فهم ميشيل فوكو للمجتمع المدني : مفهوم المجتمع المدني عند ميشيل فوكو بين تقنيات الحكم وإمكان المقاومة – البحث كاملاً

مفهوم المجتمع المدني عند ميشيل فوكو

بين تقنيات الحكم وإمكان المقاومة

Hussain Bokubar- حسين يوسف بوكبر

Michel Foucault’s Concept of Civil Society

Between Technologies of Rule and Possibilities of Resistance

ملخص: إن علاقة المجتمع المدني بالدولة علاقة ملتبسة، وغالبًا ما يُنظر إلى المجتمع المدني على أنه يمثل المقابل أو النقيض الإيجابي لسلطة الدولة وهيمنتها، بل وقمعها، كما يظهر ذلك بوضوح في النظريات السياسية الليبرالية، الكلاسيكية منها والجديدة؛ إذ تفترض خطابات المجتمع المدني الليبرالية وجودًا متعاليًا عن الصراعات التاريخية. لكن الممارسة الفعلية للسلطة لا تنحصر في سياق الدولة والمؤسسة السياسية الرسمية، بل إن المجتمع المدني يُعتبر مكانًا مميزًا لممارسة السلطة.

تحاول هذه الدراسة البحث في إشكالية علاقة المجتمع المدني بالدولة والحكم والمقاومة،وذلك من خال دراسة التحليات الجنيالوجية لمفهوم المجتمع المدني عند الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في دروسه التي قدمها في كوليج دو فرانس.

الكلمات المفتاحية: المجتمع المدني، الليبرالية، الليبرالية الجديدة، الجنيالوجيا

Abstract: Civil society/State-relationship is ambiguous, often seen as

representing the counterpart or positive antithesis to state power, dominance and

oppression. This is apparent in the political theories of liberalism in both its

classic and modern forms, since liberal discourses assume that civil society has

an existence that transcends historical conflicts. However, the actual practices

of power are not only played out in the context of the state and the official

political institutions, civil society too is an excellent arena for the exercise of

power. This study examines the problematic civil society issues by means of the

genealogies of its concept as considered by French philosopher, Michel Foucault

in his lectures at the Collège de France.

Keywords: Civil Society, Liberalism, Neo-Liberalism, Genealogy

((ليس دور المثقف هو أن يقول للآخرين ماذا يتعين عليهم فعله، وبأي حق سيفعل ذلك؟ تذكروا كل النبوءات والوعود والأوامر والبرامج التي كان للمثقفين أن يصوغوها خلال القرنين الأخيرين، والتي رأينا الآن آثارها. ليس عمل المثقف هو أن يشكل إرادة الآخرين السياسية، وإنما يكمن عمله في التحليلات التي يقوم بها لميادين هي ميادينه، وفي إعادة مساءلة البديهيات والمسلمات، وزعزعة العادات وطرق العمل والتفكير، كما يكمن في تبديد الأمور المألوفة المقبولة، وإعادة النظر في القواعد والمؤسسات، مع المساهمة، انطلاقًا من عملية إعادة الأشكلة، في تشكيل إرادة سياسية ))

ميشيل فوكو

Magazine Litteraire في حوار مع مجلة

أيار/مايو 1984

مقدمة

يحظى مفهوم المجتمع المدني في التحليلات السياسية في السياق العربي بانتشار واسع؛ إذ يُنظر إلى هذا المجتمع كحقيقة متعالية عن الاشتباكات السلطوية، بل وباعتباره يمثّل القوة المضادة لسلطة الدولة وتمددها على حساب المؤسسات المدنية. بناء عليه، غالبًا ما يُنظر إلى المفهومين بكيفية متعاكسة؛ فكلما كان المجتمع المدني قويًا، ضعفت سيطرة الدولة، وكلما كانت قبضة الدولة قوية، ضعف هذا المجتمع وأصبح تابعًا وخاضعًا لسيطرة الدولة. والتعامل مع هذا المفهوم، الذي جاء إلينا من الغرب جاهزًا في السياق العربي، يحتاج إلى تفكيك ل((حالة الاستهلاك الرائج لمفهوم المجتمع المدني، والتعامل معه جاهزًا من المنتج إلى المستهلك. قد انتشر تعامل صنمي فتيشي مع هذا المفهوم إلى درجة نزعت منه قدرته التفسيرية ومفعوله النقدي))(1).

والحال أننا نقف عند حدود مفهومٍ غربي ينتمي إلى قرنين ماضيين من الزمان، وقد تعرض في الغرب لتحولات كثيرة أعطته دلالات جديدة تختلف عن القسمة الساذجة الشائعة بين الدولة باعتبارها مصدرالشر، والمجتمع المدني بوصفه مصدر الخير.

هنالك إذًا ضرورة لفهم السياق التاريخي والجغرافي لظهور هذا المفهوم وتحولاته في الحداثة الغربية منذ القرن الثامن عشر، وذلك في سبيل المحاولة لاستعادة قدراته النقدية والتفسيرية بعد أن تحول إلى مجرد أيديولوجيا سياسية. من هذا المنطلق، نقوم في هذه الدراسة بتناول التحليلات الجنيالوجية التي قام بها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في الدروس التي قدمها في كوليج دو فرانس في أواخر سبعينيات القرن الماضي، والتي اكتمل نشرها مؤخرًا؛ إذ يقوم فوكو، وفقًا لمنهجيته الجنيالوجية،بتفكيك العلاقة بين المجتمع المدني والدولة عن طريق تفكيك المقولات الكلية في الفلسفة السياسية، ومن أهمها مقولة المجتمع المدني، وذلك في سياق تحليله الأنظمة السياسية الليبرالية الغربية وتاريخ نشأتها، ضمن إطار مفهوم  ((سياسة الحكم))Governmentality وتحوّل العقلانيات المرتبطة بكل سياسة وفن من فنون الحكم. من هنا يُبين فوكو أن المجتمع المدني ليس له هذه الصورة المثالية التي تفصله عن سلطة الدولة. لكنه، مع ذلك، ليس خاضعًا، أيضًا، لسيطرة الدولة، ببساطة لأن الدولة -مثلها مثل المجتمع المدني – مجرد أثر للممارسة السلطوية المنتشرة.

وفقًا لنظرية فوكو في السلطة المنتشرة في الجسد الاجتماعي، يُعَدّ المجتمع المدني موقعًا مميزًا  لممارسة السلطة والحكم، أو ما يسميه قيادة السلوك(Conduct of Conduct)

وهو ما يطرح إشكالية المقاومة؛ إذ كيف يمكن أن تُمارَس المقاومة في ظل سلطة ميكروفيزيائية؟ وقبل ذلك،كيف تكون هذه المقاومة جزءًا من نظام السلطة في فلسفة فوكو؟ إن فوكو لا يتركنا هكذا أمام جبرية سياسية، بل يفتح إمكانية المقاومة في السياق الاجتماعي ذاته في ما يسمّيه القيادة المضادة(Counter-Conduct)

وما طرحه من تحليلات في أعماله الأخيرة في بدايات الثمانينيات يشكل نافذة لابتداع ذاتية جديدة منعتقة من التذويت الماثل، من خلال العناية بالذات Subjectification وقيادتها، ومنها قيادة الآخرين. ومع أن تحليلات فوكو الأخيرة هذه نحت نحو وجهة مختلفة، وهي الوجهة الأخلاقية، فإنها تجد جذورها في تحليلات الفيلسوف السياسية في حقبة السبعينيات، في أعمال مثل المراقبة والمعاقبة وإرادة المعرفة، حين بيّن فوكو الطبيعة الإنتاجية للسلطة، وكذا الطبيعة

الإنتاجية للمقاومة. لا شك في أن المفهوم، أي مفهوم، هو جزء من سياق تاريخي ويخضع بشكل أو بآخر لشرطه التاريخي، مع أنه يقدم في الوقت ذاته تفسيرًا للحظة التاريخية المنبثق عنها. لذلك، يجب التعاطي مع المفاهيم من هذه الزاوية بوصفها مفسِّرة ولكنها مع ذلك خاضعة للتفسير في الوقت نفسه. وفي هذا السياق، يبدو السؤال الذي يطرحه عزمي بشارة في كتابه المجتمع المدني: دراسة نقدية بشأن القيمة التحليلية لمفهوم المجتمع المدني محقًا، بل وملحًّا، إذ أصبح المفهوم يُستخدم منطلقًا معياريًا بعدما كان أداة تحليلية هدفها الوصول إلى الدقة والمتانة التحليلية، فإلى((ألّا يقود ذلك إلى انتقاص من قدرته التحليلية؟))(2).

نعم، بالتأكيد، أصبح المجتمع المدني موقعًا يعاد اكتشافه وتوجيهه وقولبته أداةً في البرامج الحكومية والبرامج السياسية، بعد أن كان أداة نظرية ومفهومًا أساسيًا للنظرية الاجتماعية النقدية، وهو ما يفرض تحديات جدية للتحليل الاجتماعي(3).

لعل ما يميز هذه الدراسة كونها تطرح تحليلً لمفهوم المجتمع المدني يختلف عن التحليل السياسي السائد في السياق الحضاري العربي؛ إذ إن كثيرًا من المفكرين والمثقفين العرب ما زال يراوح في التعاطي مع هذا المفهوم إما من خلال الرؤية الليبرالية الكلاسيكية الآتية من القرن الثامن عشر، وإما من خلال التماهي مع الطرح الليبرالي الجديد، بينما قُدمت في فضاء نشأة هذا المفهوم، أي في السياق الحضاري الغربي، أعمال نقد تفضح الممارسة الليبرالية، وتكشف عن الذراع السلطوية التي تضع يدها في المجتمع المدني بقدر ما تتسلل إلى سلطة الدولة.

   تهدف هذه الدراسة إلى عرض وجهة نظر جديدة نسبيًا في مقاربة المجتمع المدني، ونقول نسبيًا لأن من المؤكَّد أن فوكو ليس الشخص الوحيد الذي أشار إلى طبيعة المجتمع المدني المعقَّدة، لكن وجه الجدة هنا يتعلق بارتباط هذا المفهوم بالإطار العام لنظرية فوكو للسلطة – معرفة، ولا سيما أن مقاربة فوكو للمجتمع المدني بدأت تشغل الآن حيزًا كبيرًا من الدراسات الفوكوية، نتيجة نشر

دروس الفيلسوف الأخيرة، وبالتحديد دروس سنة 1979 (مولد السياسة الحيوية) حيث أفرد فوكو الدرس الأخير من سلسلة دروس تلك السنة لتحليل مفهوم المجتمع المدني في إطار الفكر الليبرالي الكلاسيكي، وعند آدم فيرغسون على وجه التحديد. ومن الجدير بالذكر أن نشر دروس السنة المذكورة أحدث ردود فعل كبيرة ومتناقضة حيال موقف فوكو من الليبرالية؛ إذ رأى فيه بعض الدارسين تحولًا، بل افتتانًا بنمط الحكم الليبرالي(4)، بينما اعتبر آخرون أن أطروحات فوكو فيه تُعَدّ من أقوى الأعمال النقدية المقدمة للأنظمة الليبرالية(5). وفي الحقيقة، إن نقد فوكو نموذج المجتمع المدني الليبرالي، كما نقده الإنسان الاقتصادي في الدرس السابق مباشرة على الدرس الذي قدمه حول المجتمع المدني، وتفكيكه قبل ذلك ما يسمّيه فوبيا الدولة التي تعمل التيارات الفكرية الليبرالية على نشرها، وتحديد منهجية البحث التي يعتمدها، والتي ترفض المقولات الكلية، كل ذلك يشكل، في تصورنا، نقدًا محكمًا للخطابات الليبرالية، يستكمل ما قام به من تفكيكٍ لمقولات التنوير مثل مقولة العقل ومقولة الحرية ومقولة الفرد التي يقوم عليها الخطاب الليبرالي في نظرية العقد الاجتماعي، حيث كشف عن الآليات السلطوية الانضباطية التي شكلت هذا الفرد الذي ليس هو في النهاية إلا صنيعة سلطوية. ويتجلى هذا النقد خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار تصريح فوكو بأن دراسته سياسات الحكم الغربية كانت مدفوعة بنقد المجتمع المدني. وبالتالي، ليس هذا المجتمع بريئًا من العلاقات السلطوية، إنما

هو أحد الفضاءات المفضلة لممارسة علاقات السلطة(6).

