من منطلقات نيتشه إلى ظاهراتية هيدجر   د. محمد سالم سعد الله 

من منطلقات نيتشه إلى ظاهراتية هيدجر  

د. محمد سالم سعد الله 

صاغ الوعي النقدي الغربي رحلة تكوينه بتفعيل أبجديات الأسئلة الفلسفية ، واستثمار اللحظات المنيرة والفاعلة في تحويل التجربة الإقليمية إلى نظام موسوعيّ ، يمارس العقل فيه صلاحياته بمعزل عن الميتافيزيقا ، ويتجاوز مهمة كشف الحقيقة ، ليصل إلى مرحلة العقل الخارق ( Super – rational ) القادر على توظيف المقولات والبرهنة عليها .

إنَ لحظة المشروع النقدي الغربي المعاصر لم تُولد متسارعة ، بل كانت حصيلة لحظات مترسبة في الوعي النقدي ، وشاخصة في نتاجه ، ومن أهم تلك اللحظات وأكثرها تألقاً : نيتشه (-1900) .

وسيتم تقسيم هذا المبحث على معطيات ثلاثة :

  1. معطيات فلسفة نيتشـــه .
  2. معطيات فلسفة الظاهراتية .
  3. معطيات نظريات الاستقبال والتلقي .

أولاً : معطيات فلسفة نيتشه :

إنَ اللحظة النيتشوية لم تكن مضيئة بذاتها وإنما كانت مضيئة بغيرها ، بمعنى: أنَ الطرح النيتشوي كان عدمياً (  Nihilism ) ، وأهميته تمثلت بالتأثير الفاعل فيي الساحة المعرفية والنقدية بشكل عام ، والدخول في حيثيات ذلك الطرح أشبه بمغامرة معرفية قد تكشف عن مراحل متعاقبة لأنسنة ( Humanisation ) فعل التغير، والتحول الحاصلين في مجمل نشاطات الواقع .

ويمكن إجمالاً حصر معطيات اللحظة النيتشوية بما يأتي :

  1. موت الإلــه :                ( The death of God ).
  2. الإنسان الخارق :                        ( Superman ).
  3. إرادة القــوة :                ( The will of power ).
  4. العَود الأبـدي :               ( Eternal Recurrence ).

والمعطيات السابقة مترابطة مع بعضها البعض ، وتقود إحداها إلى الأخرى ، قد نشأت تلك الفرضيات انطلاقاً من قاعدة نيتشه : ” من أجل بناء معبد لابد من هدم معبد آخر “([1]) ، فمن أجل التسليم بسلطة الإنسان المطلقة لابد من إزاحة الإله أو الحكم عليه بالموت ، ومن أجل بناء شخصية ( السوبرمان ) لابد من الاحتجاج إلى الميتافيزيقيا وتفكيك أسسها ولأجل الوصول إلى مرحلة القوة اللامتناهية لابد من ممارسة الانفتاح على جميع الخطوط الحمراء التي وضعتها الممارسات اللاهوتية والمعرفية ، ومن أجل تطبيق فرضية العَود الأبدي لابد من إزاحة كل مظاهر الضعف والنفي والقيم اللاأخلاقية ، لأن هذه ( العودة ) تتصف بالأبدية المهيمنة ، التي لا تقف في وجهها العوائق.

وقد كانت معطيات اللحظة النيتشويةـ كما يرى البحث حصيلة تناص  Intertextulity ) ) مع لحظات فلسفية أخرى ، ألقت بظلالها على اتجاه الحركة التصاعدية في تفعيل تلك الفرضيات وممارستها على الصعيد العياني في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية وحتى النفسية منها ، ويمكن تحديد حصيلة هذا التناص بما يأتي :

  1. اللحظة الديكارتية      ( – 1650 ) =  الكوجيتــو .
  2. لحظة سبينـوزا       ( – 1677 ) =  فكرة الإله والإلحاد .
  3. لحظة لايبنــز       ( – 1716 ) =  فكرة المونـــادة .
  4. اللحظة الكانتيـة      ( – 1804 ) =  نقد العقل والأنا النقدية المتعالية .
  5. اللحظة الهيجليـة     ( – 1831 ) =  الديالكتيــك وموت الإلـــه.
  6. لحظة شوبنهـاور     ( – 1860 ) =  الإرادة والتدمير .
  7. اللحظة الداروينية      ( – 1882 ) =  الانتخاب والصراع من أجل البقاء .
  8. اللحظة الماركسية      ( – 1883 ) =  صراع الطبقات والمادية الجدليـة .

وقد أسهمت هذه اللحظات الفلسفية في نسج المعطى النيتشوي المتعالي وتبرير التسليم الشامل له ، بوصفه الحضور المُجسِد ، والصياغة الفلسفية للعقول التي رسمت المسيرة الفكرية لمشروع التطور الأوربي .

فمع اللحظة الديكارتية اتجه البحث الفلسفي إلى تطبيق قاعدة (الشك أساس اليقين) بوصفها البداية الإيجابية لكشف الزيف والخداع الذي يعتري العالم المادي، ويبقى الفكرـ وفقا لذلك ـ هو الحقيقة الوحيدة القادرة على كشف ذلك الزيف ، ولهذا وُلِد الكوجيتـــو (Cogito) الديكارتي ( أنا أفكر إذن أنا موجود ) ليعلن أنّ العقل المفكر هو أساس تحقيق الوجود ، وهو الركيزة التي لابد للإنسان من الاستناد عليها في (غربلة) جميع الأوهام والخرافات التي أحجمت العقل الإنساني من ممارسة دوره طيلة فترة سيادة الكنيسة في العصور الوسطى الأوربية([2].

وقد يتفق نيتشه مع الطرح الديكارتي في هذه المسألة ، لكنه يخالفه في مسألة إعطاء الدور الفاعل في صيرورة وحركة العالم إلى ( الإله ) الذي قدّم له ديكارت مجموعة براهين تؤكد وجوده وحضوره ودوره في عملية التغيير في العالم المادي المنظور([3].

أما لحظة سبينوزا التي امتازت برؤية الإله في كل الموجودات ، بمعنى حلوله في كل أجزاء العالم ، وما الإنسان إلا جزء حلّ فيه الإله ليبرز صفاته وقدرته فتُمثِل فكرة خلود القدرة الإنسانية جوهر فلسفة سبينوزا ، وإنّ النسيج الأبدي لصورة الحياة وديمومتها يتكون من خيوط عدة كالصراع بين الشعوب ، وممارسة أصناف التعذيب ، والفصل والحرمان الذي تعانيه الأقليات ـ ويقصد بهم اليهود ـ وسوء التفاهم والكراهية والمؤمرات والخداع وكسب المادة بأي وسيلة كانت … ([4])

وبالرغم من أنّ نيتشه يشترك مع سبينوزا في تهمة الالحاد (Thesim)، إلاّ أنّ(الالحادين) مختلفان ، فإلحاد نيتشه انبثق من عزل الإله بل الحكم عليه بالموت ، وإعطاء سلطاته إلى الإنسان الذي سيمارس دور الإله المطلق في الحكم والتشريع ، أما إلحاد سبينوزا فقد تمثل بشكل أساس بالخروج عن التقاليد اللاهوتية للمجتمع اليهودي ، فضلاً عن إحلال (Commmutation) الصفات الإلهية في السلوك البشري ، بمعنى تضمين اللامتناهي في المتناهي انطلاقاً من الرؤية والفكر الحلولي ( Thinging of pantheism ) المتأتي من الطرح السبينوزي: ” العالم وحدة (الجسم والنفس والله) ، في مقابل الثالوث الديكارتي :
( الجسم المادي ، والنفس المفكرة ، والله ) الكائن في كل شيء”([5].

أما التناص الحاصل بين فرضيات نيتشه ومعطيات لايبنز فيتمثل في فكرة أو نظرية الوحدة ( Monada ) التي تصور الإنسان على أنه وحدة عاملة متعالية على مظاهر الكون ، وأنّه أساس التفرد ، وإنّ العقل الإنساني يشكل مونادة عليا تتحكم في الموندات السفلى التي تكون الجسم البشري([6].

وقد استثمر نيتشه هذه الفكرة في بناء إرادة الإنسان الخارق الذي تُنسب إليه مشروعية التحكم بالموجودات بوصفها مونادات جزئية تخضع كلياً للمونادة العليا .

والتأثر باللحظة الكانتية كان كبيراً ، لأن كانت عَهد إلى منح العقل منزلة التنظيم الأبدية لإدراك وتنسيق الحقائق الكونية ، وعدّ الإدراك العقلي أداة لمعرفة قائمة بذاتها ، فهو ينظم العالم ويصوغه في وحدات مفهومة ، والعقل ينقل من الفوضى إلى النظام ومن الادراكات الحسية الفورية إلى حكمة كلية ، كما يمكنه تلمس الطريق المؤدي من الحكمة البشرية إلى النور الإلهي([7].

وقد برهن كانت على قدرة الإدراك العقلي في تلمس الحقائق من خلال الفحص عن نظام الأسس القبلية العقلية التي بفضلها تتم المعرفة العلمية من خلال متوالية فلسفية رياضية أطلق عليها ( نقد العقل المحض / الخالص – Pure ) ، ثم مارس بعض العمليات الذهنية للوصول إلى تقديم أهمية معرفة ( الله ) بالنسبة للموجودات ، واتجهه في المرحلة الأخيرة إلى نقد الحكم  Critique of judgment ) ) من خلال فلسفة متعالية سابقة على التجربة ولكنها في إطار نطاق العقل والمعرفة المتعالية الخالية منن عناصر الحواس بمعنى البحث الدائم في الأصول المعرفية لا في الموضوعات المعرفية التي تُعدّ جزءاً من الواقع الفيزيقي المنظور([8].

ولم يوافق توجه نيتشه معطى ( كانت ) في رؤيته حول السلام والديمقراطية ، إذ توجه كانت إلى إلغاء مبدأ القوة والتنافس بين الدول للوصول إلى مرحلة السِلم والاستقرار والدعوة إلى إلغاء فكرة الحرب واللجوء إلى رعاية الله وهدايته([9].

أما التأثر باللحظة الهيجلية فقد كان دينامياً ، إذ يمثل كل من هيجل ونيتشه الوعي التاريخي الذي يعيد حسابات التركة الغربية بالعودة إلى الأصل اليوناني قبل سقراط           ( – 399 ق . م ) وتحديداً فلسفة هرقليطس([10]) ( حوالي 475 ق . م ) الذي قال بزوال الأشياء ، وإن كانت بمنتهى الصلابة ، لأنّها ـ أي الأشياء ـ تحوي في ذواتها عنصر الصراع ومفهوم الضدية ، ثم تتحدد من جديد في صور متشابهة ، وأكدّ هرقليطس على أنّ الحياة انسجام فريد تكون نغماته متضاربة ، والهدف هو إدماج النغمات المتنافرة في نغمة متآلفة واحدة([11].

ولا شك أنّ نظرية هرقليطس في الأضداد والتوتر القائم في الصيرورة قد مهدت الطريق أمام فكرة الديالكتيك الهيجلي الذي يُعدّ القوة الفاعلة في إنتاج الممارسة الفكرية من خلال صراع الأضداد ، وتفسير الوجود ـ من ثمّ ـ على أساس ذلك الصراع([12].

إنّ الفلسفة التي جلبها الوعي التاريخي عند هيجل ونيتشه تقوم على أساس أنّ العقل يسيطر على العالم ، وأنّ المسار التاريخي للعالم يتمثل بوصفه مساراً عقلياً ، ويبقى هذا التمثل بوصفه الطاقة اللامتناهية للكون وبذلك تتحقق مقولة العقل يُوجِه العالم([13].

وتأتي اللحظة الحرجة في تأثر نيتشه مع لحظة شوبنهاور الذي أمدّ المعطيات النيتشوية بسيل متدفق من الأفكار والمعطيات التي كانت سنداً وركناً بنى عليه نيتشه فلسفته .

وتمثل فلسفة شوبنهاور في مجموعها درجة تطور العقلانية ، وأولى خطواتها كانت مع التشاؤم الذي يعطي فكرة غياب القيمة  ( Value ) عن التاريخ والمجتمع ، فضلاًً عن اللامبالاة التي أظهرها شوبنهاور تجاه الطبيعة وحماية المُلكيات الخاصة ، بمعنىى لا مبالاته بالنسبة للجانب السياسي ، وقد حمل لواء اللاتدين ، وتبنى فكرة ( الدين بلا إله ) ، وهو بذلك قدّم دفاعاً غير مباشر عن النظام الاجتماعي الرأسمالي الذي يتحدد هدفه الأساس بفضل المجتمع والممارسات عن الميتافيزيقيا والسعي وراء الظواهر المادية الحاضرة ، وتجنب الخوض في الظواهر الغائبة اللامرئية([14].       

وقد قدّمت التصورات الفلسفية الثورية لشوبنهاور ونيتشه عمليات واقعية لمحاكمة الحدود التي رسمها العقل ، إذ تلون الواقع العياني بألوان شتى من صنوف البغي والاعتداء والاستغلال وعدم احترام إنسانية الإنسان وقذف مجمل النشاطات الاجتماعية في مصب النوازع والأهواء والمصالح الفردية ، ولهذا أسّس الثنائي العدمي ( شوبنهاور ونيتشه ) عقلانية جديدة تتمثل في غزو فضاءات بالية من العقل المتعارف عليه ، وتبدأ تلك العقلانية من إرادة الحياة ، وتجاوز كل مظاهرها العرفية والتقليدية وحتى القانونية منها ، وعدّ الإنسان مشروعاً يمتلك أسباب قوته ونجاحه في السيطرة والهيمنة والقوة التي ستكفل تحرره وانعتاقه من أهوائه ورغباته وأخلاقه التي تمثل عائقاً أمام سبل التطور والارادة الحرة المتنفِذة([15].

