جدل المنطق الشكلاني والحِجَاج الفلسفي – تأليف: شاييم بيرلمان – ترجمة: أنوار طاهر

 

يعد المنطق الشكلاني logique formelle احدّ ابرز الأفكار المعروفة منذ زمن الفيلسوف أرسطو. وقد أخذ الاهتمام به يتزايد تحت تأثير المناطقة الرياضيين منذ منتصف القرن التاسع عشر، حتى أصبح هو وعلم المنطق العام مفهومين مترادفين، وجرى بذلك استبعاد أي اثر لمفهوم المنطق غير الشكلاني logique informelle. وكان عالم المنطق البولوني الأب بوخنسكي J. M. Bochenski (1902-1995)احد ممثلي ذلك الاتجاه، قد عبر مجددا عن تلك النزعة خلال ندوة عقدت مؤخرا في مدينة روما عام 1976 حول موضوع المنطق الحديث. وفي ورقته البحثية الموسومة بـ: الحس العام وخصائص المنطق الحديث (1) عقد مماثلة بين المنطق الحديث والمنطق الشكلاني. وحدد ثلاث مبادئ منهجية يتسم بها المنطق الشكلاني وهي: استعمال اللغة الصُنعية langue artificielle، والنزعة الشكلانية formalisme والنزعة الموضوعانية objectivisme. مؤكدا بصورة خاصة على حجم ما سيحصل من تقدم هائل فيما لو جرى الاستعانة باللغة الصُنعية لأنها الأداة التي ستساعدنا في القضاء على جميع عناصر الالتباس والغموض والجدال التي يصعب تجنب وقوعها عند استعمال اللغة الطبيعية langue naturelle.

وعند مطالعة المبادئ المذكورة أعلاه. سنجد أن الشرط الأساسي في بناء لغة صُنعية إنما يكون في ضرورة أن تشير كل علامة signe إلى معنى sens واحد فقط، تماما مثلما لا يحتمل كل تعبير expression مصاغا صياغة لغوية صائبة إلا معنى واحد وحسب. أما فيما يتعلق بالنزعة الموضوعانية التي أشار إليها بوخنسكي فهي نزعة تفترض مسبقا أن المنطق الحديث لا يهتم سوى في البحث عن الخصائص الموضوعية التي ينبغي توفرها في اللغة سواء ما تعلق منها بالصواب والخطأ؛ أو الاحتمالية والضرورة … الخ. ورغم أنها خصائص مستقلة تماما عن السياق العام الذي يتحكم في الإنسان وطريقة تفكيره وتشكيل ميوله في الاعتقاد وكذلك في كيفية إنتاج قراراته وممارساته الاجتماعية، إلا أنها ستكوّن هي نفسها بديهيات نظام axiomes du système ذلك المنطق المدرجة منذ البداية كما في قواعد الإبدال substitution والاستنباط déduction التي تجيز تحديدا تلك العمليات المنطقية المتطابقة معها  والتي من شأنها أن تسمح بتمييز  الاستنباط الصائب من الخاطئ.

نتيجة لذلك، سيكون كل نظام شكلاني مقتصرا على إمكانياته المحددة في أشكال التعبير والبرهان والمستندة على مجموعة من البديهيات وقواعد الاستنباط المسلم بدوام صلاحيتها. وبهذه الطريقة سوف لن تسمح اللغة الصنعية على الأقل داخل كل نظام يتصف بالاتساق والثبات، بالاعتراف أن هناك قضايا غير مؤكدة القيمة propositions indécidables أي في وجود قضايا لا تخضع لتلك البديهيات ولا يمكن معها بالتالي البرهنة حتى على صوابها أو خطأها.

يتضح مما سبق ذكره أن شروط وخصائص اللغة الصُنعية والنظام الشكلاني تقع على النقيض من تلك المتعلقة باللغة الطبيعية ومن تلك التي تخص النظام غير الشكلاني كما نجده تحديدا في نظام القانون الحديث.

