تعريب: عبد المنعم البري
تتأتى الصعوبة التي تصادفها الميتافيزيقا التقليدية، وكذا تفرعاتها في الفكر الحديث، لكي يتم التفكير في التاريخانية l’historicité وفي الحياة، من المطابقة التي تمت على الدوام بين معنى مفهوم الوجود وبين مفهوم الحضور. وهذا المفهوم يمكن تسميته أيضا، وبعبارة أكثر ألفة، بـالموضوعية l’objectivité. إن ما “يدوم”، وما يتواجد، ما “يظهر” فهو يوجد، وبالمعنى القوي لهذه العبارة، إنه حاضر. وفضلا عن ذلك، فليس من الصدفة أن يكون الكائن الأسمى في الميتافيزيقا، أي الله، هو أيضا كائنا دائما وأبديا. إنه، بعبارة أخرى، حضور كلي وسرمدي. والحال هذه، فمادامت تاريخانية الروح هي التي ترغمنا على إعادة فحص مفهوم الوجود؛ ولما كان هذا المفهوم يظهر -ولا يتم ذلك سوى بواسطة تحليل تمهيدي- وقد استحوذت عليه فكرة الحضور، بمعنى أنه خاضع للتفكير عبر الارتباط بتحديد زمني خاص، فإنه تجب إعادة صياغة مشكل الوجود عن طريق الارتباط بسؤال الزمن. وهذا يتم بالانطلاق من تحليل للموجود “يطرح” المشكل، ليس فقط بهذا المعنى الذي يجعله ينبثق عبر عدم قابليته للاختزال إلى الأشكال الميتافيزيقية التقليدية؛ وإنما أيضا بهذا المعنى الآخر الذي يطرحه به، وبجلاء، وذلك عبر التساؤل عن معنى الوجود.
يبدأ كتاب الوجود والزمن، إذن، من تحليل تمهيدي لوجود الإنسان(1). وهذا الوجود يجب أخذه ودراسته في معناه الأكثر عمومية والأكثر اتساعا. وذلك بالطريقة التي يتم بواسطتها أخذ الاحتياط، قبل كل شيء، من خطر تحديد أحد جوانبه باعتباره جانبا أساسيا (مثلا، اعتبار المعرفة كمكون أساسي للإنسان) كي يتم إعطاؤه طابعا نظريا دون منحه، من قبل، طابعا إشكاليا. إنه بفعل هذا القلق الذي يخص “عدم الانحياز” الأولي في عملية البحث -وهو قلق ورثه عن الفينومينولوجيا- نجد هايدغر يشرع بطرح مشكل وجود الإنسان انطلاقا مما يسميه “اليومية” La quotidienneté (Alltäglichkeit) أو “الوجود – الأداة” être-moyen (Durchschdnittlichkeit). فتحليل وجود الإنسان ينبغي أن يتجه نحو الطريقة التي يوجد بها الإنسان منذ الوهلة الأولى وفي أغلب الأحيان. وليس هناك، أصلا، امتياز خاص نمنحه لبنية “الوجود-الأداة” على حساب البنيات الأخرى. ما دام أن هذه البنية، عكس ذلك، تعين بدقة مجموع أنماط الوجود الواقعية أو الممكنة للإنسان، وهو مجموع مختلط وغير محدد أصلا، كنوع من الإحصاء الأدواتي للطرق التي تتحدد بها الكائنات البشرية الفردية داخل العالم.
داخل هذا القرار الذي يتقدم بصفته قرارا مشروعا، والذي ينص على الانطلاق من الوجود-الأداة، ترتسم، ضمنيا، جوانب فكرة معينة بصدد وجود الإنسان. بيد أن هذه الفكرة ليست، مع ذلك، “افتراضا” يتوجب على التحليل التخلص منه. فمفهوم الفهم الذي سيؤسسه هايدغر، وبالضبط في كتاب الوجود والزمن، سيعترف بالخاصية الأساسية لكل فهم، وهي خاصية “ما قبل-الفهم”. وسيعترف بالأفق المنفتح والمهيأ، تمهيديا، والذي يجعل حرية الفهم ممكنة عوض أن يحد منها. إن الافتراضات المسبقة لم توجد لكي يتم إلغاؤها، وإنما يجب التسليم بها، علنا، وذلك عن طريق شرح مضامينها. هكذا، فإذا بدت لنا قضية الانطلاق من الوجود-الأداة قضية معقولة، فإنه يجب، كذلك، التسليم بالافتراض الذي تتضمنه والقبول به. وهذا الافتراض يكمن في كون أننا ننطلق من الوجود-الأداة لأننا نعترف، ضمنيا، بأن وجود الإنسان يتميز بكونه يجد نفسه أمام مركب من الإمكانيات لا تتحقق كلها بالضرورة. ولهذا السبب، بالضبط، يبقى أن مشكل التحليل -والذي نرغب في حله انطلاقا من مفهوم الوجود-الأداة-هو أن لا نعزل أي واحدة من تلك الإمكانيات على حساب الإمكانيات الأخرى. فالإنسان “يرتبط بوجوده كما يرتبط بإمكانه الأخص به”(2)
