نظرات عينيه لا تتراقصان أبدا. يختفي عن الأنظار عندما تلم به صفاءات ذهنية خاطفة أو لما يتردى في عزلة مخيفة وتقول عن عينيه : “تبدوان كما لو كانتا بوابا يحرس كنوزا مخيفة بأغواره، تنافحان عن أسرارها مدة، ولن يكون لأي نظرات غير مرغوب فيها القدرة على اختراقها” تعود الجاذبية الآسرة والفريدة التي يمارسها نحو الآخرين إلى نظره هذا وهي جاذبية استعادتها (لو)، بشكل رائع، في كتابه هذا.

هذا الفاتن البرئ الذي طالما تلقى ضربات عاطفية متتالية هو أيضا إنسان لا يكف عن وضع أقنعة على وجهه، قناع على قناع شبيهة بشاربه الكث. وكل شيء فيه يأخذ مكانه: حركاته المحسوبة، لغته المتسربلة بأشكال من التعبير مختلفة، أشواقه التي طالتها رقة أنثوية لم يفت [لو] ملاحظتها، هي التي كانت أكثر “رجولية” منه بقدر ما كانت متقلبة الأطوار مقارنة معه. ومنذ وقوع هذا الكتاب في يد [نيتشه ] لم يعد يكف عن تصفحه ولا يبارحه أبدا. وكيفما كانت الأفكار التي يتضمنها وشرارات التفكير التي يحتويها بين دفتين وكذا المفاهيم والشروخ، فإنه يكتب عن هذا الشخص الكتوم، الرقيق واللبق ذي الفكر الذي يلامس النجوم ويجعله متخفيا دائما عن أنظار الآخرين.

قلنا أعلاه بأن كتاب [لودوسالومي ] عن [نيتشه ] كان ضربا من سيرة داخلية عن هذا الأخير إلا أنه في ذات الوقت سيرة عن الألم والعافية. فآلام (نيتشه) كانت واقعية. ذلك أنه كان يعاني من صداعات نصفية رهيبة سبق لأبيه أن عانى منها بدوره. ثبت كذلك أنه كان يعالج أمراضه الجسدية بالفلسفة وآلامه بالمعرفة وهو بذلك تعود على تحويل معاناته إلى معرفة. ومن بين هذه الأمراض التي كان متوحد (سيلس ماريا) يتعافى منها مرض اسمه [ريتشارد فاغنر]. يقول هو نفسه: “لم يكن [ فاغنر] إلا واحدا من أمراضي، وبعده أتت [لو] ثم [ كوزيما] وكانوا، كلهم، موضوعات لأشواق الفيلسوف، علق عليها آمالا فبادلته بالإحباط والخيبة. إحباط وخيبة كانا وراء معاناته الدائمة من عذابات رهيبة في رأسه، لن يسعنا إلا مقاسمته عذاباته عند قراءتنا لكتاب (لو) الذي هو أكثر من مجرد كتاب؛ إنه شهادة من شاهد عيان على معاناته. كان (نيتشه) يتعامل مع كل اختبار كما لو كان معركة وكل هدنة كما لو كانت سحقا لخصمه. يكتب قائلا في رسالة لـ (لو): “ضد كل هذا، ضد الحياة والموت استخلصت طبي (…) آه، صديقتي العزيزة، كلما فكرت في هذا تأثرت واضطربت. لا أدري كيف استطاع كل هذا أن ينجح، طافح أنا ملء كياني بالرحمة تجاه نفسي وبإحساس انتصاري”.

سيتوفى (نيتشه)، وهو بطل العلاج بدواء الفلسفة في السنة ذاتها التي أصدر فيها [ فرويد] كتابه “تفسير الأحلام” (1900). وكان ينكر إمكانية التداوي من خلال العلاج السيكولوجي. أما (لو) فسوف تسلك طريقا جديدة، هي طريق [ فرويد] والقرن الجديد.

يتألف كتاب (لودوسالومي) عن [ نيتشه ] من ثلاثة أجزاء:friedrich nietzsche

-شخصية نيتشه

-تحولاته

-وجزء أخير أقل تألقا بعنوان “نيتشه كنسق” والذي كتبته لاحقا.