إنّ العالم المعيش الذي رآه ( الثنائي العدمي ) هو عالم محكوم بالفوضى والاضطراب واللإانتظام واللاإنسجام ، وهو عالم محكوم بقانون الصراع والتطاحن لا التكامل والسلام([16].

وجاءت لحظة داروين لتقدم منسوباً خصباً للحظة نيتشه من خلال فاعلية الطرح السلبي في نقطتين أساسيتين هما :([17])                                                                                   

  1. فكرة الانتخاب الطبيعـــي .
  2. فكرة الصراع من أجل البقاء .

هاتان الفكرتان عززتا مخاوف نيتشه بسيطرة الميتافيزقيا والأهواء على فاعلية الإنسان وقدرته ، وبالرغم من أنّ طرح داروين([18]) لم يكن جديداً ومتفرداً ، إلاّ أنّ تصميمه على صحة طرحه وإقراره بوجود شواخص وأدلة بايولوجية وفسلجية ، أغوى الباحثين والفلاسفة بالاشتغال في تمثلات هذه الأفكار وإفرازاتها في الوجود من خلال الافتتان بدلالة تطور الإنسان التاريخي وقانون الغاب الذي يسيطر القوي فيه على الضعيف .

أما اللحظة الماركسية فقد مثلت ( انعطافة ) فكرية غيّرت الوجهة الفلسفية ونقلتها إلى تمثل إنسانية الإنسان المفقودة مع الطرح الرأسمالي ، لكنّها ـ أي اللحظة الماركسية ـ لم تكن بعيدة عن الصيغ البيروقراطية لغرض تحديد وإشاعة فرضية اجتماعية رأس المال ، واشتراكية الإنتاج والاستهلاك والتوزيع([19]، وقد جاءت اللحظة الماركسية بصراع البنى الاجتماعية فيما بينها : البنية الفوقية ، والبنية التحتية ، فضلاً عن صراع البنى التصنيفية للتاريخ ـ ويُقصد بها الطبقات الاجتماعية المكونة لمجمل النزاعات المنشِأة للأنظمة والحكومات حسب الرؤيا الماركسية ـ([20]. وبهذا الطرح انتعشت اللحظة النيتشوية من خلال المعطيات الماركسية الآتية :


  1. فكرة الصراع بشكل عــام .
  2. فكرة التضاد والتناحر بين الطبقات .
  3. فكرة تحقيق إنسانية الإنســـان .
  4. فكرة إشاعة اشتراكية النتــاج .

إنّ اللحظتين ـ الماركسية والنيتشوية ـ متفقتان عملياً على تفكيك الفرضيات الموروثة ، والتقاليد الطقوسية ، وتفسير طبيعة الدلالة وتعديل تفسير الطرح المعرفي ، من خلال تحويل عملية الشك ، ونقلها من الشك في الشيء إلى الشك في الوعي ذاته وصولاً إلى العقل([21].

ومن المهم ذكر أنّ اللحظة الماركسية قدّمت تصورات فاعلة في سبيل عقلنة الممارسة الاجتماعية وتجاوز الآثار التي أحدثتها الرأسمالية ، وتقديم آثار علاجية وبدائل للمستوى الفلسفي السائد ، وبهذا استطاعت الماركسية من تخفيض نسبة الراديكالية ، وتحويلها إلى ذاتية غير متطرِفة ذائبة في النسيج الاجتماعي ، ورسم صورة الواقع الاقتصادي الذي يقوم على فرضية الإنتاج والاستهلاك المشترك كل حسب جهوده وخدماته ، فضلاً عن تخفيض مستوى المقولات اللاهوتية ورفع معدل الإنسانية بوصفها قوة ماركسية جديدة([22].

أما نظرتهما للإله فقد تشابهت إلى حدّ كبير ، فماركس ونيتشه ينكران وجود الإله ويعطيان سلطته ومنزلته إلى جانبين مختلفين ، الجانب الأول يعطيه ماركس للجماعة والجانب الثاني يعطيه نيتشه للإنسان الخارق ( السوبرمان ) ، وبهذا يُؤله ماركس المجموع ، في حين يُؤله نيتشه الفرد .

ويمكن إجمالاً القول : ” إنّ مشروع نيتشه الفلسفي يقتضي إدخال مفهومي اللامعنى واللاقيمة إلى الفلسفة التي عدّها الإنجازالحقيقي للنقد([23]) ” ، وبذلك اشتركت لحظته الفلسفية باللحظات الفلسفية السابقة على صعيد التبني أو النقض ، وكما هو موضح في المخطط الآتـي :

ت اللحظة الفلسفية نوع التأثر صفة التأثر ميدان التأثر
1 اللحظة الديكارتية الكوجيتو

 الإله

 –

إرادة القوة

 موت الإله

2 لحظة سبينوزا فكرة الإله

الإلحاد

+

الإنسان الخارق

موت الإله

3 لحظة لايبنز المونادة + الإنسان الخارق
4 اللحظة الكانتية نقد العقل

الأنا النقدية المتعالية

+

+

الإنسان الخارق

إرادة القوة

5 اللحظة الهيجلية الديالكتيك

التاريخ

+

+

إرادة القوة

إرادة القوة

6 لحظة شوبنهاور إرادة الحياة

فعل التدمير

+

+

إرادة القوة

الإنسان الخارق

7 اللحظة الداروينية الانتخاب الطبيعي

الصراع من أجل البقاء

+

العَود الأبدي

إرادة القوة

8 اللحظة الماركسية صراع الطبقات

إنكار الإله

+

+

إرادة القوة

موت الإله

وتتضح أفكار نيتشه من خلال فعل الحياة القائم على الهدم والبناء ـ بمعنى موت مجموعة أفكار وولادة أفكار أخرى ـ ثم الجنوح نحو المطلق لاستمداد القوة والتغلب على الضعف الفطري ، بمعنى خلق عناصر القوة من داخل النفس الإنسانية بمعزل عن اللجوء إلى الميتافيزيقيا ، ولهذا التقى نيتشه في أسلوب البحث العلمي عن القوة والإرادة مع ( زاردشت  Zarathustra ) ، ( – حوالي 1000 ق . م ) ، ولكنن اسلوب البحث كان مختلفاً ، حيث طلب زاردشت ـ للوصول إلى منزلة الإله ـ التعاونن والتقوى والتناغم والانسجام والتآلف والنظر المستمر في الطبيعة ، والاشتراك مع ( الإله ) في جهاد الشيطان ، أما نيتشه فقلب معادلة تلك المطالب ودخل في مؤامرة يشترك فيها الشيطان مع الإنسان ضد ( الإله )([24].

وبالرغم من ذلك فقد اتخذ نيتشه من زاردشت شخصية يعبر بلسانها عن فلسفته الجديدة القائمة على العيش في حرب دائمة ، وأنّ جميع أصناف الآلهة قد ماتت ، وحلّ محلها الإنسان الخارق المتصف بالهدم لا بالخلق ، وبحكم السادة لا بحكم العبيد ، وأنّه يجب أن يكون متفوقاً في الشر حتى يكون متفوقاً في الخير ، فضلاً عن تحطيم كل الحقائق ، فهي لا تمثل سوى نُكات يتسلى بها القطيع ـ المجموع ـ ، وأنّ القسوة هي مبدأ الحياة الأول ، وأنّ القطيع يمارسون تنازعاً أبدياً لأجل البقاء انطلاقاً من أنّ القوة هي الحق الوحيد ، والعالم كما صوره نيتشه : معمل ضخم تُباد فيه أطنان عديدة من النفايات كي تُنتج أوقية من الذهب([25]).

لقد أراد نيتشه رفع القيود عن العقل والخروج من عالم المعقول إلى عالم اللامعقول ، والبحث عن الأفكار في النصوص الثورية ، فضلاً عن احتواء اندفاع الإنسان وتطلعاته وتوظيفها نحو النزعة العدمية والوصول إلى محطة اللإانتماء ، والتركيز بشكل مستمر على سلطة الإنسان الخارق وصحوة انفلاته من الإله ، والحرص على إبقاء تلك الصحوة ، وضمان عدم رجوعها إلى ملكية الإله وإلى حقل الميتافيزيقا .

وقد رأى نيتشه أنّ البشرية مصابة بمرض ( عجز الإرادة الحرة ) وهذا العجز سببه عدم الاتصاف بصفات الإله ، والمطلوب الخروج ـ حسب نيتشه ـ من ذلك العجز بإرادة قوية وتفتيت الوهم الميتافيزيقي([26].

حاولت فلسفة نيتشه تغيير مسار العقلانية الأوربية من خلال فتح المجال أمام اقتحام      ( الخطوط الحمراء ) في كلّ شيء ، فلم يعد هناك شيء مقدس ، ولم يصمد الفكر الموروث والكلاسيكي أمام التظاهرة الفلسفية النيتشوية ، ولهذا لم يتجاوز الفكر الغربي الحديث أفكار نيتشه بل وضعها في ميدان التطبيق ، ولاقت تلك الأفكار استحسان الأوساط السياسية والسلطات التنفيذية والتشريعية ، ويمكن تحديد أثر فلسفة نيتشه في الصعيد العالمي من خلال جانبين :


الأول : أثر فلسفة نيتشه في الفكر العالمي بشكل عام .

الثاني : أثر فلسفة نيتشه في المناهج النقدية المعاصرة .

إنّ الجانبين كلاهما ذو مساحة عريضة لأنهما يتناولان مفردات عدة وفي سنوات طويلة ، لكن البحث في هذا الموضع هدفه الإجمال والانتقاء ، فعلى صعيد الجانب الأول أثرت فكرة  ( موت الإله ) بشكل واسع وكبير في الأوساط الفكرية العالمية بحيث ” لم يعد يوجد في الغرب تيار فكري أو نظرية مهمة ومؤثرة في أي من الحقول المعرفية تقول بوجود ( الله ) فتيارات الفكر الغربي الرئيسة أو فلسفاته ونظرياته في العلوم الإنسانية وغيرها ذات شخصية علمانية ( Secular ) بالدرجة الأولى ، وهذهه الشخصية العلمانية هي التي بدأت تسيطر على الحضارة الغربية ككل منذ عصرر النهضة ، وقد أصبحت في عداد البدهيات التي لا تحتاج إلى ذكر …”([27].

والثقافة الغربية التي ورثت خطيئة نيتشه بحكمها على ( الإله ) بالموت ، وانطلقت لتشكيل المشهد الفكري العالمي افترضت اسطورية الأديان ، ثم وهمية المفاهيم والقيم التقليديـة ، وأصبح المعيار الرئيس في عالم خالٍ من الألوهية والمقدسات هو مقدار الفكر
( المتفتح ) من التخلص من آثار الميتافيزيقيا ( المنغلقة )([28]) ، التي كانت تسهم في رسم انحدار الإنسان نحو التخلف والجهل ـ حسب نيتشه ـ([29]) ، فبموت ( الإله ) ستسقط المثالية  (  Idealism) وترتفع العدمية ، وستسمو معالم التجاوز والرفعة والتعالي العدمي الذي يعمل على تجريد القيم العليا من وظيفتها([30].

لقد قدّم نيتشه للفكر الغربي حلولاً عدة تبدأ من التخلص من هيمنة اللوجوس ( Logos ) وصولا إلى تمزيق الأقنعة التي تخفي وراءها الزيف ، للوصول إلى اللانظامم ، واللاحقيقة ، واللإانسان ، واللإانسجام ، وخلخلة مركزية العقل الأوربي التي مثلتت شرعية هيمنة اللوجـوس ، ومسوغأ لتهديد سلطات اللاهوت([31]) ، وانتهاء باستسلام العقل للاعقلانية الجديدة
التي يطرحها نيتشة لأنها ـ كما يرى ـ هي الأضمن لتطور الإنسان وسيادته ، وهي التي ستقوده إلى إرادة العدمية ” فالإنسان يفضل أن تكون له إرادة العدم على أن لا تكون له إرادة بالمرة “([32].

أراد نيتشة الحطّ من قيمة الميتافيزيقيا للوصول إلى مصارعة الميتافيزيقا ، لكنه انشأ في الوقت نفسه ميتافيزيقا خاصة به اتسمت ببعد الخيال ، والبناء على أسس وهمية ، والتحرر من كل القيم والأخلاق ، وعدّ الإله مجرد ابتكار ، اخترعه الإنسان ليقيّد نفسه به([33]) ، فعلى الإنسان ـ  حسب نيتشه ـ أن يخلع عنه براءته ويعلن إلحاده ، لانّ الإلحاد يحرر من البـراءة ، وينتصر للغرائز ، ويفجّر إرادة القوة ، وعندما نجحد الإله ـ يقول نيتشه ـ ننقذ العالم ونصوغ مملكتنا الجديدة ([34].

وبهذا وضع نيتشه العالم الغربي أمام خيارين بقوله : ” إما أن تلغوا مقدساتكم وإما أن تلغوا أنفسكم … “([35]) ، ثم يختار طريقه هو بالقول : ” إنّ العدمية هي الكلمة الأخيرة ” .

إنّ كل ما ينتجه العقل من مفاهيم وأنظمة فلسفية وعلمية هو ـ حسب نيتشه ـ مجرد تأويلات وأوهام تتحول تدريجيا إلى أصنام (Idoles   ) ، وأنّ ( إرادة القوة ) هي الكفيلة بالتصدي لتلك الأصنام وتحطيمها ، ولا يشكل العالم وفقا لذلك إلاّ مسرحاً تتخذ منه إرادات القوى وسطاً لصراعاتها ، للوصول إلى قوة أكثر قدرة على تفعيل سلطتها ، انطلاقا من قانون التطور المؤدي ـ حسب نيتشه ـ إلى الخلاص([36]) .