-اللغة الطبيعية وإشكالية التواصل الثقافي

أن اللغة الطبيعية هي وسيلتنا في التواصل الكوني communication universel من حيث المبدأ. هذا يعني أنها لغة ينبغي أن تكون قادرة على التعبير عن أي فكرة كانت. لان المتطلبات المنهجية المتعلقة بتواصل ثقافي معقول/ومجدٍ إلى حد كبير إنما تسمو بل وتفوق في أهميتها جميع الاعتبارات الأخرى أمثال شرط أحادية المعنى l’univocité الواجب توفره في العلامات اللغوية المستعملة. وهذا ما يجعلنا نفترض أن عدم اتساق أقوالنا في اغلب الأحيان لا يعني خلوها من الفائدة تماما. فعند قراءتنا على سبيل المثال لا الحصر عبارة الفيلسوف هيراقليطس الشهيرة: ((أننا لا ننزل النهر نفسه مرتين…))، سوف لن تكون ظاهرة التناقض في قول هيراقليطس محل اهتمامنا الأساسي، بل سنحاول العثور على تأويل لعبارته الفلسفية بالشكل الذي يمنحها معناً مقبولا وملائما. فعلى سبيل المثال، سنحاول الإشارة إلى الغموض الذي يكتنف عبارة ((النهر نفسه)) لكونها قد تحيل إلى ضفاف النهر تارة وتارة أخرى إلى المياه المتدفقة منه. بكلمة أخرى، من اجل ابتكار تواصل نافع ومجدٍ إلى حد كبير، يجب علينا أن نتحرر من فرضية أحادية المعنى الواجب توفرها دائما في كلماتنا المستعملة.

وعلى نحو مماثل، سنلاحظ في مسرحية قيصر الشهيرة للأديب الفرنسي مارسيل بانيول Marcel Pagnol (1895-1974) قول الكاتب على لسان شخصية بانيس أثناء لحظة الاحتضار: ((ألموت هو أمر لا يزعجني بشيء، قدر ما يشعرني بالأسف على مغادرة الحياة)). ومن اجل أن نفهم جيدا ماذا كان يعني بهذا القول تماما، ينبغي علينا أن نتعامل مع دلالات كل من مفردتي: الموت ((mourir)) ومغادرة الحياة ((quitter la vie)) المختلفتين تبعا لسياقهما الخاص، وليس على أساس أنهما كلمتان مترادفتان فحسب كما تعلمنا ذلك إياه قواميس اللغة بصورة معتادة.

والشيء نفسه يقال، عندما نضرب الأمثال في ضرورة عدم التبذير لا في المال: ((الفلس هو/يبقى فلس))، ولا في ألوقت أيضا: ((العمل هو/يبقى عمل)). فلن يقرأ احد مثل هذه العبارات بوصفها تطبيق لمبدأ الهوية principe d’identité باستثناء ذلك الشخص الذي يأخذ دروسا في المنطق.أما بالنسبة للشخص العادي فهذه العبارات التداولية لو لم تكن تؤدي وظيفتها في توصيل المعلومة بشكل واضح وبسيط بما فيه الكفاية، لكان بإمكانه أن يلجأ إلى عبارات أخرى غيرها تجنبه الوقوع في التكرار التوتولوجي tautologie للشيء نفسه غير النافعة وغير المجدية على حد سواء.

وما زلت أتذكر تلك الحادثة التي حصلت مع احد الأقارب عندما كانوا في المحطة بانتظار عودة ولدهم بعد غياب طويل. حيث ما أن لمح الأب ولده من باب القطار، حتى انهالت دموعه من الفرح، وصرخت الأم عندئذ بأعلى صوتها: ((بعد الذي رأته عينياي اليوم، سوف لن يكفيني القول عن الأم أنها تبقى أم في نهاية المطاف، بل سأقول كذلك عن الأب الذي يبقى هو أب مثلها تماماً)). وهذا يعني أن حاجة الأم إلى مثل هكذا مناسبة مثيرة للمشاعر لغرض الاعتراف والإقرار أن الأب يبقى في نهاية المطاف أب أيضا، تدحض إمكانية النظر إلى ذلك القول على انه مجرد تكرار توتولوجي فقط.