L’homme “se rapporte à son être comme à sa possibilité la plus propre”
وهذه الفكرة التي تعتبر الإنسان “قدرة-على-الوجود” pouvoir-être، والتي توجد متضمنة أيضا في الطريقة التي نطرح بها مشكل نمط وجود الإنسان، ستوجه، بشكل أساسي، تطور كتاب الوجود والزمن كله.
في الواقع، إن القدرة على الوجود تفيد، أيضا، معنى مفهوم الوجود. والاكتشاف الذي يفيد أن الإنسان هو الكائن الذي يوجد ما دام أنه يرتبط بوجود كما يرتبط بإمكانه، أي أنه هو الكائن الذي “يوجد” فقط لأنه يستطيع أن يوجد، يعني اكتشاف الميزة الأكثر عمومية والأكثر خصوصية للإنسان، أي “طبيعته” أو “ماهيته”، وهي أن يوجد. إن “ماهية” الإنسان هي “الوجود”. والكلمات التي تدخل في صنف: “طبيعة” و”ماهية” وحتى “الوجود”، يجب أن توضع بين مزدوجتين. إذ، حتى الآن، يظهر أن استعمال هذه المفاهيم، التي تحتل مكانة مركزية داخل كل فلسفة، مثقل بالالتباسات التي من شأنها المجازفة، منذ البداية، بنتيجة البحث. في الواقع، إذا قلنا إن الإنسان قد تم تحديده انطلاقا من قدرته على الوجود، أي بصفته يرتبط بوجوده كما يرتبط بإمكانه، فأي معنى سيبقى للحديث عن ماهية وعن طبيعة الإنسان؟ عندما نتحدث، تقليديا، عن طبيعة موجود ما فإننا تقصد مجموع الخصائص المكونة التي يملكها هذا الموجود والتي بدونها لا يكون هو ما هو. بيد أن القول بأن طبيعة الإنسان هي قدرته على الوجود، فهذا يرجع إلى القول بأن طبيعته هي أن لا يملك طبيعة أو جوهرا. ولا يزال استعمال كلمة “وجود” معقد جدا. فما نفهمه، عموما، من قولنا إن “شيئا ما موجود” هو أنه “شيء واقعي”؛ وهذا يعني، وكما رأينا، أنه مجرد-حضور Simplement-présent. ولكن، إذا كان الإنسان قدرة-على-الوجود فإن الإمكان هو الذي يكون نمط وجوده، وليس الواقع. فالإنسان ليس موجودا بالمعنى الذي يكون فيه مجرد-حضور(3) La Vorhandenheit. والقول بأن الإنسان يوجد، لا يمكن، إذن، أن يعني بأنه شيء ما “معطى”. وذلك لأن ارتباطه بإمكانيته هو الذي يجعل منه كائنا متفردا، وهو الذي يميزه عن الأشياء؛ وبالتالي فهو الذي يجعله لا يوجد كواقعية تتميز بمجرد-الحضور. وهكذا، فعندما يكون الأمر متعلقا بالإنسان، فإن كلمة “وجود” يجب أن تفهم داخل المعنى الاشتقاقي لكلمة: ek-sister؛ أي البقاء في الخارج، وتجاوز الواقعية التي هي مجرد-حضور للتوجه نحو الإمكانية. وإذا فهمنا كلمة “وجود” بهذا المعنى، فإن هذا الأخير يجب أن يخص الإنسان وحده. وبالمقابل، فالوجود كما تم فهمه من طرف الأنطولوجيا التقليدية-وهذا الفهم لا يمكن تطبيقه على الإنسان- هو مجرد حضور Vorhandenheit.