لقد بلغ نيتشه مرحلة ( التشريع ) عندما أباح لنفسه صياغة إلهٍ جديد يحل محل الإله المقتول ، الذي قتلته عدمية الديانات ، والإله المقتول يصوره نيتشه على أنّه إلهٌ مزيفٌ صنعه الرسل والكهنة والقديسون ، والإله البديل الحقيقي يتجلى في الإنسان الخارق ( السوبرمان )([37]) بمعنى أنّ نيتشه عَمد إلى تأليه الإنسان وإعطائه دوراً لا يستحقه من انتزاع ملكية السلطة الإلهية ، وأنسنتها للوصول إلى المُبتغى النيتشوي في سيادة الواقع والتحكم فيه .

أما على الصعيد الأخلاقي ، فما طرحه نيتشه قد لاقى آذاناً صاغية في الفكر الأوربي ، فالخُلق النيتشوي المطروح هو خُلق الانحطاط وتبني الشرّ ، والانعتاق من التقاليد والأعراف والدفاع عن نموذج البشر ، الذي لا يحتاج إلى غفران السماء بعد الآن                       ـ حسب تعبير نيتشــه ([38])ـ ، بل إنّ النموذج الجديد يجب عليه أن يُؤسِس أخلاقه انطلاقا من الانفصال عن المعطيات اللاهوتية والقيام بعملية عزل الإله واستلاب قدراته وصفاته ، ومنحها للإنسان الجديد ، ورفع شعار إنّ كلّ شي مباح ([39])، ولا توجد عوائق بين رغبات الإنسان وبين القيام بها أيّاً كانت .

وقد ربط نيتشة هذه المسألة بزوال الإله ، لان هذا الزوال سيقتضي انبعاث فلسفة خلقية جديدة ذاتية الطرح ، وإلحادية المنشأ ، ومثالية التوجه ، وعدمية المسيرة ، وانحلالية الهدف .

إنّ مشكلة الأخلاق عند نيتشه هي مشكلة الحقيقة والتطابق مع إرادة القوة ، بوصفها الجوهر الوجودي المتمثل بالموجودات ، إنّها مشكلة غُربة المثال مع الواقع ، ومشكلة انهيار القيم العليا وتفكك القيم القبلية ، إنّها مشكلة النقد الجذري للضياع ، ونكران إنسانية الإنسان([40]).

وتأثير نيتشه في معطيات المفاهيم النقدية المعاصرة كان نشطاً ، إذ مارست فرضياته مهمة تحديد الهوية ( Identity ) النقدية الجديدة ، وتحقيق السيطرة علىى عمليات التحول التي تطال مسيرة النقد العالمي ، وقد عمدت هذه المسيرة إلى إنشاءء شبكة تضم عدداً من النقاد ، أُنيطت لها مهمة تحضير الأفكار النيتشوية ، وتكييف كافة الجهود النقدية لتمثلها ، وتأهيلها لتكون سنداً للطرح النقدي المعاصر ، فضلاً عن إقامة هيئات ومدارس تتبنى البيانات النيتشوية وتحولها إلى واقع نقدي تطبيقي .

إنّ تلك المحاولات لم تتسم بالتعميم الساذج أو السهل ، بل تَطلُبُ جهوداً كبيرة في تحضير وترويض الرأي النقدي العالمي واتخاذ التدابير اللازمة لافرازات تلك الجهود التي حاولت تحسين المعطى النقدي لضمان تداوله ، لأن عملية التحول الجريئة الحاصلة في معطيات المناهج النقدية بشكل عام ، وما بعد البنيوية بشكل خاص ، فرضت اعتماد الصيغ النصية وابتعدت بل تجاهلت الصيغ الميتافيزيقية ، وسهلت عمليات دمج الآراء لمحاربة السياسة النقدية المضادة كما حصل عند رواد مدرسة تيل كيل الفرنسية ، أو مدرسة ييل الامريكية .

ومن البوادر المهمة والخطرة في الوقت نفسه التي انبثقت من تبني الطرح النيتشوي في النقد المعاصر هي : العلمانية ( Secularism ) التي تشير في الأصلل إلى فصل الدين عن الدولة ، وهي ظاهرة كامنة في كل المجتمعات ، فالأشياء والظواهر والأفكار المحيطة بهذا العالم تجسد نموذجاً حضارياً متكاملاً ، وتستند إلى رؤية شاملة ، وهي تمثل عمليات علمنة بنيوية ، لأن سمات المُنتج الحضاري أو الأفكار أو التحولات التي تُولد العلمانية هي جزء عضوي لا يتجزأ من بنية هذا المُنتج المادي الذي لا قداسة ولا ضمان فيه لأي شيء ، عالم خالٍ من المعنى ، لا قيمة فيه ولا غاية ، لا كليات فيه ولا مطلقات([41]) ، وبهذا أرادت العلمانية إقامة اتحاد ( Confederation ) مع الإله الجديد ( الإنسان الخارق ) لإزاحة المعنى المعياري ، وهيمنة القيم النفعية ، وتعطيل نماذج الطرح الميتافيزيقي والديني الكنسي .

إنّ المعطيات النيتشوية مغرية بالتبني بالنسبة للنهج النقدي المعاصر ، لأنّها تمثل نظرية في القيم ، فاللاحقيقة التي أشاعها نيتشه تحمل قيمة أكثر مما تحمله الحقيقة نفسها ـ بالنسبة للنقد الحديث ـ ، لأن الإنسان هو الذي يخلع القيمة على الأشياء ويحددها ويضفي عليها المعنى ، فالقيمة النيتشوية تمليها الإرادة التي لا قانون لها إلا ما تضعه وما تخلقه من قوانين لنفسها([42].

وبفضل القيمة النيتشوية استطاع النهج النقدي المعاصر من اكتشاف إبداعية المفاهيم بعد أن تحرر من سلطان المفارقة الغيبية وانخرط في تشكيل مدارات الطرح المعاصر وفلسفته التي تمثل بشكل عام فن تكوين وإبداع وصنع المفاهيم([43].

وبهذا تكون القيم المتوارثة عبارة عن تأويلات فُرِضت على الأشياء ، مما جعل الدلالات تمثل نسبة معرفية تختلف باختلاف المنظور ، وتتسم الحقائق بأنّها أوهامٌ ، وأثرٌ لإرادة القوة والسلطة بمعنى أنّها قيمٌ مفعولة لا فاعلة([44].

ويتسم التعامل النقدي المعاصر مع القيم النيتشوية بما يأتي :

  1. توظيف تعددية تلك القيم لصالح توازن التحليل النصي .
  2. توسيع مجالات التوظيف لتشمل قطاعات أخرى تستفيد من الطرح النقدي ، وامكاناته من الناحية العملية .
  3. تطوير وإنشاء خطط لمعالجة الطرح النقدي التقليدي المعتمد على خارجيات النص ، لتنظيم عمليات التقارب بين النص والمتلقي ، بمعنى تفعيل عملية القراءة .
  4. ظهور مؤشرات أساسية تؤكد صلاحية الطرح النيتشوي للمسيرة السياسية المعاصـرة ، وهذا يقود إلى توسيع المؤشرات النقدية في تبني ذلك الطرح.

ويمكن القول أنّ الطرح النيتشوي قد أسس لمرحلة ما بعد النيتشوية من خلال تبني نقادها له ، لا سيما جاك دريدا الذي استمد صورة تفكيكيه من الهدم النيتشوي ، وحمل الجهاز الدلالي له ، إذ دشن نيتشه فجر التفكيك بعملية طالت العقلانية السائدة ، وراجعت فرضياته تاريخ الميتافيزيقيا لتصفيتها والكشف عن منابع قيمها ، وكل ما أنتجه العقل البشري راغباً في الوصول إلى الجذور لتفتيتها ، وبناء أسس جديدة تصل حدودها القصوى بالإعلان عن        ( موت الإله ) وتعرية كل التأويلات وتمزيق وإطاحة صنمية المفاهيم الكبرى ، وهذا تحديداً ما فعله دريدا في الطرح النقدي لما بعد البنيوية([45].

وما فعله دريدا فعله فوكو أيضاً فمنهجه الحفري طال كل التأويلات والمفاهيم الرئيسة التي بُنيت عليها اليقينيات القديمة ، وحاول تأسيس إمكانية قيام تأويل جديد ، للكشف عن عالم مغلق من الاستعارات ، وتفكيك الجهاز المفاهيمي المثالي الذي ينهض على العقل والحقيقة([46].

لقد وصلت النيتشوية الهدمية إلى كلّ أركان وأسس النقد المعاصر انطلاقا من دريدا وبارت وفوكو وريكور وصولاً إلى دولوز وتودرورف الذي أعلن تبنيه للطرح النيتشوي بقوله ” نحن ندرك أننا لم نعد بحاجة إلى أخلاق … كل شيء مباح لأننا جربناا نتائجها “([47]) ، في حين ذكر الناقد الفرنسي ( شاتليه ) أنّ المسار النقدي العالمي اليوم آيلٌ إلى العدمية إلى اللاشيء ، وإلى إفراغ الإرادة من كل جوهر ، وتحويل القدسية إلى سلسلة من الإجراءات والفن إلى تركيبة من الوصفات ، والحكومة إلى نظام من التهديدات ، والفلسفة إلى مجمل من البيانات ، والأخلاق والعلم إلى شبكة من المعتقدات ، وذكر أنّ عمليات التحول تلك ليست بريئة ، وأنّها تقترن بتنظيم معين لإخضاع الإنسان ، وإحلال قيم تقود إلى استعباد الفرد([48]. لقد أصبحت الحقيقة مع تبني الطرح النيتشوي عبارة عن سلسلةِ تأويلاتٍ تُوظف شبكة من الاستعارات ، وتستخدم فنون عدّة واستراتيجيات ، وممارسات قوة مختلفة ، ونقداً             لإبستمولوجيا المعنى والحقيقة([49].

وعدّ ( لوفيفر ) العدمية النيتشوية بوصفها اختباراً جذرياً تعلن عن مستقبل جديد ، وتتسم بفقدان البراءة ، وتراكم التناقضات والنزعات الدوغمائية ، واللجوء إلى السلطة ، وإباحة الاستلاب ، وتوسيع الحضارة بعد تلاشي جوهرها السامي([50].

وقد كان النقد المعاصر أمام صنمين من أصنام نيتشه الأول هو ( العقل ) والثاني هو


 ( الإله )([51]) وكما أنّ إرادة الحياة والقوة عند نيتشه كانت كفيلة بإسقاط صنميه بالنزوع نحو السيادة والتوسع والالتزام ( بلا أخلاق وبلا معيار وبلا تحديد ) والسعي دائماً وأبداً نحو التشامخ والتعالي والحطّ من قيمة الآخرين([52]) ، كذلك كان النقد المعاصر الذي اتجه صوب إزالة بعض المفاهيم النقدية المرتبطة بمحيط النص والانتقال من الخلاف حول وظيفة الدليل المتحصل من التحليل النقدي للنص ، وعلاقته بالدال والمدلول إلى تفعيل الدال وتعدد المدلول ـ مع بارت ـ ، وإلى تفعيل الدال وتوالده مع غياب المدلول ـ عند دريدا ـ ضمن ما يصطلح عليه بـ( نظرية اللعب ) وسيأتي بيانها في الفصل الثاني .

ثانياً : معطيات فلسفة الظاهراتية :

تشكل الظاهراتية ( Phenomenology ) انعطافاً فلسفياً وحيوياً في مسيرة التفكير الأوربي الحديث ، لأنها قدمت استشهادات معرفية للإنتماء والإنفتاح علىى الكينونة ، ومارست دورها ( النموذجي ) في المساهمة بحلِّ إشكالية المتتاليات المنهجية الواقعة بين سلطة اللوجوس ( Logos ) ، ونظام الميثوس  ( Muthos )) وذلك بإقامة علاقات دلالية يتكفلها التاويل ، ويكون مقياسها المنهجي معتمداً علىى ماهية الظاهرة ( Phenomena ) المتطورة في سلم أولويات الوجود الإنساني ـ عنن الوجود ( Being ) .

وتأتي ولادة الظاهراتية في مرحلة حرجة من تطور المناهج الفلسفية الغربية التي لم تدخر جهداً في خلق الأزمات المعرفية ثم تقديم وإبداع حلولٍ لها ، والبحث عن بدائل عقلانية متجددة دائماً مع مقتضيات وتوجهات التطور المفاهيمي الذي يشهده الفكر العالمي .

ويتصيّد البحث هنا أهم الأسس والمعطيات التي أسهمت بها الظاهراتية في رفد معطيات ما بعد البنيوية على الصعيدين الفكري واللغوي ، أما المعطيات التفصيلية والعامة للظاهراتية فلن تكون مدار البحث ، وقد درست ذلك كتب كثيرة ومتنوعة([53].

يمكن إجمال الحديث عن أهم معطيات الظاهراتية بما يأتي :

( منزلة الوعــي ، وقيمــة الإدراك ، مفهوم القصديـة([54]) ،  مفهوم المعنــى ) .   

وهذه المعطيات مترابطة في نظام فكري ، ينطلق من إيمانه بعدم وجود أشياء تكتسب الثبوت ، إنّما هناك متاهات عدّة يحاول الوعي بإدراكه وقصديته من الوصول إلى كُنهها ، وتأكيد حصر المقاييس الحسية التي لا تملك قراءات دقيقة حول تفسير الظواهر .