-في جدلية تأويل النص والقانون والمنطق

هناك العديد من الحالات الأخرى التي تستدعي منا قراءة النص بطريقة غير تقليدية. وكان الفيلسوف الفرنسي باسكال قد اخبرنا في احد مقتطفات أفكاره الشهيرة: ((عندما يشير كلام الرب الذي هو حقّ، إلى الخطأ بالمعنى الحرفي للنص، يعني انه لابد وان يكون حاملا لحقيقته روحياً))(2). فمن اجل الحفاظ على سمة الحقّ/والحقيقة في النص المقدس، ينصحنا باسكال بالابتعاد قدر الإمكان عن المعنى الحرفي للنص. وينطبق ذلك على مجال القانون أيضا، حيث تتعارض القراءة الحرفية مع روح القوانين  وبالطريقة التي تؤدي إلى تقديم تأويل مقبول للنص.

بعبارة أخرى، أن إمكانية أن يشير التعبير اللغوي الواحد إلى عدة معان جديدة في كثير من الأحيان؛ واللجوء كذلك إلى استعمال استعارات métaphores بل وتأويلات مثيرة للجدل، إنما ترتبط جميعها بشروط استعمال اللغة الطبيعية. وهي لغة تستعين غالبا بمفاهيم تتسم بالغموض مما يفسح مجالا واسعا أمام إمكانية تقديم تأويلات interprétations عديدة بل وتعريفات مختلفة ومتنوعة لدرجة أنها كثيرا ما تدعونا إلى اللجوء إلى اختيارات مختلفة واتخاذ قرارات بشأنها قد لا تتوافق أو لا تنسجم مع بعضها البعض بالضرورة. من هنا يأتي واجب الالتزام بتقديم المبررات الكافية لتلك الاختيارات، وتوضيح المحفزات الكافية والداعمة لاتخاذ تلك القرارات تحديدا دون غيرها.

ففي مجال القانون على سبيل المثال، نلاحظ في أكثر الأحيان، وعلى خلاف ما يحصل في النظام الشكلاني، أن هناك نوعاً من القضايا التي ينبغي على القاضي فيها أن يتخذ القرار المناسب والمتوافق مع قاعدة المواد التشريعية من جهة؛ ومع سياق القضية موضوع النزاع بين الطرفين من جهة أخرى،على أن يعرض لمجمل الأسباب التي شكلت الحافز الأساسي في اتخاذ ذلك القرار دون غيره. ومن المعروف أن المادة البارزة بهذا الخصوص هي المادة رقم أربعة من قانون نابليون، وهي تقضي بالآتي: ((في حال امتناع القاضي عن إصدار الحكم بحجة التزام الصمت؛ أو بسبب غموض النص القانوني أو لعدم كفايته، يكون عندئذ مرتكبا لجريمة إنكار العدالة)). فعندما يبدو للقاضي ومنذ الوهلة الأولى أن نص المادة القانونية يحمل بعضا من الالتباس أو يشير إلى وجود فجوة أو إلى تناقض معين، ينبغي عليه حينئذ اللجوء إلى تأويل ذلك النص بواسطة تقنيات الاستدلال القانوني raisonnement juridique وبالطريقة الملائمة التي تؤدي إلى إيجاد الحل المناسب ومسوّغاته المعقولة في آن واحد. وفي جميع هذه الحالات ينبغي علينا الاستعانة بالمنطق غير الشكلاني الذي يساعدنا على حسم الخلاف في القضايا موضوع الجدل؛ وفي إيجاد الأسباب الكافية التي تعزز أفعالنا؛ وفي اتخاذ قرارات تكون معقولة ومجدية إلى حد كبير.