إن ما جرى في الفترة الأخيرة من نشرٍ لسلسلة الدروس الكاملة(7), التي ألقاها فوكو في سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته غيّر طريقة التعامل مع فوكو؛ فبعد أن كان يُنظر إلى التعامل في بعض التأويلات على أنه تحوُّل من التحليلات ما بعد البنيوية التي ميزت تحليلاته للسلطة والمعرفة في الستينيات إلى تحليلاته الجنيالوجية، وانتهاء بالأجزاء الأخيرة لتاريخ الجنسانية التي توجه بها إلىالوجهة الجمالية والأخلاقية للعناية بالذات، بل وابتكارها أو خلقها، وبينما رأى بعض المعنيين أن فوكو أعاد تقديم نفسه فيلسوفًا سياسيًا ليبراليًا، أضحى واضحًا اليوم، بدليل النصوص التي نُشرت، أنه كان هناك بالفعل نوع من التحول في تحليلات فوكو في منتصف السبعينيات، لكنه تحوّل نحو مشكلة الحكم وسياسة الحكم، لا إلى النظرية الليبرالية. وانطلاقًا من هذه المشكلة، ومن خلال مفهوم سياسة الحكم، قدّم فوكو جنيالوجية لليبرالية بنسختيها الكلاسيكية والجديدة. ولا يمكن القول أنه بذلك أصبح مفكرًا ليبراليًا، لأنه لا يتناول الليبرالية كنظرية فلسفية ولا حتى كأيديولوجيا سياسية – يرفض فوكو مفهوم الأيديولوجيا- بل ينظر إليها كتقنية وفن من فنون الحكم، الحكم ليس بالمعنى التقليدي للنشاط السياسي وإنما بمعنى جديد يقدمه مع مفهوم التذويت، أي الذات التي تصنعها السلطة في السياق الاجتماعي. لكن، مع ذلك، من الممكن دائمًا الإفلات من هذه الذات بابتكار ذاتية جديدة وإنشائها، وبالتالي نفهم هنا إمكانية المقاومة ونفهم مقولة فوكو (حيثما توجد سلطة توجد مقاومة) أي ما يسمّيه فوكو القيادة أو الحكم المضاد لقيادة أو حكم السلوك.

علاوة على ما تقدَّم، تحاول هذه الدراسة الإجابة عن الأسئلة التالية: هل المجتمع المدني يحمل الصفة المثالية التي تصورها الخطابات الليبرالية؟ وإذا لم يكن له هذه الصفة، وإذا ما كان مجرد فضاء للممارسة السلطوية، أوما يسميه فوكو قيادة السلوك، فأين يكون مكان المقاومة؟ وما جذور هذه الأطروحات في فلسفة فوكو وكتاباته بشأن السلطة؟ وكيف يمكن للمجتمع المدني، الذي ليس هو إلا أثرًا لشبكة العلاقات السلطوية كما الدولة، أقول كيف يمكنه أن يجمع بين قيادة السلوك والحكم والقيادة المضادة والمقاومة؟ أي كيف يفتح ثغرة للمقاومة؟ وكيف يرتبط المجتمع المدني بسياسة

الحكم الليبرالية؟ هل المجتمع المدني كما الحرية بالنسبة إلى سياسة الحكم الليبرالية مجرد أداة وتقنية حكم؟ وقبل ذلك، ما هي الليبرالية بالنسبة إلى فوكو؟ كيف يمثّل نقد فوكو للمجتمع المدني نقدًا للمقولات السياسية التقليدية التي تنطلق من الدولة كما في فلسفة توماس هوبز، وضد الدولة كما في فلسفة ماركس؟ وكيف يستمر فوكو في نقد المقولات الليبرالية من نقد الفرد والحرية والعقل ودولة الحد الأدنى، وهنا نقد المجتمع المدني.

إننا نزعم في هذه الدراسة أن في تحليلات فوكو نوعًا من التكامل والاستمرارية، من خلال فتحها ثغرة في سياسة الحكم الليبرالية للانعتاق من التذويت. بناء عليه، سنقسم البحث إلى ثلاثة أقسام: نقوم في القسم الأول بتحليل مفهوم المجتمع المدني في الخطابات الليبرالية، ثم نوضح في القسم الثاني تحليلات فوكو التفكيكية حولها، ونبحث في القسم الثالث في إمكانية المقاومة في ظل التحليلات الفوكوية، وننتهي إلى خاتمة نوضح فيها النتائج التي توصلنا إليها. وسنعتمد في ذلك على تحليل نصوص الفيلسوف – مع التركيز على تلك الدروس التي قدمها في كوليج دو فرانس – للبحث في تلك الفرضية، مع الاستعانة ببعض المراجع التي لا غنى عنها.

المجتمع المدني في الخطاب الليبرالي

تناول فوكو بالتحليل سياسة الحكم الليبرالية في التاريخ الجنيالوجي الذي قدمه لسياسات الحكم في الغرب، وذلك كإطار عام لفهم نوع من السلطة سمّاه السلطة الحيوية؛ إذ إن الليبرالية ليست،بالاستناد إلى فوكو، نظرية اقتصادية ولا حتى أيديولوجيا سياسية، لكنها فن من فنون حكم الشعوب بوصفها مجموعات من السكان بل وكائنات بشرية، وذلك كله باسم تعزيز الحياة والعمل على تنميتها

بتقنيات مختلفة، منها الاهتمام بتعزيز الصحة، والعمل على الكشف عن مواضع الخلل فيها عن طريق الإحصاءات والديموغرافيا المتعلقة بمعدلات المواليد والوفيات وغيرها. يقول فوكو:

((من هذا المنظور، وبالاستمرار في تحليل سياسة الحكم الليبرالية، أريد أن أبين كيف تظهر الليبرالية وكيف تنعكس على نفسها؛ كيف تقدم في اللعبة السياسية وكيف تحلل نفسها، باختصار، كيف تبرمج نفسها حاليًا. وكنت قد أشرت إلى ما بدا لي أنه السمات الأولى،

إذا جاز التعبير، لسياسة الحكم الليبرالية كما ظهرت في أواسط القرن الثامن عشر، وبذلك سأتجاوز قرنين من الزمن لسبب واضح هو أنني لا أزعم أنني قادر على القيام بتاريخ شامل ومتكامل ومستمر لليبرالية منذ القرن الثامن عشر حتى القرن التاسع عشر. وأود فقط أن ألتقط وأوضح، بالانطلاق من الكيفية التي تبرمج سياسة الحكم الليبرالية نفسها، بعض المشكلات التي تتكرر منذ القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين… وأتمنى أن نتمكّن

من دراسة مشكلة القانون والتنظيم بشكل صحيح، ومشكلة التعارض أو التقابل بين الدولة والمجتمع المدني، أو بالأحرى، الطريقة التي يوظف بها أو يستخدم هذا التعارض. وأخيرًا،إذا كنت محظوظًا نعود إلى مشكلة السياسة الحيوية ومشكلة الحياة. القانون والتنظيم،الدولة والمجتمع المدني، وسياسة الحياة، هذه هي الموضوعات الثلاثة التي أود أن أفرزها وأختارها من التاريخ الطويل والواسع لقرنين من الليبرالية))(8).

يتبين من النص السابق أن غرض فوكو ليس القيام ببحث تاريخي تفصيلي لليبرالية، وإنما هو فقط تحليل بعض القضايا والإشكاليات التي تظهر في نمط الحكم الليبرالي، لماذا؟ لأن فوكو يضع هذه التحليلات خلفيةً عامة تجلي مفهوم السياسة الحيوية أو السلطة الحيوية. ويعتبر المجتمع المدني إحدى الإشكاليات الأساسية التي تساهم في توضيح نظريته في السلطة/معرفة، ولا سيما في الخطابات الليبرالية بشأن الحقيقة. في الواقع، ليس لمفهوم المجتمع المدني معنىً ثابت تاريخيًا، بل إن دلالته منذ القرن الثامن عشر، أو تحديدًا منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، اختلفت تمامًا عمّا كانت عليه في السابق؛ فهو اتخذ في الخطابات الليبرالية الكلاسيكية صفتين أساسيتين: صفة القوة الموازية للدولة، وهي التي تحد من سلطتها المقيدة والتي يجب أن تظل مقيَّدة عن طريق فاعلية مؤسسات المجتمع المدني، وصفة فإذا كان المجتمع المدني يعني، في مكان معين، النزعة الجمهورية الدستورية، « : التنظيمات الوسيطة ويعني في مكان آخر، الروح الطوعية المحلية المدعومة بمعايير غير رسمية من التضامن والتعاون المتبادل، فإن كلا التوجهين الفكريين يسعى لأن ينظر إلى المجتمع المدني بوصفه ميدانًا للفعل الحر الديمقراطي الذي يحد من غلواء تدخّل سلطة الدولة وإذا كانت النظرية الليبرالية عملت على فصل المجتمع المدني عن الدولة، مانحة إياه على المستوى النظري، على الأقل، استقلالية يجب دومًا صَونها من تدخلات الدولة، فإن ماركس لم ير في هذا المجتمع إلا شبكة من العاقات الاقتصادية تؤثر في تشكيل الدولة تأثيرًا مباشرًا. كما أن فوكو يكشف – كما سنبين في العنصر المقبل من هذه الدراسة – أن الافتراض الذي يبالغ في الدور الذي تؤديه مؤسسات المجتمع المدني، كمؤسسة العائلة أو المنظمات التطوعية في الممارسة الديمقراطية، يتجاهل حقيقة مفادها أن هذه المؤسسات ليست بعيدة عن الممارسة السلطوية، في ظل علاقات سلطوية منتشرة على كامل الجسد الاجتماعي. وبالتالي، يعمل فوكو، الذي يهتم بالممارسة السلطوية أكثر من اهتمامه بالمؤسسات السلطوية، على توضيح تشابك التعريفات المختلفة للمجتمع المدني بتقنيات وعقلانيات تتعلق بفن معيّن من فنون الحكم، ألا وهو فنالحكم الليبرالي.

تعددت دلالات مفهوم المجتمع المدني عند المفكرين والفلاسفة الليبراليين، على الرغم من اتفاقهم على الخطوط الرئيسية. من هنا، لا بد من إلقاء نظرة سريعة على هذا المفهوم عند هؤلاء الفلاسفة، وعلى امتداد آرائهم إلى الاتجاه الليبرالي الجديد، الذي عمل على إحياء ليبرالية القرن الثامن عشر؛فقد قدمت الحداثة الغربية، من خلال ارتباطها بالأسواق القومية الناشئة، بديلاً للتنظيم الاجتماعي في العصر الوسيط، وبدأ يتشكل مفهوم جديد للمجتمع المدني يشتبك بالمصلحة الفردية والمنافسة، الأمر الذي أدى إلى بروز قيمة الحرية في المجال الاقتصادي، بل وفي المجالات العلمية والثقافية العامة أيضًا. ولا شك في أن ذلك ترافق مع تطور الدولة المركزية الحديثة، و سرعان ما قامت أيديولوجيا المجتمع المدني المناهضة للدولة، والقائمة على التنظيم الذاتي العفوي والخصوصية والمصلحة والنشاط الفعلي لتحقيق الذات باعتناق مبدأ السوق والدولة الليبرالية على نحو صريح(11) وقد ارتبط المجتمع المدني في الخطاب الليبرالي بمفهوم مختلف للطبيعة؛ إذ اختلف معنى الطبيعة عنه في العصور الوسطى التي كانت تنظر إلى الحكم الجيد بأنه حكم يحترم النظام الطبيعي الذي أوجدته الإرادة الإلهية. ومع ظهور الدولة الحديثة بمبرراتها ومسوغاتها وعقلانيتها، تصدّر مفهوم الطبيعة من جديد كنقطة مرجعية للفعل السياسي، لكنه تحول في ظل الفيزيوقراط والاقتصاد السياسي ليشير إلى علاقات الحياة وعلاقات الإنتاج في سياق المجتمع المدني، ومثال تحديد الأسعار بناءً

على طبيعية العرض والطلب مثال جيد لتوضيح الأمر. و  قد كرس مفكرون، مثل آدم سميث وديفيد هيوم وفيرغسون، هذه الأفكار، معتبرين أن على الحكومات أن تحترم مثل هذه الطبيعة(12)

إن اختلاف دلالات مفهوم المجتمع المدني في نطاق النظرية الليبرالية عزز من غموض المفهوم،الأمر الذي يعزوه فوكو إلى ارتباطه – أي المفهوم – بسياسة الحكم وتقنياتها، فلم يكن لهذا المجتمعهذه الصورة المستقلة والمنفصلة سياسيا وقانونيا عند جون لوك مثلا؛ إذ لا يفرق هذا الأخير بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، بل يوحد بينهما. كما يُبين فوكو أن مفهوم المجتمع المدني

بالنسبة إلى لوك كان يتكئ على بنية سياسية وقانونية، فالمجتمع المدني ليس إلا مجموعة من الأفراد يرتبطون في ما بينهم برباط قانوني وسياسي(13). وعلى الرغم من مساهمة لوك في تطوير الاقتصاد المستقل والمنتظم ذاتيًا، فإنه أبقى على عناصر الحق والقانون الطبيعي، فلم يرد الروابط الاجتماعية إلى علاقات السوق، وظل يصف السياسة بأنها محدّد للمجتمع المدني(14)، وفي هذه الحالة لم يأخذ المجتمع المدني بعدُ الصفة المستقلة عن الدولة؛ إنه ما زال يتسم بسِمة الاجتماع السياسي الذي يجمع المجتمع والدولة في آن معًا.