وبهذا امتازت المنهجية الظاهراتية بالبحث الدائم عن ( الوجود ) وتفسير شروطه وشرح وفهم تشكيل تجربته ، والذهاب إلى ما بعد الظاهرة  ( Post-Phenomen  ) لتقديم التأويل المناسب المُنفتح على الذات([55]).

ويمكن قراءة خطة الظاهراتية ودورها في تفعيل مسيرة ما بعد البنيوية من خلال معطيات عَلمين من أعلامها هما : أدموند هوسرل  ( – 1931 ) ومارتن هيدجر ( – 1976 ) ، ثم فحص تلك القراءة من خلال أثرها الكبير في انبثاق نظريات الاستقبال والتلقي التي تماشت وغذت مسيرة النقد المنهجي لما بعد البنيوية .

مثّل هوسرل الشخصية البارزة والمؤسِسة بشكل منهجي للظاهراتية ، حيث عَمد إلى فتح التأمل الفلسفي على حقل الظاهراتية ، مبتدأً من الكوجيتو الديكارتي ، بحيث أصبحت قراءة الظاهراتية صيغة جديدة للكوجيتو ، وفلسفة من فلسفات الذاتية والحضور([56].

لقد كان الجدل قائماً بين القصدية والوعي عند هوسرل وبين مفهوم الكوجيتو الديكارتي ، حيث رفض هوسرل مفهوم الوعي عند ديكارت بوصفه تفكيراً انطلاقاً من ( أنا أفكر إذن أنا موجود ) لأن ذلك يُغيب القصدية المتجِه نحو المستقبِل أو ( المفكرَّ فيه ) ، بمعنى أنّ الوعي عند ( ديكارت ) يتطلب ( عملية التفكير ) حسب ، للوصول إلى المُبتغى المعرفي ، أما الوعي عند هوسرل فيتطلب ( عملية التفكير ) أيضاً مُسنِداً لها طرف ( المفكرِّ فيه ) لتتم وظيفة وخصوصية ( القصدية  Intentionality ) هذاا من جانب ، ومن جانب آخر حاول هوسرل ترميم الكوجيتو الديكارتي من خلال وضعع حدود فاصلة بين الأنا المتعالية ، الترانستالية :    ( Transcendental ) ، والأناا النفسية ، التجريبية : ( Empiricism ) لغرض تأسيس اليقين المعرفي على الأناا المتعالية ، التي تُعدّ الشرط الضروري لكل معرفة أو تجربة([57].

إنّ الكوجيتو الديكارتي يتضمن الانتقال من مرحلة الشك إلى مرحلة اليقين ، بمعنى الانتقال من الوعي في مرحلة التفكير اللامستقر ، إلى الوعي في مرحلة التفكير المتيقن ، أما المفهوم الهوسرلي لهذه العملية فيقتضي الانتقال من مرحلة التفكير السليم ذي الخبرة المعرفيـة ، إلى مرحلة التفكير الواعي القصدي المُميز للشعور ، وبهذا يمكن القول أنّ       ” الكوجيتو عند هوسرل يدور في جوهره على الوصف والتحليل وحدس الماهيات([58].

وقد حدد هوسرل طبيعة الدرس الظاهراتي بوصفه نظرية لدراسة المعاني والماهيات ، وطوراً جديداً من أطوار دراسة الأنا القصدي المتماثل مع الصياغات الإدراكية للمعنى بوصفه وحدة([59].

إنّ المعرفة الحقيقة التي تحاول الظاهراتية تقديمها للعالم تكمن في تحليل الذات في لحظة تعرفها على العالم ، بمعنى تحليل الوعي الذاتي وقد استبطن الأشياء بوصفها ظواهر ، لأن الوعي ـ عند الظاهراتية ـ لا يكون مستقلاً ، وإنّما هو ( وعي بشيءٍ ما ) لذلك كانت مهمة تجريد الوعي من أي مظاهر قبلية سمة أساسية في النقد الظاهراتي ، فالتحول من النومين    ( Noumena ) – خارج الذات ، إلى الفينومين (( Phenomena ) – الظاهرة ، هو تحولٌ في الفعل الواعي القصدي ، وانتقال ( الأنا ) من صفة التعالي ( المظاهر القبلية ) إلى صفة القصدي ( مظاهر الشعور والإدراك ) ، وقد أفرزت هذه المعطيات رؤى نقدية ومنهجية تجاه دراسة النص ( Text ) بوصفهه مشروعاً دلالياً وجمالياً لا يأتي كاملاً من مؤلفه ، ويكتمل بالقراءة الواعية المدرِكةة والنشطة التي تملأ الفجوات ( Gabs ) وتسد الفراغات ( Blanks ) في النظام النصيّ([60].

إنّ المعرفة الظاهراتية السابقة تقتضي اختزال العالم بما يسمى بـ( الاختزال الظاهراتي ) الذي يقتضي إهمال الموجودات خارج نطاق تجاربنا الواعية ، ثم اختزال العالم الخارجي بما يتوافق مع مضامين شعورنا وحده ، بمعنى التعهد ـ بشكل أو بآخر ـ على إنشاء علم للذاتية يقتضي رؤية العالم حسب افتراض الذات أو قصيدتها ، وحسب فهمها وتعلقها بالشيء ، وبهذا أعادت الظاهراتية للذات المبدعة شرعيتها ، ووُصِفت بأنّها مصدر كل المعاني .

لقد حاول هوسرل الابتعاد عن الانقسام الفلسفي المتوارث بين الذات والموضوع ، وما يرتبط به من انفصال بين الأنا المتعالية والأنا التجريبية ، فضلاً عن إلغاء الثنائية التقليدية بين الذات والعالم ، وإقامة مصالحة معرفية بين جانبي الأنا ( المتعالي ، والتجريبي ) وبذلك تحولت الفلسفة عند هوسرل من فلسفة للوجود إلى فلسفة لتعميق الوعي ، وتحول التحليل الفلسفي عنده من البحث عن تجربة المعنى إلى إدراك المعنى بتصور قصديّ ، بوصفه المضمون الظاهري للوعي([61].

ويمكن إجمالاً تقديم أهم المعالم المنهجية لفلسفة الظاهراتية عند هوسرل ، وكما يأتي :([62]

1 ـ ارتباط الوعي بمضمون الظاهرة في إطار مفهوم القصدية .

2 ـ تحديد العلاقة بين الذات والموضوع ، الذات تمثل علّة القصدية ، والموضوع يمثل غايتها .

3 ـ القصد الظاهراتي للنصوص هو إعادة بناء لها .

4 ـ تُشكل القصدية عملية ترقب شعوري مستمر ، وعملية ربط وتأليف ، وعملية توضيح ومنح هوية .

5 ـ تتيح الظاهراتية قراءة جوهرية للأشياء .

6 ـ تمنح القراءة الظاهراتية تجريد ( الأنا ) من مظاهرها النفسية .

7 ـ الأشياء لاتمثل ذواتها ، إنّما تعكس قصدية الوعي وفعل الإدراك .

8 ـ تسهم القراءة الظاهراتية بتحويل النص إلى تجسيدٍ لشعور المبدع وفهم كل سماته.

9 ـ يُؤكد البناء النسقي للظاهراتية على أنّ العلم الكلي اليقيني ممكن التحقيق ، وهو ضروري لتقديم المعرفة الإنسانية ، فضلا عن أنّ الشعور هو المجال المحايد للمعرفة اليقينية وليس الموقف الطبيعي أو المثالي ، وأن ( الأنا ) المتعالية هي أساس اليقين ، وعدّ الذات الإنسانية مصدر كل يقين .

10 ـ نتيجة البناء النسقي للظاهراتية تأسيس العلم الكلي وفقا لمعايير اليقين الثابت .

أما معطيات ( مارتن هيدجر ) فتُمثل فرضيات مهمة في تفعيل المعطيات الظاهراتية بشكل عام ، ومعطيات ما بعد البنيوية بشكل خاص ، وتأتي أهمية هيدجر من خلال عمله في توسيع دائرة البحث الوجودي ، وتقديم مسوغات معرفية ، لإعادة التوازن للمعتقدات الفلسفية التي تُعدّل طبقا للضرورات السياسية([63]) .

ويتمثل مشروع هيدجر الفلسفي بتعديل مهم لمعطيات هوسرل على صعيد  ( الوعي ) في علاقته بالعالم ، حيث نقل هيدجر المشروع الظاهراتي من دائرة ( المعرفة ) إلى دائرة       ( الوجود ) ، بمعنى نقل مركز الثقل الظاهراتي من الوعي في علاقته بالعالم إلى الوجود الإنساني في علاقته بالعالم([64]).     

ولم يعد الوعي والقصدية يشكلان حيوية منهجية عند هيدجر لأنّهما أُستبدِلا بتصور فكري آخر انبثق من فلسفة تقدمية تتجاوز الموروث الميتافيزيقي الغربي ، وتتجه نحو تحليل مواطن القوة فيه مُركزا على هوية الكينونة ، ورصيد الوجود (Being  ) وموقع                    ( الدزاين =    الوجود ـ هناك : Desine = being – there ) ، هذه المفردات الثلاث تشكل مسيرة الذات العارفة حال دخولهاا عقلانية العالم ، وحال استدعائها لتفتيت العقلانية الغربية الموروثة وبناء عقلانيةة جديدة منبثقة من كينونة الحدث ، ومن ممارسات الفعل المُمركز المسيطر على كل مظاهر النشاط الإنساني .

لقد حوّل هيدجر العملية الفلسفية المبهمة ـ نوعا ما ـ في الظاهراتية عند استاذه          هوسرل إلى مسلكٍ جديد في التفسير أطلق عليه ( الظاهراتية المُفسِرة ) التي ارتكزت بشكل أساس على ( تفسير الكينونة ) بدلاً من وصفها ، وعلى هذا فُسِرت اللغة عند هيدجر بوصفها الوجود المُمحوِر لذاته ، والسابقة للفرد ، والمشتملة على الحقيقة ، وقد أعطى هذا المسار دفعاً مهماً لمنهجية ما بعد البنيوية ، لأنّ التركيز كان منصباً على موقع الوجود نفسه ، وتنظيمات كينونته ، لا على موقع الفرد ومعطياته([65].

ولا شك أنّ معظم الطرح النقدي الحديث أخذ مجمل ممارساته المنهجية ـ بشكل أو بآخـر ـ من ظاهراتية هيدجر على صعيد : اللغة ، والنقد ، والأدب ، والثقافة العامة ، ومن أبرز من تأثر به بشكل مباشر : بارت ( ـ 1980 ) ، وفوكو ( ـ 1984 ) ، ودريدا([66].

لقد وضع هيدجر مسيرة التواجد الإنساني في سياق الوجود الواسع ، مستمداً الوجود الإنساني من الوجود العام للحياة ، محددة مصطلحات ثلاثة للوجود هي([67]) :

1 ـ الوجود المُتعين   :       Dasein ، يستخدم للدلالة على أنواع متعددة من الوجود .

2 ـ  الوجود التقليدي :   Existential ، وهو الحضور والتواجد المباشر .

3 ـ الوجود البشـري :     Existent ، وهو المحدد الأساس للكينونة .

وينصب تركيز هيدجر على الوجود المتعين لأنّه الأشمل ، ويتضمن الوجودين الآخرين ، ومن خصائص هذا الوجود الممنوحة إلى الوجود الإنساني([68]) :

1 ـ الطابع المتعالي .

2 ـ التفـــــرد .

3 ـ الارتباط الكبير بالذات .

وانطلاقا من ذلك حددّ هيدجر في مقالته ( نهاية الفلسفة ) الحيوية الدلالية والمعرفية لتبني مفهوم الإنسان الخارق عند نيتشه ، هذا المفهوم الذي يؤكد ضرورة بقاء العالم والحياة من خلال نشاط هذا الإنسان الذي لا يلجأ إلى استعانة غير المنظور ( الإله ) بل يحكم على وجوده المفترض بالجزئية الغائبة ، لانه بصفته تلك سيمنع الإنسان طاقة التحرر ، وسيتحكم في مقتضيات وجوده ، وسيمارس بالتالي عدميته التي سعى لها ، لانّ العدمية بحد ذاتها ـ حسب هيدجر ـ تمثل وجوداً لا قانون لها ، ولا ضابط يحدوها ، ولا معيار يملي عليها مسيرتها الفكرية([69]).

إنّ الفردية ( الكينونة ) التي دعا إليها هيدجر تندرج ضمن سياق العدمية الموروثة عند نيتشه ، وهي تماثل ـ حسب هيدجر ـ غائية التوجه المعاصر ، لأن الكينونة والعدمية يتآلفان بشكل تبادلي ـ حسب ما قرره هيدجر ـ والكينونة نفسها هي متناهية في جوهرها ولا متناهية في ماهيتها ، ولا تكشف عن ذاتها إلاّ عن طريق التعالي على الواقع الوجودي ، ولهذا حاول هيدجر عقلنة الميتافيزيقا من خلال عدّ سؤال الكينونة هو السؤال الشامل لها انطلاقاً من القول أنّ الواقع الإنساني لا يمكنه إنشاء رابط مع الموجود إلاّ إذا احتجز نفسه داخل العدم([70]).

وقد أسهمت التحولات العقلانية الأوربية ومعطيات اللاعقلانية النيتشوية في نضج الطرح الهيدجري في نواحٍ كثيرة انطلاقا من اللغة والثقافة والفن ، ووصولاً إلى تحديد الخطاب الفلسفي الذي اهتدى إلى علّة الوجود ومحور الكينونة ، ويرى أنّ الفكر الفلسفي الأوربي لم يكن ليُقدم فرضياته لولا رسالة تبني ( مبدأ العلة ) في كل شيء ، وتمثل سلطة ( العلة ) مُوجِهاً في عملية تفريغ القضايا وتوفير الحجج وتعدد البراهين ، وبفضلها ستستمر مسيرة العالم في العصر النووي في ظل طرح نيتشه عن موت الإله ، وبهذا يكون مبدأ العلة الهيدجري هو تصور عقلاني ، ومشروع فكري متكامل([71].