-الخطاب ألحِجَاجي: من دوغما البرهان إلى التعدد القيّمي

من هنا عارض الفيلسوف أرسطو بين استدلالات تحليلية raisonnements analytique كالتي نجدها في الاقيسة الرياضية المنطقية syllogismes؛ وبين استدلالات جدلية raisonnements dialectiques التي كثيرا ما نصادفها في جميع أنواع النقاش وفي كافة أشكال الجدال عندما يتعلق الأمر بكيفية التوصل إلى رأي ملائم ومعقول opinion raisonnable (εύλογος).

فبينما يكون البرهان démonstration أداة المنطق الشكلاني، نرى أن الحِجَاج l’argumentation هو وسيلة المنطق غير الشكلاني. وفي الوقت الذي يكون البرهان فيه ثنائي القيمة: صائبا أو كاذبا؛ قسريا contraignante في الحالة الأولى وخاليا من أي قيمة في الحالة الثانية، تتميز الحجج بالتعددية القيّمية حيث خصائص القوة أو الضعف؛ الانسجام أو عدم التوافق؛ بكونها اقل أو أكثر إقناعا عقلانيا…الخ. ويعود ذلك إلى أن الحِجَاج لا يسعى إلى إثبات صفات موضوعية كمبدأ الحقيقة كما هو الحال مع البرهان الذي ينتقل وبكل بساطة من مقدمات منطقية صادقة إلى نتائج صادقة بالضرورة. وإنما يتعلق الأمر في الحِجَاج بكيفية إقناع الجمهور المخاطَب l’auditoire حول أهمية الاعتراف بضرورة اتخاذ قرار معين دون آخر  لما يتسم به من خصائص معقولة ومقبولة إلى حد كبير، وذلك يحصل من خلال استعانة المتكلم بالفرضيات نفسها التي يقرّ الجمهور المخاطَب بصحتها ويؤيدها تأييدا شديدا عبر ممارساته الاجتماعية المختلفة. يتضح من ذلك، أن الخطاب الاقناعي discours persuasif يسعى إلى ابتكار صيرورة تداولية يتحقق فيها تعزيز لمعان تحمل دلالات ذاتية جديدة؛ وحالة من التأييد تجاهها يمكن أن تختلف في شدتها وقوتها حسب مستوى الوعي والتفكير والإدراك بين مخاطَب وآخر.

ولأجل ذلك، أن فكرة المغالطة في الاستدلال والمصطلح عليها “المصادرة على المطلوب إثباته” pétition de principe هي مغالطة إنما تقع في الحِجَاج –وليس في المنطق كما هو شائع– لأنه يقوم اساسا على اعتراف المتكلم ألحِجَاجي بالقضايا المختلف فيها مع المخاطَب والتي ستشكل فيما بعد دعامة بناء حججه البلاغية في الإقناع. في مقابل ذلك،  لا يمكن أن يكون مبدأ الهوية “إذا كان ب، فهو ب” مغالطة في الاستدلال، لكونه احد قوانين المنطق الذي لا يمكن لأي نظام شكلاني تجاهله.

-تفكيك الحُجَج العامّة ونهاية أيديولوجيا المنطق

أن النظام الشكلاني يعرض لنا وبوضوح تام العواقب الناتجة عن استعمال البديهيات سواء كانت أقوال/أو عبارات واضحة بذاتها أو مجرد فرضيات متوافق على القبول بصحتها عُرفاً وتقليداً. وذلك لان البديهيات في أي نظام شكلاني لا يمكن أن تكون موضوع جدل أو نقاش أبدا، طالما كانت تفترض صدقها مسبقا سواء أكان بشكل موضوعي أو بواسطة العُرف السائد.