وإذا رجعنا إلى الفلسفة الليبرالية في القرن الثامن عشر، نجد تطورًا في فكرة المجتمع المدني، خصوصًا في نصين مهمين آتيين من فلاسفة التنوير الاسكتلندي، نص فيرغسون مقالة في تاريخ المجتمع المدني( المنشور سنة 1767) ، والذي خصه فوكو بتحليل موسع في آخر دروسه (مولد السياسة الحيوية) . ونص سميث (ثروة الأمم) الذي نشره سنة 1776 ، حيث بدأت تتبلور الصورة الجديدة للمجتمع المدني المنفصل عن الدولة. في هذه اللحظة التاريخية – أي لحظة ظهور سياسة الحكم الليبرالية بعقلانيتها الاقتصادية وإنسانها الاقتصادي – أخذ مفهوم المجتمع المدني دلالات ومعاني جديدة تختلف عن الدلالات السابقة.

يمثل المفهوم الجديد للمجتمع المدني إذًا استجابة أو انعكاسًا لتقنية الحكم الجديدة، أي سياسة الحكم الليبرالية وارتباطها بالنظام الرأسمالي. وفي الواقع، يأخذ هذا المفهوم المعنى عينه لمعنى مفهوم الأمة عن الفيلسوف سميث في كتابه ثروة الأمم الذي درس فيه النواحي الاقتصادية للمجتمع/الأمة. وينطلق فوكو في تحليل هذا المجتمع المدني الليبرالي من نص فيرغسون المذكور أعلاه،

والذي تم فيه تأطير الإنسان الاقتصادي الذي نجده عند سميث في إطار المجتمع المدني. يحدد فوكو أربع سمات للمجتمع المدني عند فيرغسون. أُولاها النظر إلى المجتمع المدني بوصفه ثابتًا تاريخيًا طبيعيًا؛ فلا وجود للحظة تأسيسية لهذا المجتمع، فالاجتماع هو طبيعة بشرية لا يمكن البحث عما قبلها، وتاريخ الإنسان هو دائمًا تاريخ جمعي، ويجب التعامل مع المجتمع المدني.

ثانيتها كون المجتمع المدني توليفة أو تركيبة طبيعية عفوية، وهو ما يرتبط مباشرة بالسمة الأولى؛ إذ لا وجود لعقد قانوني حقوقي مصطنع، وإذا كان ثمة رابط فهو الرابط الاجتماعي نفسه، بل والتعاطف الاجتماعي الذي يغطي الروابط الحقوقية والمصالح الاقتصادية أيضًا، رغم أن الذات الاقتصادية والرابط الاقتصادي يؤديان دورًا مهمًّا في المجتمع المدني. ومع ذلك، يتبين أنه كلما تقوّت الرابطة الاقتصادية ضعفت الرابطة الاجتماعية، بشكل أقرب إلى المفارقة، لتكون الرابطة الاقتصادية، بالتالي، عنصرًا ضروريًا في المجتمع المدني لكنه في الوقت نفسه يهدد الرابطة الاجتماعية. وإذا كان هوبز ولوك نظرا إلى المجتمع المدني بوصفه وسيلة مصطنعة لعقد اجتماعي غايته تحقيق المصلحة الشخصية، وتتحقق ضمانته عبر السياسة، فإن فيرغسون يرى أن المجتمع المدني وكل اجتماع بشري إنما يكونان بدافع من العاطفة وقوة العقل اللتين تمثلان طبيعة إنسانية متأصلة(15). يريد فيرغسون، إذًا، أن يرد الاعتبار إلى العامل الأخلاقي، بعد أن نُزع تحت مبررات المصلحة الشخصية.

وثالث السمات أنه يجب النظر إلى المجتمع المدني بوصفه رحمًا أو قالبًا دائمًا للسلطة السياسية، بما أن السلطة – كما اللغة والتواصل، بل كما المجتمع والاجتماع نفسه – هي طبيعة إنسانية، فيجب ألا توضع كمرحلة تالية للاجتماع البشري، ولا حتى شرط ظهوره. فالمجتمع المدني هو، كما يقول فوكو: ((منذ البداية، وبشكل دائم، يخفي السلطة التي ليست هي شرط وجوده ولا تابعة له))(16).

أما السمة الرابعة، فهي النظر إلى المجتمع المدني باعتباره عنصرًا محركًا للتاريخ، بحيث يشكل هو واللعبة الاقتصادية التي يتضمنها مبدأً للتحولات التاريخية؛ فهو وإن كان ينتج نسيجًا أو بناء اجتماعيًا ما، فإنه يقوم في الوقت ذاته بهتك هذا النسيج وتمزيقه بشكل مستمر؛ إذ أضحى المبدأ الأخلاقي الفطري المشتبك بنظرية النتائج غير المتعمدة، أداة التقدم الاجتماعي(17). بعبارة أخرى، تدفع المصالح الاقتصادية المتضاربة، عن غير قصد، إلى تحقيق الخير المشترك.

ما يميز تحليلات فيرغسون للمجتمع المدني من تحليلات هوبز وروسو ومونتسكيو، هو، بحسب فوكو، أنها فتحت مجالًا وميدانًا لتحليل العلاقات الاجتماعية لا تعتمد على العلاقات القانونية أو الحقوقية المحضة، ولا حتى على العلاقات الاقتصادية الخالصة. كما أنها ذهبت إلى تمفصل التاريخ وتحولاته استنادًا إلى الرابطة الاجتماعية، كما سمحت هذه التحليلات في النظر إلى العلاقة

المعقدة بين المجتمع المدني والسلطة في نمط الحكم الليبرالي(18). وبذلك ظهرت إشكالية العلاقة بين المجتمع المدني والدولة منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كإشكالية رئيسية في النظرية

السياسية، سواء عند الفلاسفة الألمان أو عند المنظرين الإنكليز أو حتى عند المؤرخين الفرنسيين (19).

توضحت ملامح المفهوم الحديث للمجتمع المدني أكثر فأكثر في الاقتصاد السياسي عند سميث؛إذ أصبح المجتمع المدني ميدانًا مستقلًا ومنفصلاً عن الدولة، بل ومقابلًا لها. وينظر إلى هذا التطور على انه ((التعبير النظري عن انهيار النظام الاقطاعي ومجيء الرأسمالية))(20). ومن المعلوم أن سميث أقام المجتمع المدني على قيم السوق، وهو ما يتضح من خلال تشديده على دور المصلحة الفردية في تحقيق المصلحة العامة، حيث يرى أن التبادل الذي يقف خلف ضرورة تقسيم العمل يؤكد دور

المصلحة الخاصة والفردية في تحقيق المنفعة العامة (21). ويحاول كتاب ثروة الأمم التدليل على أن سعي الفرد إلى مصلحته الفردية مبني على برهان اقتصادي، ويدفع بالمنفعة الاجتماعية إلى الأمام.

وبما أن التنظيم الاجتماعي مؤسَّس على الإنسان أو الفرد الاقتصادي، فالسعي نحو المصلحة الخاصة

هو سعي نحو المصلحة العامة بطريق غير مباشر وبشكل غير متعمد، إنها نظرية اليد الخفية. وفي

حين أن المذهب الاقتصادي الفزيوقراطي قبِل فكرة الحاكم المستبد المستنير الذي يحترم قواعد

السوق والحرية الاقتصادية، فإن سميث يرفض ذلك، ويرى استحالة وجود استبداد سياسي مع الحريةالاقتصادية. لماذا؟ لأن اليد الخفية، التي هي مجموع المصالح الفردية، تقود في النهاية إلى المصلحة

المجتمعية – تفترض عدم وجود حاكم مستبد. وفي ذلك، يرى فوكو أن الاقتصاد السياسي أو نظرية اليد الخفية لا يمكن أن تكون  هي بذاتها عقلانية أو فنًا للحكم،  بل  هي معرفة تقف إلى جانب فن

الحكم وقيادة السلوك، رغم أن للاقتصاديين دورًا مهمًا وموجهًا في هذا الفن الليبرالي للحكم. ولكن من الذي سيقوم بهذا الدور الذي سلبه فوكو من الاقتصاد السياسي، أعني دور عقلانية الحكم؟ بعبارة

أخرى، إذا لم يتعلق الحكم وسياسة الحكم بالآلية الاقتصادية، فالسؤال هو: بأي شيء سيربط شكل الحكم الليبرالي مبادئه؟ يجيب فوكو:( إنها نظرية المجتمع المدني)(22). وبالتالي تكشف سياسة الحكم الليبرالية التي ولدت في القرن الثامن عشر عن التأزم والترابط الضروريين بين المجتمع المدني والدولة، بل والحكم(23).

يتبين لنا مما سبق أن هناك اختلافًا في معاني المجتمع المدني عن الفلاسفة الليبراليين؛ فكما رأينا،

يذهب لوك إلى النظر إليه من خلال الروابط العقدية القانونية والسياسية، بينما يذهب به فيرغسون

إلى الوجهة الأخلاقية، في حين أن سميث يفحصه على أسس اقتصادية. أما في ما يتعلق بالمجتمع المدني عند الفلاسفة الليبراليين الجدد، فلم يقدم فوكو تحليلًا مباشرًا له، لكن من الممكن استخلاص آرائه في شأنه من خلال التحليل الواسع الذي خص به الليبرالية الجديدة في ألمانيا والليبرالية الجديدة عند مدرسة شيكاغو الأميركية؛ فقد بيّن أن الفوبيا التي تنشرها الليبرالية الجديدة حول الدولة والترهيب الدائم من سلطتها، بل وحصر شكل السلطة في إطارها المؤسسي، والتي كانت مستندة إلى أفكار المفكر الاقتصادي فريدريش فُن هايك(24)، ليست إلا تقنية حكم غير مباشر. وكان هايك قد جادل في كتابه الطريق إلى العبودية – في معرض هجومه على النظم السياسية الاشتراكية- بأن التحولات السياسية نحو مزيد من الشمولية في دول كإيطاليا وألمانيا وروسيا واليابان، مرتبطة ارتباطًا

وثيقًا بالسياسات الاقتصادية التي اتخذتها هذه الدول، وعنوان كتابه يشي بنوع من التحذير من أن تدخّل الدولة في النشاط الاقتصادي وتخطيطها لهذا النشاط هما طريق نحو العبودية. بل إنه يعتبر أن الاشتراكية الديمقراطية حافلة بتناقضاتها الداخلية، ((وأن النظام الفاشي والنظام الشيوعي هما مجرد شكلين متغيرين لنفس النظام الشمولي، الذي يميل إلى إنتاج سيطرة مركزية على كل نشاط اقتصادي))(25).

 لكن هايك لم ير الخطر إلا في هيمنة الدولة، متناسيًا الأخطار الآتية من هيمنة السوق.