وينبغي تصور خطورة الطرح الهيدجري إذا عُلِم أنَ مشروع هيدجر يطال بنية العقلانية بشكل أساس من خلال توجهه إلى توزيع المهام والمسوغات المعرفية المتبناة من مَعين المشروع النيتشوي المتمثل بـ( إرادة القوة ) التي أُريد لها أن تكون الطابع الأساس للكائن  و( العود الأبدي ) الذي يُشكل التعيين الأعلى للكينونة ، والإنسان الخارق الذي يتجاوز حدود سلطة الإله ليعلن أنّه المُستولي على سلطته ، وبهذا تحددت طروحات ما بعد النيتشوية        ( Post-Nietzschean ) بالمشروعع الهيدجري الجديد المتمركز على أسس ثلاثة ([72]):

  1. إرادة الاقتـــدار .
  2. العود الأبدي للذات .
  3. التجاوز القيمــيّ .

إنّ طروحات ما بعد النيتشوية التي أطلقها البحث هنا تصدق على معطيات هيدجر الذي ارتدى مشروع نيتشه وحوّله إلى فِكرٍ متقدٍ ذي فاعلية تُوصف بـ( الصيرورة ) ، حيث حولت هذه الصيرورة التراجيديا النقدية التقليدية إلى ( ميلودراما ) يختلط فيها الرصيد الحقيقي بالرصيد الزائف ، وتشتبك فيها المفاهيم حتى تصل إلى قلبٍ للمعطيات ، وإزاحةٍ للثوابت ، وتدميرٍ للتطرف ، واستغلالٍ لمواطن الخلل في العقلانية المعاصرة ، وسيكشف البحث في الفصل الثاني كيف أُفرغت تلك الطروحات في مصب ( دريدا ) النقدي ، وكيف تحولت تلك المعطيات من ممارسات خطابية فلسفية إلى مؤسسات جمعية وخلايا للعمل وللإبداع على صعيدي النقد والسياسة .

إنّ الأسلوب الفكري لنيتشه ـ ومن بعده هيدجر ـ يريد إعادة تقويم للحياة وللوجود من خلال العمل على تفعيل العلاقة بين إرادة الاقتدار والعود الأبدي للذات أولاً ، ومن خلال قلبٍ للقيم الكلاسيكية ثانياً ، وعملية التفعيل هذه لا تفهم إلا من خلال العدمية والقبول المطلق للحياة وللذات وتأكيد النفي والهدم والمعاناة ورسم مأساة جديدة تُشعرنا بشكل دائم بتأنيس العالم أي : الشعور بسيادته ([73]).

لقد وُصفت اللحظات النيتشوية والهيدجرية بأنّها لحظات إيجابية لإعادة بناء الفلسفة الأوربية بعدما مرت بحالة جمود فكري مع المثالية والموضات التي تبعتها ، هذه اللحظات تأرجحت بين إعلان العدمية وهوية المسيرة الإنسانية ، وبين إشكالية العود الأبدي وإشكالية الميتافيزيقا ، هذا التأرجح هو الذي خلق طرح نهاية التاريخ وتحولات ما بعد الحداثة والحركة المضادة المتمثلة بطرح ما بعد الاستعمارية ، والحركة النقدية المتمثلة بما بعد البنيوية ، من هنا اكتسبت اللحظة النيتشوية والهيدجرية شرعيتها من خلال تمثيل المنعطف الاستراتيجي للعقلانية الأوربية ، الذي لخصه نيتشه في ميدان العدمية في موت الإله ، وسقوط القيم العليا ، ولخصه هيدجر باستحالة الوجود إلى قيمة خاضعة لسلطة الذات والانحلال الكلي للوجود في خطاب القيمة ، وبهذا وصلت العدمية إلى مرحلة اكتمالها ونضجها عن هاتين اللحظتين([74].

إنّ بداية الفلسفة ـ حسب هيدجر ـ تكمن بطرح ( السؤال ) ، وسؤال الفلسفة الذي يريده هيدجر هو الوقوف على باب الكينونة ، والفلسفة ليست إلا علماً للكينونة([75]) ، ولهذا اتجه البعض إلى القول : يكفي أن تكون الفلسفة المعاصرة هيدجرية([76]).

وبعد تحديد ( هيدجر ) للكينونة لم ينسَ إمكانية كشف المعنى التي يمكن أنّ تتأتى        ـ كما يرى ـ من خلال الظاهراتية التي أسفرت ممارساتها المنهجية عن كشف الوجود في عملية الفهم الواعي ، وتفسير الوجود من خلال التأكيد على تُموضع الظاهرة في دائرة الحدث الفكري ([77].

وفي مرحلة أخرى من مراحل اللحظة الهيدجرية تتحول فلسفة الوجود ( Existence ) في نهاية الأمر إلى فلسفةٍ للكينونة ( Being ) ، وتتحول الظاهراتيةة إلى التأويلية
( Hermeneuticism )([78]) وتبدأ مسيرة جديدة في الفكر الفلسفي الأوربي تعالج سلطة الفهم والتأليف وتراعي حقوق عملية القراءة وتُشكك في اكتمال دلالة النص بمعزل عن تلقيه .

وستقود هذه النقطة ـ بالذات ـ إلى الحديث عن علاقة الظاهراتية بالتأويلية ، وبيان أوجه ( النسب ) المعرفي بين المنهجين ٍ.

تعالج الظاهراتية مشكلة فهم الوجود ، والتأويلية تعالج إشكالية الفهم وجوداً ، بوصفه تصوراً ظاهراتياً يراعي خصوصية انفتاح الكائن على ذاته وعلى الوجود ، وكذلك لا تسعى الظاهراتية إلى تفسير العالم من خلال شروطه الممكنة ، وإنّما تهتم بتشكيل التجربة بوصفها لقاءً وجودياً بين الوعي والعالم ، بينما تسعى التأويلية إلى تفسير العالم من خلال الاهتمام بميكانزمات الفهم ، بوصفها لقاءً ظاهراتياً بين الوعي والوجود ، فضلاً عن أنّ الظاهراتية تهتم بصياغة صور الظواهر من خلال إضفاء المعاني والدلالات عليها ، وإكسابها ماهيات تعبر عن خصوصيتها ، في حين أنّ التأويلية تهتم بصياغة الفهم المنبثق من التحليل التنظيمي لصور المعنى ، ورصد إمكانيات تنوع دلالته ، وتحديد المُكون التفسيري لعملية الدلالة ، وتعمل الظاهراتية على الاشتغال على تحليل الظواهر وتفعيل حركة الوعي وقصديته في توظيف حيوية المعنى ، وفي المقابل تعمل التأويلية على الاشتغال على النصوص ببيان بنيتها الداخلية ، ووظيفتها المعرفية والبحث على حقائق مضمرة في النصوص ، وبهذا تحددت الظاهراتية بوصفها فلسفةً في المعنى ، والتأويلية بوصفها فلسفةً في الفهم([79].

ويُحدد ( مركز الظاهراتية العالمي ) العلاقة الوثيقة بين فلسفة الظاهراتية ، وفلسفة التأويلية بوصفهما رافدين يسيران باتجاه واحد ، بمعنى أنّ الدعائم المنهجية والفلسفية لكليهما تكاد تكون متقاربة ، فقد انبثقا ـ في الأصل ـ لأجل تفسير النصوص اللاهوتية ، وتحديد إمكانية الخروج بقراءات معاصرة للنص المقدس ، فضلاً عن إعادة الثقة بالمخزون الدلالي للنص المقدس بعدما عمدت ( الكنيسة ) على فصل الدلالة الحيوية للقراءات الجديدة ، وإبقاء هيمنة الدلالة التقليدية لضمان بقاء سلطة البابوات ، وتفعيل دور المُمثل الدائم للسفارة الإلهية في الأرض([80]، وليس ذلك فحسب ، بل لقد عمدت الظاهراتية وحليفتها التأويلية إلى مساندة حملاتها لتفعيل قراءة النص المقدس وذلك بالالتقاء مع الوجودية والميتافيزيقية في مواطن كثيرة من أهمها([81]) :

  1. الأصل والعودة إلى الأشيـــاء.
  2. التجربة المُعيشة في صلب الحاضر الحيّ .
  3. فهم الذات وتجربة الآخــــر.

إنّ الاتفاق على الأصل الأول هو اتفاق على فكر التأسيس والعودة إلى الشيء نفسه إلى ماهيته وجوهره والبحث عن أصله ، هو الانتقال من فهم الوجود إلى الفهم بوصفه وجوداً ، هو علاقة الجدل بين الاتصال والانفصال ، والاتفاق على الأصل الثاني هو الاتفاق على منهج الوعي اتصالاً مباشراً بموضوعه وإدراك ذاته ، والأصل الثالث يميل إلى إعلان أهمية الجسد ( Body ) بوصفه المساحة الوجودية والعيانيةة التي تتحرك من خلاله التجارب ، فضلاً عن دوره في حمل الإدراك الحسي عبرر الأعضاء المتصلة اتصالاً مباشراً بالعالم الخارجي([82].

إنّ التأويلية تحولت إلى منهجٍ محددِ المعالم ، ذي فرضيات معرفية ، وأبعاد مُعقلنة ، ولم يتسم ذلك التحول إلاّ على يدء ثلاثة من أعلام النقد الظاهراتي الحديث
وهم : ( رومان انكاردن ، وهانز جورج جادامير ، وبول ريكور ).

وتتسم خطوة تحول المعطى التأويلي إلى منهج محدد السمات والمعالم بإثارة مجموعة تساؤلات تبدأ مع القصد المعرفي لهذا التحول ، وتتوسع باتجاه تحديد الأهمية المادية التي ستقدمها التأويلية لمسيرة المناهج النقدية المعاصرة ، وبضمنها ما بعد البنيوية([83].

إنّ الوقفة المتأنية لمسيرة التأويلية وإفرازاتها على الساحة النقدية العالمية تُبرِز أهمية الدور الإستراتيجي الذي مارسته على سبيل التأثير والتبني ، وذلك من خلال مسارين :

الأول : تبني التأويلية بوصفها منهجاً .

الثاني : تبني التأويلية بوصفها آليـة .

المسار الأول انبثق بشكل أساس من المنهج الظاهراتي متبنياً ـ بشكل غير مباشر ـ الصياغات المنهجية في طرق معالجة الوعي والفهم وتحوله ـ أي هذا المسار ـ إلى فلسفة في الفهم ، وفلسفةٍ في تفسيره ، وهذا المسار مثّله ـ كما ذُكِر ـ نماذج ثلاثة :
( إنكاردن ، وكادامير ، وريكور ) ، أما المسار الثاني فقد تأثر بمقتضيات المعالجة المنهجية التأويلية ، وحاول توظيفها في ممارسته المعرفية ، واستخدم التأويل بوصفه آلية تتحدد بخطوات ثلاثة :

  1. الفهــم :     Understanding.
  2. الشـرح : Explanation        .
  3. التفسير : Interpertation        .

ويمكن القول أنّ معظم المناهج النقدية المعاصرة استخدمت التأويل بوصفه آلية بدءاً من ما بعد البنيوية ، مروراً بالسيميائية ، وانتهاءً بالنقد السنوي ، ومنهجية فوكو ، والتحليل الاجتماعي والسياسي لهابرماس ، والطرق المنهجية الأخرى لألتوسير ، وجيمسون ، ولاكـان ، وبورديلارد ، وليوتار ، … الخ .

ومن المهم ذكر أنّ نظريات الاستقبال والتلقي قد انبثقت بشكل مباشر وأساس من التأويلية بوصفها منهجاً ، وحددت رؤيتها في تحليل عملية القراءة من خلال المداخل الفلسفية الظاهراتية ، والمداخل المنهجية التأويلية ، ومن أبرز من مثّل هذه النظريات ( وولف جانج آيزر، وهانز روبرت ياوس ، وستانلي فيش )([84].

يحدد إنكاردن مشروعه التأويلي وفقا للخبرة التي يمتلكها القارئ ، والقصدية التي يستشفها من النص المتسم بالغموض في الصياغة اللغوية ، والمعرفة التي ستواجه تركيب العمل الأدبـي ، أي مواجهة الطرق التي يُدرك بها ، وقد يُعرض النص برؤىً مختلفة ،  وتعمل تلك الرؤى على تسليط الضوء لكشف النصوص الأدبية ، وتوصف بأنها عملية إدراك          (  percetion ) .([85])

إنّ العمل الأدبي طبقا لتأويل إنكاردن له قطبان ( فني وجمالي ) ، يشير القطب الفني إلى أنّ النص هو إبداع الكاتب ، وهو عبارة عن عناصر فنية كونت النص ، والجمالي يُدرك من قبل القارئ ، ولذلك فالعمل الأدبي لا يتماثل تماماً مع النص ولا مع إدراكه ، فهو متوسط بينهما ، وإدراكه بأيّ شكل من الأشكال هو تكوين فردي مستقل عن القارئ ، لأنّه يقع تحت تأثير أنماط مختلفة ، وأنّ وجود العمل الأدبي ـ كما يشير إنكاردن ـ يتطلب نصاً وقارئاً وهو ما يجعل العمل الأدبي وجودا وحياة ، وهذا الوجود لا يُحدد بدقة ولكن يبقى في الحقيقة وجوداً ضعيفا ، لأنّه يُشخص حقيقة النص وفردية القارئ([86]).

