البنية التحتية/البنية الفوقية – مدرسة فرانكفورت للنقدThe Frankfurt School Criticism – البرجوازية The Bourgeoisie – الاغتراب Alienation

آرثر أيزا برجر
“النقد الثقافي” تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية لآرتر ايزابرجر الذي صدر بالانكليزية عام 1995، قام بترجمته الى العربية كل من وفاء ابراهيم ورمضان بسطاويسي ويصدر عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، من ضمن “سلسلة المشروع القومي للترجمة”.

هذا الكتاب عرض نقدي لأبرز المفاهيم الأولية، بتحديداتها واصطلاحاتها وظواهرها، بأسلوب دقيق وغير معقد.

اخترنا فصلاً من الكتاب حول الماركسية والنقد الثقافي لنعيد تقديم الماركسية، على الأقل، من منطلقاتها الايديولوجية الاولية وعناوينها الاساسية.

***

لعله من المهم أن أشير ـ قبل البدء في مناقشة النظرية الماركسية ـ الى أن الفلسفة الماركسية ليست أحادية الجانب، وكذلك نقاد الماركسية، فإن ثمة عدداً من المدارس المختلفة لنقاد الماركسية، يعتمد نقدهم ـ جميعا ـ على تفسيرات متنوعة وأحياناً متصارعة لنظريات ماركسية وعلى كيفية تطبيقها في تحليل الثقافة ـ بشكل عام ـ وعلى النصوص الأدبية ـ على نحو أكثر تحديداً ـ وأعمال ثقافة النخبة، والثقافة الشعبية، ووسائل الإعلام الجماهيرية.

وعلى الرغم من أن الماركسية قد شوهت من حيث كونها نظرية اقتصادية وفلسفة سياسية (لما حدث في أوروبا الشرقية وما كان يطلق عليه الاتحاد السوفييتي)، فإن الماركسية لا زالت تصوغ عمل عدد كبير من نقاد النقد الثقافي وتسيطر على تفكيرهم ـ ولا سيما الأوروبيين منهم، الذين قد أثروا ـ بدورهم ـ وشكلوا تفكير النقاد في أماكن أخرى. وكثير من نقاد الماركسية لا يؤمنون بوجوب العنف (الصراع) لاسقاط النظم السياسية في بلادهم، وإنما هم بالأحرى يستخدمون مفاهيم ومعتقدات الفلسفة الماركسية للهجوم على الأمراض التي يجدونها ـ أو يدعون أنهم يجدونها ـ فيما يسمونه المجتمعات الرأسمالية البرجوازية.

وقد كانت هناك مناظرات ومناقشات في الاتحاد السوفييتي قبل سقوط الشيوعية حول كيفية تطبيق النظريات الماركسية على الثقافة. ويصادق الخط المتشدد الماركسي على جمالية نظرية الواقعية الاجتماعية (socialist realism) (وهي تأليف مشوه من نظرية المحاكاة والنظرية البراجماتية)، ويهاجم الخط المتشدد الفنانين المبدعين الذين لم يمتثلوا لهذا النهج الواقعي (من وجهة نظرهم)، ولقد كان الماركسيون الليبراليون أكثر انفتاحاً على العمل التجريبي، وعلى فناني الحداثة وكتابها من أمثال بابلو بيكاسو Pablo Picasso، وفرانز كافكا Franz Kafka، وجيمس جويس James Joyce، وبذلك لم يكن النقد الماركسي أحادي البعد، وكذلك الماركسية. ويؤكد البعض أن تفكير ماركس نفسه لم يكن أحادي التفكير، وإنما كان تفكيراً متطوراً عبر السنين.

البنية التحتية/البنية الفوقية

Base/Super structure

إن الأساس أو البنية التحتية في التفكير الماركسي هي (أسلوب الإنتاج، ونظام العلاقات الاقتصادية التي توجد في مجتمع ما) وهي التي تشكل البنية الفوقية Super Structure (المؤسسات في المجتمع، مثل الكنيسة، ونظام التعليم، وعالم الفن، والنظام القانوني). إن البنية التحتية لا تحدد البنية الفوقية، ولو كان الأمر كذلك، فإن هذا يستدعي أن كل مجتمع يحقق مستوى معيناً من التطور، فإنه لا بد وأن يحقق بنية فوقية ـ التنظيمات الاجتماعية والثقافية ـ مطابقة للبنية الفوقية في مجتمعات أخرى.