 والأمر بالتأكيد ليس كذلك في الحِجَاج حيث لابد وان تكون نقطة الانطلاق الأولى في الحوار أو في النقاش هي قضية مقبولة ومسلّم بصدقها من قبل الجمهور المخاطَب الذي نتوجه إليه بواسطة أدوات الإقناع أو الإثبات في خطابنا. بمعنى آخر، أن منطق الخطاب ألحِجَاجي يستند على حجج الخطاب العامّة lieux communs  أي على القضايا/أو الافتراضات propositions القيّمية المسلّم بها بشكل معتاد سواء ما كان يشير منها إلى ثقافة الحس المشترك أو إلى فرضيات لا جدال حولها في اختصاص معرفي معين. في بعض الأحيان، نلاحظ أن المتكلم-كما هو الحال عليه في المحاورات السقراطية- يسعى منذ بداية الحوار إلى التأكد وبشكل صريح من موافقة المتحاور معه على القضايا العامة التي يؤسس عليها خطابه ألحِجاجي.

وعلى العكس من البديهيات التي لا تفسح مجالا للجدال داخل النظام الشكلاني، نجد أن حجج الخطاب المشتركة تمثل القاعدة التي ينبني على أساسها الاتفاق العام بين الجماعات البشرية حول صلاحية الاعتقاد بالكثير من المبادئ والمفاهيم المجردة بكل ما تحمله من غموض والتباس في المعنى وإثارة للجدل، بل ويجري استعمالها بكل تلقائية دون محاولة توضيح عواقبها. بهذه الطريقة، يمكن أن يتفق الجميع حول حقيقة أن الحرية أفضل بكثير من العبودية مما يستدعي واجب البحث عن العدالة وضمان الصالح العام. لكن المسألة ستكون مختلفة كثيرا عند استعمال تلك الحقيقة/أو المبدأ بهدف استخلاص قاعدة معينة من قواعد السلوك.إذ ينبغي حينئذ إيضاح ماذا نعني بالضبط بأمثال تلك المبادئ والفرضيات التي لطالما يجري طرحها بشكل بديهي يستلزم اعتبارها تقع خارج منطق الجدال.

ومن ناحية أخرى، رغم أن التسليم بحجج الخطاب العامّة والقبول بها إنما يعد من الأحكام المفترض صدقها سلفا ولا يمكن لأحد دحضها أو الشك فيها، إلا انه يلاحظ في الوقت نفسه إنها لو جرى طرحها بشكل منعزل الواحدة عن الأخرى، فهو أمر كثير ما يؤدي إلى حالة من التعارض وعدم التوافق في وجهات النظر. ماذا سيحدث مثلا، لو تعارضت ومنذ الوهلة الأولى فكرة البحث عن تحقيق المصلحة العامة مع مبدأ تحقيق العدالة ؟ بعضهم سيقول أن ما يتعارض من المصلحة العامة مع العدالة لابد وانه يشير إلى ظاهر قيمة الخيّر وليس جوهره، فهو إذن لا يجلب النفع العام. والبعض الآخر  ربما سيرى أن الصالح العام يقع على طرفي نقيض مع ظاهر مبدأ العدالة. وهنا كان علينا أن نتساءل، كيف يتقرر إذن تحديد وتمييز قيمة حقيقية وصادقة، وأخرى غيرها بكونها مظهر زائف ومضلل؟ إنها قضية تتعلق في واقع الأمر بكيفية ابتكار معنى جديد لمفهوم/أو مبدأ معتاد، يكون أكثر ملائمة مع الوضع الجديد والمختلف تماما عن السابق. وبالطبع، لا يمكن أن تتحقق عملية التحول في المعنى دون وجود سبب يدعوها لذلك، إذ ينبغي أن تحمل مبررا كافيا لوقوعها، ليمكننا النظر إليها على خلاف المعنى المتآلف عليه والمسلم به بشكل معتاد والمفترض وجوده قبليا. وتقع على من يتخذ موقف المعارض من المعنى السائد، “مهمة الإثبات بإقامة الدليل”على ضرورة تغيير ذلك المعنى المعتاد بالأدلة المقنعة.