بناء عليه، نخلص مما سبق إلى أن ما يجمع النظرية الليبرالية الكلاسيكية بالليبرالية الجديدة هو الفصل بين الدولة والمجتمع المدني، والريبة بل والرهاب من كل دور للدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، مع كون الليبرالية الجديدة قد مدّت من علاقات السوق وجعلتها تحكم نمط العلاقات الاجتماعية، مركزة على روح المبادرة التي استبدلت بها شكل التبادل في الاقتصاد الكلاسيكي، خصوصًا عند مدرسة شيكاغو؛ فقوى السوق التي تتحكم في مفاصل الاقتصاد والمجتمع المدني، تقوم بإنتاج وإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية عن طريق المعايير، ومنها تسيطر على نظام الدولة(26).

لكن، كيف نظر فوكو إلى هذا الفصل الحتمي بين الدولة والمجتمع المدني في الخطابات الليبرالية؟

وهل توافق المنهجية الجنيالوجية التفكيكية على حصر الحكم في إطار الدولة؟ بل هل تقبل بهذهالثنائية المتعاكسة؟

الجزء الثاني

المنهج الجنيالوجي وتفكيك العلاقة بين المجتمع المدني والدولة :

إن وجه الأهمية في التحليلات الجنيالوجية الفوكوية يكمن في اجتراح لغة تحليلية جديدة؛ فاللغة التحليلية المبنية على التعارض الفلسفي بين الدولة والمجتمع المدني الذي نجده عند الفلاسفة

والمفكرين الليبراليين، لا تمكننا من إدراك التحولات المعاصرة في نماذج الممارسة السياسية للسلطة(27). ويتجنب فوكو مثل هذه التقسيمات بين الدولة والمجتمع المدني، وبين القمع والتحرر وغيرهما من المقولات الثنائية، بل إنه يرفض تحليل الواقعة التاريخية بالانطلاق من مقولة أو مفهوم كلي، كالمفاهيم التي تستخدم في التحليل السوسيولوجي والتاريخي وفي الفلسفة السياسية، والتي تُسقَط على الواقع المادي، من مثل: صاحب السيادة أو الشعب أو الفرد أو الدولة أو المجتمع المدني،مفضلًا البدء بالتحليل من الممارسة الحكومية ذاتها وكيفية تعقلها لذاتها. لذلك، فهو ينبهنا منذ (مولد السياسة الحيوية) أول درس قدمه في سنة(1978-1979) إلى أنه ينطلق في تحليله من افتراض أساسي هو أن هذه الكليات غير موجودة، والبحث، بالتالي، عن الكيفية التي تمكننا من التحليل من دون هذه المقولات، على حد قوله (28).

يريد فوكو من خلال التجريب المنهجي الذي قام به في الدرس المذكور، إثبات صلاحية التحليل المجهري للسلطة، ليس فقط في  قطاعات معينة كان قد بحثها في أعماله السابقة،كالسجن والجنس والطب النفسي، ولكن أيضًا في النظر في ممارسة الحكم أو القيادة على الجسد الاجتماعي ككل. وبالتالي إزاحة مركزية الدولة من التحليل السياسي، وتقديم التحليل المجهري للسلطة بديلًا له.

إن التحليل المجهري للسلطة ينطلق من الممارسة السلطوية لا من المؤسسة، وهكذا بحث فوكو في التاريخ السياسي الغربي عن الممارسات الحكومية، ولم ينطلق من مؤسسة، دينية أكانت أم مدنية.

وعليه، فإنه لا يبدأ في تحليله السياسي من مؤسسة الدولة، لماذا؟ لأنها مجرد أثر، بل وشكل من أشكال سياسات أو عقلانيات الحكم المختلفة، وفوكو يبحث في الممارسة الفعلية وكيفية عقلنة نفسها أو التفكير في ذاتها.

يقول فوكو:

لا أزعم، بالتأكيد، أن تحليل الدولة كطريقة للفعل، هو التحليل الوحيد الممكن في النظر أو البحث في تاريخ الدولة، لكنني أعتقد أنه يفتح إمكانية خصبة، ومكمن خصوبتها، في رأيي، هو في ارتباطها بحقيقة أنها تُرينا وتُثبت لنا أنه لا يوجد نوع من الانقطاع أو الانفصال بين مستوى السلطة الجمعية ومستوى السلطة المجهرية(Micro – Power) وإن الحديث عن إحداها لا يستبعد الحديث عن الأخرى. وفي الحقيقة، فإن تحليلات السلطة من الناحية المجهرية، تعود، من دون صعوبات تُذكر، إلى تحليل مشكلات، من قبيل مشكلة الحكومة والدولة (29).

من هنا، طبّق فوكو التحليل المجهري على عقلانيات الحكم وسياساته وممارساته. وجاء مفهوم(سياسة الحكم) في الجنيالوجيا التي قدمها للأنظمة الليبرالية الغربية لا لبحث تحولات المؤسسة  السياسية،من مؤسسة الدولة الإمبراطورية والدولة الدينية، أو مؤسسات الملكية، أو الجمهوريات الثورية، وإنما للبحث عن السلطة الرعوية وما يسمّيه داعيَ المصلحة العليا للدولة، وبعد ذلك السلطة

الانضباطية، وأخيرًا السلطة الحيوية. بناء عليه، يجد تشديد فوكو على تحليل تقنيات الحكم دافعه في كون هذه التقنيات تمثّل جسرًا لترسيخ الهيمنة وتمكينها.

  يكتنف علاقة الليبرالية بالسلطة الحيوية بعض الغموض، ولا سيما أن عنوان الدروس التي خُصصت لجنيالوجيا الليبرالية – كأحد فنون الحكم المختلفة أو كإحدى سياساته – كان (مولد السياسة الحيوية)

ولكن يمكن القول إن مفهوم السياسة الحيوية يكشف لنا عن أسباب اهتمام الليبرالية بالحياة والعناية بها في مقابل السلطة السيادية التي كانت ترفع شعار السيف والموت. وما يهمنا في هذا السياق هو أن فوكو يُرجع نشأة الحكم عبر المجتمع المدني الليبرالي والذي توضح في الحداثة السياسي الغربية المتأخرة إلى عامل أساسي، وهو بروز الظاهرة التي سمّاها السياسة الحيوية كما ذكرنا، والتي يعني بها دخول الجوانب البيولوجية، وحياة النوع البشري ضمن الحسابات السياسية في العقلانية السياسية الجديدة. فإذا ما كانت العقلانية السياسية في الفهم القديم والوسيط تتجه نحو الفضائل والقيم الأخلاقية في الحكم، وتسمح للأفراد والجماعات بالسعي وراء الخير المشترك، وإذا ما كانت العقلانية السياسية في الحداثة السياسية المبكرة ترتبط بتأسيس سيادة الدولة التي تمثّل الحِمى وتوفر الحماية للشعوب، فإن العقلانية السياسية في الحداثة السياسية المتأخرة وظهور فكرة المجتمع المدني، تتجه نحو حكم الحياة البيولوجية، آخذة على عاتقها صحة السكان وحيويتهم بل وسعادتهم.

إنها سياسة حكم جديدة إذًا، ظهرت بوصفها ناقدة لتمدد سلطة الدولة ولفكرة مصلحتها العليا في القرن الثامن عشر، الأمر الذي سيتكرر في التوجهات الليبرالية الجديدة، حيث قدمت نفسها ناقدة

للسياسات التدخلية للدولة المبنية على النظرية الكينيزية، وبالتالي قدمت نفسها نقيضًا لسياسة الحكم الماثلة. وبذلك رفعت شعار الحياة ضد الموت، وشعار الفرد وحقوقه ضد صاحب السيادة ومكانته، ثم ظهر شعار الحرية الاقتصادية وحرية السوق من خلال الترويج للفرد الاقتصادي، لينتهي الأمر بالحكم من خلال المجتمع المدني وعبره بوصفه فضاء يجمع الفرد أو الذات الحقوقية بالفرد أو

الذات الاقتصادية. وهكذا يتم الحكم في الأنظمة الليبرالية من خلال المجتمع المدني، وبذلك يحطم فوكو الصورة المثالية المتعالية للمجتمع المدني كونه المكان الذي يتم به ومن خلاله التحرر ويكون

الحكم فيها للفرد أو الذات المستقلة؛ فالمجتمع المدني ليس خارج اللعبة السياسية، أو لنكون أكثر دقة، ليس خارج العلاقات السلطوية، ومؤسسات المجتمع المدني قد تكون إحدى أدوات الهيمنة.

يمثل هذا الأمر موضوعًا لكتاب The Republic Of The Living: Biopolitics and the Critique of Civil Society

 (جمهورية الحياة: السياسة الحيوية ونقد المجتمع المدني)؛ إذ يوضح هذا الكتاب أن السبب الذي يجعل من خطاب السياسة الحيوية أساسيًا ليس فقط أنه يوفر فهمًا للمجتمع المدني الحديث، بل أنه يقدم أيضًا نقدًا لهذا المجتمع. وإذا كان فوكو لم يفصّل القول في هذه المسألة لضيق الوقت، أو ربما لعدم رغبته في ذلك، حيث قدم في (مولد السياسة الحيوية) قراءة مقارنة لليبراليات الجديدة الفرنسية والألمانية والأميركية، ولم يقل فوكو بالضبط أن ما يقف وراء الترتيبات الأسرية والترتيبات القانونية والترتيبات الاقتصادية في مجتمع مدني ما، إنما هي السياسة الحيوية.

والحجة المحورية في هذا الكتاب هي أن في الإمكان وصف، بل ونقد المجتمع المدني، من منظور السياسة الحيوية(30)، حيث بدأت السلطة الحديثة الاشتغال والممارسة من خلال المعايير لا من خلال القوانين، لكن مع ذلك لم يقصد فوكو أن القانون تلاشى نهائيًا نتيجة الممارسة السلطوية الجديدة، لكنه لم يعد له الدور الأساسي الذي كان له في السابق. وهذا الدور أصبح مرتبطًا بالنظام المعياري، من هنا يمكن فهم رأي فوكو الناقد للمجتمع المدني كما يظهر في الليبرالية والليبرالية الجديدة (31).

هذا يعني أن فوكو لا يقبل بصورة المجتمع المدني كما تُطرح في الفكر السياسي منذ القرن الثامن عشر، بوصفه الواقع الفعلي والمكان الحقيقي للنضال والمقاومة والثورة ضد الحكومة أو حتى الدولة بأجهزتها ومؤسساتها. ويحذرنا من التسليم بهذه الصورة المثالية، في إعطاء المجتمع المدني الصفة الحقيقية أو المعطى الأولي الذي يسبق وجوده التاريخي؛ فالحرب وصراع القوى يشكلان العمق بالنسبة إلى المجتمع المدني، والمحرك للممارسة السلطوية (32). بعبارة أخرى، يُعَدّ المجتمع المدني تجسيدًا للصراع، لا مرحلة يتم بها تجاوز حالة الصراع العام، كما عند هوبز (32)؛ فهو – أي المجتمع المدني – ليس إلا جزءًا من تقنية حكم، لكن مع الحذر أيضًا من أن هذا لا يعني بحال من الأحوال عدم وجود هذا المجتمع، فهو موجود وحقيقي، لكن ضمن المعنى الفوكوي للحقيقة، ذلك المعنى الذي من خلاله نظر إلى الجنون والجنسانية والنظام العقابي، أي الحقيقة النسبية التي هي نتاج تفاعل علاقات السلطة. وبالتالي، فإن المجتمع المدني عنصر من حقيقة مرتبطة بإحدى سياسات الحكم في التاريخ، وهي سياسة الحكم الليبرالي التي تعقلن نفسها بأنها نمط من الحكم المقيد ذاتيًا ويحترم في الوقت نفسه العمليات الاقتصادية(34).

في الحقيقة، يرى فوكو أن مفهوم المجتمع المدني يمثّل استجابة لمشكلات واجهت سياسة الحكم أو فن الحكم الليبرالي، في شكليه الحقوقي والاقتصادي. من هنا يُعَدّ المجتمع المدني مجرد كيفية أو تقنية حكم توفر فضاءً تشتبك فيه الذات القانونية الحقوقية المدافعة عن الحقوق الطبيعية للفرد في مقابل سلطة صاحب السيادة، أقول تشتبك بالذات الاقتصادية المدافعة عن الحرية الاقتصادية من تدخلات السلطة السيادية. وبذلك تكون هذه التقنيات المختلفة، وعلى الرغم من أنها لا تزال موجودة، مؤطرة بإطار جديد، أي إطار المجتمع المدني. يقول فوكو: ((إذًا، ليس المجتمع المدني فكرة فلسفية؛ إنه مفهوم لتقنية حكومية، أو بالأحرى، هو رابط لتقنية الحكم بالإجراءات العقلانية التي لا بد أن تكون مرتبطة قانونيًا بالاقتصاد بوصفه عمليات للإنتاج والتبادل))(35).