ويعطى فريدريك إنجلز Friedrich Engels، الذي تعاون مع ماركس في تأليف عدد من الأعمال، أهمية أكبر للاعتبارات الاقتصادية مما يعطيه بعض الماركسيين الآخرين ويقول Engels في هذا الصدد ما يلي (1972):

إن ثمة حقائق جديدة أدت حتمياً الى فحص جديد لكل التاريخ الماضي. إذ اتضح أن كل التاريخ الماضي باستثناء المراحل البدائية، كان تاريخ صراع الطبقات، حيث كانت هذه الطبقات المتصارعة منتجة دائماً لأساليب الإنتاج والتبادل، باختصار، منتجة للشروط الاقتصادية لزمنهم، إذ إن البنية الاقتصادية للمجتمع هي التي تقيم الأسس الحقيقية التي بها يكون في مقدورنا أن نصل الى التفسير النهائي للبنية الفوقية في كليتها المؤلفة من السلطة التشريعية والسياسية وأيضاً الأفكار الفلسفية والدينية وغيرها من الأفكار لفترة تاريخية معينة (ص 621).

إن المؤسسات الاقتصادية والبنية التحتية هي أمر أساسي ومن الضروري أن تؤخذ في الاعتبار، ولكنها ليست بكافية لتفسير منهج تطور المؤسسات في المجتمع، وكيف تؤثر على الجماعات والأفراد. إن العبارة السابقة لإنجلز Engels عبارة غامضة فإن القول بأن “الأسس الواقعية” The real basis، هي وحدها نقطة البداية التي تمكننا من الخروج بالنتائج، يمكن قراءتها بوصفها على نحوين إنها المعيار الفيصل أو عكسه تماماً.

إن الفكرة القائلة بأن العلاقات الاقتصادية هي وحدها التي تحدد النهج الذي به يتطور المجتمع، وتحدد كذلك شخصية مؤسساته، غالباً ما توصف بأنها ماركسية سوقية. إن التبسيط مخل ومبتسر لأنه لا يأخذ في الاعتبار العامل البشري، إن الوعي ـ كما يؤكد الماركسيون ـ قد يكون نتاج المجتمع، ولكنه ينقى دائماً، من خلال عقول الرجال والنساء الفاعلين في العالم، ولديهم الشخصية والخبرات التي تشكل ـ ولا شك ـ مفاهيمهم.

مدرسة فرانكفورت للنقد

The Frankfurt School Criticism

عرفت إحدى جماعات النقد الماركسي بمدرسة فرانكفورت، وقد ازدهرت في ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين وفي الولايات المتحدة في أربعينيات القرن نفسه (واستمرت لعقود تالية، بسبب مجيء عديد من أعضاء مدرسة فرانكفورت للتدريس في الولايات المتحدة). لقد ركز أعضاء هذه المدرسة من أمثال هوركهايمر H.M Horkheimer وأدرنو T.W. Adorno وماركيوز Marcuse، اهتمامهم على ما يوصف بأنه مشاكل البنية الفوقية. فلقد أكدوا على أن وسائل الإعلام الجماهيرية Mass media، قد حالت دون أن يتخذ التاريخ مجراه الحتمي، وطبقاً لمصطلح هؤلاء الماركسيين فإن وسائل الإعلام قد أفسدت عقول الجماهير. ووفقاً لآراء مدرسة فرانكفورت، فإن البشر في الطبقات العاملة ـ أي ـ الجماهير قد استدرجوا الى ثقافة الاستهلاك وانغمسوا في المتع السطحية والمبتذلة التي تقدمها الثقافة الشعبية، كما تم غسل عقولهم بوسائل الإعلام الجماهيرية، ومن ثم فقدوا الاهتمام بهوية طبقتهم، وبالحاجة الى الثورة، أو ـ على الأقل ـ الحاجة الى التغييرات (السياسية والاقتصادية) للبنية العامة في مجتمعاتهم. ولقد احتوت كتابات أدرنو Adorno، ألواناً من النقد المطابق لآراء هؤلاء الفلاسفة. حيث هاجم ثقافة الجماهير على النحو التالي:

لقد حولت المؤسساتية الجامدة الثقافة الجماهيرية الحديثة الى وسيط لخيالات تتجاوز حدود ضبط النفس وتوازنها. فالتكرارية، والتطابق مع الذاتية، والانتشار الكلي Ubiquity للثقافة الجماهيرية، الحديثة، تنحو نحو جعل ردود الأفعال آلياً، وإضعاف قوى المقاومة الفردية… إن قوة الثقافة الجماهيرية الحديثة الآخذة في التزايد إنما تتعزز وتدعم بفعل تغييرات تمت في البنية الاجتماعية لجمهور المتلقين. فلم يعد للنخبة الثقافية وجود بعد. وتتجاوب الصفوة الثقافية الحديثة ـ الى حد ما ـ مع الثقافة الجماهيرية. وفي نفس الوقت فإن نسبة ضخمة من المجتمع الذين ليست لديهم فكرة في الأصل عن الفن، قد اقتيدوا ليصبحوا من مستهلكي هذه الثقافة الجديدة. (Adorno ص476، 1957).

ويستطرد أدرنو Adorno،أن رسالة الثقافة الجماهيرية هي “رسالة خفية” للتماثل والتوافق (التطابق مع الوضع القائم) Identification With the Status quo، الذي يصبح نمط الاستجابة لدى الأفراد.

ويذهب الماركسيون الى التأكيد أن الإبقاء على الوضع القائم مهم للطبقات الحاكمة في المجتمعات الرأسمالية، التي تريد الاحتفاظ بالسيطرة على كل المجالات والأشياء بما هم عليه. ويؤكد أدرنو Adorno أن الجماهير لم تفقد القدرة على أن يروا الواقع كما هو فحسب، بل إنهم قد فقدوا القدرة على الإحساس بالخبرة الحياتية، حيث تعرضوا الى قدر كبير من التنميط ولمناخ تشاهد فيه الجريمة بحس بليد كتحصيل حاصل.

فالناس الذين يحضرون الحفلات الموسيقية ـ وفقاً لـAdorno (1948)، هم أيضاً من الضحايا، وإن كانوا لا يدركون ذلك، فهم ينغمسون في طقوس جوفاء عندما تقدم لهم وجبات هزيلة من التذوق الهابط للموسيقى: إن الموسيقى الطقوسية التقليدية أصبحت تشابه الإنتاج الكبير التجاري من حيث أسلوبها في الأداء ودورها في حياة المستمع. كما أن مادتها لم تفلت من هذا التأثير. فالموسيقى مرتبطة على نحو لا يمكن فصمه عما يسميه كليمنت غرينبرج Clement Greenberg بتقسيم الفن الى فن مبتذل (Kitsch) وفن طليعي (avant – garde) وإن هذا الفن المبتذل بما عليه من منفعة للثقافة ـ قد ساد وسيطر على المجال الاجتماعي منذ مدة طويلة (ص 10).

ولذلك فإن الناس الذين يواظبون على حضور حفلات الموسيقى الكلاسيكية، والذين يعتقدون أنهم يتذوقون ما يسمى بثقافة النخبة، فإنهم يستغفلون أنفسهم ويخدعونها، لأن أذواقهم قد انحطت مثل أي شخص آخر.