أول تحول حصل في حياة الفيلسوف كان منذ طفولته الأولى عندما قطع رأسا مع الإيمان الديني المسيحي. أما التحول الثاني الذي لم يكن واضح المعالم، بما فيه الكفاية إذا قورن بالأول، كان في جفوته مع [فاغنر] ثم خيبته من حب مستحيل مع مؤلفة الكتاب نفسها [لودوسالومي ] ومن الصداقة التي كانت تربطه بـ [ري ] التي لم ينتبه أي كاتب عن حياته لأهميتها. يعد كل هذا يجعل (نيتشه) من نفسه ديونيزوسا باحثا عن [ أريان ] التي يذهب [غي دوبورتاليس ] إلى أنها الآنسة “لو” في ناكسوس وذهب [شارل اندلي ] إلى أنها [ كوزيما فاغنر] ذلك الحب السري الأكبر لنيتشه. تلك التي لا يمكن تحملها، الممقوتة، المعادية للسامية. “أريان، أحبك”: جملة كتبها (نيتشه) في رسالة إليها بعد أن دخل مرحلة الإنهيار الصحي الكامل ويوقع أسفل الرسالة باسم (ديونيزوس).

أشار [جيل دولوز] إلى هذه الاجتهادات التبسيطية البيوغرافية عندما أورد عبارات لنيتشه نفسه كتلك التي قال فيها: “من غيري إذن يعرف من تكون أريان هذه!”. فلسفيا، يجسد شخص (أريان) الإثبات الثاني للكينونة. ومن بين كل هذه الزفافات الخيالية، يختفي الأهم في المتاهة: إنه (ديونيزوس) نفسه، إنه كذلك داخل الأذن، متاهة الإثبات والسيرورة. عندما كانت (لو) منهمكة في كتابة مؤلفها عن (نيتشه) لم تكن قد قرأت بعد كتابه (هذا الإنسان)، ومع ذلك كتبت تقول: كانت الموسيقى -هذه الشكوى الصوتية حسب نيتشه- ترافقه إلى ذلك اليوم الذي حالت بينه وبينها صداعاته النصفية وكان يرى بان الموسيقى تسفه كل أنواع الخواطر. تسجل (لو)، بشكل خاص، أن (نيتشه) كان يولي أهمية خاصة لأذنيه “البالغتي الصغر والمشكلين بدقة متناهية” ويمكنهما أن “تلتقطا الأشياء الأكثر دويا”، يقول:” لك أذنان صغيرتان، لك أذناي، يقول ديونيزوس لأريان، ضعي ها هنا كلمة موزونة”.

ستغدو (لو) مدوخة تحت قلم حبيبها الخائب (نيتشه). فهو الذي كتب لها عشر حكم مقتضبة كوصايا أسلوبية. أول وصية تنبثق عنها كل الوصايا التسع الأخرى تقول:” أول ما يهم في الحياة هي الحياة، أما الأسلوب فيجب أن يحيا”. وصية خاصة بصاحب الأسلوب وبالمرسلة إليها. إنها محاكاة لصوت حي. فالحياة تترجم من خلال “غنى الإلتفاتات”. طول وقصر الجمل، شكل الكتابة، اختيار الكلمات، توقفات، توالي الحجج (…) الجسد يقعد الأسلوب في هذا النص المعاصر بشكل مدهش – تصف (لو) أيضا الفيلسوف وهو في وضع الكتابة:”لا جالسا على كرسي منضدة بل وماشيا وحيدا معيدا في كل خطوة حكمه المقتضبة..”، “استطرادات بصوت خفيض”، “إيماءات صامتة للفكر”، تكتب (لو)، بدورها، في لغة عبقرية، والعبقرية ليست هي ما يعوز هذا الكتاب فتكاد لا تبارح أي صفحة فيه. وهو ما يدل على أن دروس أستاذها في فقه اللغة نجحت في أن تجعل من تلميذته الحسناء أسلوبية جديرة باسمه. إن اللقاءات البهيجة والمضيئة مع (نيتشه) جعلتها تكتشف، بخليط من الوضوح والغموض، الصرامة الفلسفية دون أن تنيرها كلية وتجعلها متناغمة مع إحساسات بالسعادة منتظمة. إنها، بصفتها امرأة، كانت تحوم حول قط. تنجح في اصطياده وتستخلص من فروته إشراقات إيروطيقية من النمط البودليري.