انسجاما مع هذا، فإن الخصائص التي يكشف عنها تحليل وجود الإنسان لا يمكن أن تفهم كمجموع “الخصائص” التي تحدد واقعيته، وإنما تفهم، فقط ودائما، كطرق ممكنة للوجود. وإذا كنا، في إطار التقليد الفلسفي، نطلق اسم “المقولات” على الأنماط الأكثر عمومية والتي يتحدد بواسطتها وجود الأشياء التي هي مجرد-حضور (أي الأنماط العامة التي بواسطتها تتبنين، فعلا، الواقعية باعتبارها مجرد-حضور Vorhandenheit)، فإن الأنماط (الممكنة) لوجود الإنسان التي سيتم الكشف عنها عن طريق تحليل الوجود (هذا التحليل الذي سماه هايدغر “التحليلية الوجودية”) يجب، بدل ذلك، أن يطلق عليها اسم “وجوديات”(4) existentiaux (Existenzialien).
إن الاختلاف الجذري الذي يفصل طريقة وجود الإنسان عن طريقة وجود الأشياء ليس سوى نقطة الانطلاق. بينما نجد الفلاسفة قد توقفوا عند هذا الحد! حيث اقتصروا على تمييز بالسلب لوجود الإنسان، وذلك بالمقارنة مع وجود الأشياء (الذات هي اللا-موضوع). وعلى العكس من ذلك فإن ما يهم هايدغر هو تأسيس تحديد بالإيجاب للوجود، وذلك عبر تطوير عميق لمضامين هذه النتائج الأولى. وسيظهر مفهوم مجرد-الحضور simple-présence، في إطار هذا التطوير، ليس فقط بأنه مفهوم غير كاف لوصف نمط الوجود الخاص بالإنسان، وإنما، أيضا، بأنه غير مطابق لتحديد وجود الأشياء المختلفة عن الإنسان.
تتألف الخطوة الأولى في التحليلية الوجودية، إذن، من تحديد ماهية الإنساني باعتباره وجودا، وباعتباره قدرة-على-الوجود. وإذا أردنا أن نذهب أبعد من هذا “المفهوم الصوري للوجود”، وهو الأول، فإن المفهوم الذي سنصادفه، في البداية، هو مفهوم “الوجود-في-العالم”. إن وجود الإنسان يكمن في كونه يرتبط بإمكانيات. لكن طريقة هذا الارتباط لا تتحقق، بالملموس، داخل ارتباط مجرد مع ذاته. وإنما تتحقق، فعلا، لأنه يوجد، بالملموس، داخل عالم مصنوع من أشياء ومن أفراد آخرين. إن النمط العادي واليومي لوجود الإنسان، والذي قررنا الانطلاق منه، يتقدم، قبل كل شيء، باعتباره “وجودا-في-العالم”(5). باللغة الألمانية يقال للوجود : Dasein. وهو بالحرف: الوجود-هنا. وهذه الكلمة تعبر عن كون الوجود لا يتحدد فقط كتجاوز يفارق الواقعية المعطاة للتوجه نحو الإمكان، بل إن هذا التجاوز هو، دائما، تجاوز لشيء ما؛ وبعبارات أخرى، إنه يكون، دائما، متموضعا، بشكل ملموس، سواء أكان يوجد هنا، أو كان هناك ما يوجد فيه. فالمفاهيم الثلاثة التالية: الوجود، والوجود-هنا، والوجود-في-العالم، هي كلها، إذن، مفاهيم مترادفة. وهي تعين كون أن الإنسان “متموضع” بطريقة ديناميكية. وبعبارة أخرى، إنه على نمط القدرة-على-الوجود. أو أيضا، كما سيقول هايدغر، قبل ذلك نسبيا، إنه على شكل “مشروع” projet. وانسجاما مع الاستعمال الذي قدمه هايدغر في كتاب الوجود والزمن، فإننا سنشير، نحن أيضا، إلى الإنسان بواسطة الكلمة البسيطة التي هي: الوجود-هنا، مع فهم هذه العبارة بمعنى الوجود (مفارقة) المتموضع (في العالم)، وهذا المعنى هو الذي يتعين الآن، بالإضافة إلى ذلك، تدقيقه وتعميقه.
إذا كان الوجود-هنا قد تم تحديده باعتباره وجودا-في-العالم، فإنه يجب تحديد مفهوم العالم بدقة. وإننا لا نستطيع أن نتقدم نحو تحديد بالإيجاب للبنيات الوجودية إلا في وقت آخر؛ أي حين يتم تطهير الحقل من الالتباسات التي تتولد عن تأسيس غير دقيق لذلك المفهوم (مفهوم العالم).