 ولا شك أنّ واقعية العمل الأدبي تعطي أهمية النص لأنّها تجعله طاقة حركية ، وقد يقدم القارئ مُدركات عديدة قدمت له من قبل النص ، وتعمل تلك المدركات على ربط الخطوات والرؤى بعضها مع بعض ، وقد تؤدي هذه العملية في النهاية إلى إيقاظ استجابات نفسية ، وكشف بعض السمات الحركية الملازمة للنص([87].

إنّ التحليل الظاهراتي التأويلي يعمل على تفحص الميكانزمات ، والجمل المتشابهة المتفاعلة مع بعضها ، ولذلك أهمية خاصة في النص الأدبي ، بحيث أنّ النصوص التي لا تتفاعل مع حيوية الدلالة لا قيمة لها ، وأنّ العالم الفردي يُقدم بوساطة النصوص الأدبية التي تتكون من الجمل المترابطة عمداً : (  Intentional Sentence Correlatives )          ـ حسب مصطلح إنكاردن ـ ([88]، الذي ذهب إلى أنّ الجمل ترتبط مع بعضها لتشكل وحدات أكثر تعقيدا ، تعطي تراكيب متنوعة من ( رواية ، مسرحية ، نظرية علمية ، … ) وهذا التركيب قد يعطي فيي التحليل عالماً مستقلاً عن غيره بأجزاء وعناصر مميزة له ، وقد تعمل هذه التنوعاتت في الأجزاء على ربط الجمل بتعمد لاسيما المُعقد منها ، وهذه العملية تشكل العمل الإبداعي ، ويطلق عليه إنكاردن : ( العالم الذي قُدِم في العمل الأدبي )([89].   

إنّ المنهج التأويلي الذي يستخدمه انكاردن في مقاربة الجمل يتسم بالدقة والتمفصُل ، لأنّه يرى الجمل عناصر ذات مكونات عدّة ، تحوي أحكاماً واستشهادات ، وهويةً تعمل على ايصال المعلومات ، وتقوم بتأسيس مدركات عدة في النص ، وهذه العلاقة المترابطة تتسم      جزئي قياساً إلى النظام المكون لها ، لأنّ هذه الجمل ليس لها معنى لوحدها ، ولكن يتكون المعنى بترابطها ، وتأخذ معناها الحقيقي من خلال هذا الترابط([90].

وفي مسلك منهجي تأويلي مهم يتساءل مشروع إنكاردن حول كيفية إدراك المتلقي لعملية الترابط بين الجمل ، فتكون المعالجة التأويلية في ذلك عن طريق فهم قطبيّ القراءة          ـ اللذين سبق ذكرهما ـ ولا ينسى إنكاردن التأكيد على أنّ صناعة الجمل أو إيصال المعلومات عبـرها ، محدد بعملية الكفاءة (Competence  ) التي يمتلكها القارئ ، فالجمل ـ يقول انكاردن ـ لا تتوقف على عرضها ، لأنّ ذلك منافٍ لها بوصفها أفكاراً حية ، وطاقات رصد وكشف تغني النص بالمعلومات وتعطي علامات لأشياء مقبلة وتراكيب جديـدة ، وهذه التراكيب تدير حركة النص ، وتشكل السلسلة التنظيمية للتظاهرة النصية([91].

وينتقل إنكاردن إلى مسألة منهجية تأويلية أخرى تتعلق بانسيابية الجمل (Sentence  ) مفادها : أنّ القارئ إذا اُفتتِن بانسيابية الجمل سيستمر بمتابعة الجملة الاخرى المرتبطة بسابقتها ( بتعمد ) ، وإذا لم يكن للجملة في لحظة تلقيها علاقة بسابقتها سيقود ذلك إلى عائقٍ في التفكير ، وتوقفٍ في عملية القراءة ، وسيؤدي إلى خلق ( الفجوة ) المرتبطة بشكل كبير بعنصر المفاجأة المُثيرة ـ في هذه الحالة ـ للتذمر ، وإذا أراد القارئ الاستمرار في عملية القراءة يجب عليه تجاوز هذا العائق ، ولا شك أنّ النصوص الأدبية مليئة بالعوائق من تحولات فكرية ، وانعطافات غير متوقعة ، واحباطات في التوقع … ونحو ذلك ، وسبب ذلك يعود إلى عدم وجودد نصٍ يقال بصورة كاملة ـ حسب تعبير آيزر ـ ([92].

إنّ لهذه الفراغات ( الفجوات ) أهمية في التحليل الظاهراتي التأويلي ، لأنّها تؤثر على حيوية الحدس وعلى عملية استعادة الأحداث ، ولهذا السبب فإن للنص طاقات كامنة وقدرة على العطاء كبيرة ، ولا توجد قراءة واحدة تستنفِد كل القراءات ، إنّ كل قارئ بمفرده سيعمل على ملء هذه الفراغات بطريقته الخاصة .

لقد أعطى التحليل الظاهراتي التأويلي الذي قدمه إنكاردن رصيداً منهجياً لتصور عملية التلقي عند منهجية ما بعد البنيوية من خلال النقاط الآتية :

  1. تتسم عملية القراءة مع جميع النصوص بكونها عملية انتقائية .
  2. إنّ الطاقات الكامنة في النص تقدم قراءات لا نهائية لكل عملية تلقٍ لها .
  3. للنص تنوعات كثيرة ، وتضاريس مختلفة ، وصور وتضمينات عدة تختلف عملية تحصيلها بالنظر إلى اختلاف مستويات إدراكها .
  4. وقد تتجه عملية القراءة بالاتجاه المعاكس لطرق توالد دلالاتها ، فتكون ـ أي عملية القراءة ـ كاشفة لسوء التلقي ، والخلل الدلالي ، واللاتوازن المُدرَك من خلال انفصال الترابط بين أجزاء التراكيب في النص ، وقد تمثّل هذا الأتجاه بشكل أساس عند ما بعد البنيوية بمدرسة ييل الامريكية ، وسيأتي بيانها في الفصل الثانـي .
  5. ستكشف عملية التلقي عن الروابط التي تشدّ القارئ لنصٍ معين ، وعن أسباب اهتمامه دون غيره ، ولهذا أهمية في بيان قصدية النص من جهة ، وتفعيل إدراكه من جهة أخرى ، وقد اتسمت منهجية ما بعد البنيوية بحيوية الاستجابة النصية لمدركات القارئ ، بحيث لا يمكن الوصول إلى حدّ نهائي للدلالة ، فالدلالة مفتوحة ، والمدلولات تتسم بالغياب .

     أما منهجية ( جادامير) فتتسم بالمقارنة بين العالم المثالي للعمل الفني والعالم الحقيقـي ، والتركيز على مفهوم الإدراك بوصفه منهجَ فهمٍ ، والنظر إلى العمل بوصفه مُجسِداً لوحدة المعنى ، ومانحاً التعالي لتلك الوحدة ، فضلا عن عدّه عنصر ( الوعي ) مبدأً منهجياً ، يمكن من خلاله فصل الاختلافات في التاريخ أو اللغة أو الثقافة عن عملية الفهم ، ثم الانفتاح على المزيد من الاختلافات([93]، إنّ الخصوصيـة التي تميـز منهجيـة ( جادامير ) تكمن في ربطه بين أطراف عدّة وفقا للمعادلة الآتية : ( منهجية جادامير الظاهراتية التأويلية  =  فلسفة الفهم التاريخي + علم الجمال الادراكي + التأويلية ) ، وترتكز هذه المعادلة على إضفاءء أبعاد فلسفية للتأويل تنبني على وجودية اللغة ، وعلى الحقيقة التي تحاول الذاتت الوصول لها([94].

   ويمكن تحديد أهم الخطوات المنهجية لكادامير التي رفدت المسيرة المنهجية لما بعد البنيوية بما يأتي :([95])

  1. اجتراح مفهوم التباعد بين الذات والموضوع ، ويُعدّ هذا المفهوم هو منشأ الاغتراب في جميع الثقافات الحديثة . و( المنهج ) ببعده المعرفي هو منبع التباعد .
  2. يُعدّ الفهم سمة من سمات الإنسان الجوهرية ، وبذلك انتقلت قضية الفهم من المستوى المعرفي إلى المستوى الوجودي .
  3. تمكين الإنسان من التخلص من الأفكار القبلية ، ورفع شأن العلوم الإنسانية التي تمدّ الإنسان بنوع من المعرفة كفيلة بصوغ بعض المعايير التي تساعده على تطوير إمكانيات فهمه وإدراكه للحياة ، ويتم ذلك وفقاً لمبدأ منهجيّ أطلق عليه كادامير        ( الوعي التأويلي :  Hermeneutical Consciousness ) .
  4. كشف قيمة البعد التأويلي وإبراز أهميته الاستراتيجية لمجمل فهم العالم في تجلياته المختلفة بدءاً من عمليات التواصل وصولاً إلى عمليات التلاعب في الصيغ الاجتماعية([96].
  5. كشف الطابع اللغوي لكل تجربة إنسانية في العالم ، وتحليل المستوى اللغوي للسلوك الإنساني المرتبط بالعالم .
  6. تستند السلطة التأويلية على تسليم دوغمائي ، وعلى صيرورة تاريخية محكومة بطريقة الفهم الأيديولوجي .
  7. التركيز على مجموعة من المفاهيم المرتبطة ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ بعملية الإدراك والفهم ، ومنها : ( التاريخية ، التحيز ، السلطة ، إصلاح التأليف ، نقد الأيديولوجيا ، فاعلية التاريخ )([97]).
  8. مهمة التأويلية تتحدد بعالم المعنى ، أي أنّ فلسفة التأويلية تقتضي الاعتراف بالصراع المستمر لأجل تصيّد المعنى الذي سيصل مع طروحات ما بعد البنيوية إلى مرحلة اللانهاية([98].
  9. مشكلة التأويلية هي مشكلة قدرات الوجود الإنساني في ضمان وجود تواصل بين المعطى اللغوي العام ، ولغة النص ولذلك يقرر جادامير : ” ينبغي أن نُؤول النص لأنه ينبغي أن نفهم دلالته “([99].
  10. رفد كادامير معطيات ما بعد البنيوية بمفهوم ( اللّعب ) الذي عدّه وظيفة للحياة الإنسانية ونوعاً من التمثيل الذاتي ، وممارسة لإعادة تكوين النص ونشوئه طبقاً لعملية الفهم ،     و( اللعب ) كما يراه ( جادامير ) هو بعدٌ وجوديٌ لإعطاء التأويلية خبرة جمالية ودلالية([100]).

أما معطيات بول ريكور فقد كان لها رصيدٌ فلسفيٌ من فلسفة اللاهوت مع كارل ياسبرز   (-1969) ، وجبرائيل مارسيل (-1973) ، وفلسفة الظاهراتية مع هوسرل وهيدجر ، وفلسفة التعالي والنقد مع ( كانت ) هذا من جانب ، ومن جانب آخر ارتفع الرصيد الفلسفي لريكور مع مُعلميّ الشك الثلاثة كما دعاهم ـ وهم ( ماركس ، ونيتشه ، وفرويد )([101]).

لقد كانت التأثيرات الفلسفية مختلفة في فكر ريكور ، لكن حصيلتها النهائية كانت تدور حول استثمار إمكانيات التأويل ، ومعالجات اللغة كما برزت عند الفلاسفة السابقين ، وقد أسهمت تلك الحصيلة في بلورة المعطى المنهجي لفلسفة ريكور.

يميز ريكور بين نوعين من التأويلية ([102]):

  1. 1. التأويلية العلمانيـة  :   Secularism Hermeneuticism.
  2. التأويلية الدينيــة :   Religionism Hermeneuticism.

النوع الأول هو لعلمنة الفعل الأسطوري ، والثاني لإسترجاع المعنى ، أي : استرداد المعنى الروحي ، وقد شكّل هذان النوعان إشكالية منهجية أُطلِق عليها : إشكالية المستوى التأويلي أو إشكالية تعدد المعنى ، لأنّ التأويلية تسعى إلى فتح عالم العلامات لتفسير الغموض وتعدد إمكانية اقتناص المعنى انطلاقاً من ممارسة فعل التأويل في عالمٍ نصيّ غير مكتفٍ بذاتـه ، وقد حَكمَت ثنائية ( الفهم / التأويل ) مسار النوعين السابقين ، فالفهم هو المعرفة التي تتم بوساطة رموز نفسية ، وبوساطة التطابق مع قصدية المؤلف والتوافق معه ، وإعادة إنتاج العملية الإبداعية ، أما التأويل فيعطي درجة الموضوعية المتحققة بفعل التثبيت والمحافظة اللذين تلحقهما الكتابة بالرموز النفسية ، ولذا فالتأويل ـ حسب ريكور ـ هو إعادة إنتاج التجارب المُعيشة([103].

وتُوصف بحوث ريكور التأويلية بأنّها مشروعٌ عقلي لإقامة فلسفة كبرى للغة تهتم بالوظائف العديدة للدلالة عن الفرد البشري ، وبعلاقاتها المتعددة فيما بينها ، وقد بدأ هذا المشروع مع الأنا التأويلية المتجه نحو إذابة الكوجيتو الديكارتي لتقديم المعنى وإنعاش مسيرة الرموز ، وكشف الحُجب التي تُغلف المعنى ، ومن هذا المنطلق انبثقت بحوث ريكور حول فلسفتيّ الإرادة واللغة([104].