إن هذه النخبوية الموجودة في أعمال Adorno، ولدى أعضاء آخرين من مدرسة فرانكفورت، يمكن ربطها بإحساسهم الخاص بفقدان المكانة، فهم جاؤوا من المجتمع التراتبي في ألمانيا. حيث كانوا أعضاء في طبقة النخبة Elite Class، الى مجتمع أكثر دعوة للمساواة في الولايات المتحدة، وربما لم ترق لهم الطريقة التي عوملوا بها، أوالثقافة التي وجدوا أنفسهم فيها. إن ثمة نوعا من السخرية في موقف مدرسة فرانفكورت، لأن الانفتاح والحرية ذاتها التي وجدها أعضاء المدرسة في المجتمع الأميركي، كانت أدوات ـ على نحو ما ذهبت حججهم ـ لسيطرتها وتأثيرها.

إن الفكرة القائلة بأن الثقافة والفنون أدوات أيديولوجية للنخبة الحاكمة التي استخدموها في غسيل مخ الجماهير وثيقة الصلة بالنظرية الستالينية المعروفة بوصفها التعصب للدانوب Zhdanovism. فقد أكدت هذه النظرية أن أعمال الفن يجب أن تصطبغ بـ”الواقعية الاجتماعية” مثل سائقي الشاحنات الأفذاذ الذين يجذبون الأطفال ذوي الوجنات الموردة، حيث عمال المناجم الذين يعملون بعضلات مفتولة لمئة ساعة في الأسبوع من أجل صالح الناس، وهكذا فإن هدف الفن وفقاً لهذه النظرية ـ هو تدعيم الدولة السوفييتية مباشرة ـ بإظهار كيف ستكون الحياة رائعة عندما تتحقق الشيوعية Communism على نحو تام (لا كما يمكن أن تكون في ظل أنظمة انتقالية متنوعة). إن المجتمعات الرأسمالية تستفيد من الفنون والثقافة لتحفظ بقاءها وتمنع الثورة أو أي تغيير اجتماعي جذري.

من المحتمل انه كان لدى أعضاء مدرسة فرانكفورت، وأتباعهم، حنين لفترة مختلفة ـ التي قد توصف بالعصر الذهبي الخيالي ـ عندما كانت الحياة أبسط، وأعطيت لأعضاء النخبة الثقافية مكانة عليا (في مقابل النخبة الاقتصادية) وعوملوا على نحو مغاير تمام المغايرة، وقت أن لم تكن القيم في صراع، وقبل تطور مجتمع الجماهير الرأسمالي البيروقراطي الحديث.. ولقد فقدت مدرسة فرانكفورت بعض تأثيرها في الآونة الأخيرة، إلا أن عديداً من أفكارها ما زال يستخدم مع بعض التعديل والتحديث، وذلك بواسطة من عرفوا بأصحاب نظريةالتواصل النقدي Critica Communication. على الرغم من أن عديداً من المنظرين النقديين ليسوا ماركسيين.

إن الهدف من صناعة الثقافة ـ وفقاً لمنظري النظرية النقدية ـ هو التلاعب بوعي الجماهير كي يبقوا على المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية. وإن ذلك لمن المفيد تماماً لأصحاب القمة ـ أولئك الذين يمتلكون الثروة الضخمة والذين يسيطرون على المؤسسات المهيمنة الموجودة في المجتمعات الرأسمالية ـ البرجوازية، وهم موضوع الجزء القادم.

البرجوازية The Bourgeoisie

وفقاً لماركس إن أعضاء المجتمع الذين يمتلكون ويسيطرون على أسلوب الإنتاج ـ طبقة أصحاب الأملاك ـ هم أعضاء الطبقة البرجوازية. وهم بدورهم في تعارض مع العمال الذين يمتلكون ـ نسبياً ـ الشيء القليل ويمثلون طبقة البروليتاريا Proletariat (الطبقة الكادحة). إن طبقة البرجوازية لا تمتلك معظم ملكية مجتمع ما فحسب، وإنما تسيطر كذلك على أفكار طبقة البروليتاريا:

ـ إن أفكار الطبقة الحاكمة، في كل عصر، هي الأفكار المسيطرة بمعنى أن الطبقة التي تسيطر على القوى المادية في المجتمع هي في الوقت نفسه مسيطرة على القوى الفكرية والعقلية. إن الطبقة التي يكون تحت تصرفها أدوات الإنتاج، تمتلك في نفس الوقت الإنتاج الفكري والعقلي. (Marx ص78، 1974).