بناء على هذا، يخلص فوكو إلى أننا بإزاء حكم منتشر وكلي يحترم مبادئ الحق القانوني ولا يتعارض مع قوانين الاقتصاد، بمعنى أنه حكم يقود المجتمع المدني ويديره. والذات الاقتصادية أو الإنسان الاقتصادي (Homo Economicus) يحتل مكانًا لا يمكن فصله أو تجاهله في واقع المجتمع المدني؛ إذ تجري ممارسة الحكم من خلال أيٍّ منهما، لماذا؟ لأنهما ببساطة مجرد عناصر لتقنية حكم، أي (سياسة الحكم الليبرالية Liberal Governmantality).

لفهم العبارات المتعلقة بالدولة والمجتمع المدني، ينبغي أن ننظر إليها بوصفها عبارات صيغت في سياق خاص ومحدد، وهذا يتطلب فهم السياق الذي ظهرت فيه تحليلات فوكو نفسه، ولا بد من

معرفة إلى من كان يوجه هذه التحليلات، وضد من (36).

وكان فوكو، بحسب مؤلفَي كتاب (فوبيا الدولة والمجتمع المدنيState Phobia And Civil Society) يحاور ويوجه تحليلاته إلى النظرية الماركسية وإلى الاشتراكية المؤسساتية، سواء في مؤسسة الدولة في أوروبا الشرقية، أو في مؤسسة الحزب كما في الديمقراطيات الليبرالية الغربية المعاصرة. كما أنّه كان يقدم تحليلاته إلى اليسار المتطرف الرافض للدولة التي يعتبرها رأس الشرور جميعًا (37). وبذلك يقدم نقدًا للفوبيا التي تصنعها الماركسية ضد الدولة وأجهزتها الأيديولوجية كما في النسخة الألتوسيرية، ولفوبيا الدولة التي تشيعها التوجهات النيوليبرالية تحت مسوغ تدخّلها في التنظيم الطبيعي للسوق.

ويظهر موضوع فوبيا الدولة ابتداء من الدرس الرابع من دروس سنة 1979 تمهيدًا لما سيأتي بعد ذلك من تحليلات تاريخية لأشكال الليبرالية الجديدة، ومن ثم تظهر فكرة فوبيا الدولة كنوع من التصدير

لجنيالوجيا الليبرالية الجديدة. ويقارن فوكو النزعة النقدية للدولة الاستبدادية والدولة السيادية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر التي ولدّت عقلانية الحكم المقيد، أي الليبرالية، بالقلق والريبة من دور الدولة وتمدد سلطاتها لتبتلع بذلك دور المجتمع المدني، وذلك في الحقبة التي عاصرها فوكو (38)

 كان من المفترض أن توجه دروس سنة 1978- 1979 إلى بحث مسألة السياسة الحيوية، لكن بدلًا من ذلك توسع فوكو في تحليل أشكال الليبرالية الكلاسيكية والجديدة بنسختيها الألمانية والأميركية.

ويعلل فوكو ذلك انطلاقا  من أسباب منهجية تتعلق بتجريب أداة تحليلية جديدة وما سمّاه سياسةَ الحكم وقيادة السلوك، الذي رأى فيها، بشكل أو بآخر، تطبيقًا لمفهوم السلطة المجهرية على الجسد

الاجتماعي بأكمله؛ إذ إن تحليلات السلطة المجهرية ليست بالضرورة قطاعية أو مرتبطة بنطاق أو فضاء ما، بل إنها، بالأحرى، زاوية نظر تحليلية ربما تصلح لتحليل السياسة الاقتصادية أو حتى لتحليل إدارة المجتمع ككل وحكمه. كما يطرح فوكو أسبابًا أخرى دعته إلى التعمق في بحث شكل الحكم الليبرالي، ترتبط بالنقد المستمر والمتنامي لسلطة الدولة وشموليتها، بل وفاشيتها وعنفها وأبويتها في ما يتعلق بدولة الرعاية الاجتماعية، تلك الموضوعات التي تشكل ثيمة تحكم نمط الفكر الليبرالي.

يرى فوكو، إذًا، أن هناك نقدًا متناميًا، بل ومتضخمًا، لدور الدولة. لكن، لماذا يتزايد النقد بشكل مبالغ فيه؟ في الواقع يُرجع فوكو هذا النقد إلى عنصرين أساسيين، أولهما الفكرة الموجودة بشكل ضمني

والقائلة بأن الدولة تتملكها نزعة توسعية، وهي  ما فتئت تحاول أن تستولي على جميع مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي سيكون المجتمع المدني غاية وهدفًا لهجوم سلطة الدولة. أما العنصر الآخر، فيرتبط بعدم التمييز أو التفرقة بين أشكال متعددة من الدولة، ووضعها جميعًا في سلة واحدة، بل وإرجاعها إلى جذر واحد، من الدولة الإدارية ودولة الرعاية أو الرفاه حتى الدولة الفاشية والدولة الشمولية. ولا شك أن هذا الأمر ضاعف من انتشار ما يسمّيه فوكو (فوبيا أو رهاب الدولة) (39).

ربما يعزز من أهمية أفكار فوكو التي قدمها في دروسه في كوليج دو فرانس، التي نُشرت وتُرجمت إلى الإنكليزية في سنتي 2007 و 2008 ، وكانت قد نُشرت في الأصل الفرنسي سنة 2004 ، أن نشْرها تزامن مع الأزمة العالمية التي ضربت الاقتصاد العالمي وأدت إلى تزايد معدلات الفقر والبطالة في الولايات المتحدة وفي القارة الأوروبية، وما زالت آثارها قائمة، ناهيك عن التغييرات الهائلة في المناخ وظهور اقتصادات جديدة كالصين والهند وأميركا اللاتينية، والحروب التي اندلعت  في أفغانستان والعراق وخلفيتها في أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 ، والحرب على الإرهاب، والأثر العالمي لبروز الجماعات الإسلامية الراديكالية، وقضايا الأمن وقوانين الطوارئ، كل ذلك يُبرز مسألة الدولة ودورها مرة أخرى؛ فالسياسات ليس لها الشكل الرسمي المؤسساتي فقط – من خلال البرلمانات والمؤسسات التمثيلية – لكنها تُمارس بطريقة ناعمة أيضًا في إطار المجتمع المدني. بناء عليه، فإن غاية تضخيم النقد الموجَّه إلى الدولة هي إخفاء الممارسة السلطوية الحقيقية، وهذا يظهر كون الدولة تهاجَم الآن من الحركات الراديكالية المناهضة لها كحزب الشاي في الولايات المتحدة (40). وفي هذا السياق، يُعَدّ نقد فوكو للسياسة الحيوية الليبرالية أساسيًا، ويمكّن من فهم الأشكال الجديدة للسلطة والحقيقة والتذويت، التي تنامت في عصر الليبرالية الجديدة، ولا سيما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، مع اتساع ظاهرة التدخلات العسكرية بشكل متسارع(41).

إن سياسة الحكم الليبرالية ونقدها المتزايد لدور الدولة وتدخلاتها في إطار دولة الرعاية، وهجوم المفكرين الليبراليين عليها، وعلى السياسات الكينزية التي تتبعها، كل ذلك لا يؤدي إلى تقليل حكم الدولة أو الحد منه، لماذا؟ لأن الليبرالية الجديدة ليست إلا تنظيمًا جديدًا لتقنيات الحكم؛ فأنظمة الحكم الليبرالية الجديدة ((تتضمن ليس فقط تدخلا مباشرًا من خلال أجهزة الدولة المتخصصة المتمتعة بالسلطة، ولكن أيضًا تطور التقنيات غير المباشرة النوعية التي تسمح بقيادة ومراقبة الأفراد (و) الفروقات بين الدولة والمجتمع المدني، بين التنظيم الوطني وبين المؤسسات عابرة الأوطان، لا تمثّل أساس وحدود ممارسات الحكومة، بل هي، بالأحرى، تعمل كما لو أنها عناصرها ونتائجها))(42).

بناء عليه، يمثّل الحكم، بالاستناد إلى دولة الحد الأدنى، انتقالًا من الحكم الرسمي المباشر إلى الحكم غير الرسمي وغير المباشر، أي من خلال منظمات المجتمع المدني الذي ليس هو في النهاية إلا تقنية حكم تتخذها الأنظمة الليبرالية، ومثله في ذلك مثل الدولة. يطرح هذا التحليل أسئلة جوهرية لا يمكن تجاوزها، من قبيل: ما دور المقاومة في ظل انتشار الحكم بتقنياته الحديثة؟ وأين يكون ميدان فاعليتها؟ هل ثمة إمكان للمقاومة؟ وقبل ذلك، ما هي المقاومة بالنسبة إلى فوكو؟

إمكان المقاومة في المجتمع المدني :

لم يقدم فوكو تحليلاً مباشرًا لموقع المقاومة في المجتمع المدني، لكن من الممكن النظر إلى مقاربته للمجتمع المدني وربطها بتحليلاته السابقة بشأن السلطة، وتأويلاته المتأخرة عن الذات القادرة على الانعتاق من الأشكال المختلفة للتذويت والإخضاع، وابتكار ذات جديدة، لنتبين موقع المقاومة في حكم الذات ومنها حكم الآخرين؛ فالمجتمع المدني يمكن أن يكون فضاءً لممارسة القيادة المضادة وابتداع ذات جديدة. لكن على المقاومة أن تسلط الضوء على علاقات السلطة الموجودة في المجتمع المدني بقدر ما هي موجودة في الدولة، والتي تتخفى في العادي والقارّ من الممارسات الاجتماعية.

كانت المقاومة أو المعارضة منذ العصور الوسطى تعتمد على ثيمة اليوم الآخر، أو يوم الخلاص من الظلم، تحقيقًا للعدل التام. واستمرت هذه الثيمة، وإن بشكل مختلف، في سياسة الحكم الحديثة

والمعاصرة. ومكمن اختلافها هو فقط في أن هذا الخلاص لم يعد يُنتظر في اليوم الآخر، إنما في الواقع الحاضر، ووسيلته في ذلك هي وقف تمدد سلطة الدولة على المجتمع المدني، بل وكفّ يدها وتقييدها لتكون – على النقيض – خاضعة لهذا المجتمع. ويتم ذلك عن طريق الفعل الثوري الذي يحقق الانتصار على الدولة، لتفرض الأمة – أو المجتمع المدني- حقيقتها على ما تقدمه الدولة من حقائق تجعل الفرد أو المواطن يتمثّل نفسه من خلالها. إن سياسة الحكم الليبرالية المضادة لداعي المصلحة العليا للدولة ظهرت في بدايتها كعقلانية معارضة لعقلانية الدولة، وبدأت تحكم هي بدورها

بداعي الحرية والتقييد الذاتي أو دولة الحد الأدنى، لتقف في توسط بين الدولة الشمولية واللاسلطوية أو الفوضوية، هذه السياسة بخطاباتها كانت موقع مساءلة من جانب الجنيالوجيا الفوكوية، كما بيّنا (43).

بناء عليه، فإن دراسة فوكو للحكم والحكومة امتداد وتوسع لتحليلاته السابقة المتعلقة بمركّب السلطة/المعرفة) (44)، وترتيباتها التي اتخذت عنده شكل السلطة الانضباطية عبر تحليل التقنيات الانضباطية المشابهة للتقنيات الدينية في ممارسة السلطة. من هنا، تُعَدّ فكرة الأصل الديني للحكم الغربي أحد التجديدات التي قدمها فوكو في دروس أواخر السبعينيات، وتحديدًا في درس (الأمن، الإقليم, السكان) حيث فصّل فيها بحث موضوع الحكم الليبرالي، وبيّن أصوله الكنسية الرعوية. ولا ننسى هنا اهتمام فوكو في ذلك الحين بالدور الذي أداه الدين في الثورة الإيرانية. ومن الممكن القول إن فوكو كان يناظر بين الخلاص الديني والأمن الحكومي، إذ إنهما كليهما يشيران بشكل أو بآخر إلى قيادة الحياة أو حكمها أو توزيعها في حلقة مغلقة مسبقًا (45).