ويعتبر مفهوم مهمة الإثبات بإقامة الدليل la charge de la preuve وكذلك مفهوم الافتراضات المسبقة/أو القرائن présomptions من المفاهيم غير المعروفة في المنطق الشكلاني. وهو من بين المفاهيم المقتبسة عن حقل القانون والتي تعفي صاحبها من الالتزام بدليل الواقعة القانونية la preuve du fait. وهكذا فأن مبدأ افتراض حكم البراءة (المتهم بريء حتى تثبت إدانته) يُحمّل الطرف الآخر الذي يريد الطعن في الحكم، مهمة إقامة الدليل القاطع لإسقاط ذلك الحكم. وعلى نحو مماثل،أن الافتراض المسبق في أن زوج الأم هو نفسه والد الطفل، تعفيه من مهمة إثبات الأبوة la preuve de la paternité.

أن مفهوم الافتراضات المسبقة/أو القرائن وما يقابله من مفهوم الإثبات بإقامة الدليل، تعد من الاستعمالات الشائعة في مجال القيّم والمعايير. وهذا ما يفسر لنا معنى التعددية الفلسفية pluralisme philosophique كما أوضحها البروفسور ب. دي P. Day  في ورقته المعنونة “القرائن” « Présumptions »(3). حيث رأى أننا منذ اللحظة التي نؤيد فيها احد المبادئ أو القيم، سوف لن يتوجب علينا تبرير السلوك المتطابق معها، وإنما علينا فقط إثبات السلوك المخالف أو المعارض لها. وميّز في ذلك ثلاث اتجاهات بين: محافظ وليبرالي واشتراكي، وكل واحد منها يتميز عن الآخر بشدة تأييده لمبادئ وقيم أخرى مختلفة. وهكذا،نرى إن الافتراض المسبق للاتجاه المحافظ يدعم كل سلوك يتكون ويظهر متسقا تماما مع القاعدة التي تقضي أن التغير الحاصل في كل مكان وفي كل شيء دون استثناء لابد وان يستدعي على الدوام تقديم تبرير justification كافيا لوقوعه. لذلك، نجد أن الشخص المتطابق في سلوكياته مع القوالب المسبقة والمفروضة بواسطة التقليد والعادات، لا يحتاج إلى تقديم مبرر لذلك، وإنما كل انحراف عن ذلك الطريق هو من سيحتاج إلى أن يقدم مبررا كافيا. أما فيما يتعلق بالافتراض المسبق للاتجاه الليبرالي فقد جرى التعبير عنه بصورة جيدة من خلال عبارة الفيلسوف جون ستيوارت مل J. St. Mill في الفصل الخامس من كتابه عن الحرية (On Liberty, Chap. V): ((لندع الناس يفعلون على الدوام ما يرونه الأفضل لهم، دون إرغام. هذا على افتراض بقاء العوامل الأخرى على حالها دون تغيير)). وهنا تكون الحرية مبدأ بديهيا واضحا في ذاته va de soi ووحدها القيود المفروضة هي من تقتضي التبرير. وفيما يخص الافتراض المسبق للاتجاه الاشتراكي فقد عرض له الفيلسوف اشعيا برلين Isaïah Berlin عندما كتب: ((المساواة لا تحتاج إلى تبرير، وإنما انعدام المساواة هو ما يحتاج إلى ذلك))(4).

وفي الإمكان تعميم أطروحته تلك بالقول: أن من يتبع القاعدة الذهبية (مع الاتجاه المحافظ)؛ أو مقولة الواجب l’impératif catégorique (مع الاتجاه الليبرالي) أو مبدأ النفعية l’utilitarisme (مع الاتجاه الاشتراكي) لا يحتاج إلى تبرير مجرى سلوكه. وحده ذلك الشخص الذي يخالف واحدا من تلك المبادئ، من ينبغي عليه أن يقدم تبريرا لذلك. أن وجود تلك المبادئ المتباينة والتي يمكن لها أن تدخل في صراع بين بعضها والبعض الآخر في الحياة الإنسانية عامة، توضح لنا كيف يمكن أن تندرج كل واحدة من تلك الفلسفات المتنوعة في بنية الآراء المعتادة والمسلَّم بصدقها في موقف معين. يتضح إذن، أن دعامة المنطق غير الشكلاني لا تستند فقط على الوقائع والمبادئ والآراء والحجج والقيّم المسلَّم بصلاحيتها من جانب الجمهور المخاطَب، بل وأنها تتموضع أو تتعين فيها أيضا، وبهذا فهو منطق لا يمكن له الزعم بصفة الموضوعية  الخاصة بالمنطق الشكلاني.