إن البرجوازية تتحكم في وسائل الإعلام الجماهيرية وتستخدمها، كما ذكرنا سابقاً، لتنقل الرسائل الأيديولوجية الخفية التي بها تدعم الوضع القائم. بالإضافة الى أن الأبطال والبطلات في القصص والمسلسلات موجهة من قبل البرجوازية بحيث تكون شخصيات تنشر وتروج للأيديولوجية الرأسمالية (على نحو غير مباشر، وفي شكل متقنع ومتنكر) عن طريق البطولة الفردية ـ مثلاً ـ وفكرة المرأة أو الرجل العصاميين اللذين يبنيان نفسيهما بنفسيهما، وكذلك عن طريق دفع ومساعدة لتوليد ثقافة الاستهلاك وشهوة الاستهلاك. وترى الماركسية أن البرجوازية تلقى تدعيماً من جانب الكتاب، والفنانين، والسياسيين، والمديرين.. إلخ، أعضاء طبقة البرجوازية الصغيرة ـ الذين يعملون على أن تبقى السيطرة على الاقتصاد والمجتمع في أيدي البرجوازية. وترى الماركسية أن الكتاب الذين ينتجون نصوصاً تدعم قيم البطولة البرجوازية قد لا يفعلون هذا عن وعي، فهم في مجتمع برجوازي تشربوا فيه ـ بلا وعي ـ قيم البرجوازية، ومن ثم فمن المتوقع أن بطلات وأبطال رواياتهم تعكس هذه القيم.

وهناك نصوص معارضة أيضاً، هي تلك الأعمال التي تهاجم الرأسمالية والمجتمع البرجوازي، ولكن هذه الأعمال أيضاً تفيد البرجوازية كما يلي:

أ ـ لأنها ليست ذات تأثير فعال، ب ـ لأنها تساعد على تأييد الوهم القائل بأن المجتمعات البرجوازية هي مجتمعات الحرية والانفتاح للتحدي والتنافس. فأبطال وبطلات البرجوازية في النصوص المعارضة في تضاد مع بطلات وأبطال الماركسية، والتي تبين كيف يتم استغلال البشر، وكيف تتلقى الجماهير وعياً زائفاً عن دولتهم وإمكانياتهم بواسطة الأيديولوجية البرجوازية. وتفضح شخوص أبطال وبطلات الماركسية الأيديولوجية الرأسمالية ، وتحض على الثورة لإسقاط النظام الطبقي وتساعد على بناء اللاطبقية ـ أي ـ شيوعية المجتمع، الذي يعطي فيه كل فرد بقدر طاقته، ويأخذ قدر حاجته.

ومن الواضح فقد انتصرت الرأسمالية في المعركة التي كانت بين الرأسمالية والشيوعية، وتحاول معظم المجتمعات الشيوعية أن تقيم اقتصادات مؤسسة على السوق الحرة عوضاً عن الاقتصاد القابض، ومع ذلك فإن هذه المجتمعات الجديدة قد لا تنتهي الى التماثل مع الولايات المتحدة (أي أن تتساوى بالبرجوازية) ومع المجتمعات الأوروبية الغربية.

لقد كان من المعتاد أن يستخدم البعض مصطلح البرجوازية بوصفه نوعاً من الإهانة الشخصية، فهو يشير الى أن الشخص المصنف ضمن هذه الطبقة إنما يتساوق مع أنماط الطبقة الوسطى من حيث السلوك، والقيم، والذوق. والصورة عن هذا الشخص هو أنه مكتف بذاته ومادي بينما يعوزه الحس الجمالي الرهيف (فهو ثري مادي ولكن بدون أسلوب أو لباقة، بل ربما يكون سوقيا شرساً). وينظر الى الشخص البرجوازي النمطي بوصفه شخصاً يتكئ على مستودع ثمين يوجه خطاه ويحدد ذوقه. فالفكرة هي أن أفراد الطبقة العاملة الذين يصبحون ـ بطريقة ما ـ موسرين يحتاجون الى أن يتأهلوا مجتمعياً، ويجب كذلك أن يتعلموا الأساليب الصحيحة للتصرف السليم، والملبس، وتأثيث بيوتهم إن هم أرادوا أن يحتلوا موقعاً بوصفهم أعضاء في الطبقة النخبة.