لفهم موقع المقاومة، لا بد من الرجوع إلى تحليلات الفيلسوف السياسية المبكرة التي بيّن فيها السمة الإيجابية للسلطة؛ فالقمع ليس هو الشكل الوحيد للسلطة، إنما هو حدّ لها. فالسلطة تنتج معارف وتوجِد ذاتًا جديدة و(( المنع والرفض بعيدًا عن أن تكون الأشكال الجوهرية للسلطة، فما هي إلا حدودها وأشكالها الناقصة أو القصوى. إن علاقات السلطة هي علاقات إنتاجية قبل كل شيء))(46).

 ومن الثابت أن السلطة عند فوكو لا جوهر لها، وكذلك المقاومة ليست جوهرًا، وهي ليست سابقة على السلطة التي تواجهها، إنها مساوية لها في الامتداد، ومعاصرة لها بناء عليه، فلكي ((تقاوم ينبغي لها أن تكون مثل السلطة. لها روح الاختراع، ومن الحركة والإنتاجية ما للسلطة))(47). وإذا كانت السلطة منتشرة في الجسد الاجتماعي، فكذلك هي المقاومة. لكن، مع ذلك، عانت تحليلات فوكو بشأن السلطة في بداية السبعينيات وفي كتابَي المراقبة والمعاقبة و إرادة المعرفة صعوبات نظرية تتعلق باستحالة فعل المقاومة؛ إذ إن الذات بمقاومتها ليست في المحصلة إلا صنيعة سلطوية أُسست ورُسّخت بالتقنيات الانضباطية، وهو ما أوقع فوكو في ما يشبه المفارقة، ولا سيما مع تشديده على دور المقاومة، إذ لا وجود لسلطة من دون مقاومة، كما كان يردد.

 وما قام به فوكو لاحقًا، في تحليله سياسات الحكم، هو، كما ذكرنا، مدّ ((تحليله المجهري الفيزيائي للسلطة إلى البنى الجمعية الاجتماعية وإلى ظاهرة الدولة. وهو يهتم على نفس المستوى بأشكال التذويت فيما يتعدى عملية الإخضاع الانضباطي، هذه الأشكال التي يسمّيها (تقنيات الذات) ))(48). وبالتالي يفتح مفهوم الحكم، وكذلك مفهوم التذويت، إمكانية كان الانضباط قد حال دونها.

إن تحوّل فوكو في بداية الثمانينيات لدراسة الذات لا يعني إهماله إشكالية السلطة، لكنها تشكل تصويبًا للتحليلات السابقة، حيث تحضر الذات ضمن إشكالية السلطة، أي من خلال حكم الذات وحكم الآخرين، بمعنى التفاعل بين تقنيات السلطة وتقنيات الذات(49).((أي إقامة علاقة سياسية من  الذات إلى الذات))(50). وإذا كان فوكو في الجزء الأول من تاريخ الجنسانية قد عمل على تفنيد الفرضية القمعية، وما يستلزمه ذلك من رفض وهم التحرر، فإننا نراه في أعماله المتأخرة يفتح إمكانية للذات، ويمنحها قدرة على الانعتاق من سلطة المعايير الاجتماعية التي تشكل الذات في لحظة تاريخية ما، وابتداع معايير جديدة، ومنها إعادة توزيع العلاقات السلطوية. هذه الممارسة السياسية يسمّيها فوكو القيادة المضادة. ومن هنا، أصبح للمقاومة هنا دور إيجابي، لكن يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن القيادة المضادة تعمل، كما السلطة تمامًا، على تنظيم الناس وتوجيههم نحو استراتيجياتها بتقنيات ربما تكون مشابهة لتقنيات السلطة(51). نتيجة لذلك، فإن السياسة الحيوية تسمح، رغم كونها تقنية حكم مرتبطة بالسياسة الليبرالية، بإمكانية التجديد، فإذا كان فوكو قد وصف أنظمة السياسة الحيوية بأنها لا تقل شمولية عن الأنظمة الشمولية الدكتاتورية، فإنه مع ذلك يقدم في مفهوم السياسة الحيوية جانبًا إيجابيًا، يفتح إمكانية الانعتاق من التذويت والتشكيل السياسي نحو ابتداع الحياة السياسية وتجديدها؛ فالحياة رغم كل شيء لا تتوحد مع تقنيات الحكم التي تقودها وتحكمها، لأن هناك دائمًا إمكانية للتجاوز والخلاص من هيمنتها، ومن هنا تصبح الحياة مصدرًا للمقاومة. وكان فوكو قد قدّم إشارات قليلة وناقصة بشأن هذا الجانب الإيجابي من السياسة الحيوية، وعمّقت الفلسفة الإيطالية المعاصرة (نيغري، أغامبين، إسبيزيتو) فيه وأضافت إليه(52).

يُبيّن فوكو أنه لكي تكون هناك مقاومة إيجابية، لا بد من إدراك وفهم آلية أو كيفية اشتغال نظام السلطة الماثل، ليجري بعد ذلك تأسيس اقتصاد جديد للسلطة، أي علاقات سلطوية جديدة. من هنا، تسعى الجنيالوجيا الفوكوية ((إلى صنع تاريخ لمختلف طرائق تذويت الكائن البشري)) في الثقافة الغربية(53). لكن فوكو يرفض، مع ذلك، تقديم نظرية، سواء للسلطة أو للذات، معتبرًا ذلك إعاقة للممارسة التحليلية الفاعلة. لذلك، يشدد فوكو على أهمية المفاهيم ودورها في التحليل أكثر من النظرية الشاملة، وهذه المفاهيم تحتاج إلى مراجعة مستمرة، أي إلى موقف نقدي لا يقر له قرار(54).

ترتبط الذات في مجتمعات الحداثة المبكرة في الغرب بما يسمّيه فوكو بالمعنى الواسع (الحكم) للكلمة غير المحصور في حدود حكم الدولة لشعب معيّن، وإنما المشتمل على ممارسات قيادة السلوك وتوجيهه بشكل مباشر، سواء قيادة الذات لذاتها أو قيادتها للآخرين. بمعنى: حكم الحياة، حكم الأرواح، حكم الأطفال، حكم الأسر، وغير ذلك(55).

 إن رفض فوكو تأسيس نظرية في الذات يوجهه إلى تحليل ((الأشكال المختلفة التي بواسطتها يقوم الفرد بتشكيل ذاته)) إذ إن فوكو يقوم ب ((عملية نقل تنطلق من سؤال الذات إلى أشكال التذويت، ومن ثم تحليل أشكال التذويت من خلال تقنيات/ تكنولوجيات العلاقة مع النفس/ الذات… من خلال ما يمكن تسميته تداولية الذات))(56).

من هنا بحث فوكو التجارب القطاعية كتجربة الجنون والمرض   والجريمة والجنس، إذ يعتبرها ضرورية لفهم الثقافة الغربية.

كرس فوكو عددًا من دروسه في كوليج دو فرانس لتحليل الأشكال المختلفة للذات الغربية المتشكلة في السياق الإغريقي القديم، والهيلينستي والمسيحية المبكرة، ليقدم دعمًا لفرضيته بأن الذات ليست سوى شكل تاريخي وثقافي واجتماعي، وبالتالي ليس لها وجود متعال خارج إطار القيم والمعايير الاجتماعية المحايثة.

إن تحليلات فوكو للسلطة والحرية والذات تبيّن أنه لا يريد نقد المعايير والقيم الموجودة للوصول إلى الحقائق المطلقة حول وجودنا وحول العالم الذي نعيش فيه. بالأحرى، أراد فوكو أن يكشف عن الجانب الإبداعي للبشر في ابتكار قيم ومعايير تظل نسبية دومًا، إذ لا وجود لحقيقة مطلقة كلية متعالية عن سياقها الزمني(57).

ليست الذات، بالتالي، وكما طرح فوكو في المراقبة والمعاقبة، مجرد أثر سلطوي منفعل في ظل علاقات سلطوية منتشرة، لكنها وفقًا للتحليلات المتأخرة، تمتلك نوعًا من القيادة المضادة، بقيامها بحكم نفسها، ومن خلال حكم نفسها تحكم الآخرين. هذا التعديل المنهجي عند فوكو صد الهجوم الذي تعرضت له توجهاته الفلسفية، بل والتوجهات ما بعد البنيوية بوصفها توجهات نحو عدمية أخلاقية. وفي ذلك تقول جوديث بتلر في دفاعها عن فوكو وعن الاتجاه ما بعد البنيوي: بينما ادعى كثير من النقاد أن النظرة إلى الذات التي يعرضها فوكو وغيره من مفكري ما بعد البنيوية تدمر القدرة على القيام بالتدبر الأخلاقي وتأسيس الفاعلية البشرية، فإن فوكو يلتفت إلى كلٍّ من الفاعلية والتدبر بطرق جديدة فيما يسمى كتاباته الأخلاقية ويقدم إعادة صياغة لكليهما تستحق نظرًا جادًا(58).

والحق أن التعامل الصحيح مع نصوص فوكو وتحليلاته يُبين أنها لا تدمر إمكان الحرية وإمكان الذات، لكنها ترى ببساطة أن مفاهيم الذات والحرية هذه تحتاج إلى إعادة صوغ أو إعادة تشكيل، فالسلطة، كما يقول فوكو، لا تُمارَس إلا على ذوات حرة(59).

بناءً عليه، تكون الحرية غير محدودة في شكل التحرر والثورة، وإن كان فوكو لا ينكر ذلك، ((فعندما يبحث شعب مستعمَر عن التحرر من مستعمِره، فذاك الفعل هو ممارسة للحرية بالمعنى الدقيق والحصري)) كما يقول فوكو ولكنه يستدرك ((بأن هذه الممارسة للحرية لا تكفي لتحديد ممارسات الحرية التي ستكون في ما بعد ضرورية بأن يتحدد هذا الشعب … بأشكال يمكن قبولها عن وجودهم))(60).

لذلك، فإن ممارسة الحرية بشكل مستمر وخلاّق هي مقصد فوكو، وليس فقط فعل التحرر المرتبط بسياق ثوري تاريخي ما، لماذا؟ لأن فعل التحرر يشي بوهم الوصول إلى الطبيعة الإنسانية الحقيقية

التي يخفيها تراكم الممارسات السلطوية. ونحن نعلم رأي فوكو في الحقيقة النسبية؛ فالذات الجمعية، وفقًا للمنهجية الجنيالوجية، ليست إلا شكلاً لا جوهر له، وبالتالي، يمكن القول إن فعل التحرر يعني الخروج من الهيمنة التي تجمد علاقات سلطوية ما وتحاول تأبيدها، لتأسيس علاقات سلطوية جديدة. ولا شك أن الثورة تُعتبر في بعض الأحيان شرطًا سياسيًا وتاريخيًا لممارسة الحرية.

من هنا، فإن تحليل فوكو يؤكد أن على الرغم من أن الذات تتشكل في علاقات سلطوية – معرفية ما، فإن  هذا الأمر لا يؤدي إلى جبرية تجعل من الفرد أو الذات أسيرة لهذا التشكيل السلطوي أو ذاك. هناك دائمًا مقاومة، ونحن قادرون، إن أردنا، على صنع أنفسنا؛ ففي إمكاننا استخدام المعايير والقيم في مجتمعنا بطرق جديدة، بل إننا نستطيع أن نبتدع أشكالاً من الذات جديدة تمامًا. في إمكاننا دومًا رفض ما نكون عليه في لحظة تاريخية ما، بوسيلتين هما الممارسة النقدية، التي تكشف علاقات السلطة الكامنة في ذاتنا الحاضرة، تليها الممارسة الجمالية للوجود.