ويمكن إجمال أهم المعطيات التي منحها ريكور لمعطيات ما بعد البنيوية بما يأتي :([105])

  1. توضيح فاعلية الاستعارة في صنع المفاهيم .
  2. توضيح العلاقة بين الأيديولوجية واليوتوبيا ، الأولى بوصفها تأكيداً رمزياً للحظة الماضية ، والثانية بوصفها انفتاحاً رمزياً على المستقبل .
  3. يُشكل النص وساطة بين الإنسان والعالم ، وبين الإنسان والإنسان ، وبين الإنسان ونفسه ، الوساطة الأولى هي ( المرجعية ) ، والثانية هي ( الاتصالية ) ، والثالثة هي ( الفهم الذاتي ) .
  4. لا يمكن فهم الوجود الإنساني وإمكاناته إلا من خلال تحليل الرموز والنصوص التي تشهد على ذلك الوجود .
  5. عالم النص ـ حسب ريكور ـ هو العماد الذي ترتكز عليه المهمة التأويلية لتفسير العالم وتوضيحه .
  6. التأكيد ـ بشكل أساس ـ على مفهوم ( الكتابة ) ووضعها في سياق علاقة الإنسان بالعالم .
  7. يشكل التأويل الموضوع المركزي لنظرية المعنى المتعدد ، وحيثما وُجِد التأويل وُجِد الابتكار الدلالي .

وقد كانت الأبعاد المعرفية لمعطيات ثلاثي التأويلية : ( انكاردن ، وجادامير ، وريكور ) مَعيناً أساسياً للتنظيمات المنهجية لنظريات التلقي ، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال طروحات منظريّ التلقي ، وأبرزهم ( آيزر ، وياوس ، وفيش ) ، وسيتم الحديث عنهم في المحور القـادم .

ثالثاً : معطيات نظريات الاستقبال والتلقي :

في البدء يمكن تقديم بعض الإجراءات المنهجية حول مسائل نقدية تتعلق بنظريات الاستقبال والتلقي([106]) ، وتندرج هذه الإجراءات حول مسألتين :

الأولى : استراتيجية المصطلـح .

الثانية : التنوع المنهجي والدلالي .

فيما يخص المسألة الأولى يجب التفريق بين المصطلحات الآتية :

  1. نظرية الاستقبـال .
  2. نظرية التلقــي .

فالمصطلحان لا يُحيلان إلى مفهوم واحد ، بل لا ينتميان إلى بيئة واحدة ، فنظرية الاستقبال وُلدت في النقد الأمريكي الحديث ضمن ما يعرف بـ( النقد الأنجلو ـ أمريكي ) ، ويتحدد بمجموعة من النقاد من أهمهم : ( جوناثان كيلر ، ونورمان هولاند ، وديفيد بليش ، ومايكل ريفاتير ) ، أما نظرية التلقي فقد وُلدت في ألمانيا ، منبثقة بشكل مباشر من معطيات الظاهراتية والتأويلية ، ومِن أهم مَن مثلها : ( آيزر ، وياوس ، وفيش ) .

أما فيما يخص المسألة الثانية ، فيجب تحديد المنطلقات المنهجية لكل ناقد في ميدان النظرتين السابقتين كي تتضح الصورة النقدية المنهجية لمعطيات نظريات الاستقبال والتلقي بشكل دقيق ، ويمكن إيضاح ذلك كالآتي :

  1. نظريات الإستقبال الأمريكية :

ـ جوناثان كيلر         = نظرية القدرة الأدبية .

ـ نورمان هولاند       = نظرية هوية النـص .

ـ ديفيد بليــش       = نظرية الأثر النفسي في الاستقبال .

ـ مايكل ريفاتير        = نظرية دور العلامات في الاستقبال .

  1. نظريات التلقي الألمانية :

ـ وولف جانج آيـزر  =  نظرية النصية وعملية التلقـي .

ـ هانز روبرت ياوس  =  نظرية جماليات التلقــــي .

ـ ستانلي فيـــش    =  نظرية الأسلوبية التأثرية والتواصل في عملية التلقي .

 إنّ نظريات الاستقبال والتلقي تُعدّ صدى للتطورات الاجتماعية والفكرية والأدبية في أمريكا وألمانيا ، وليس بين الجانبين أي رابط ، ووجوه التماثل بينهما سطحية ، وتجريدية في المنظور النقدي العام ، فإرهاصات نظرية التلقي الألمانية تتمثل بـ( الشكلانية الروسية ، وبنيوية مدرسة براغ ، وظاهراتية انكاردن ، وتأويلية كادامير ، واجتماعية الأدب ) ، أما نظريات الاستقبال الأمريكية فإرهاصاتها تتمثل بشكل كبير بـ( الذرائعية ، والوجودية ، ومعطيات جومسكي )([107].

وقد أسهمت معطيات نظريات الاستقبال والتلقي في تفعيل ممارسة القارئ في المنظور النقدي لما بعد البنيوية بشكل كبير لا سيما في إطار نقاد مدرسة ييل الأمريكية التي تبنت حيوية الطرح النقدي لهذه النظريات ، موظفةً إيّاها في معطياتها عن ( نية القراءة ، وسوء القراءة ، والتلقي السلبي ، وتعدد أوجه الاستقبال ، ولا نهائية المعنى ، … الخ ) ، ولكنّ البحث سيقتصر في هذا المحور على نظريات التلقي ، لأنّهاا تُشكل امتداداً للمحور السابق ، ولأن انبثاقها كان نتيجة الاعتماد على الأسسس الظاهراتية والتأويلية في الارتداء الفكري والنقدي المطروح في ثنايا معطياتها ، فضلاً عن أثرها الكبير في تفعيل الممارسات النقدية التي سارت جنباً إلى جنب مع معطيات ما بعد البنيوية على صعيد التلقي ، وأوجه المعنى المختلفة .

تتحدد معطيات ( آيزر ) بالاهتمام بالنص والمتلقي على حدّ سواء ، ويشبّه النص على أنّه هيكلٌ عظمي ، أو جوانب تخطيطية يقوم المتلقي بتحقيقها أو تجسيدها ، ويقيم علاقات بين الرموز المختلفة في النص ، ويضفي عليها التماسك والتآلف([108]. ويحتل القارئ عند آيزر مكانة فاعلة في تشكيل وحدات كلية خلال عملية مشاركته في إنتاج المعنى ، ويتم تشكيل تلك الوحدات من خلال تجاوز فجوات النص ، وتحقيق إنسانية الجمل وهو بذلك يقترب بل يتبنى طرح إنكاردن حول فجوات النص وإنسيابية الجمل ، فضلاً عن توجه آيزر إلى إبداع مقولة السلب ( Negation ) التي يعدّها أساس نظريته في النصية والتلقي ، ويرى أنّ الأدب الجيد يتميز بما فيهه من سلب لعناصرَ بعينها ، وعندما يشمل السلب التوقعات أو النزعات التي لا تتجاوز أفق القارئ تكون خاصية السلب عاملاً مُحدِداً للقيمة الأدبية ، وتُعدّ نظرية السلب لآيزر نظرية ذات أهداف مُتممة لمشاريع : نيتشه ، وهيدجر ، وأدورنو ، ودريدا([109].

ويرتكز آيزر على فرضيات ( الجشطالت ) في تكوين الوحدة الكلية ، وخلق التماسك الدلالي لفهم النص ، والقراءة عنده هي إعادة تركيب مستمر للتجربة ، وهي عملية جدلية للاتصال بالنص ، الذي يُعاد فيه تنظيم الأجزاء المكونة للوجود الملموس في صيغ كلية ، وتندمج هذه الأجزاء في مستويات أعلى من التماسك والتوافق والتلاؤم بالاعتماد على القارئ لا على بنية العمل الإبداعي ، وبذلك لا يمكن فصله عن العوامل الذاتية([110]).

وقد حاول آيزر الخروج من الثنائية التقليدية ( الذات / الموضوع ) ، وذلك بالتركيز على القارئ ، وتفسير هذه الثنائية ضمن حدود القارئ نفسه ، وربطه جميع التحليلات اللغوية الكاشفة لتجربة النص بتصورات القارئ الخاصة ، وذكر أيضاً أنّ على القارئ أن يكشف بنفسه فعاليات النص ، ويتمكن من تفسير تجربة العالم التي يتضمنها ، ولن يعود النص والقارئ يواجه أحدهما الآخر على صعيد ثنائية ( الذات / الموضوع ) ، وإنّما تحدث هذه الثنائية داخل القارئ نفسه([111]. إنّ خصوصية آيزر تكمن في مصطلح : القارئ المُضمَن  (The Implied Reader  ) أو القارئ الضمني الذي يخلقه النص لنفسه ، ويرقى إلى شبكة من البنى التي تستدعي الاستجابة ، ويتحتم على وعي القارئ ـ وفقا لتحديد آيزر ـ أن يقوم ببعض التعديلات الداخلية لكي يتلقى ويستوعب الآراء الغريبة التي يقدمها النص حين تتم عملية القراءة ، بمعنى أنّ القراءة تعطينا الفرصة لصياغة ما ليس مصوغاً([112].

أما معطيات ( ياوس ) فتتحدد بشكل أساس بنظرية جماليات التلقي ، ومصطلح : أفق التوقعات ( Horizon of Expectations ) ، وقد أعطى ياوس بعداً تاريخياً للنقدد المُوجه للقارئ ، وأراد التوفيق بين معطيات الشكلانية التي تتجاهل التاريخ ، وبينن النظريات الاجتماعية التي تتجاهل النص ، فضلاً عن تبنيه لرأي كادامير القائل : إنّ تأويلات الأدب تنبع من حوار بين الماضي والحاضر([113].

لقد حاول ياوس التغلب على ثنائية ( شكلاني ، ماركسي ) من خلال تقديمه لوصفِ عملية الجدل بين الإنتاج والتلقي ، فهو من جهة يلبي المطلب الماركسي في الوسائط التاريخية عن طريق وضعه الأدب في السياق الأوسع للأحداث ، ومن جهة أخرى احتفظ ياوس بالمُنجز الشكلاني عن طريق إحلاله الذات المدرِكة في المركز من اهتماماته ، وقد تمّ لعملية الجدل هذه تكاملاً وتآلفاً في معطى ياوس عن طريق تقديم مصطلح ( أفق التوقعات ) الذي يُعدّ الركيزة المنهجية لنظرية جماليات التلقي([114].

وقد عمل بارت على تفصيل مصطلحه من خلال اقامة المفهوم ، بمعنى تكوين مفاهيم جديدة تدور في فلك المصطلح الأول ، وتحمل معه التنظيم المنهجي للطرح الجمالي لعملية التلقي ، ومنها : أفق التجربة ( Horizon of experience ) ، وبنية الأفق  ( Horizon structure ) ، والتغير في الأفق ( Change in Horizon )) ، والأفق المادي ( Material horizon ) .([115])

أما معطيات ستانلي فيش فتعكس الإسلوبية التأثرية ( Affective stylistic ) في توجهها نحو استجابة القارئ المتطورة في علاقتها بمفردات الجمل عند تعاقبها فيي حيز الزمان ، ويكون توقع القارئ للمعنى مكيفاً على نحو مستمر ، أي أنّ المعنى هو الحركة الكلية للقراءة([116]. وتتلخص معطيات فيش في مصطلح تجربة القارئ ( The Reader’s Experience)  فمعرفة المتكلم الدلالية تمكنه من معرفة معنى الكلمات المفردة وكيفية تأليف تلك المعاني بحيث تكون منسجمة([117].

وأخيراً يمكن تحديد الفرق المنهجيّ الدقيق بين نظرة النقد الألماني للقارئ والتلقي ، والنظرة النقدية لما بعد البنيوية بالقول : ” حين أزاح منظرو التلقي البؤرة التفسيرية لديهم من النص إلى القارئ ، أزاح نقاد ما بعد البنيوية كل بؤرة

الهوامش: 

([1]) أصل الأخلاق ، ت : حسن قبيسي : 89 .

([2]) ينظر : مبادئ الفلسفة ، ديكارت ، ت : عثمان أمين : 54 ـ 59 .

([3]) ينظر : تأملات ميتافيزيقية ، ديكارت ، ت : كمال الحاج : 103 ، 193 .

([4]) ينظر : رسالة في اللاهوت والسياسة ، سبينوزا ، ت : حسن حنفي : 194 ـ 195 ، 360 ـ 361 .

([5]) أعلام الفلاسفة ، هنري توماس ، ت : متري أمين : 222 .

([6]) ينظر : المونودولوجيا : 90 ـ 91 .

([7]) ينظر : أعلام الفلاسفة : 280 ـ 281 .

([8])  Critique of judgment , kant , in : Deconstruction in context , Mark  Taylor : 35 .

وللاستزادة ينظر : إمانوئيل كانت ، عبد الرحمن البدوي : 163 ـ 165 . كانت ، زكريا إبراهيم :  16 ـ 17 .

([9]) ينظر : نحو السلام الدائم ، ت : نبيل الخوري : 15 ـ 16 .

([10]) فلسفة نيتشه ، أويجن فنك ، ت : إلياس بديوي : 4 .

([11]) أعلام الفلاسفة : 72 .

([12]) ينظر : طريق الفيلسوف ، جان فال ، ت : أحمد حمدي محمود : 490 ، 515 .

([13]) محاضرات في فلسفة التاريخ ، هيجل ، ت : أمام عبد الفتاح : 73 . وينظر :           Phenomenology of spirit , Hegel , in : Deconstruction in context : 67 – 70 . The philosophy of Hegel , G . Mure : 112 , 157 .                                                                                                  

([14]) ينظر : تحطيم العقل ، لوكاتش ، ت : إلياس مرقص : 2 / 10 ـ 14 .