الاغتراب Alienation

يرى عديد من الماركسيين أن الاغتراب هو مفهوم رئيسي في الماركسية، وهو أحد المفاهيم التي تعكس الجوانب الأخلاقية والإنسانية للماركسية، في مقابل التشخيص التبسيطي الفج لهذه الفلسفة بوصفها معتمدة على العنف والثورة، وفي مقدورنا أن نرى أن كلمة غريب alien هي جذر المصطلح. والغريب هو شخص لا يرتبط بأي روابط (ديون، خطوط، علاقات أو وصلات) بالآخرين.ويعتقد ماركس أن الرأسمالية تولد الاغتراب في كل قطاعات المجتمع، حتى الثروة ليست في مأمن منه. فالأغنياء، وهم أصحاب القوة الحاكمة، الذين يمتلكون أدوات الإنتاج، ناؤون بأنفسهم بالضرورة عن الناس الفقراء في المجتمع البروليتاري، المستغلون على نحو فظيع وهم ـ في نفس الوقت ـ مصدر الثروة للطبقات الحاكمة. لكن الفقراء هم أيضاً ضحايا للاغتراب، فهم يغتربون عن عملهم، وتجربتهم وعن أنفسهم التي هي فحسب مجرد سلع، كما يعانون على نحو شديد الوطأة نفسياً وجسدياً.

ويرى ماركس أن العمل في المجتمعات البرجوازية لا يستمتعون بعملهم، فهم يعملون فحسب كوسائل لإشباع حاجات الآخرين. فالعمال لا يعملون من أجل أنفسهم، ولكن من أجل آخرين وينسب العمل الى آخرين:

إن اغتراب العامل في إنتاجه لا يعني فحسب أن عمله أصبح موضوعاً ما، اتخذ شكل وجوده الخاص، ولكن أيضاً لأنه وجد كموضوع خارجه، على نحو مستقل عنه وغريب، إنه يقف في مواجهته كقوة مستقلة، فالحياة التي وهبها لمنتجه جعلته يقف بذاته على نحو مضاد له وبوصفه قوة معادية وغريبة عنه. (Marx ص179 ـ 470).

إن هذا المعنى للوجود كسلعة لا يحس به فحسب من جانب العمال اليدويين الفقراء في الولايات المتحدة المعاصرة ومجتمعات رأسمالية أخرى، ولكن أيضاً في الأنماط الإدارية “البرجوازية الصغيرة pretty bourgeois الذين ليسوا في طبقة البروليتاريا نفسها، ولكنهم يجدون أنفسهم مستغلين ومهمشين في حين أن المشرفين عليهم (وهم أيضاً أدوات للطبقة الحاكمة) لديهم شعور بأن هذا الأمر ضروري. حتى الرياضيين المحترفين في الولايات المتحدة، فإن عديداً منهم هم كبار أصحاب الملايين، وأحياناً يخبرون بأنفسهم بوصفهم سلعاً للبيع. وقد يستغنى عنهم أو يتاجر بهم عندما يُعتقد أن فائدتهم لفرقهم قد انتهت (وإن كانوا في الوقت الحاضر، وبسبب تغييرات القانون والقرارات القانونية المتنوعة، فإنهم يجدون السبل للتعامل مع هذه الأمور بدرجة ما).