وبذلك يتوضح الدور الذي يسنده فوكو للفلسفة، فيقول:

إن ما يلزمنا هو اقتصاد جديد للعلاقات السلطوية – واستعمل هنا كلمة اقتصاد بمعناها النظري والعملي. ولنوضح الأشياء بطريقة أخرى نقول: منذ كانط، كان دور الفلسفة هو منع العقل من أن يتجاوز حدود ما هو معطى في التجربة؛ إنما منذ ذلك الحين أيضًا – أي منذ تطور الدولة الحديثة والإدارة السياسية للمجتمع – كان للفلسفة وظيفة أخرى هي مراقبة السلطات المفرطة للعقلانية السياسية. هذا يعني أن ما يُطلب منها كثير(61).

ويسمح السؤال الفلسفي، بالتالي، بحلحلة ظواهر الهيمنة، بكل تنوعاتها، سياسية أكانت أم اقتصادية أم جنسية أم مؤسساتية؛ ف ((الوظيفة النقدية للفلسفة مشتقة، إلى حد ما، من الأمر السقراطي (اهتم أنت بنفسك) بمعنى (أقم حريتك، بالتحكم في ذاتك) ))(62).

إن الموقف النقدي عند فوكو فضيلة عامة(63)، لماذا؟ لأنه يرى أن فكرة الحكم أو الخضوع أو الانصياع لشخص آخر مرتبطة بظهور الممارسة السلطوية الرعوية، وأن ما حدث منذ القرن الخامس عشر نوع من تعميم لفن حكم الناس هذا؛ إذ انتقل من الرعوية الدينية إلى شكل من الحكم العلماني المنتشر في المجتمع المدني من خلال امتداده إلى حكم الأطفال والأسرة والجيش والدول والجماعات، بل والجسد والروح، كما يقول فوكو(64)، الأمر الذي طرح سؤال كيفية حكم هذه الأشكال السابقة كلها، لتكون الإجابة بفنون الحكم: الفن التربوي، الفن الاقتصادي … إلخ. وهنا يتولد الموقف النقدي في طرح سؤال الحكم ذاته، أي مسوغات الخضوع أو عدم الخضوع لهذا النوع من الحكم أو ذاك. يقول فوكو:

 ((انّ النقد هو فن ألا نخضع كثيرًا للحكم))(65). لهذا، يجب أن يُنظر إلى الممارسة النقدية ذاتها ومقاومة التذويت على الدوام ضمن الشروط التاريخية، وبناء على ذلك نفهم الضرورة المستمرة في ممارسة الذات عبر كشف مستمر عن الحدود التي تحكم قواعد قيمية ومعيارية معينة، والأخذ دائمًا بمسافة نقدية مع الحاضر، لأن الذات تشكل نفسها ((في علاقة مع مجموعة من الشفرات، والإرشادات، والقواعد وهي تفعل

ذلك بطرق لا تكتفي فقط ب(أ) كشف حقيقة أن تأسيس الذات هو نوع من الصيرورة poises ولكنها (ب) تؤسس خلق الذات بوصفه جزءًا من عملية أوسع هي النقد))(66).

 ويستلزم تشكيل الذات أو تخليقها جماليات،  بل وممارسات للذات لكي تدعمها. وبذلك كان مراد فوكو ((تحويل الحياة إلى أثر فني ومثير نحو ممكنات حيوية وإبداعات جمالية تريد العيش بممارسة ذاتية بأن تَخلُق لنفسها طبعًا خاصًا وأسلوبًا في الحياة خاصًا، وأن تتفنن في الكيفية التي توظف بها صفاتها الطبيعية))(67).

خاتمة :

يتبين لنا من استعراض آراء فوكو المتأخرة نوع من اتصال الأفكار والاستمرار على نظرية السلطة -معرفة، والبحث عن السلطة في السياق الاجتماعي، كما تطوير فوكو لفكرة المقاومة في ما سمّاه القيادة المضادة. وكذلك البحث في الممارسات من دون المؤسسات، حتى في سياق تحليل تعاقب الأنظمة السياسية في الغرب؛ فقد حلل فوكو تعاقب عقلانيات الحكم وفنونه أو فن الممارسة السلطوية من

السلطة الرعوية إلى الدولة الإدارية حتى السلطة الانضباطية والحيوية، التي تشكل الإطار الذي تعمل فيه سياسة الحكم الليبرالية.

وبذلك، نستطيع فهم تحليل فوكو لعلاقة المجتمع المدني بالدولة، بل وتفكيكه لهذه العلاقة من خلال تحليله الأكبر، أي تحليله للسلطة والمقاومة؛ فالسلطة عند فوكو ليست قمعية فقط بل هي كذلك منتجة، وفعل المقاومة ذاته يجب أن يُفهَم كتعبير عن السلطة، فلاوجود لسلطة من دون مقاومة، وبالتالي فإن علاقات السلطة هذه، التي تفترض المقاومة أساسًا، لا يمكن حصرها في المؤسسات السياسية فقط، أو في غيرها من المؤسسات، لماذا؟ لأنها منتشرة في السياق الاجتماعي الأعم، وما اجتمع اثنان، عند فوكو، إلا وكانت السلطة ثالثهما، وبالتالي ستكون المقاومة – في ظل علاقات سلطوية متذبذبة ومتقلبة – داخل نظام السلطة وليس خارجه، وعليها أن تكون منتجة. من هنا يعمل فوكو على تفكيك هذه المقابلة بين السلطة والمقاومة التي تأخذ شكلاً جوهريًا في التحليلات السياسية، ليبين انتشار السلطة في كل مكان، ويفعل الأمر ذاته مع مقابلة المجتمع المدني بالدولة؛ تلك المقابلة التي تتضخم في الخطابات الليبرالية والليبرالية الجديدة، ليكشف أنها ليست إلا عقلانية حكم، وأن المجتمع المدني ليس إلا تقنية للحكم كما الدولة تمامًا.

من الواضح أن نمط السلطة الحديثة في الغرب، بشكليه الانضباطي والحيوي كما يحدده فوكو، يجد مصدره في الممارسات المسيحية المبكرة في الحكم، ومنها تطورت الممارسات والتقنيات الحديثة للحكم، الانضباطية والحيوية، أي الحكم من خلال المعايير التي تُعمم بالفضاء الاجتماعي، بدلاً من الحكم عن طريق التقنيات القانونية؛ فالمعيار عند فوكو يعمل على تمفصل مستويي السلطة الحديثة، أي المستوى الانضباطي والمستوى الحيوي. وبالتالي يُعاد إنتاج علاقات السلطة، ويُعاد منها إنتاج ذات تاريخية ما، من خلال مؤسسات، مثل السجون والمدارس والمستشفيات والجيش ومؤسسات المجتمع المدني. لكن إعادة الإنتاج هذه ليست حتمية مغلقة لا مكان فيها لإمكانية تحرر.

إن الموقف النقدي الذي طرحه فوكو ممارسةً أساسية في تشكيل الذات، يساهم في الكشف عن العلاقات السلطوية الراهنة، وبالتالي يساهم في إمكانية التحرر من عملية إعادة الإنتاج هذه. والموقف

النقدي هو موقف يمثّل القيادة المضادة أو تقنيات الذات المقاومة لتقنيات الحكم وقيادة السلوك.

لكن لا بد من التشديد هنا على أن ما يعنيه فوكو بإمكانية التحرر ليس انعتاقًا مطلقًا من علاقات السلطة، لأن لا أحد يمكنه أن يكون خارجًا عن علاقات السلطة التي هي في كل مكان، كما ذكرنا، بقدر ما هي كشف عن علاقات سلطة يساهم في ابتكار نمط جديد من الذات ونمط جديد من المعايير والقيم الاجتماعية، لكن هذا النمط يؤسس لعلاقات سلطوية جديدة، لماذا؟ لأن لا وجود عند فوكو لذات متعالية؛ فالذات محكومة بسياقها التاريخي المحمَّل بالعلاقات السلطوية، وبالتالي فإن المهمة النقدية هي صيرورة دائمة، بالضبط كما الذات، أي إنها عملية غير مكتملة، عملية تاريخية غير قابلة للتعميم المتجاوز على التاريخ، وأي محاولة لتأبيد ذات تاريخية هي محاولة تجابَه دائمًا بموقف نقدي. من هنا نفهم فلسفة فوكو النقدية لأنطولوجيا الذات الحديثة. بناء عليه، ليست مهمة الفلسفة الكشف عن الذات الحقة في مقابل ذات مزيفة، أو الكشف عن الحقيقة التي تقمعها السلطة، وإنما مهمتها  هي أن تبتكر ذاتًا جديدة وتخلقها وتبتدعها  عن طريق مساءلة الذات الماثلة، بفضح علاقات السلطة القابعة خلفها. ولا ريب أن ما يقف وراء هذه الروح الفوكوية هو الموقف النسبيالذي يعتمده فوكو.

إن ما يعنينا مما سبق هو أنه يمكّننا من فهم موقف فوكو من المجتمع المدني. وهنا تجدر ملاحظة أن فوكو كان في نهاية كل درس من الدروس التي كان يلقيها في قاعة الكوليج دو فرانس منذ سنة 1975 حتى سنة 1979 ، يأخذ وقتًا وافرًا للبحث في صورة المجتمع المدني كميدان يتضمن القوى الفاعلة، بل وكموقع لإنتاج الحقيقة. وفي كل درس من هذه الدروس، يقدم تعليقات ناقدة لهؤلاء الحالمين بحل الدولة واتحادها في يوم من الأيام في المجتمع المدني؛ هذه الأحلام التي أخذت أشكالًا معينة من الفكر المرتبط بالثورتين الفرنسية والأميركية، وأيضا من المبدأ الماركسي – اللينيني القائل بتدمير الدولة(68).

لا شك في أن تصاعد أحداث العنف التي اجتاحت القارة الأوروبية منذ الثورة الطلابية سنة 1968 في كلٍّ من فرنسا وإيطاليا وألمانيا، ساهم في تشكيل جزء كبير من توجه فوكو السياسي ومشاركاته السياسية في فترة السبعينيات، بل وتحديد نمط التحليلات التي قدمها، ومنها النزعة المضادة للدولة تحليليًا ونظريًا، ورفض الشكل الإنساني لليبرالية السياسية، كما التركيز على ابتداع الذات والهوية

كمهمة ورهان سياسي، ورفض زعم تعالي الدولة؛ فالتحليل الذي تلازم مع فوكو وخرج عن تحليل المؤسسة (الدولة) كان يتوجه إلى ميدان المعارك والتكتيكات، ثم إلى ميكروفيزياء السلطة، ومنها إلى عقلانيات الحكم وتقنياته، بل وتخطيط المجتمع المدني نفسه، المكان الذي نظر فيه إلى الفرد أو الذات كإبداع أو ابتكار ذاتي، وكنوع من السلطة، أو سلطة القيادة، في الوقت نفسه: أن تبتدع ذاتك وتقودها، ومنها تقود الآخرين(69).

كان هابرماس قد وجّه نقدًا إلى الطرح الفوكوي لفشل ذلك الطرح، بحسبه، في التعامل، بل وفي فهم المجتمع المدني؛ فالمجتمع المدني عند هابرماس يمثّل ميدانًا تقوم فيه القيم المؤسَّسة على الحوار وعلى الأخلاق التنويرية، بتشكيل مصدر أو مجال لقول الحقيقة بشأن المجتمع المدني خارج إطار توسع السوق الاستغلالية وهيمنة الدولة، بل وضدهما(70).

غير أن مقاربة فوكو بخصوص الحكم أو الحكومة تقربه من المشروع النقدي الماركسي، خصوصًا في البحث في أسباب هيمنة الاقتصاد السياسي على السياسات المتمحورة حول السلطة السيادية في الحداثة المتأخرة. وكما يذكر فوكو في نهاية دروس(مولد السياسة الحيوية)، فإن أحد الدوافع التي وجهته لدراسة الحكم هو مهمة فهم المجتمع المدني والفرد أو الذات الاقتصادية؛ تلك الذات التي هي نتاج التطبيق المستمر للتفكير الاقتصادي في جميع نواحي الحياة الطبيعية والاجتماعية، وهذه الذات إنما هي نتاج لقيادة سلوك حديثة يسميها فوكو الليبرالية. ولا شك في أن تعميم العمليات الاقتصادية في جوانب المجتمع المتعددة التي بيّنها فوكو في دروس هذه السنة، تمكننا من فهم ذلك الاستقبال الكبير لأفكاره من قِبل الاتجاه ما بعد الماركسي في فترة التسعينيات، وعلى الأخص في أعمال أنطونيو نيغري(71).