([15]) ينظر : ميتافيزيقا الارادة ، كمال البكاري : 8 ـ 13 .

([16]) المصدر نفسه : 110 .

([17]) أصل الأنواع : 190 .

([18]) أثر الفكر الدارويني في البحث اللغوي ، عبد الله احمد ، مجلة البصائر ، العدد 3 لسنة 1997 : 73 .

([19]) ينظر رأس المال ، ماركس ، ت : فالح عبد الجبار وآخرون : 1 / 67 ، 2 / 19 .

([20]) ينظر : المادية التاريخية : 47 ، 191 .

([21]) نيتشه : التأويل .القراءة . الكتابة ، مصطفى كاك ، مجلة الكرمل ، العدد 19ـ20 لسنة 1986 : 296.

([22])  See : Marx . Aphilosophy of human Reality , Michel Henry : 54 , 265 .

([23]) نيتشه والفلسفة ، جيل دولوز ، ت : اسامة الحاج : 5 .

([24]) ينظر : أعلام الفلاسفة : 27 ـ 28 .

([25]) ينظر : أعلام الفلاسفة : 320 ـ 323 . وينظر : Thus Zarathustra spoken , Nietzsche : 126 – 127 .

([26]) من المهم ذكر أنّ ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ( 1914 ) حولت هذه الفلسفة إلى واقع ، وقد تمثل نموذج السوبرمان في شخصية هتلر (- 1945 ) النازي ، ثم أصبحت هذه الفلسفة دين الدولة بعد تبني هيدجر لها ، ينظر : تحطيم العقل : 129 ، 134 .

([27]) ما وراء المنهج : 283 .

([28]) المصدر نفسه : 289 .

([29])  The will to power , Nietzche , in : Deconstruction in context : 191 .

([30]) ينظر : فلسفة العلو ( الترانستدنس ) ، شتروفة ، ت : عبد الغفار مكاوي : 54 ، 127 .

([31]) ميتافيزيقيا الإرادة : 5 .

([32]) أصل الأخلاق : 156 .

([33]) إنساني مفرط في إنسانيته ، ت : محمد الناجي : 12 .

([34]) أصل الأخلاق : 85 . وينظر : أُفول الأصنام ، ت : حسّان بورقية ومحمد الناجي : 56 .

([35]) ما وراء الخير والشر ، ت : محمد عُضيمة : 178 .

([36]) ينظر : ميتافيزيقيا الإرادة : 75 ـ 76 . The will to power , in : deconstruction in Context : 191 .

([37]) ينظر : المصدر نفسه : 136 ، 148 .

([38]) تحطيم العقل : 125.

([39]) المصدر نفسه : 137 .

([40]) ينظر : فلسفة نيتشه : 153 ، 184 .

([41]) ينظر : العلمانية تحت المجهر ، عبد الوهاب المسيري وعزيز العظمة : 14 ، 20 .

([42]) ينظر : نظرية القيم في الفكر المعاصر ، صلاح قنصوة : 38 ـ 154 .

([43]) ما هي الفلسفة ، جيل دولوز ، ت : مطاع صفدي : 28 .

([44]) المناحي الجديدة في الفكر الفلسفي المعاصر ، سالم يفوت : 25 .

([45]) ينظر : ميتافيزيقيا الإرادة : 66 ، 71 .

([46]) نيتشه . التأويل . الكتابة : 296 .

([47]) فتح أمريكا ، ت : بشير السباعي : 264 .

([48]) الحداثة في الفلسفة ، ت : علي حقي ، مجلة العرب والفكر العالمي ، العدد 6 لسنة 1989 : 37 .

([49]) مثلث الفلسفة ، علي حرب ، مجلة العرب والفكر العالمي ، العدد 13 ـ14 لسنة 1991 : 230 .

([50]) ما الحداثة ، ت : كاظم جهاد : 105 .

([51]) ينظر : نظرية القيم : 155 ـ 157 .

([52]) العلم الجذل ، نيتشه ، ت : سعاد حرب ، مجلة إتجاه ، العدد 18 لسنة 2001 : 135 .

([53]) ينظر على سبيل المثال لا الحصر : مدخل إلى الفلسفة الظاهراتية ، انطوان خوري . الفينومينولوجيا عند هوسرل ، سماح رافع . الخبرة الجمالية ، سعيد توفيق . في الفكر الغربي المعاصر ، حسن حنفي .

([54]) أطلق أنطوان خوري مفهوم العنيّ للإشارة إلى مفهوم القصد عند الظاهراتية ، وهي ترجمة لا أصــل لهـا ، ينظر : معنى العني في قصدية هوسرل ، أنطوان خوري ، مجلة الفكر العربي المعاصر ، العــدد   18 – 19 لسنة 1982 : 57 – 63 .

([55])   Phenomenlogy , Edmund Husserl , in : Deconstruction in context : 121 .

([56]) مثلث الفلسفة : 230 .

([57]) ينظر : الفينومينولوجيا عند هوسرل : 30 ـ 31 .

([58]) الفينومينولوجيا عند هوسرل : 44 .

([59])  See :The Phenomenlogy, theory of meaning , in : the hermenentits Reader, Kurt vollmer : 165-167.

([60]) دليل الناقد الأدبي : 214 .

([61]) ينظر : الفلسفة الألمانية الحديثة ، روديجر بوبنز ، ت : فؤاد كامل : 57 ـ 135 .

([62]) أُخذت هذه المعالم بتصرف من كتابين اثنين هما :

The Phenomenlogy theory  of meaning , A. Husserler , in : the hermeneutics Reader : 165-167.

والفينومينولوجيا عند هوسرل : 194 ، 215 .

([63]) من المهم ذكر أنّ هيدجر من المؤيدين النشطين للنازية ، لأنه يرى فيها ظهور المسيح العلماني ، ومسيرة هيدجر الفلسفية كانت نابعة من مسيرته السياسية ما بين : التربيــة اليسوعيــة ، والتذمر البروتستناتي ، والذرائعية ، ورجل دين ، والالحاد في المرحلة الأخيرة من حياته ، ينظر :

Heidgger Deconstructed , Peter Leithart : ( Internet ) .

([64]) الخبرة الجمالية : 79 .

([65])  see : Literary Theoy : 60 – 62 .

([66])   Directions for criticism ,M . Krieger & L . Dembo : 94 .

([67]) الوجودية ، جون ماكوري ، ت : امام عبد الفتاح : 91 .

([68]) الوجودية : 97 .

([69])  The end of the philosophy and the task of thinking , in : Deconstruction in context : 220 .

([70]) ينظر : الميتافيزيقيا ، ت : آمال أبو سليمان ، مجلة العرب والفكر العالمي ، العدد 4 لسنة 1988 :    53 ـ 54. وينظر : ما الفلسفة ؟ ما الميتافيزيقيا ؟ ، ت : فؤاد كامـل ومحمود رجـب :113ـ114 .

([71]) ينظر : مبدأ العلة ، هيدجر ، ت : نظير جاهل : 51 ، 111 . الإبداع بين نيتشه وهيدجر ، هيدجر ،  ت : جورج كتورة ، مجلة العرب والفكر العالمي ، العدد 7 لسنة 1989 : 44 ـ 45 .

([72]) هيدجر قارئاً نيتشه ، سعاد حرب ، مجلة العرب والفكر العالمي ، العدد 4 لسنة 1988 : 3 .

([73]) ينظر : المصدر نفسه : 10 ـ 12 . نداء الحقيقة ، هيدجر ، ت : عبد الغفار مكاوي : 350 ـ 352 .

([74]) ينظر : نهاية الحداثة ، فانتيمو ، ت : فاطمة الجيوشي : 3 ، 24 .

([75]) هيدجر والسؤال عن الزمان ، دستور ، ت : سامي أدهم : 35 .

([76]) ينظر : نقد العقل الغربي : 17 ـ 20 .

([77])  The phenomenology and general Antology , in : the Hermeneutics Reader : 215 .

([78]) ينظر : الفلسفة الألمانية الحديثة : 40 ، 70 .

([79]) ينظر : الفينومينولوجيا وفن التأويل ، محمد شوقي الزين ، مجلة فكر ونقد ، العدد 16 لسنة 1999 : 71 ـ 75 .

([80])  See : Center for Advanced Research in phenomenology : ( Internet ) .

([81]) ينظر : الفينومينولوجيا وفن التأويل : 82 ـ 83 .

([82]) ينظر : الفينومينولوجيا وفن التأويل : 82 ـ 83 .

([83])  Modern Literary theory :  95 .

([84])  See : Modern Literary Theory : 95 – 97 .

([85])   On the Cognition of the Literary work in Art , in : the Hermeneutics Reader : 187 .

([86])   The Reading  process , A phenomenological  Approach , W. Iser, In : Modern Literary theory : 97.

([87]) -(5) Ibid : 98 .

(1) –(2) See : On the Cognition of the Literary work in Art , in : the Hermeneutics Reader : 188 – 189 .

([91])-(4) See : The Reading  process , Aphenomenological Approach , in : Modern Literary theory :     99 – 100 .

([93]) ينظر : ما وراء الهيـرمينـوطيقا ، ديفيد هـوي ، ت : خالدة حامد ، مجلة الثقافة الأجنبيـة ، العدد 4     لسنة 2001 : 19 ـ 21 .

([94]) ينظر : نظرية التأويل ، مصطفى ناصف : 33 ـ 34 .

([95])  See : Truth and method in Gadamer’s Hermenentic philosophy , Akan Erguden , Alif’s journal , No . 8 , 1988 : 6 – 10 .

([96]) Historical in understanding,  H.G. Gadamer , in : The Hermeneutics Reader : 256 .

 (3) Ibid : 274 .

([98]) ينظر : التأويل واللغة والعلوم الإنسانية ، ت : محمد شوقي الزين ، مجلة فصول ، العدد 4 لسنة 1998 : 341 ـ 342 .

(1)    تجلي الجميل ، تحرير : روبرت برناسكوني ، ت : سعيد توفيق : 98 .

(2)    المصدر نفسه : 122 .

 ([101]) بين التراث واليوتوبيا ، ريتشارد كيرني ، في كتاب : الوجود والزمان والسرد . فلسفة بول ريكور ، تحرير : ديفيد وورد ، ت : سعيد الغانمي : 105 . وينظر : نظرة شاملة على الفلسفة الفرنسية ، جان لاكروا ، ت : يحيى هويدي وأنور عبد العزيز : 45 ـ 46 .

 ([102]) ينظر : إشكالية ثنائية المعنى ، ريكور ، ت : فريال جبوري غزول ، مجلة ألف ، العدد 8 لسنة 1988 :  137ـ 138 .

([103]) ينظر : النص والتأويل ، ت : منصف عبد الحق ، مجلة العرب والفكر العالمي ، العدد 3 لسنة 1988 :  41 ـ 42 .

([104]) ينظر : نظرة شاملة على الفلسفة الفرنسية : 50ـ51 . فلسفة اللغة ، ت : علي مقلد ، مجلة العرب والفكر العالمي ، العدد 8 لسنة 1989 .

([105]) للاستزادة ينظر : الوجود والزمان والسرد . فلسفة بول ريكور : 47 ، 167 . البلاغة والشعرية والميتافيزيقيا ، ريكور ، ت : مصطفى الخال ، مجلة فكر ونقد ، العدد 16 لسنة 1999 :      112 ـ 115 .

([106]) سيعتمد هذا المحور بشكل أساس على كتب ثلاثة هي : نظرية التلقي ، روبرت هولب ، ت : عز الدين إسماعيل . ونقد استجابة القارئ من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية ، تحرير : جين تومبكنز ، ت : حسن ناظم وعلي حاكم . وكتاب : Modern Literary Theory : P. Rice & P. Waugh  .                                         

([107]) ينظر : نظرية التلقي : 35 ـ 37 .

([108]) المصدر نفسه : 203 .

([109]) ينظر : نظرية التلقي : 223 ـ 225 .

([110]) ينظر : المعنى الأدبي : 44 ، 61 . وضعية التأويل ، آيزر ، ت : حفو نزهة ، مجلة سال ، العدد 6 لسنة 1992 : 81 ـ 83 .

([111])  See : The Reading  process , in : Modern literary theory : 103 – 104 .

([112]) النظريات الموجهة نحو القارئ ، رامان سلدن وبيتر بروكس ، ت : محمد نور ، مجلة الآداب الأجنبية ، العدد 106 ـ 107 لسنة 2001 : 109 .

([113]) المصدر نفسه : 111 . وينظر : جمالية التلقي ، ياوس ، ت : سعيد علوش ، مجلة الفكر العربي المعاصر ، العدد 38 لسنة 1986 .

([114]) ينظر : نظرية التلقي : 152 ـ 154 .

([115])  See : Literary Hitory as achallenge to literary theory , Jauss , in : Modern Literary Theory :          108 – 110 .

([116]) النظريات الموجهة نحو القارئ : 114 .

([117]) نقد استجابة القارئ : 163 .


((Follow our page)) مواقع تابعة لمجموعة الحداثة وما بعد بعد الحداثة Modernité Et Le Post-Postmodernisme :
https://www.facebook.com/post.postMODERNISME
https://telegram.me/Postmodernism2
http://post2modernisme.blogspot.com
https://modernitysite.wordpress.com
https://twitter.com/POSTMODERNISME2
https://www.google.com/+MichelFoucaultphilosophe2022
https://plus.google.com/u/0/me
https://plus.google.com/u/0/collection/8Rv6cB
https://www.youtube.com/channel/UCi4D73PnR_sWkwOV-ruqz8Qقناتنا على اليوتيوب

ويمكنكم مراسلتنا على البريد الالكتروني لارسال البحوث والمقالات والاستفسار
modernity2022@gmail.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s