ولذا فإنه في المجتمعات الاشتراكية، على نحو ما تذهب إليه النظرية، إن العمال (وكل فرد آخر في المجتمع) يمتلك وسائل الإنتاج، فلا يمكن للاغتراب أن يوجد، فهؤلاء الذين يديرون المصانع، يفعلون ذلك ـ على نحو عمدي ـ باسم ولمصلحة العمال والشعب بأسره. وقد كان من المستحيل ـ على نحو ساخر ـ أن يعمل الناس عملاً شاقاً في المجتمعات التي تتبع المبدأ الماركسي (أي المجتمعات الشيوعية). إن النظام الماركسي قد تولد عنه انحراف لا يمكن تصديقه، كما وجدت فروق طبقية في المجتمعات الشيوعية كثيرة، بل قد تكون أكثر منها، في بعض الحالات، في المجتمعات الرأسمالية. كما يذكر القول الشائع في المجتمعات الشيوعية: “نحن نتظاهر بالعمل، وهم يتظاهرون بأنهم يدفعون لنا”.

ولقد أكد بعض المنظرين أن الاغتراب مفهوم غامض جداً، إذ يروا أن الدليل على ذلك أن الاغتراب وجد في القرى الصغيرة، وفي المدن الكبيرة، وفي الحضارات القديمة أيضاً كما في المجتمعات الحديثة، وأن الاغتراب ليس مشكلة تولّدت بسبب الرأسمالية أو الاقتصاد الماركسي أو التنظيمات الاجتماعية ولكن هو مشكلة دائمة تواجه كل الناس تقريباً.

ومع أفول الشيوعية Communism، في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي، يؤكد بعض النقاد الماركسيين الآن، أن تلك المجتمعات المنهارة لم تكن مطلقاً ماركسية، بل الأحرى، قاموا بإساءة استخدام أشكال الاشتراكية الدولية Statist Socialis. ويرى هؤلاء النقاد أن الماركسية تظل وثيقة الصلة بذاتها ولها فائدة من حيث كونها أداة لنقد المجتمعات حيث عدم المساواة الاقتصادية والأشياء التي تنبثق منها مثل ـ العرق racism، الجنس sexism، والاستغلال exploitation، وغيرها من الظواهر التي يتولد عنها الاغتراب في الناس. ولقد أكد نقاد الماركسية أن الاغتراب الذي اكتشفه ماركس في المجتمعات البرجوازية كان له تأثير على نفوس العمال وكل فرد آخر من الذين تمرّسوا على شهوة السلع بوصفها وسائل لتسكين وتهدئة مشاعر الخواء والاغتراب.

الفتشية السلعية Commodity Fetishism

اعتقد ماركس أنه كنتيجة للاغتراب الذي يتولد عن المجتمعات الرأسمالية، يصبح العمال مبتعدين لا عن ذواتهم فحسب، بل أيضاً عن منتجات عملهم. هذا الابتعاد والتسليع هو أمر غامض، ولا يدرك إلا جزئياً من خلال الحواس. وكما كتب ماركس في كتابه رأس المال يقول: ان هناك صلة مادية بين الأشياء الطبيعية. ولكن الأمر مختلف في حال السلع. فهناك وجود الأشياء من حيث كونها سلعاً، وهناك “العلاقة ـ القيمة” بين منتجات العمل التي تدمغها كسلع، وليس لهم أي علاقة ـ مطلقاً ـ مع خصائصها المادية، ولا مع العلاقات المادية المنبثقة من ذلك. هناك ثمة علاقة اجتماعية محددة بين البشر، التي تفرض من منظورهم شكلاً خيالياً Fantasic From، لعلاقة بين الأشياء Marx)، ص 217، 1972).

ان العلاقات الاجتماعية بين الناس تتحول على نحو سحري الى موضوعات. ويرى ماركس أنه كي تفسر هذه الظاهرة، فإنه من الأفضل أن نبحث لها عما يماثلها في إطار الدين، ذاك “العالم ضبابي الطابع a mist-enveloped”، ويضيف ماركس قائلاً: في عالم على هذه الشاكلة فإن منتجات العقل الإنساني تظهر بوصفها كائنات مستقلة تنبض بالحياة، وتقيم علاقات إحداها مع الأخرى وأيضاً مع الجنس البشري برمته. ولذا فإن هذا المنتج قائم في عالم السلع جنباً الى جنب مع صنائع الأيدي العاملة. وهذا ما أسميه بالفتشية التي تربط نفسها بنتائج العمل. ولذا بمجرد أن يتم تسويقها كسلع، يصبح من المتعذر التفريق بين ما هو من عطاء العقل الإنساني وبين ما هو من نتاج سلعي (ص 217).