لكن، ألا يعني في تلك الحالة، أن المعيار الذي ينبغي أن يخضع له المنطق غير الشكلاني، إنما يكون في درجة الفاعلية التي ينجزها خطاب المتكلم في إقناع الجمهور المخاطَب؟ وهذه كانت كبرى اعتراضات الفيلسوف أفلاطون ضد الفلاسفة السفسطائيين ومن دعاهم بالديماغوجيين الذين كانوا –حسب رأيه- يستعملون الكذب والإطراء لغرض الفوز بتأييد الحشد الجاهل، وهي جميعها وسائل لا تليق بفيلسوف. ومقابل اعتراضه على تلك البلاغة في محاورة جورجياس، قدم أفلاطون في محاورة فايدروس مفهوم البلاغة المعارضة والجديرة بفيلسوف، بل والتي يمكن لها إثبات صدق قضاياها أمام الآلهة أنفسهم(273e).

بعبارة أخرى، أن فاعلية أداء الخطاب الاقناعي غير كافية من اجل ضمان المحافظة الكاملة على قيمته الجوهرية. وذلك لان تحقيق شرط فاعلية الأداء تقع على الجمهور المخاطَب، مما يعني أن أفضل أشكال الحِجَاج هو ذلك الذي يستطيع الوصول إلى التثبت العقلاني/المنطقي convaincre لدى الجمهور المخاطَب المتأسس على نظام تعليمي نسقي محكم جعله يتسم بروح نقدية من الصعب إرضائها وكأنها روح سنها  العقل الإلهي أو الآلهة.

بهذا الشكل يظهر الحِجَاج الفلسفي l’argumentation philosophique بمثابة دعوة إلى الاستناد على العقل الذي-كما اعرّفه بلغة الحِجَاج أو بلغة البلاغة الجديدة la nouvelle rhétorique- يعبر عن ذلك الخطاب الموجه نحو جمهور كوني l’auditoire universel. وهذا الاتجاه ألقصدي في الحِجَاج العقلاني rationnelle نحو تعميم خطابه بصورة كونية هو أهم ما يتميز به، وبوساطته يهدف إلى تحقيق حالة التثبت العقلاني/المنطقي أي إلى إقناع persuader الجمهور المخاطب الذي من خلاله فقط يتجسد العقل في روح الفيلسوف. وهذا ما يدعونا إلى القول إلى أنه في الوقت الذي يمكننا الحديث فيه عن خاصية سريان مفعول validité البرهان الشكلاني لطالما كان متطابقا مع المعايير المحض شكلانية، فلن يمكننا قول الشيء نفسه عن الحِجَاج وعن الاستدلال غير الشكلاني. وذلك لان منطق الحِجَاج البلاغي لا يمكن أن يكون قسرياً أبدا، وهو يفسح المجال على الدوام لطرح حجج متعارضة أو مختلفة.