الهوامش
(*) ترجمة للفصل الثاني من كتاب جياني فاتيمو:
Introduction à Heidgger, ed. CERF, Paris, 1985.
(**) جياني فاتيمو المزداد سنة 1936 بتورينو بإيطاليا، فيلسوف متخصص في فلسفة نيتشه وهايدغر. وهو من بين الفلاسفة القلائل الذين ما يزالون يتبنون العدمية. حيث يعتبرها هي الحالة الوحيدة التي تتمتع بالأصالة في عالم اليوم. والعدمية الفاعلة، في نظره، هي قوة العيش في عالم تنعدم فيه الأسس، سواء على المستوى الميتافيزيقي أو على مستوى السلطات السياسية. ويرتبط اسم فاتيمو بما يسمى في إيطاليا فلسفة “الفكر الضعيف” La pensée faible.
1 – من المناسب أن نضع في أذهاننا منذ الآن بنية كتاب الوجود و الزمن كما أجملها هيدغر في الفقرة 8. إن البحث عن معنى الوجود لا يبعد-بل يستدعي-إخضاع موجود خاص (الإنسان) للتحليل. لأن هذا الموجود كائن تاريخي وذلك بشكل تكويني. بحيث إن البحث عن معنى الوجود يتضمن بالضرورة طابعا “إسطوغرافيا”. إذن، يجب تقسيم كتاب الوجود والزمن إلى جزأين: “الجزء الأول: تأويل الوجود-هنا بواسطة الزمنية، وتفسير الزمن باعتباره أفقا ترنسندنتاليا لسؤال الوجود. الجزء الثاني: الخطوط الأساسية لهدم فينومينولوجي لتاريخ الأنطولوجيا وذلك حسب الخيط الذي يوجه إشكالية الزمنية. والجزء الأول ينقسم إلى ثلاثة فصول: 1-التحليل الأساسي والتمهيدي للوجود-هنا، 2-الوجود-هنا والزمنية، 3-الزمن والوجود”. وكان يتوجب على القسم الثاني أن ينقسم بدوره إلى ثلاثة فصول مخصصة على التوالي لكنط وديكارت وأرسطو (كتاب الوجود والزمن، ص 39-40/57). كما نشر في سنة 1927- وكما بقي منذ ذلك الحين- فإن المؤلف يتوقف إلى حدود الفصل الثاني من الجزء الأول.
2 – هايدغر/ الوجود والزمن ، ص 42/63
3 – بالنسبة لمفهوم Vorhandanheit (الذي ترجم هنا بـ: مجرد-حضور simple présence) سنتذكر أساسا الفقرات 21 و b69 من كتاب: الوجود والزمن.
4 – “إننا نسمي خصائص وجود الوجود – هنا بـ: وجوديات existentiaux لأنها تتحدد انطلاقا من الوجودية l’existentialité. ويجب أن نميزها، بدقة، عن تحديدات وجود الموجود الذي ليس وجودا – هنا، والتي نسميها: مقولات” (الوجود والزمن، ص 44/64)
5 – الوجود والزمن، الفقرة 12.

______________________________________________

((مجموعة مواقع الحداثة وما بعد بعد الحداثة ))

https://modernitysite.wordpress.com/

https://twitter.com/POSTMODERNISME2

https://www.google.com/+MichelFoucaultphilosophe2022

https://www.facebook.com/post.postMODERNISME/?fref=n

modernity2022@gmail.com

http://post2modernisme.blogspot.com/