ان لمصطلح الفتش Fetish ـ كما نستخدمه تقليدياً ـ معنيين فهو يشمل الاعتقاد بأن شيئاً ما له خاصية سحرية، كما يوصف بأنه نوع من الإبدال للرغبة الجنسية من شخص الى شيء ما. ويستخدم ماركس المصطلح لنقد المجتمعات البرجوازية، وكذلك استخدم المصطلح من جانب النقاد الماركسيين ـ بطريقة حديثة ـ على يد وولفغانغ هوغ wolfgang Haug. فلقد اهتم هوغ Haug عام 1987 بما أسماه “الجمالية السلعية Commodity aesthetics”، واستخدم الإستطيقا بطريقة كانت تتميّز بالجدة التي اعتادها الباحثون، حيث تطبيق طريقة عمل الحواس والفهم الحسي. فالمنتجات ـ بالنسبة لـHaug ـ “صممت كي تثير في المتفرج رغبة الامتلاك والدافع الى الشراء” (ص8).

ان استخدام Haug للغة أمر جدير بالاهتمام؛ فهو يستخدم كلمات من مثل “يثير Stimulate، ورغبة Desire، ويمتلك Posses، ودافع Impulse، كل منها له دلالات جنسية. وبالفعل، فإن أحد تأكيداته الرئيسية هي أن الحسية الإنسانية تحوّلت وتشكّلت من أجل خدمة بيع المنتجات الاستهلاكية، فبمقدورنا أن نقول ـ على سبيل المثال ـ ان الشهوة الجنسية لدى شخص بعينه تجاه آخر، تستبدل ـ بالضرورة ـ لتتحلق حول سلعة بعينها في المجتمعات البرجوازية (وبهذا ننتقل من الشهوة الجنسية الى الشهوة الاستهلاكية) كي تروّج للمنتجات ونبقى على العملية الاقتصادية عند أقصى فعالياتها.

وربما استخدمت الشهوة الاستهلاكية ـ بالفعل ـ لخدمة الشهوة الجنسية ـ فالناس برغبون في أن يصبحوا على أكبر قدر من الجاذبية تماثل جاذبية الأشياء محط حبهم ـ ولكن ما هو حاسم هو أن الشهوة الاستهلاكية يمكن تنشيطها والسيطرة عليها. وفي الحالتين فإن الجماليات والحس الإنساني يستغلان أسوأ استغلال. إن هذا ينطوي على بعدين: فمن ناحية تعطى الأشياء قيماً جمالية، ومن ناحية أخرى ينقلب الاستهلاك الى خبرة مشبعة من ناحية إستطيقية وأسلوبية. بل ان Haug يذهب الى القول بأن ثمة محاولة حالية لتغيير بؤرة التركيز من السلع في ذاتها الى فعل الاستهلاك ويتم ذلك من خلال الارتباط الشرطي وإعادة تشكيل غرائز وسلوك عامة الناس ـ ولا سيما ـ الشباب الذين هم أكثر استهواء لهذه العملية.


المصدر: جريدة المستقبل – 22 تموز 2004 – العدد 1651 – صفحة 20

((Follow our page)) مواقع تابعة لمجموعة الحداثة وما بعد بعد الحداثة Modernité Et Le Post-Postmodernisme :
https://www.facebook.com/post.postMODERNISME
https://telegram.me/Postmodernism2
http://post2modernisme.blogspot.com
https://modernitysite.wordpress.com
https://twitter.com/POSTMODERNISME2
https://www.google.com/+MichelFoucaultphilosophe2022
https://plus.google.com/u/0/me
https://plus.google.com/u/0/collection/8Rv6cB
https://www.youtube.com/channel/UCi4D73PnR_sWkwOV-ruqz8Qقناتنا على اليوتيوب

ويمكنكم مراسلتنا على البريد الالكتروني لارسال البحوث والمقالات والاستفسار
modernity2022@gmail.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s