ومن هنا، جاءت أهمية المبدأ الأساسي في النظام الإجرائي القضائي الداعي إلى ضرورة سماع أقوال الطرف الخصم مثلما يجري سماع شهادة الطرف المدعي. أي أن ذلك يعود لوجود حجج تقع في صالح القضية وأخرى تقع مع نقيضها، بحيث أن كل منهما يحمل قيمة واحدة ونفس القدر من الأهمية. وهنا، كان علينا أن نتساءل عن الطريقة التي تتم بوساطتها تقويم المدلول القيمي لتلك الحجج؟ وهو أمر يستند بالطبع على الفلسفة والمنهجية méthodologie المعتمدين. وهكذا، بينما نرى أن النزعة النفعية تنظر بعين الاعتبار إلى قيمة النتائج المترتبة، نجد أن النزعة الأرسطية تعزز من قيمة كل ماهو متطابق مع الجوهر، بينما نلاحظ أن النزعة الأفلاطونية الجديدة تستند على هيراركية اونطولوجية hiérarchie ontologique … الخ. لكن رغم ما يبدو من اختلاف بين تلك النزعات، هناك ثمة مبدأ مشترك بين كل واحد من تلك المفاهيم أو التصورات يقوم على الاعتراف بصلاحية قاعدة العدالة الشكلانية القائلة: ينبغي التعامل مع المواقف المتشابهة إلى حد كبير بنفس الطريقة تماما. فمنْ يسلّم بقيمة الحجة المطروحة في حالة معينة ينبغي عليه كذلك –مع بقاء العوامل الأخرى على حالها– التسليم بصلاحية قيمة تلك الحجة نفسها في حالة أخرى مشابهة. ويبدو واضحا هنا، كيف أن هذه القاعدة تعمل على تبرير حالة التبعية والخضوع لكل المقولات المحددة سلفا ليس فيما يخص القانون فحسب بل تمتد لتشمل جميع الحقول المعرفية. حتى أصبحت هي القاعدة التي تسمح بإعداد منهجية محددة لكل واحد من الاختصاصات.

وهنا، قبل الختام، أود أن اطرح هذا السؤال: هل يمكننا حقا إضفاء طابع شكلاني محض على بنية التقنيات الحِجَاجية؟ بالطبع، في إمكاننا أن نحاول اختزال الحجج البلاغية إلى مجرد عمليات حساب الاحتمالات calcul de probabilité وذلك بوساطة عدد من الأعراف المشيدة مسبقا. وهناك العديد من الحالات التي يحصل فيها اتفاق عام على مثل تلك الأعراف دون أدنى صعوبة تذكر. لكن، في سبيل تحقق مثل ذلك الأمر، ألا ينبغي أن يوجد ثمة اتفاق حول معاني المفاهيم المستعملة. ثم إن حصل ووقع الخلاف حولها كما هو الحال عليه مع المفاهيم الأساسية في الفلسفة أمثال الواقع والحرية والعدالة والخير، ألا يبدو عندها أن الاقتصار على مثل تلك النزعة الاختزالية هو فكرة شبه مستحيلة.خصوصا وان فلسفة الحِجَاج البلاغي المستندة على التقنيات الخطابية في الإقناع تقترح علينا رؤية معقولة ومناسبة عن الإنسان وصيرورته داخل علاقاته مع المجتمع والكون، وهي بالطبع رؤية اكبر بكثير من أن يجري اختزالها ضمن منطق الإحصاء الاحتمالي إلى حد كبير. فكل فلسفة أصيلة ومبتكرة هي من نتاج عمل الحرية لا القسر.

الهوامش:

* نص ورقة أكاديمية لفيلسوف البلاغة الجديدة شاييم بيرلمان (1912-1984) قدمها بتاريخ 23 فبراير 1981 في ندوة الفلسفة وعلوم الرياضيات لمدرسة المعلمين العليا

Texte d’une communication présentée le 23 février 1981 au Séminaire de philosophie et mathématiques de l’École normale supérieure

Chaïm Perelman: Logique formelle et logique informelle/et argumentation, Bange éd., 1983, pp. 1-7.

(1)The General Sense and Character of Modern Logic, Dans le volume « Modern Logic » ed. by E. Agazzi, Reidel, Dordrecht, 1980, pp. 3-14.

(2) Pascal- Pensées 555 (31) dans L’Œuvre, Bibl. de la Pléiade, p. 1003.

(3) Parue dans les Actes du XIVe congrès international de Philosophie, Herder, Vienne, 1970, vol. V, pp. 137-143.

(4)(Equality, Proceedings of Aristotelian Society, 56, 1955-1956, p. 305)


انوار طاهر – باحثة ومترجمة من العراق- مختصة في الدراسات الحجاجية والفلسفية

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s