إن نص (لو) يهيم حبا بنيتشه دونما استحياء تقريبا. ومن خلال هذا النص اكتشفت ما وفقت في تسميته بـ”الخواطر المخلوطة ببهارات” لشخص كتابها.

انظروا إلى الكيفية التي تتحدث بها عن عودته القصية إلى ذاته، هذه العودة للطفل الضجر، المتهالك إلى وطن إيمانه البدائي والذي “اختفى في ظلمات ليل يملؤه النسور عن آخره”

لاحظوا الكلمات الأخيرة “نتبين في ضحكه رنة مزدوجة، ونرى في وجهه تباعا غبش الشيطان وابتسامة الظافر”.

رب قائل يقول: إنها مجرد حذلقات لغوية وفذلكة عاطفية. قد يكون ذلك واردا، لكن صاحبة هذا الكلام، رأته بأم العين وهو ما لم يكن من نصيبها. قد يكون، لكنها كان قد جاوزت الثلاثين بقليل عندما أطلعت (نيتشه) على البدايات الأولى لكتابها هذا عنه. مما لاشك فيه أن (نيتشه) ألهمها أكثر مما فعل (فرويد) عندما بدأت أفكاره تمارس تأثيرا عليها، والمسألة، مرة أخرى هنا، هي مسألة أسلوب.

كان [مالويدا فون ما يزنبرغ)؟ ذلك المثالي الألماني الذي عاش حدادا أزليا على حب مفقود والذي قدم (لو) لـ (نيتشه) بنية تزويجهما -يرى أن (لو) “فتاة شابة غريبة الأطوار جدا” -وعلى عهدة الراوي الخاطب- فإنه طار بحثا عن هذه المجهولة التي سمع عنها. يقول: “نهم أنا لهذا الصنف من الأرواح. لا بل أذهب للتو لاقتناصها”. فتاة، في سن العشرين كانت. متمردة، صعبة المراس، تتشبت بنيتشه دون أن تحبه. فهو الذي اغرورقت عيناه بالدمع عندما رفضت طلبه بالزواج منها. تصوروا (نيتشه) مطأطئ الرأس، راسما دوائر على الرمل وماء دمعه ينسكب في بركة مياه؟

قصة الحب هذه على طريقة (روهمر) أخذت، مع ذلك، أشكالا تراجيدية تماما كما أخذها حفل خطوبة (الفيلسوف (سورين كيركغارد) الذي لم يتم. (كيركغارد) الذي لم يجد في خطيبته (ريجين) شبيهة بـ (لو-نيتشه) حتى تؤلف عنه كتابا.

عند قراءتنا لهذا البورتريه الذي كتبه (نيتشه) عن معشوقته، بالوسع أن نتبين كيف كان يتخيلها، إنها، فعلا، كواحدة من خواطره: “قبل هذا اليوم بقليل. كنت تبدين مزركشة الألوان، شابة كفاية وشاطرة كفاية أيضا، توخزين كبهارات سرية، وكنت في كل هذه الأوضاع، تجعلينني أشهق بقوة وأضحك – أما الآن؟”.

كانت الخواطر العزيزة، الخواطر الخبيثة “تشكل -حسب لو- الحدث الحقيقي الوحيد في حياة هذا الوحيد”. فاتنة، شابة وشاطرة واخزة وبهارية: بهذه الصفات التي وصفها بها (نيتشه) يمكن أن نعتبرها، دون شك، واحدا من أكبر الأحداث في حياته وبالتالي -أردنا ذلك أم لم نرد، سيدة خواطره” ·

عن المجلة الأدبية الفرنسية، أبريل 1992.

____________________________________________

((مجموعة مواقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة ))

https://modernitysite.wordpress.com/

https://twitter.com/POSTMODERNISME2

https://www.google.com/+MichelFoucaultphilosophe2022

https://www.facebook.com/post.postMODERNISME/?fref=n

modernity2022@gmail.com

http://post2modernisme.blogspot.com/