نخلص من ذلك إلى أن تحليلات فوكو المتعلقة بشكل العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، ومنهجيته الجنيالوجية، تنتهي إلى نتيجة مفادها أن المجتمع المدني ما هو إلا فضاء آخر للحكم، ووسيلة تتوسلها السلطة، وليس له هذه الاستقلالية التي تفترضها الخطابات الليبرالية، وأنه متصل بسياسة الحكم الليبرالية، وهذا متسق مع نظرية فوكو في السلطة والمقاومة. لكنه مع ذلك يرى إمكانية القيادة المضادة للتذويت بابتداع ذاتية جديدة. وهذه الزاوية من النظر تساعدنا على فهم المجتمعات الغربية المعاصرة بأنظمتها السياسية، وأكثر من ذلك تمكِّننا من التعاطي مع مفهوم المجتمع المدني في الواقع العربي، سياسيًا ونظريًا، بطريقة نقدية فاحصة تتجاوز النظر المثالي.

الهوامش:

* باحث مستقل. حاصل على درجة ماجستير في الفلسفة السياسية المعاصرة من جامعة الكويت.

** Independent Researcher with an MA in Contemporary Political Philosophy from Kuwait University.

1) عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، ط 6 )بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012 (، ص 7

2) المرجع نفسه، ص 45

(3) Mitchell Dean and Kaspar Villadsen, State Phobia and Civil Society: The Political Legacy of Michel Foucault

(Stanford, CA: Stanford University Press, 2016), p. 6.

(4) Daniel Zamora and Michael C. Behrent (eds.), Foucault and Neoliberalism (Malden, MA: Polity Press, 2016), p. 3..

(5) Vanessa Lemm and Miguel Vatter (eds.), The Government of Life: Foucault, Biopolitics, and Neoliberalism (New

York: Fordham University Press, 2014), pp. 1-2.

(6) Michel Foucault, The Birth of Biopolitics: Lectures at the Collège de France, 1978-1979, Edited by Michel Senellart

; General editors, Francois Ewald and Alessandro Fontana; Translated by Graham Burchell (New York : Palgrave

Macmillan, 2008), pp. 291-3

7) اكتمل نشر دروس ميشيل فوكو في الكوليج دو فرانس بنشر آخر درس تحت عنوان(النظريات والمؤسسات العقابية) في أيار/مايو 2015 ، عن دار غاليمار الفرنسية الشهيرة. وقد تُرجمت الدروس كلها إلى اللغة الإنكليزية ما عدا الدرس الأخير المذكور. وكان آخر درس ترجم إلى الإنكليزية هو المجتمع العقابي عن دار بالغريف ماكميلان في سنة 2015 ، ونقل الزواوي بغورة درس يجب الدفاع عن المجتمع إلى العربية في سنة 2003 عن دار الطليعة للطباعة والنشر.

(8) Lemm and Vatter (eds.), p. 1.

(9) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 78.

10) جون إهرنبرغ، المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة، ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم؛ مراجعة فالح عبد الجبار (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008 ، ص 15

11) المرجع نفسه، ص 367

(12) Lemm and Vatter (eds.), p. 62.

(13) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 397.

 14) إهرنبرغ، ص 170

15) المرجع نفسه، ص 184

(16) Foucault, The Birth of Biopolitics, pp. 304-305

 17) إهرنبرغ، ص 189

(18) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 308.

(19) Ibid., pp. 309-311.

20) إهرنبرغ، ص 206

.29- 2)) آدم ‑، بحث في أسباب وطبيعة ثروة الأمم، ترجمة حسني زينة , بغداد: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2007 ، ص 25 .

(22) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 286.

(23) Michel Foucault, Security, Territory, Population: Lectures at the College de France, 1977-78, Edited by Michel

Senellart; General Editors, Francois Ewald and Alessandro Fontana; English Series Editor, Arnold I. Davidson;

Translated by Graham Burchell (Houndmills, Hampshire: Palgrave Macmillan, 2007), p. 350.

(24) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 104.

25) ف. أ. هايك، الطريق إلى العبودية، ترجمة محمد مصطفى غنيم القاهرة: دار الشروق، 1994 ، ص 13 .

(26) Miikka Pyykkönen, «Liberalism, Governmentality and Counter-Conduct: An Introduction to Foucauldian Analytics

of Liberal Civil Society Notions,» Foucault Studies, no. 20 (December 2015), pp. 8-35.

(27) Dean and Villadsen, p. 10.

(28) Foucault, The Birth of Biopolitics, pp. 2-3.

(29) Foucault, Security, Territory, Population, p. 358.

(30) Miguel Vatter, The Republic of the Living: Biopolitics and the Critique of Civil Society (New York: Fordham

University Press, 2014), pp. 2-3.

(31) Lemm and Vatter (eds.), p. 166.

32) ميشيل فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع: دروس ألقيت في الكوليج دي فرانس لسنة 1976 ، ترجمة وتقديم وتعليق الزواوي (

. بغورة )بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2003 (، ص 45

(33) Mark G. E. Kelly, The Political Philosophy of Michel Foucault, Routledge Studies in Social and Political Thought;

61 (Hoboken: Taylor and Francis, 2008), p. 53.

(34) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 297.

(35) Ibid., p. 296.

(36) Dean and Villadsen, p. 11.

(37) Ibid., p. 13.

(38) Ibid., p. 15.

(39) Foucault, The Birth of Biopolitics, p. 187.

(40) Dean and Villadsen, pp.19-20.

(41) James D. Faubion (ed.), Foucault Now: Current Perspectives in Foucault Studies, Theory Now (Cambridge, UK:

Polity Press, 2014), pp. 176-177.

42) توماس ليمكي، (فوكو، الحاكمية نقد الليبرالية الجديدة: ماركس بدون مزدوجين)، في توماس ليمكي وآخرون , ماركس وفوكو، ترجمة حسن الحاج , بيروت: مجد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 2012 ، ص 18 .

(43) Foucault, Security, Territory, Population, pp. 356-358.

44) بعد نشر الجزء الأول من تاريخ الجنسانية، لم يستخدم فوكو صراحة مصطلح (سلطة/معرفة) ومع ذلك، يمكن فهم ظهور تقنيات الذات في فلسفة فوكو الأخلاقية على أنه توضيح لهذا المصطلح، في جوانبه الإيجابية التي قدمها في أعماله في بداية السبعينيات، للمزيد انظر:

Dianna Taylor (ed.) Michel Foucault: Key Concepts (London: Routledge, 2014), p67

(45) Lemm and Vatter (eds.), pp. 3, 4 and 7.

46) ميشال فوكو، هم الحقيقة، ترجمة مصطفى المسناوي، مصطفى كمال ومحمد بولعيش , الجزائر: منشورات الاختلاف، 2006 ، ص 51

47)المرجع نفسه، ص 57

48)ليمكي وآخرون، ص 15

49) المرجع نفسه، ص 16

50) ميشيل فوكو، الانهمام بالذات: جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، تقديم وترجمة محمد ازويتة الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015 ، ص 30

(51) Kelly, p. 112.

(52) Vatter, p. 4.

53) أوبير دريفوس وبول رابينوف، ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية، ترجمة جورج أبي صالح بيروت: مركز الإنماء القومي، د. ت, ص 186

54) المرجع نفسه، ص 187

55) Taylor, p. 176.

56) ميشيل فوكو ((ما النقد ؟ )) ترجمة الزواوي بغورة، في: ميشيل فوكو، ما التنوير؟ , الكويت: آفاق للنشر والتوزيع، 2013,ص75

(57) Taylor (ed.), pp. 6-9.

58) جوديث بتلر، الذات تصف نفسها، ترجمة فلاح رحيم بيروت: التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2014، ص 60

(59) Taylor (ed.), p. 4.

60) فوكو، الانهمام بالذات، ص 40

61) دريفوس ورابينوف، ص 187

62) فوكو، الانهمام بالذات، ص 69

63) فوكو,ما النقد؟ , ص35.

64) المرجع نفسه، ص 36.

65) المرجع نفسه، ص 37.

66) بتلر، ص 57 .

67) عبد الرزاق بلعقروز، المعرفة والارتياب: المساءلة الارتيابية لقيمة المعرفة عند نيتشه وامتداداتها في الفكر الفلسفي المعاصر بيروت: منتدى المعارف، 2013 ، ص 305

(68) Dean and Villadsen, p. 3.

(69) Ibid., p. 8.

(70) Ibid., p. 9.

(71) Lemm and Vatter (eds.), p. 5.

References المصادر والمراجع

العربية

إهرنبرغ، جون. المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة. ترجمة علي حاكم صالح وحسن ناظم؛ مراجعة فالح عبد الجبار. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008

. بتلر، جوديث. الذات تصف نفسها. ترجمة فلاح رحيم. بيروت: التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2014

بشارة، عزمي. المجتمع المدني: دراسة نقدية. ط 6. بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2012

بلعقروز، عبد الرزاق. المعرفة والارتياب: المساءلة الارتيابية لقيمة المعرفة عند نيتشه وامتداداتها في الفكر الفلسفي المعاصر. بيروت: منتدى المعارف، 2013

دريفوس، أوبير وبول رابينوف. ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية. ترجمة جورج أبي صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي، د. ت.

سميث، آدم. بحث في أسباب وطبيعة ثروة الأمم. ترجمة حسني زينة. بغداد: معهد الدراسات الاستراتيجية، 2007

فوكو، ميشيل. الانهمام بالذات: جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة. تقديم وترجمة محمد ازويتة,الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2015

. ________. ما التنوير؟. الكويت: آفاق للنشر والتوزيع، 2013

________. هم الحقيقة. ترجمة مصطفى المسناوي، مصطفى كمال ومحمد بولعيش. الجزائر. منشورات الاختلاف، 2006

________. يجب الدفاع عن المجتمع : دروس ألقيت في الكوليج دي فرانس لسنة 1976 . ترجمة وتقديم وتعليق الزواوي بغورة. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2003

ليمكي، توماس ]وآخرون[. ماركس وفوكو. ترجمة حسن الحاج. بيروت: مجد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 2012

. هايك، ف. أ. الطريق إلى العبودية. ترجمة محمد مصطفى غنيم. القاهرة: دار الشروق، 1994

المصادر والمراجع الأجنبية

Books

Dean, Mitchell and Kaspar Villadsen. State Phobia and Civil Society: The Political

Legacy of Michel Foucault. Stanford, CA: Stanford University Press, 2016.

Faubion, James D. (ed.). Foucault Now: Current Perspectives in Foucault Studies.

Cambridge, UK: Polity Press, 2014. (Theory Now)

Foucault, Michel. The Birth of Biopolitics: Lectures at the Collège de France, 1978-

  1. Edited by Michel Senellart; General editors, Francois Ewald and Alessandro

Fontana; Translated by Graham Burchell. New York: Palgrave Macmillan, 2008.

Issue 5 / 46 العدد 18

Autumn خريف 2016

________. Security, Territory, Population: Lectures at the College de France, 1977-78.

Edited by Michel Senellart; General Editors, Francois Ewald and Alessandro Fontana;

English Series Editor, Arnold I. Davidson; Translated by Graham Burchell. Houndmills,

Hampshire: Palgrave Macmillan, 2007.

Kelly, Mark G. E. The Political Philosophy of Michel Foucault. Hoboken: Taylor and

Francis, 2008. (Routledge Studies in Social and Political Thought; 61)

Lemm, Vanessa and Miguel Vatter (eds.). The Government of Life: Foucault, Biopolitics,

and Neoliberalism. New York: Fordham University Press, 2014.

Taylor, Dianna (ed.). Michel Foucault: Key Concepts. London: Routledge, 2014.

Vatter, Miguel. The Republic of the Living: Biopolitics and the Critique of Civil Society.

New York: Fordham University Press, 2014.

Zamora, Daniel and Michael C. Behrent (eds.). Foucault and Neoliberalism. Malden,

MA: Polity Press, 2016.

Periodical

Pyykkönen, Miikka. «Liberalism, Governmentality and Counter-Conduct: An

Introduction to Foucauldian Analytics of Liberal Civil Society Notions.» Foucault

Studies. no. 20 (December 2015), pp. 8-35.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s